الأضحى في تونس: طقس للتواصل والمتعة وطرد الجن والشياطين

تستنفر العائلات التونسية قبل بضعة أيام من عيد الأضحى، أو "العيد الكبير"، كما يطلق عليه التونسيون؛ فتشهد الأسواق حركيّةَ غير اعتيادية، وسط إقبالٍ كبيرٍ على شراء أضاحي العيد بناءً على رغبة الأطفال، فضلاً عن ابتياع السكاكين وكلّ أدوات الشواء، حيث تختلط طقوس ذبح الأضحية بالسحر، وإبعاد العين الشريرة، والاعتقاد بطرد الجن والشياطين.
وتقوم ربّات البيوت بإدخال تحسينات على "ديكور" المنزل، وتنظيف أركانه، وجعله في حلّة تليق به أمام الضيوف والزيارات الكثيرة خلال هذه المناسبة المهمة.

تعمد المرأة لتلقّي أولى قطرات دم الأضحية في آنية إلى أن تجفّ حيث يتم لاحقاً تبخير الأطفال بها

ومن بين أبرز العادات التي تقوم بها العائلات التّونسية، بعد شراء الأضحية، تخضيب الخروف بالحنّاء، وهو ما يدلّ على الحفاوة التي تُستقبل بها الأضحية، بالإضافة إلى كلّ أصناف الزينة التي قد يُبدعها الأطفال، ليخرجوا كل صباح بخروفهم يتباهون بقرونه وزينتهم، وتشهد بعض الساحات الشعبية حلقات من نطاح الكباش، التي تنتهي غالباً بهزيمة أحدهم.
ويحرص بعض التونسيّين على تحضير قائمة بأسماء العائلات الفقيرة، والأصدقاء الذين ستوزّع عليهم اللّحوم، إذ تعتبر هذه المناسبة فرصةً للتكافل الاجتماعي، حيث يُهدى ثلث الخروف للأقارب، بينما يُعطى الثلث الآخر للفقراء.
كما تعمل عديد من الجمعيات الخيريّة على توفير الأضاحي للمحتاجين، أو تجميع حصصٍ من اللحوم لتوزّعها على بعض العائلات غير القادرة على شراء الأضحية.

من العادات التّونسية تخضيب الخروف بالحنّاء للدلالة على الحفاوة التي تُستقبل بها الأضحية

طقوس غريبة للاحتفال لطرد السحر
ويتميّز عيد الأضحى أيضاً بالكثير من الطقوس، والمظاهر الاحتفالية، والمعتقدات الشعبية الغريبة، بدءاً باقتناء خروف العيد إلى ذبحه وتقطيعه. ومن العادات المعروفة اجتماع شمل الأسر، حيث يفضّل أفرادها قضاء هذه المناسبة الدينيّة بين الأقارب وولائم الطعام، في حين تتعدد الأعراف والتقاليد، وتتوزع المشاهد الاحتفالية في العيد، حيث يخرج الناس في الصباح الباكر لأداء صلاة العيد، بملابسهم المميّزة التي اقتنوها خصّيصاً لهذه المناسبة في تجمّع ديني وروحاني بديع.

اقرأ أيضاً: الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين
وعادة ما يستيقظ ربّ الأسرة ليتوجّه إلى الجامع لأداء صلاة العيد ليبدأ بعد ذلك مباشرة، عملية الذّبح، في حين تستيقظ النّسوة باكرا ليهيّئن، الفطور ويجهّزن "الطابونة" (خبز طازج مجهّز في المنزل)، وخبز "الملاوي" (فطير). وبعد الانتهاء من تحضير وجبة الفطور يتوجهّن استعداداً لغسل أحشاء الأضحية ويعددن الحطب لتنظيف "الرأس والأرجل".

تعمل عديد من الجمعيات الخيريّة على توفير الأضاحي للمحتاجين

ومن العادات والتقاليد، التي لا تغيب صبيحة يوم العيد لدى بعض الأسر التونسية قبل نحر الخروف، حرق البخور لإبعاد العين الشريرة، والحسد عن الأضحية. وتعتقد العائلات التونسيّة، حسب موروثهم الثقافي، أنّ اللجوء لهذه الخطوة سيجنبها ما قد يعكّر صفو يوم العيد، ويزيد الخروف طهارة.

يعتقد كبار السنّ بأنّه لا يجب مسّ الخروف وتقطيعه يوم العيد بل يجب تركه ليحجّ كاملاً ليلتها

وما إن ينتهي المصلّون من تأدية صلاة العيد، حتى ينطلق الصغار والكبار إلى شحذ السكاكين، إيذاناً بانطلاق عملية ذبح الأضاحي. ومن أغرب الطقوس المعروفة في عيد الأضحى عند بعض الأسر في تونس، تعمُّد الزوجة تلقّي أولى قطرات دم الأضحية في آنية تحتفظ بها إلى أن تجفّ، حيث يتم لاحقاً، حسب معتقداتهنّ، تبخير الأطفال الصغار ببعض منه، لإبعاد العين الشريرة والسحر.

وتعمد بعضهنّ إلى غمس أيديهنّ بالدماء، وطلائها على جدران البيت، لإبعاد عين الحسد حسب اعتقادهنّ، في حين تقوم أخريات بنثر "الملح" على دماء الأضحية، من أجل إبعاد السوء، ومسّ الجنّ والشيطان، عمن يمرّ بجواره.
كما تقوم بعض العائلات التونسيّة بتعليق مرارة الكبش في أرجاء المنزل، لاعتقاد شعبي متوارث بأنّ المرارة الممتلئة ترمز لموسم خصب، والعكس بالعكس.

الأكلات التونسية خلال عيد الاضحى

في تونس لا ترمى أحشاء الخروف، بل يجب على النسوة أن يقمن بتنظيفها وتحضيرها، لإعداد أهم أكلة تُميّز عيد الأضحى في هذا البلد وهي "العصبان" (أكلة شعبية تونسيّة تعدّها المرأة من الألف إلى الياء).
ويعود أصل أكلة "العصبان" للقرن الثالث عشر، وتتكوّن أساساً من خليط يجمع كل ما يوجد في جوف الأضحية من الرئتين والقلب والكبد والأمعاء وبعض اللحم، بالإضافة إلى الخضراوات مثل السلق والبقدونس والثوم والبصل والحمص والأرز في بعض المناطق، ويعوض في بعض المناطق الأخرى بالقمح، لتمثّل حشواً دسماً يتم تجميعه في إحدى الأمعاء، ثم خياطتها لتُطبخ لاحقاً في أطباق الكسكسي (أكلة شعبيّة تونسيّة) والأرز.
ويُعدّ تنظيف أحشاء الخروف، أو كما يُطلق عليها بالعامّية التونسية "الكرشة"، أول الاختبارات "المُجتمعيّة" لكفاءة العروس الجديدة، ليأتي بعدها الاختبار الأهم، وهو النّجاح في إعداد "العُصبان".

 "العصبان" (أكلة شعبية تونسيّة تعدّها المرأة من الألف إلى الياء)

ويعتقد كبار السنّ، في جلّ المحافظات التونسية، بأنّه لا يجب مسّ الخروف، وتقطيعه يوم العيد، بل يجب تركه ليحجّ كاملاً ليلتها، فيتمّ تعليق الكبش، وشدّه بقطعة من الخيط الرفيع، ويقع بعد ذلك تعريضه لأشعة الشمس.

اقرأ أيضاً: أبرز عشرة شروط فقهية يجب أن تتوفر في الأضحية
وتختلف في ما عدا "العصبان"، أطعمة العائلات التونسيّة، يوم العيد باختلاف المحافظات، حيث يفضل سكّان مناطق الوسط الغربي، أن يطبخوا رأس الأضحية في أول أيام العيد بعد الشواء، فيما يتميّز أهالي محافظة صفاقس وبعض مناطق الجنوب بطبخ  "المرقة الحلوة"، (أكلة تونسيّة تتكوّن أساساً من لحم الخروف، والفاكهة المجفّفة مثل المشمش، والبندق واللّوز)، بينما تعمد عائلات محافظات الشمال بتحضير "السلطة المشوية" و"الكمّونيّة" (أكلة شعبيّة تونسيّة تتكوّن من اللحم والكبدة والقلب وكِلى الخروف).

"الكمّونيّة" (أكلة شعبيّة تونسيّة تتكوّن من اللحم والكبدة والقلب وكِلى الخروف)
وتُسارع بعض المناطق في الجنوب التونسي لطبخ العُصبان، في أوّل وجبة تلي حفل الشّواء، في حين تترك بقية المناطق العصبان، للأيام اللاحقة، وتطبخ أكلات أخرى من أبرزها "القلاية" (مرق باللّحم يكون اللّحم فيها مُقطّعاً لأجزاء صغيرة)، أو "المُصلي" (طبق لحم وخضار يتم إعداده في الفرن).

وتعدّ أغلب العائلات "القَدّيد" (شرائح من اللحم في تونس)، حيث يتمّ تشريح اللحم وتعليقه في حبل، بعد نثره بالملح والفلفل الأحمر المجفّف، مع مزجه بالتوابل، ليتعرض لأشعة الشمس، ثمّ يخزّن للطبخ لمدّة طويلة.
وكانت شرائح القديد تستعملها العائلات التونسية قديماً، حتى تُصبح غير قابلة للتعفّن، وتتميّز شرائح اللحم المُجفّف هذه بأنها لا تحتاج، مثل اللحم الطازج، إلى المبرّد حتى تُحفظ، وتستعملها خاصّة العائلات التي لا تملك ثلاّجات في الأرياف.

الأقسام: