ما أسباب أزمة البحث العلمي في العلوم الإنسانية بمصر؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
6972
عدد القراءات

2018-08-26

بحكم انتمائي المعرفي إلى الفلسفة، يمكن أن أنظر وبوضوح لما يمكن أن يعانيه القطاع البحثي في مجالات العلوم الإنسانية من أزمة واضحة، تكشف ضرورة بيان معالم هذه الأزمة، والأسباب التي أدّت إليها، وكيف يمكن وضع ملامح عامة للخروج منها، وذلك لأنّ أيّة نهضة في أيّ مجتمع، إنما تؤسس على التقدم البحثي في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية.

الاحتكاك العلمي بالغرب في الميزان

عجز العرب والمصريون، على مدار تاريخهم الحديث، عن إنتاج النظريات العلمية المفسِّرة لظواهر الاجتماع البشري، وهذا ما جعلنا نعتمد بالكلية على الإنتاج النظري، الذي أبدعته الحضارة الغربية في مجالات العلم الإنساني كافة، والذي أنتجته الحداثة عبر تطورها الزمني والتاريخي، بما جعلنا نستهلك الأصول النظرية التي أنتجتها العلوم الإنسانية في الغرب، وهذا، وإن كان أمراً طبيعياً لطبيعة المشترك الإنساني العام في مجالات العلوم والمعارف، فإنّه ثمة مشكلة نواجهها في العلوم الإنسانية، ولا نجدها في العلوم الطبيعية؛ هي أنّ الظاهرة الإنسانية تختلف من مجتمع لآخر وفق التركيبة الاجتماعية والإنسانية والثقافية لكلّ مجتمع على حدة، وهذا ما يحدّد طبيعة خصوصية النظرية في العلم الإنساني، التي أنتجها الغرب الحديث، وتخلقت وفق واقع تطور حركة المجتمع الغربي، لكن ليس ثمة بديل لدينا من الاعتماد على هذه النظريات؛ من منطلق عجزنا من ناحية، ومن منطلق ما هو مشترك إنساني عام بين البشر، وذلك رغم المفارقات التي تنتج عن تطبيق هذه النظريات.

عجز العرب والمصريون على مدار تاريخهم الحديث عن إنتاج النظريات العلمية المفسِّرة لظواهر الاجتماع البشري

فعلى سبيل المثال: إنّ النظريات التي أنتجت في مجال سسيولوجيا الدين هي نتاج التصور الغربي للدين ومكانه في المجال الشخصي، في حين أنّ الإسلام هو دين لتدبير الجماعة في صلبه، كما أنّ نظريات التربية الحديثة قد أسّست في سياقات التحول من القهر للحرية، وما يزال واقعنا يعيش أتون القهر والاستبداد، كما أنّ نظريات الفلسفة الغربية تقوم في مجملها على تحرير العقل من أيّ قيد أو سجن، في حين أنّ العقل لدينا ما يزال أسير الديني والسياسي، وأسّست نظريات السيكولوجيا على الإيمان بمركزية الإنسان، في حين أنّ واقعنا يتم تغييب الإنسان فيه لصالح توسيع دائرة الألوهية، وتدور نظريات تفسير التاريخ الحديث في الغرب على تصوّر الزمن في تصاعد تقدمي في حركة التاريخ، في حين أنّنا نعيش الحاضر، وهو أسير للماضي وتصوراته، وأنّ الأمة لن تتقدم إلا بالعودة للماضي، ومفارقات كثيرة في تطبيق النظريات التي أنتجها العلم الإنساني في أزمنة الحداثة، ولا تتوافق في جانب منها مع واقعنا الراهن، الذي لم يدخل زمن الحداثة بعد، ولم يبن لنفسه حداثته الخاصة.

تتميز العلوم الإنسانية عن الطبيعية بأنّها تتعامل مع الظاهرة الإنسانية التي تختلف من مجتمع لآخر

ومع ذلك، لا بدّ لنا من أن نعترف بأنّ معظم الإنتاج العلمي للعلماء المصريين والعرب الذين تعلموا في الغرب، وطبّقوا النظريات والمناهج الحديثة في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة، هم من قدّموا لنا اجتهادات حقيقية في قراءة ظواهر الواقع الاجتماعي والثقافي، ولعلّ أهم الأعلام الذين أجادوا في ذلك؛ طه حسين، وزكي نجيب محمود، وحسن حنفي، وحسين مروة، ومحمد عابد الجابري، والطيب تيزيني، ورضوان السيد، وسيد عويس،.. وغيرهم الكثير، وهذا ما يعني أنّ امتلاك ناصية النظريات والمنهجيات الحديثة كان فاعلاً في العديد من الأعمال العظيمة في ثقافتنا العربية المعاصرة.

إشكاليات التعاطي مع المنهاجيات الغربية

لكن، رغم الإقرار بأهمية  النقل عن التراث النظري الغربي في العلوم الإنسانية، فإنّ جيل الباحثين المصريين الآن صار عاجزاً عن استخدم اللغات الأجنبية في معظمه، وبالتالي فإن هذا الجيل عاجز  أيضاً، في معظمه، عن الوعي بالنظريات العلمية،  التي أنتجتها الحداثة في الحضارة الراهنة، ويتجه في مجمله إلى الاطلاع على هذه النظريات عبر الأعمال المترجمة، ولهذا يأتي التأسيس النظري لمجمل الباحثين المصريين تأسيساً مشوّهاً عاجزاً في معظم الأحيان، وذلك بما يخلّ بعملية البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية، ويترتب عليه العديد من الآثار السلبية في تقدم حركة البحث العلمي في المجالات الإنسانية.

التأسيس النظري لمجمل الباحثين المصريين "الإنسانيين" المعتمدين على الترجمة مشوّه عاجز في معظم الأحيان

ويترتب على ما سبق؛ أن يصبح استخدام النظريات العلمية في تفسير ظواهر الاجتماع البشري، في مجالات البحث، مجرّد "كليشيهات مجتزأة" من قبل الباحثين، ولا ترتبط ارتباطاً جوهرياً بالظاهرة موضوع البحث، وتكشف ضعفاً في الفهم، وتشوّهاً في التطبيق، ومن ثم فقد ينتهي البحث العلمي، في معظمه، إلى مجرد جمع المادة العلمية وتصنيفها بطريقة وصفية يغيب عنها العقل النقدي التحليلي، الذي ينبغي أن يتمتع به الباحث العلمي، وهو ما يجعل الأبحاث مجرّد ركام من الوصف لقطاعات دراسة الظواهر، ولا يمنح أيّ تراكم حقيقي للبحث العلمي، وأصبحنا نراكم كمّاً دون كيف حقيقي في البحث العلمي، وافتقدنا تحقيق المعادلة الصعبة في تحقيق درجة عالية من جودة الكمّ والكيف معاً، في المجالات البحثية.

دع عنك أنّ ضحالة تكوين قطاع كبير من الباحثين قد أدّت إلى انتشار السرقات العلمية في الرسائل والأبحاث العلمية، وهذه ظاهرة تنمّ عن الضعف البيّن في تكوين الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية.

اقرأ أيضاً: مدنية التعليم.. أول الطريق لمحاربة الإرهاب

ولتحقيق معالجة حقيقية لإمكانية الارتقاء بالبحث العلمي، في مجالات العلوم الإنسانية خاصة، والعلوم والمعارف عامة، لا بدّ من تربية جيل يتمتع بعقل نقدي حرّ، يستطيع أن يشتبك مع الظواهر الاجتماعية والإنسانية، وهذا أمر يتعلق بتطوير أنظمة التعليم في مصر من البداية حتى المرحلة الجامعية، كما ينبغي أن نؤسس لجيل ملمّ باللغات الأجنبية في موضوع اهتماماته البحثية، أو بمعرفة باللغة الإنجليزية التي ينقل إليها جميع تراث العالم في المجالات المختلفة للعلوم، ويفضل استئناف إرسال الباحثين في بعثات، ليعودوا إلى الوطن لتأسيس المدارس العلمية في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، وتأسيس المراكز البحثية التي تهتم بدراسة كافة مشكلات المجتمع وظواهره المختلفة، ودون هذه الإجراءات سيظل البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية في مصر، يدور في حلقات مفرغة، ولا يضيف شيئاً للمجتمع، ولا يقدم خدمة حقيقة في الإسهام في معالجة المشكلات المجتمعية، ولا يؤدي إلى التراكم العلمي في مجال الأبحاث في العلوم الإنسانية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: