الاستبداد يحول الإقليم الصومالي الإثيوبي إلى سجن

الاستبداد يحول الإقليم الصومالي الإثيوبي إلى سجن
6814
عدد القراءات

2018-08-27

على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية، استخدم النظام الإثيوبي خطاب "مكافحة الإرهاب" كسلاح سياسي للحفاظ على قبضته الاستبدادية على البلد وتعزيزها،خصوصاً في الوقت الذي أصبحت فيه "الحرب على الإرهاب" محور السياسة الخارجية للولايات المتحدة؛ حيث بادر النظام الإثيوبي بوضع نفسه كواجهة الشريك الأمثل والأكثر موثوقية لدى واشنطن في مكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي، في محاولة للاستفادة من الدعم السياسي والاقتصادي من هذه الشراكة.
واستخدمت النخبة التي حكمت إثيوبيا، آنذاك، المعونات التقنية والاقتصادية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب لبناء دولة مراقبة أوروبية مماثلة لتلك التي كانت توجد في ألمانيا الشرقية،حيث اختفت التعددية السياسية والصحافة الحرة والمجتمع المدني بشكل كامل ونهائي.وهو ما سمح للحزب الحاكم بفوز 99.6٪ من الأصوات في انتخابات 2010 و 100٪ من المقاعد في انتخابات عام 2015.

بعد الإطاحة بالرئيس الإقليمي السابق، خلفه إلى السلطة بصفة انتقالية مصطفى عمر البالغ من العمر 45 عاماً

كما وجدت تلك النخبة في مطية "الحرب على الإرهاب" إستراتيجية ملائمة لتحقيق ممارساتها السلطوية.واستخدمتها كمبرّر لسحق المعارضة.ولا عجب أنّ ميليس زيناوي، رئيس الوزراء الأسبق ومهندس هذه الدولة البوليسية، وصف "الحرب على الإرهاب" بأنها "هبة من السماء".لكن، منذ وصول رئيس الوزراء الجديد آبي أحمد إلى سدة الحكم في نيسان (أبريل) الماضي، ظهرت بوادر جديدة للعلن تشير إلى الاتجاه بتخفيف حدة تلك السلطة القمعية، لقد أفرج أحمد عقب اختيارهعن آلاف السجناء السياسيين، واعترف أمام البرلمان بأنّ الدولة استخدمت التعذيب ضد المعارضين السياسيين في الماضي.

اقرأ أيضاً: أزمة الصومال .. الدور التركي والقطري

ومن شأن اعتراف أحمد أن يفرض مسؤولية قانونية على الحكومة الإثيوبية للتحقيق في تلك الجرائم ومقاضاة الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات،فضلاً عن أنّهذا الاعتراف بأنّ الأجهزة الأمنية استخدمت كأداة للهيمنة السياسية،قد مهدت الطريق لعصر جديد من الأمل والتفاؤل في الشكل الجديد للدولة الإثيوبية.

الإقليم الصومالي الإثيوبي

يقع الإقليم الصومالي في إثيوبيا،أو الإقليم الخامس، بحسب التقسيم الإداري لدولة إثيوبيا، تحت السيادة الإثيوبية، ويناهز عدد سكانه حوالي 8 ملايين نسمة، ينتمي كلهم إلى العرق الصومالي، ويشتركون بروابط قبلية وثيقة مع باقي الصوماليين؛ في صوماللاند وجيبوتي والصومال. ويتحدثون اللغة الصومالية كلغة أم.
ويعتبر الإقليم واحداً من أكثر الأقاليم الإثيوبية تضرّراً من القبضة الحديدية التي حكمت البلد لعقود، ونظراً للمظلومية التاريخية لسكان الإقليم، الذي سيطرت عليه إثيوبيا بالقوة، فإنّخطاب مكافحة الإرهاب يأخد أبعاداً وتعقيدات مختلفة عن باقي مناطق أقاليم إثيوبيا، خصوصاً أنّ إيثوبيا تعتبر الدولة الوحيدة في العالم التي تتبع نظاماً فيدرالياً مبنياً على أساس العرق.

الاحتلال البريطاني ألحق الإقليم الصومالي بإثيوبيا عام 1948

قبل أشهر من وصول آبي أحمد إلى السلطة، وتحديداً في أيلول (سبتمبر) 2017، اندلعت اضطرابات واسعة بين الصوماليين والأروموا على طول الحدود بين مقاطعتي الإقليم الصومالي وإقليم أوروميا، واستمرت شهوراً، ما أسفر عن مقتل المئات وتشريد ما يقرب من مليون شخص. ويعتقد أنّ تلك التوترات ناجمة عن صراع على الأراضي،بيْد أنّ هنالك العديد من الأسباب المعقدة المحلية والإقليمية والسياسية والاقتصادية تقف خلف هذا الصراع.
وبعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، سرعان ما اتضح أنّ رئيس الإقليم الصومالي، عبدي عمر، لم يدعم أجندة أحمد للإصلاح، وظل موالياً لجبهة تحرير تيغري الشعبية، التي هيمنت على التحالف الإثني للبلاد، قبل أن يصعد أحمد إلى السلطة. رفض عمر مراراً مقابلة مسؤولين من الإدارة الفيدرالية لأحمد، موضحاً لهم بأنه غير مستعد للتعاون معهم لإعادة المنطقة إلى طبيعتها.

اقرأ أيضاً: احتدام صراع النفوذ والمصالح في الصومال

وبذلك، استشعر رئيس الوزراء أحمد بالحاجة إلى التدخل، وأرسل قوات من الدفاع الإثيوبي إلى المنطقة في 3 آب (أغسطس). وسيطر الجيش الفيدرالي الإثيوبي على العاصمة الإقليمية وبعض البلدات الأخرى في المنطقة التي انتشرت أعمال العنف فيها.
من جانبه، هدّد الرئيس الإقليمي عبدي عمر بالانفصال عن الاتحاد باستخدام المادة 39 من الدستور الإثيوبي، الذي يمنح الأقاليم الفيدرالية الحق في تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال. قبل أن يضطر إلى الاستقالة، وفي نهاية الأمر أُلقي القبض عليه.

التاريخ السياسي للإقليم

هنالك تعقيدات قانونية وتاريخية وسياسية قائمة بين المركز السياسي الإثيوبي وهوامشه؛ خصوصاً في حدوده الخارجية مع الصومال التي سيطرت عليه إثيوبيا بالقوة، وأخضعته من خلال الحكم بـ"حالة الاستثناء الأغامبينية"، بما يُتيح لها إمكانية التصفية الجسدية ليس فقط للخصوم السياسيين، بل لشرائح كاملة من "المواطنين" الذين تعتبرهم السلطة السيادية، لسبب أو لآخر، غير قابلين للاندماج في الدولة الإثيوبية.
تعود جذور القضية الى الأطماع التوسعية للإمبراطورية الإثيوبية في القرن التاسع عشر، حين استولى الإمبراطور منيليك على معظم المنخفضات الصومالية، لكن ظلت هذه المنطقة تتسم بالاضطراب الأمني،إذ واجهت الأنظمة الإثيوبية الثلاثة الأخيرة بدءاً بـ (الحكم الإمبراطوري 1980-1974) مروراً بـ (الحكم العسكري الماركسي 1974 – 1991)، وانتهاء بـ (النظام الفيدرالي الحالي 1991– الآن). صعوبة في إخضاع وحكم الإقليم الصومالي، مما جعلها تلجأ إلى العنف بشكل ثابت؛ بغية الاستدماج العنيف للإقليم في الجسد السياسي الإثيوبي.

ظل الإقليم الصومالي مصدر قلق وحروب

يتلخص العنف المرتكب في الإقليم باسم سيادة دولة إثيوبيا من خلال الأحكام العرفية وقانون الطوارئ و"عمليات التصدي للمتمردين"، بما يتسق مع الفكرة القائلة بأنّ بقاء الدولة يتوقف على قدرتها على ممارسة السيادة على حدودها، وفق تنظير فقيه الدستور الألماني وأبرز منظري نظرية السيادة كارل شميت: "صاحب السيادة هو من بيده إقرار حالة الإستثناء".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت الإمارات في مواجهة الإرهاب والقرصنة في الصومال؟

وفي جانب آخر، تعكس قضية الإقليم أحد مظاهر فشل النظام القانون لأفريقيا ما بعد الاستعمار.وكان الصومال، العضو في منظمة الوحدة الأفريقية، قد طالب منذ ولادته دولة مستقلة بالصومال الغربي، على أساس الوحدة التاريخية ونضال الصوماليين ضد المحتلين الأجانب. لكن لم تستجب منظمة الوحدة الأفريقية لذلك المطلب، وظلت تلك المنطقة مصدر قلق أمني وسياسي في منطقة القرن الأفريقي تطورت إلى نشوء حروب في بعض الأوقات.

جرائم ضد الإنسانية

في تقرير صدر في تموز (يوليو) 2018، وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" التعذيب الوحشي للسجناء في السجن المركزي بالمنطقة، المعروف باسم "سجن أوجادين" والذي تسيطر عليه شرطة ليو. ووصف سجناء سابقون سوء المعاملة والتعذيب في السجن، مع حرمانهم من الرعاية الطبية الملائمة، أو رؤية أسرهم أو حتى الحصول من الطعام في بعض الأحيان. وقالت المنظمة إنه"ينبغي التحقيق مع المسؤولين الذين تورطوا في هذه الانتهاكات الجسيمة ضد السجناء، بغض النظر عن رتبهم، ويجب أن يواجه المسؤولون تهماً جنائية. وينبغي أن يشمل هذا تحقيقات محددة مع كبار المسؤولين في المنطقة الصومالية، مثل عبدلي ايلي وعبد الرحمن عبد الله بورالي، المعروف أيضاً باسم عبد الرحمن لاباغولي..(Labagoole)"

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش التعذيب الوحشي للسجناء في السجن المركزي بالإقليم الصومالي المعروف باسم "أوغادين"

وقالت ماريا بورنيت؛ مديرة قسم الشرق الأوسط والقرن الأفريقي في هيومن رايتس ووتش: "للمضي قدماً، تحتاج حكومة إثيوبيا إلى ضمان العدالة لضحايا أكثر من عقد من الانتهاكات المروعة في المنطقة الصومالية". وأردفت: "ينبغي أن يتضمن جدول أعمال إصلاحات رئيس الوزراء آبي أحمد أن يستشعر المسؤولون عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،بأنهم لم يعودوا في مأمن من المساءلة".

انتهاكات مروّعة ضد الإنسانية

وفي تقرير عام 2008، وجدت هيومن رايتس ووتش أنّ قوات الأمن الإثيوبية ارتكبت جرائم حرب بين منتصف عام 2007 وأوائل عام 2008، وأنّ القوات المسلحة الإثيوبية مسؤولة عن الجرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى أنماط الإعدام والتعذيب والاغتصاب، والتهجير القسري الموثقة. ووجدت هيومن رايتس ووتش أنّ القوات الإثيوبية هجرت قسراً مجتمعات ريفية بأكملها، ودمرت وأحرقت عشرات القرى، وأعدمت المئات على وجه السرعة، بعضهم علناً لإرهاب المجتمع المحلي. كما اعتقلت قوات الأمن بشكل غير قانوني مئات المدنيين، تعرض العديد منهم للتعذيب أو الضرب أو الاغتصاب،وغير ذلك من ضروب الاعتداء الجنسي.

وبموجب القانون الدولي، فإنّ إثيوبيا ملزمة بالتحقيق مع المسؤولين عن جرائم الحرب ومحاكمتهم، بمن فيهم أفراد قواتها المسلحة.

أمل جديد

قبل شهرين، مثل آبي أحمد أمام البرلمان للإجابة عن أسئلة حول أداء حكومته. خلال الجلسة، بدأ أعضاء البرلمان في طرح أسئلة تتراوح بين قرار الحكومة بتطبيع العلاقات مع إريتريا وتحرير الاقتصاد من يد الدولة، ومن التماسك المجتمعي، إلى الإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين.

ورداً على تحدي دستورية وقانونية بعض تصرفات حكومته، خصوصاً الإفراج عن آلاف السجناء المتهمين بالإرهاب، جادل أحمد بأنّ الإرهاب ليس فقط العنف الموجه ضد الدولة، "بل ينبغي أيضاً اعتبار استخدام الحكومة القوة غير الدستورية للبقاء في السلطة إرهاباً".

مثل آبي أحمد أمام البرلمان للإجابة عن أسئلة حول أداء حكومته

وفي الجلسة نفسها اعترف آبي أحمد بأنّ قوات الأمن الإثيوبية تورطت في أعمال تعذيب للسجناء في الماضي، وبهذا الاعتراف بأن حزبه؛الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية(EPRDF)، استخدم التعذيب والتكتيكات الإرهابية للبقاء على السلطة في الماضي، أظهر أحمد جدية حقيقية باتجاه تغيير الدولة الإثيوبية للأفضل، ما خلق له إرتياحاً كبيراً لدى الشعب.

للمضي قدماً، تحتاج حكومة إثيوبيا إلى ضمان العدالة لضحايا أكثر من عقد من الانتهاكات المروعة في المنطقة الصومالية

وفيما يخص الإقليم،وبعد الإطاحة بالرئيس الإقليمي السابق، خلفه إلى السلطة بصفة انتقالية مصطفى عمر، البالغ من العمر 45 عاماً، وهو معارض شرس للنظام السابق، وهو نفسه تضرّر من النظام الإقليمي، حيث كان فاراً إلى الخارج في الـ11 سنة الأخيرة. وقبل عامين، قام النظام الإقليمي بإعدامٍ علني ووحشيّ لشقيق مصطفى عمر الأصغر، في محاولة لمعاقبته وإرغامه على الكفّ عن انتقاد النظام.

اقرأ أيضاً: لماذا أوقفت الإمارات تدريب الجيش الصومالي؟

وقد عمل مصطفى كضابط اتصال إنساني للأمم المتحدة في مقديشو وزيمبابوي والإمارات العربية المتحدة وكينيا. وقبل ذلك، شغل مناصب مختلفة في الإقليم الصومالي قبل أن يضطر إلى الفرار.
وفي يوم الجمعة الرابع عشر من الشهر الجاري، تحدث الرئيس الجديد مصطفى عمر إلى جانب رئيس الوزراء آبي أحمد وبمعية أحمد شدي رئيس الحزب الحاكم للإقليم، في لقاء جماهري مع مئات من الصوماليين في العاصمة أديس أبابا، تناوب المسؤولون التأكيد على رغبتهم في إحداث تغيير إيجابي ملموس على أوضاع الإقليم، والاتجاه نحو دولة القانون والمواطنة ورعاية حقوق الإنسان.

لقاء جماهري شارك فيه الرئيس الإقليمي الجديد مصطفى عمر ورئيس الوزراء

بدأ الرئيس الإقليمي الجديد أولى خطواته بتغيير علم الإقليم، والعودة الى العلم السابق، كما شدد على أنّاسم الإٌقليم هو الإقليم الصومالي، وليس (أوغادين أو أوغادينيا) كما يحلو للبعض بتسميته.
اختيار مصطفى عمر رئيساً للإقليم يعده الكثيرونخطوة بالاتجاه الصحيح، ويعلّق أبناء الإقليم الكثير من الآمال عليه، وعلى القيادة الجديدة في إثيوبيا، بامتلاك القدرة والرؤية على تصحيح الإلغاء والتهميش التاريخيين اللذين تعرض لهما الإقليم على مدى عقود طويلة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الاصطدام بين أنقرة وموسكو مستبعد.. فلِمَ يتبنى أردوغان سياسة الحرباء في إدلب؟

2020-02-16

عملية إعادة رسم الخرائط وتوازنات القوة في الشمال السوري تجري على قدم وساق، وتترافق معها أسئلة فرعية تعكس جزءاً من التجاذبات الميدانية الجارية من قبيل: تُرى إلى أي درجة تتناغم أو تتناقض تأكيدات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بأنّ الوضع العسكري في إدلب السورية لن يؤثر في صفقة إس-400 بين تركيا وأنقرة، مع تصريحات وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الذي هدد بضرب التنظيمات الإسلامية المسلّحة في مناطق إدلب إذا لم يحترموا وقف إطلاق النار هناك؟! وإذا كانت هذه رسائل تهدئة ومغازلة مبطنة من جانب أنقرة نحو موسكو، فما معنى أنْ يتمركز نحو 10 آلاف جندي تركي على الأراضي السورية؟ وما معنى أن تنقل أنقرة الآليات العسكرية التركية الثقيلة إلى تلك المناطق لمواجهة قوات النظام، وتقوم بإنشاء نقاط مراقبة عسكرية جديدة غرب حلب، وتقوم بتزويد المعارضة السورية الموالية لتركيا بصواريخ أرض- جو؟

اقرأ أيضاً: سوريا: كنوز إدلب التاريخية ضحية أخرى للحرب

استبعاد الاصطدام العسكري بين القوات التركية والقوات الروسية في الشمال السوري سيعني أنّ أنقرة ستخضع، عاجلاً أم آجلاً، للضغوط التي تمارسها موسكو على حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان باتجاه إعطاء المجال للحكومة السورية لبسط نفوذها وسيطرتها على إدلب وحلب وإبعاد المجموعات الإسلامية المتشددة، كمقدمة لتوافق سياسي يعزز التهدئة في تلك المناطق، وهو في المحصلة تكريس لخسارات أنقرة العسكرية والسياسية في سوريا، ولعل آخر مؤشر على ذلك أنّ الجيش السوري بدأ أمس في إزالة المتاريس من على الطريق السريع بين دمشق وحلب؛ بعدما سيطر بشكل كامل عليه في إطار هجوم تدعمه روسيا.

أردوغان سيفكر مئة مرة قبل أن يخاطر بأزمة جديدة مع الروس في ظل تدهور علاقاته الأوروبية والأمريكية

وتقول وكالة أنباء "رويترز" إنّ ذلك "يمثل انتصاراً مهمّاً للرئيس بشار الأسد؛ نظراً لأن إعادة فتح الطريق السريع إم 5 ستعني استرداد أقصر طريق يربط بين أكبر مدينتين في سوريا لأول مرة منذ أكثر من سبعة أعوام. ويُنظر لاستعادة سيطرة الحكومة السورية على الطريق إم 5 على أنّها أحد الأهداف الرئيسية لهجوم تدعمه روسيا وبدأ منذ مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2019 في شمال غرب سوريا الخاضع لسيطرة قوات المعارضة".
ونقلت "رويترز" عن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، قوله إنّ "الحكومة (السورية) قد تسعى للسيطرة على مزيد من الأراضي شمالي حلب لتأمين المدينة".
موسكو غير مستعدة لاسترضاء أنقرة
المؤكد أنّ التنظيمات الإسلامية المسلّحة في إدلب أصيبت بالدهشة الشديدة وهي تستمع لكلمات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الذي هدد بضربهم إذا لم يحترموا وقف إطلاق النار؛ نظراً لأن هذه التهديدات تأتي ممن دخل إلى الأراضي السورية تحت شعار حمايتهم وإنقاذ آخر الجيوب التي لجأ إليها الجهاديون في سوريا، كما يقول تحليل نشرته "إذاعة مونت كارلو" الدولية.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا

وتضيف الإذاعة بأنّ حجم دهشتهم كان كبيراً؛ لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد هدد قبل ذلك بأيام بضرب قوات النظام السوري في أرجاء البلاد كافة، بعد مصرع عدد من جنوده. وتابع التحليل "ربما لم ينتبهوا إلى الرد الذي جاء من الخارجية الروسية، وليس من الكرملين؛ إذ دعت تركيا للكف عن إصدار بيانات استفزازية حول الأحداث في سوريا، وسلسلة التصريحات الروسية التي اتهمت تركيا بعدم احترام وقف إطلاق النار في إدلب ولجم زمام الجهاديين، بينما دمشق هي التي تشن هجوماً قوياً لاستعادة المنطقة بضوء أخضر وبدعم عسكري قوي من موسكو".

فتح جبهتين في سوريا وليبيا أمر مكلف للغاية ويثقل على وضع، أقل ما يقال عنه إنّه مضطرب داخل تركيا

لعل كل هذه المعطيات والتطورات تنتظم في فحوى ومغزى واحد وهو أنّ حكومة أنقرة تدرك أنّ معركتها العسكرية خاسرة في إدلب، وأنّ الخطوات التي تتخذها هناك هي لحفظ ماء الوجه، وتهدئة الداخل التركي بعد مقتل عدد من جنودها، ومحاولة الحصول على أوراق للمناورة، قد تسعف حكومة أردوغان في المحادثات السياسية مع موسكو ودمشق.

وفي هذا السياق تشير "إذاعة مونت كارلو" إلى أنّ أنقرة سارعت للإعلان عن إرسال وفد إلى موسكو لبحث أزمة إدلب مع المسؤولين الروس، وهي زيارة لم يرفضها الكرملين، ولكنه استقبلها ببرود، وأفادت مصادره أنّه لا ينبغي على أردوغان أن ينتظر الكثير منها. وأردفت الإذاعة بالقول إنّ من "الواضح أنّ روسيا تريد تحقيق نتيجة سريعة في سوريا، وليست مستعدة لتضييع الكثير من الوقت لبحث وإرضاء مطامع تركيا في سوريا، خصوصاً وأنّها الطرف القوي في العلاقة مع أنقرة".

اقرأ أيضاً: تركيا وازدواجية المواقف بين سوريا وليبيا

سياسة الحرباء
وفي تأكيد لاستبعاد أن يقوم أردوغان بالتصعيد مع موسكو وافتعال أزمة جديدة معها تؤكد "مونت كارلو" بأنّ زيارة الرئيس بوتين، قبل حوالي الشهر إلى أنقرة، لافتتاح خط أنابيب الغاز الروسي الذي يمر تحت البحر الأسود، وقيام موسكو ببناء أول مفاعل ذري في تركيا، إلى جانب منظومة الدفاع الروسية إس-400 التي اشترتها تركيا وغيرها تؤكد أنّ أردوغان سيفكر مئة مرة قبل أن يخاطر بأزمة جديدة مع الروس في ظل تدهور علاقاته الأوروبية والأمريكية.

الكعكة الليبية أكثر إغراء لأنقرة على المستوى الاقتصادي من الكعكة السورية

أضف إلى ذلك أنّ الكرملين لا ينظر بعين الرضا إلى قيامه بإرسال مقاتلين إلى ليبيا لمواجهة مقاتلي "فاجنر" الذين يقاتلون إلى جانب المشير خليفة حفتر، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ فتح جبهتين في سوريا وليبيا في آن واحد هو أمر مكلف للغاية ويثقل على وضع، أقل ما يقال عنه إنّه مضطرب داخل تركيا، والكعكة الليبية أكثر إغراء لأنقرة على المستوى الاقتصادي من الكعكة السورية.

وتخلص "إذاعة مونت كارلو" إلى القول إنّ "سياسة الحرباء والقفز من معسكر إلى المعسكر المضاد هي عنصر ثابت، تاريخياً، لدى الإسلام السياسي، الذي يعتبر أردوغان قطبه الرئيسي، حالياً، في المنطقة، وهي سياسة تحقق بعض المكاسب لقوى سياسية خارج السلطة"، ولكنّ الغريب اعتمادها، أيضاً، كسياسة ثابتة ومستمرة لدولة إقليمية مثل تركيا.

للمشاركة:

الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي

2020-02-16

ولما تَكلّم موسى بهذا الكلامِ إلى جميعِ بنِي إسرائيل بكَى الشعبُ جداً. ثم بَكَّرُوا صباحاً وصعدُوا إلى رأسِ الجبلِ قائلين: "هُوذَاَ نحن نصعدُ إلى الموضعِ الذي قال الرَّب عنهُ، فإننا قد أخطأْنا" فقال موسى: "لماذا تتجاوزون قولَ الرَّب؟ فهذا لا ينجح. لا تصعدوا، لأنَّ الرَّب ليس في وَسَطِكُمْ لئلاَّ تنْهزِموا أمامَ أعدائكُم.
(سفر العدد 14: 36-38)

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق

إخفاق الإسلاموية في مصر كان إخفاقاً فكرياً بالأساس؛ فالفكر الإسلامي، الذي توقف جدياً عن الإنتاج منذ أربعة عقود، على الأقل، لم ينتج نظرية في الدولة، بل، على العكس سعى إلى الاستيلاء على الدولة الحديثة، أو وراثتها، بغرض أسلمتها، ولم ينتج نظرية في الممارسة السياسية، ولم يميّز نصاباً للسياسي (بما هو منفصل عن الدين والحياة الشخصية)؛ بل ربط السياسي بالتبشير الأخلاقي، ومن ثَمّ تحولت الرطانة الإسلاموية حول "المجتمع المسلم الفاضل والمتجانس" إلى ما يشبه التميمة، التي لا يفهمها سوى صانعها وحاملها.
فكان الموضوع الأكثر تواتراً في الأدبيات الإسلامية، وخطاباتهم اليومية أيضاً، هو التأكيد على عدم الفصل بين النطاقات الاجتماعية (السياسة، الدين، الاقتصاد، الأخلاق، الحياة الشخصية)، ومن هنا جرت مَرْكزة الشريعة وتأويلها كنظرية في السياسة، ومصدر للقانون وللسلوك الفردي، بحسب الباحث الفرنسي، أوليفه روا؛ فإنّ هذا الامتناع عن تحديد نطاق سياسي مستقل له قوانينه الخاصة؛ هو آفة الإسلاموية المهلكة.

قبل المعمعة
قبل أن يخضع الخطاب الإسلامي للاختبار، كانت الإسلاموية ظاهرة اجتماعية (تدين + إفقار + محدثين تمدن (وفق تحليل جيل كيبل))، تحركها نواة تنظيمية ممثلة في جماعة الإخوان؛ لذلك، وعلى الرغم من هشاشة تركيبة السلطة الأوتوقراطية، بعد تمحورها المتدرّج حول المكوّن الأمني، دون أيّ غطاء أيديولوجي من أيّ نوع، ودون مؤسسات سياسية، وتشتُّت الطبقة الوسطى وتقهقرها، وعدم وجود بديل سياسي علماني، لم يتمكن الإخوان من صياغة حلّ أو جواب على مشكلات المجتمع المستعصية؛ إذ تنازعت الإسلاموية قبل الثورة إستراتيجيتان: النضالية السياسية بغرض الوصول إلى السلطة، والإصلاحية التي رأت في النشاط الاجتماعي طريقاً لإعادة أسلمة المجتمع (تعبيده لله) من أسفل، إلا أنّ كلا الاتجاهين أخفقا في التعامل مع الحداثة فكرياً، واكتفيا بالاستثمار في المشاعر الدينية الجارفة التي تنامت عقب فشل دولة التحرر الوطني الناصرية، وكلاهما لم يعتبرا أنّ القومية والعلمانية هما التحديث (الذي تمّ اختصاره في البعد التقني)، وقفزا على شرعية الدولة القائمة باسم الأمة الإسلامية ودولتها الجامعة.

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
في خضم هذا الأفق، الذي لا يمتّ للسياسة بصلة، حتى مع تعاطي بعض الإجراءات السياسية؛ كإقامة تحالفات سياسية والمشاركة في الانتخابات، جرى التركيز على الغاية الكبرى: "إعادة الإسلام إلى العالم"، أو "إعادة الله إلى التاريخ" (وفق توصيف الباحث المصري مصطفى عبد الظاهر)، وهو ما تطلب هيمنة ثقافية (يمكن النظر إلى كمّ الكتب والمجلات ذات الصبغة الأيديولوجية الإسلامية التي صدرت منذ 50 عاماً لفهم سعيهم نحو الهيمنة الثقافية على المجال العام)، واختراق للمجتمع المدني (النقابات، الجمعيات الأهلية)، وصولاً إلى الأداة الحاسمة: السيطرة على الدولة، وقد تخلّت الجماعة، في آخر عشرين عاماً، عن كلّ السبل الموصلة إلى هدفها سوى سبيل الدولة.

حدود التذاكي
هذا المنطق الناصري/ الدولتي (القائم على اعتبار أنّ الدولة هي الأداة الوحيدة للتغيير، وأنّها تعلو على المجتمع وتعيد تشكيله، وتقهر الخصوم السياسيين، وتنهي الصراع السياسي لصالح الإجماع الوطني) جعل الإخوان عاجزين عن فهم المشهد السياسي، خلال العقد الأول من القرن الواحد العشرين؛ لذلك حينما فاجأتهم الثورة، وجاءت من خارج مجال توقعاتهم تماماً، لم يجدوا سوى طرائقهم القديمة في التعامل معها، وهي المناورة بين السلطة والمعارضة في وقت واحد، وتبني خطاب سياسي مراوغ، والسعي المحموم نحو إحداث تحوّل ثقافي سريع وخاطف في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية كخطاب احتجاجي
حين رفع الإخوان شعار "مشاركة لا مغالبة" لم يكونوا يخادعون القوى السياسية، كانوا صادقين جزئياً ومرحلياً (بالطبع حاولوا جني أكبر قدر من المكاسب السياسية في البرلمان والجمعية التأسيسية)؛ إذ أدركوا أنّ الثورة (الهِبة الإلهية كما اعتقدوا) جاءت قبل الأوان، أوان الأسلمة التي تسمح لهم بالسيطرة الكلية على الدولة والمجتمع دون منغصات علمانية، وأنّ عليهم استغلال الفرصة في تسريع عمليات هندسة المجتمع ثقافياً، وحين دفعوا بمرشحهم خيرت الشاطر، وبديله محمد مرسي، إلى انتخابات الرئاسة، كان دافعهم الخوف من انسداد سبل الأسلمة (عبر الدستور والتعليم والثقافة) بعد حلّ المحكمة الدستورية العليا للبرلمان الذي حازوا الأغلبية فيه.
هذا الفهم البدائي للسياسية وافتراض ضرورة تحويل المجتمع إلى الإسلام، وإلا امتنع تطبيق الشريعة (كمشروع سياسي شمولي)، وأسفر فرضها بقوة الدولة وسطوتها عن نفاق اجتماعي، سرعان ما ينقلب إلى ثورة علمانية مضادّة، هذا الفهم هو ما جعلهم عاجزين عن التعامل مع القلب الصلب للدولة (الجيش والشرطة).

اقرأ أيضاً: "الإسلاموية".. من التكيف مع الحداثة إلى أسلمتها
وهو القلب الذي لن يقبل بتغيير طبيعة الدولة من قِبل جماعة غامضة من جهة، أو بتهديده وجودياً عبر الاختراق من أعلى أو عزله عن ثمار الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، خصوصاً أنّ الجماعة بدت في الحقبة الأخيرة من عمرها "دولة بديلة" مستعدة للحلول محلّ الدولة القائمة، وملء هيكلها البيروقراطي، وقد أعجزهم فهم من هذا النوع أيضاً عن التعامل مع التيارات السياسية جميعها، وكان عاملاً مضافاً إلى افتقارهم لبرنامج سياسي (لا انتخابي)، في ارتباكهم القاتل.

الدخول إلى التيه
بتضعضع التنظيم، عام 2013، فقد الإسلامويون القدرة على إنتاج ممارسة سياسية مستقرة وذات معنى، وتحولوا إلى جمهور متشظٍّ، لا تجمعه سوى منطلقات بالغة العمومية وذكريات عن زمن المجد والنكبة.
يعود هذا إلى أنّ النضالية الإسلامية أعطت الأولوية القصوى للسياسي في أدنى مستوياته: التنظيم على حساب الفكري (والمجموعة التي طرحت خطاباً فكرياً، مهما كانت مشكلاته النظرية، كانت على هامش الظاهرة الإسلامية، من أمثال طارق البشري وسليم العوا وعبد الوهاب المسيري)، وعلى حساب الديني العلمي.

اقرأ أيضاً: بماذا تخبرنا "نهاية الأيديولوجيا" عن أفول نجم الإسلاموية؟
ففي القلب من التصور الإسلامي للسياسة، يكمن حزب من النمط اللينيني، الذي يقدّم نفسه كطليعة للتيار الإسلامي وتعبير عنه في آن (هناك تحليل طريف يرى أنّ دفع الجماعة بمحمد مرسي لانتخابات الرئاسة، عام 2012، كان وراءه خشيتها من فوز مرشح إسلامي ليس من صلبها، فتفقد مكانتها كقائد للتيار الإسلامي)، والفرق بين الرؤية اللينينية الأصيلة للسياسة والاستعارة الإسلامية لها؛ أنّ الأولى ترى في التنظيم ممثلاً للطبقة العاملة، وليس هو هي، فيما يرى الإخوان أنّ تنظيمهم ممثل سياسي ومجتمعي في الوقت نفسه، وهذا المجتمع المغلق والمضاد هو نواة المجتمع الإسلامي الأكبر والمأمول.
كان تهشُّم التنظيم في خضم الصراعات السياسية التي عصفت بمصر خلال الأعوام التسعة الأخيرة بمثابة تحويل كوادر التيار إلى "يتامى سياسيين" بالمعنى الواقعي للكلمة "ضائعون"، وفي حاجة إلى أبٍ وراعٍ وشرنقة تحميهم من تقلُّب الأيام.

الانتحار التاريخي
انتحار تاريخي ألّا يعيد الإسلاميون التفكير في هويتهم وإستراتيجيتهم وأهدافهم ذاتها في مثل هذه الأجواء الاستثنائية التي تعيشها مصر، والاكتفاء بالتعالي على "شرطهم البشري" بتصدير خطاب عاطفي حول قدرة الإسلاميين على العمل في جميع الظروف الاستثنائية، والعودة الأكيدة بعد كلّ النكسات، لن يصمد أمام القدرة المحدودة للقواعد على الانتظار.

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
ولا يتطلب التشكيك في إمكانية تأسيس دولة إسلامية بالمطلق (حتى عتاة الأيديولوجيين الإيرانيين اكتشفوا بعد مرور أقل من عقد على ثورتهم أنّ الدولة الإسلامية ليست أكثر من وهم سيطاردونه إلى الأبد) حصافةً سياسية؛ بل يتعلق الأمر بأبسط مستويات الإدراك السياسي في ظلّ تداعي كافة الأشكال الأيديولوجية للدول، بما في ذلك أيديولوجيات بالغة التطور كالاشتراكية، أو الليبرالية مؤخراً.
مؤكد أنهّ ليس على غير الإسلاميين تقديم النصيحة للإسلام السياسي، هذا أكثر شيء عبثي يتداوله العلمانيون دون تبصُّر، فلو قدّم جناح ما، أو مجموعة إسلامية ما، أيّة مراجعة أيديولوجية، سيتم طرده خارج "الجيتوهات الإسلامية"، وإلحاقه بالعلمانيين فوراً (حزب التيار المصري مثال نموذجي)، لكن الأكثر تأكيداً؛ أنّه لا يعقل أن يخرج إسلاميو المهجر من حين لآخر بمبادرات من قبيل "لم شمل القوى السياسية"، و"تصحيح المسار "بهدف معارضة الاستبداد مع إبقاء ثوابت/ كوارث الإسلاموية دون مساس!".

اقرأ أيضاً: حكيم القروي: يجب على المسلمين أن ينتظموا ضدّ الإسلاموية
تراجع الزخم الإسلامي في مصر بفعل المشهد السياسي المشحون ضدّ "ثوابت الإسلام السياسي" بالذات (بما في ذلك العلاقة الإشكالية بين الدين والسياسة)، وهو ما يفرض على أيّة حركة، مجموعة، مبادرة أن تتخلى عن اعتبار الإسلام برنامجاً سياسياً، أو تصوُّر إمكانية "خلق مجتمع نقي"، أو نفي الحريات باسم الهوية، أو إمكانية نجاح أيّة "مجتمعات بديلة"، وهو التخلي الذي لا بوادر له بين الإسلاميين حتى اللحظة، وإن كانت هناك بوادر لرغبة انتهازية وميل لإعادة إنتاج الاستبداد مغطاة بادّعاء المظلومية.

لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في مصر، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي العودة إلى صدارة المشهد

شعبياً؛ اهتزت بعمق العلاقة (غير المُفكّر فيها) بين الدين والسياسة، ولم يعد لدى الإسلاموية جديد تقدّمه في هذا السياق، بعد أن تآكلت مصداقية "السياسية الأخلاقية"، سوى الانسياق في رِهان ملء الفراغ السياسي/ الأيديولوجي، الحاصل باستجابات وخطابات ثورية/ دينية، في واقعٍ أصبح فيه التوجس من تسييس الدين سيد الموقف في مصر.
لا يمكن الجدل بشأن ضعف وذيلية القوى العلمانية في البلاد، وهذا ما يعطي للرهان الإسلامي في العودة إلى صدارة المشهد معناه، غير أنّ العنصر الحاسم في الرهان مفقود، وهو أنّ القاعدة الاجتماعية التقليدية للإسلام السياسي (الطلبة، صغار الموظفين، صغار العاملين بالقطاع الخاص، حديثو التمدّن) أصبحت على قناعة أكيدة بأنّ تأسيس نظام يوتوبي مسألة مُكلفة ومُهلكة دون جدوى، وقد دفعت هذه القاعدة بالذات أثماناً باهظة في خضم التحولات الراديكالية التي طالت البلاد؛ فتكيفت مع الواقع الجديد، وهو تكيُّف متوقع سوسيولوجياً.

اقرأ أيضاً: لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟
أخفقت وانتهت إلى غير رجعة (ضمن لحظتنا التاريخية هذه)، كلّ مساعي الإسلاموية لفرض نظام شمولي (يبشر باستبداد هوياتي أعمق وأشد بأساً من أيّ استبداد عرفه العالم)، وعلى العكس؛ أسفرت هذه المساعي بالذات عن تأكيد تهميش الإسلاميين أكثر من أيّ وقت مضى، وتعدّى الأمر تحطُّمهم السياسي إلى اندلاع مواجهات أيديولوجية وثقافية شعبية مع خطابهم، وهو ما يعرّضهم لنبذ اجتماعي أشدّ وقعاً من عزلهم السياسي بقانونٍ ما مفروض من أعلى.

للمشاركة:

منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات

2020-02-16

استخدمت جماعة الإخوان القنوات الفضائية المحتضَنة تركياً، وشبكة الإنترنت، كقوة تمدّها بحرية الحركة، بعيداً عن المراقبة، واستطاعت أن تفعل ذلك باقتدار، فجعلتها وسيلة للاستقطاب والحشد وحشر الخصوم في الزاوية، إلا أنّ فشل الجماعة على المستوى العام، وعمليات الإغراق بتفكيك الأيديولوجيا الإخوانية، وتقديم خطاب إسلامي متسامح، أدّى وفق مراقبين إلى تراجعها؛ حيث ضاع الهدف وخبا الوهج.
قنوات الإخوان الآن
منذ أن صدرت صحيفة "الإخوان"، ثم تبعتها صحيفة "النذير"، وبعدها مجلة "الدعوة" (التي توقفت عام 1955، ثم أعيد نشرها في السبعينيات، وعادت للتوقف مرة أخرى)؛ سعت الجماعة إلى أن تكون لها منابر إعلامية تهدف من خلالها تعزيز خطابها الإسلاموي، والتبشير بالإسلام السياسي، ودعم التنظيمات للوصول إلى سدة الحكم.

اقرأ أيضاً: كيف يسهم دمج الإعلان بالإعلام في تضليل المتلقي وخداعه؟
ومع انطلاق الإخوان في مصر، في السبعينيات وحتى فترة التسعينيات، بدأت الجماعة في المرحلة الإعلامية الثانية، التي ركّزت جهودها فيها على اختراق الصحف الحزبية، حيث كان ممنوعاً عليها في هذا التوقيت إصدار صحف بشكل قانوني.

وعام 2003 بدأت مرحلة جديدة في الإعلام الإخواني، وهي التي ركّزت فيها الجماعة على الاستقطاب عبر الإنترنت، وفي هذا الوقت كانت تنتج خطاباً مدنياً خدّاعاً من أجل جذب شرائح جديدة من المجتمع.
وفي المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة ثورات الربيع العربي، امتلكت الجماعة أكثر من 20 وسيلة إعلامية، كانت على رأسها "قناة 25"، وهي القناة الرسمية للجماعة، و"رابعة"، قناة "وطن"، وقناة "الشرق"، وفي هذا التوقيت حاربت الجماعة مدونات أعضائها لتحصر خطابها في يد مسؤوليها الإعلاميين.

تراجع زخم قنوات الإخوان بسبب قوة مؤسسات الدولة المصرية، ما تسبّب في يأس كثير ممن راهنوا على شعاراتها التحريضية

أحصى د. شريف درويش اللبان، في دراسة حول إعلام الإخوان بمصر، عشرات المواقع والقنوات، منها:
- "نافذة مصر" (Egypt window): باللغة العربية على شبكة الإنترنت.
- "الدعوة" (Ikhwanwikipedia).
-  موقع "إخوان أون لاين" (Ikhwanonline) باللغة العربية على شبكة الإنترنت، منذ عام 2003.
- موقع "إخوان ويب" (Ikhwanweb) باللغة الإنجليزية على شبكة الإنترنت منذ عام 2005.
- موقع "إخوان تيوب" (Ikhwantube) باللغة العربية على شبكة الإنترنت منذ عام 2009.
- موقع "إخوان ويكيبيديا" (Ikhwanwikipedia) باللغة العربية على شبكة الإنترنت منذ عام 2009
- قناة "مصر 25".
- حساب جماعة الإخوان المسلمين على الفيس بوك منذ عام 2011.
- حساب جماعة الإخوان المسلمين على تويتر منذ عام 2011.
- صحيفة "الحرية والعدالة".
- بوابة "الحرية والعدالة" على شبكة الإنترنت، باللغتين العربية والإنجليزية، منذ عام 2011.

يقول الدكتور شريف درويش إنّ جماعة الإخوان المسلمين استخدمت شبكة الإنترنت كقوة تكنولوجية فريدة، بعيداً عن المراقبة، لا سيما في العقد الأخير من حكم مبارك، وهو ما مكّنها من السيطرة على السلطة بعد سقوطه، وقد حرصت على التواصل مع الغرب والخارج، فأنشأت موقع "إخوان ويب".

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
عقب سقوط حكم الجماعة بمصر كانت الخطة، وفق ما ورد في تقارير صحفية مصرية، اللعب على الملف الحقوقي، وطرح ملف المصالحة وتسويق الخلاف الإخواني على أنّه بين فريقين أحدهما لا يريد العنف.
وعن طريق الحسابات الوهمية بمواقع التواصل، ومئات الصفحات، ووسائل الإعلام البديلة، مثل: الفيديوهات القصيرة، والصحف التي تمّ شراؤها بدأت مرحلة جديدة في إعلام الجماعة، كانت على رأسها أكثر من 10 قنوات محتضنة تركياً، انتهت الآن إلى قناتين أو ثلاث، عقب مشكلات لا حصر لها في التمويل، والاتهامات بالعمالة، وضياع حقوق العمالة، والدليل تلك التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام يوم 20 أيلول (سبتمبر) 2017 للعاملين بقناة "الشرق" حول استخدام عمال القناة في خدمة القائمين عليها، والأجور المتدنية، ثمّ صدور تكليف لعزام التميمي بإدارة القناة، وأيضاً التسريب الخاص بالمذيع الإخواني، طارق قاسم، حول الفساد الذي ينخر بقنوات الإخوان.
قنوات الإخوان والوهج الذي خبا
يرى مراقبون أنّ وهج قنوات الإخوان قد خبا لأسباب أسبق من الخطاب، ومنها أنّ عصر السوشيال ميديا، وظهور شخصيات معارضة، مثل المقاول الهارب محمد علي، سحب البساط من تحت قنوات الإخوان، التي تتكلم طوال الوقت عن السلبيات دون طرح إيجابية واحدة بمصر، وبعدها انسحاب المقاول من المشهد، ليخبو وهج الجميع.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟
يقول الباحث المتخصص بالإسلام السياسي، مصطفى زهران، في تصريح لـ"حفريات": ساهم ظهور المقاول المعارض، محمد علي، ومن خلال توظيفه السوشيال ميديا كمنصة إعلامية، وعلى خلاف ما هو قائم وسائد لدى بقية المعارضين عبر الفضائيات وما شابه، في سحب البساط من تحت هذه المنصات جملة واحدة، وذلك يرجع لعدة عوامل، أبرزها:
حجم الحرية التي يتّسم بها خطابه عن نظرائه من المعارضين؛ كونه المتحكّم الأول والمراجع النهائي لنفسه دون حدودٍ أيديولوجية حاكمة، أو محظورات إعلامية محددة، وقدرته التعبيرية من خلال حديث أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى، وبطريقة تجاوزت أداء معتز مطر، ما أثنى الأخير عن كرسي صدارة الإعلام الإخواني.

وأخيراً، وفق زهران، حين أعلن علي اعتزاله سقطت كافة المنصات المعارضة جملة واحدة، نتيجة حجم الإرباك التي حدث لها، وتفتت الجمهور المتلقّي وتشتّته، فضلاً عن النتيجة السريعة التي حدثت بإعلان فشل الجميع في المعارضة الإعلامية بالخارج.
آخرون خلطوا كثيراً بين إعلام الإخوان والرسالة والخطاب، الذي عدّوه مضللاً، ويوجد فيه خلل كبير، وهو ما أسقط تلك السياسة الإعلامية.
يقول الباحث ممدوح الشيخ، في دراسته المعنونة "في نقد خطاب الإسلاميين الإعلامي": إنّ من أهم أوجه الخلل:
1- التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.

استخدم "الإخوان" شبكة الإنترنت كقوة تكنولوجية فريدة بعيداً عن المراقبة، لا سيما في العقد الأخير من حكم مبارك

2- تفسير الظواهر كلّها بردّها إلى مبدأ أو علة أولى تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية.
3- الاعتماد على سلطة السلف، أو التراث، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية إلى أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل عن النصوص الأصلية.
4- اليقين الذهني والحسم الفكري القطعي ورفض أيّ خلاف فكري، إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل، دون الأسس والأصول.
5- إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل.
ويعتقد المنشق عن الإخوان، طارق البشبيشي، في تصريح لـ"حفريات"، أنّ تأثير قنوات الإخوان تراجع إلى حدّ ما، وذلك بسبب مرور الوقت وفشل التنظيم في تحقيق أيّ هدف وعد به، ووفق قوله؛ ربما ينطبق هذا التراجع على حلفاء الجماعة المعارضين للنظام المصري، لكنّهم ليسوا إخواناً، وهؤلاء يئسوا تماماً من تحقيق أيّ هدف تبشّرهم به الجماعة، وأما كوادر التنظيم المغيبين فلا فائدة من أيّة وقفة محاسبة أو مراجعة للوهم الذي يعيشونه.
يؤكّد البشبيشي؛ أنّ من أسباب تراجع زخم هذه القنوات قوة مؤسسات الدولة المصرية وامتلاكها لزمام المبادرة، مما تسبّب في يأس كثير ممن راهنوا على شعاراتها التحريضية، وانكشاف المستور عن حجم التمويل والصراعات الداخلية.

الأستاذ في معهد الفنون المسرحية، والناقد السينمائي أحمد الحناوي، قال لـ"حفريات": "لم تكن جريدة الحرية والعدالة "لكلّ الناس"، كما قالت في عبارة عبر "الترويسة"، بل جاءت متحدثة بلسان الإخوان فقط وسياساتهم، كما أنّ ميلودراما وتوجيهات القنوات الفضائية الإخوانية لم تكن شريفة من الناحية الاجتماعية، ولم تلتزم بمواثيق العمل الإعلامي، وانتهجت مبدأ الغاية تبرّر الوسيلة، بتحقيق أيديولوجياتها الخاصة، بتوجّه سياسي أو اقتصادي أو ديني، غير ملتزم بالحيادية المهنية، من خلال عرض المقطع السمعي أو الصوتي لشخصية عامة في أحد المجالات، معتمدةً على إستراتيجية هجومية (The fire-targeted strategy) تقوم فيها بالتهوين من قيمة آرائه لدى المشاهدين، بل والهجوم الشخصي عليه، بالربط بين تصرفاته الخاصة أو العامة، وما تقوله أثناء المقطع الذي تقوم بتحليله من خلال المونتاج، بتقطيع اللقطات بطريقة تضعف قيمة آراء المتحدث، مستخدمة تقنيات الميلودراما نفسها، التي ترى أنّ الشخصيات خيرة تماماً، أو شريرة تماماً، وتمثيل الفضيلة في الفقر والبساطة، وتمثل الرذيلة في المركز الاجتماعي، وإغراق العقل في العاطفة وفيض الدموع، وهذه التقنيات هي بالفعل التي تنتهجها القنوات الإخوانية من محاولات الشيطنة لبعض الشخصيات والرموز السياسية، وإظهار ما تنتمي إليه من رموز، سواء دولية أو إقليمية، على أنّها الحملان الوديعة، رغم ما بها أو عليها من مؤاخذات، إضافة إلى إغراق المشاهدين في سيل من العواطف الجياشة تجاه بعض القضايا، التي تمثل ثقلاً عاطفياً لدى الجماهير العربية، كقضية القدس أو قضايا القومية العربية، وما يكتنفها من خذلان يكلّل الجميع، ومحاولات تلبيس هذه القضية في وجدان الجماهير على أنّ السبب الرئيس فيها هو بقاء تلك الأنظمة الاستبدادية رهينة ببقاء القدس في براثن العدو الصهيوني، في حالة مزاوجة بين تلك القضية، وما يطرحه المذيع من قضايا ليست لصيقة بتلك القضية ومنحاها العاطفي الذي يقوم بطرحه، فيقوم مقدمي البرامج على الدوام بوصم الأنظمة بالصهيونية أو محاولة الشيطنة، ويأتي هذا الهجوم مقابل استخدام إستراتيجية تدعيمية (The Advocated strategy) حيال الأشخاص أو المصادر التي توافقه الرأي، أو تنتمي للتوجه السياسي أو الديني نفسه، والتنوير على هذه الآراء باعتبارها أفكاراً مقبولة اجتماعياً، وتحوز الإجماع المنطقي لذوي العقول الراجحة في المجال نفسه.

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
ويلاحظ المراقب الفطن، كما يقول الحناوي، حجم التحيز الذي ينتهجه المعدّ/ المقدّم/ المؤدي تجاه الدولة، في محاولة بناء إستراتيجية للإجماع العام (The consensus-building strategy) على ما يود طرحه من مواضعات، وإظهارها على أنّها قضايا مصيرية تمثل تحدياً اجتماعياً، وأنّ مفاتيح حلّها لن تتأتَّى سوى بالتوافق مع مجموع ما طرحه من آراء وحلول ناجزة حول القضية مثار النقاش.

للمشاركة:



تحذيرات دولية من استمرار انتهاكات أردوغان لحظر الأسلحة على ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حذّرت نائبة المبعوث الأممي إلى ليبيا، ستيفاني وليامز، من خطر انتهاك القرار الأممي بفرض حظر للأسلحة على ليبيا، مؤكدة أنّ لديها الآن أسلحة متطورة جداً، وأنّ هذا الأمر يهدّد الأمن المحلي والدولي.

وقال وليامز، في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس: "هناك انتهاكات خطيرة جداً تحدث، في البرّ والبحر والجو، ولا بدّ من مراقبتها ومحاسبة المسؤولية عنها"، مضيفة أنّ "ليبيا لديها أسلحة متطورة جداً، وهذا يهدّد الأمن المحلي والدولي"، وفق ما أوردت "سبوتنيك".

وأكدت نائبة المبعوث الأممي إلى ليبيا؛ أنّ "الوضع الميداني في ليبيا هشّ ومقلق"، مشيرة إلى أنّ لجنة متابعة مؤتمر برلين ستتمع مجدداً، في 26 من الشهر الجاري.

ستيفاني وليامز: ليبيا لديها الآن أسلحة متطورة جداً وهذا الأمر يهدّد الأمن المحلي والدولي

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت، في وقت سابق اليوم، خطة الاستجابة الإنسانية 2020 في مدن طرابلس وبنغازي وسبها الليبية، في مسعى لجمع ما يقرب من 115 مليون دولاراً أمريكياً، لتوفير الدعم لمن هم في حاجة إليه.

هذا وقد أكّد المشاركون في مؤتمر ميونخ حول ليبيا، الأحد، على ضرورة الالتزام بمخرجات مؤتمر برلين، الذي عقد في 19 كانون الثاني (يناير) الماضي.

وشدّد المجتمعون على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار في البلاد التي مزقتها الحرب منذ أعوام، وحظر الأسلحة، وناقشوا الخروقات الأخيرة لوقف النار وحظر السلاح، لا سيما في العاصمة طرابلس، التي شهدت خلال الأيام الماضية، تجدداً للاشتباكات، بمشاركة المرتزقة السوريين.

وفي سياق متصل؛ كشفت إذاعة "يورب1" الفرنسية، في تقرير لها، اليوم، وقائع تؤكد انتهاك تركيا لقرار حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا.

مؤتمر ميونيخ يناقش الخروقات الأخيرة لوقف النار وحظر السلاح في ليبيا ومشاركة المرتزقة السوريين

وقالت الإذاعة؛ إنّها حصلت على معلومات وأدلة تؤكد انتهاك تركيا قرار حظر الأسلحة، أبرزها رصد سفينة تحمل اسم "ميدكون سينوب" وصلت إلى المياه الإقليمية الليبية.

وأشارت إلى أنّ السفينة وصلت برفقة فرقاطتين تابعتين للبحرية التركية، "جوكسو" مسجلة برقم F497 والفرقاطة الثانية "جوكوفا" مسجلة برقم F496  ، وكان دورهما هو حظر كلّ  مراقبة ومصادرة الشحنة.

وتحت عنوان "أدلة اختراق تركيا لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا"، لفتت الإذاعة الفرنسية إلى أنّ تركيا تتجاهل تنديد الأمم المتحدة، مراراً وتكراراً، بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا.

وأضافت أنّ القوات البحرية الفرنسية رصدت هذه التحركات التركية في البحر المتوسط منذ بداية العام الجاري.

وأشارت الإذاعة الفرنسية إلى أنّه "حتى وقت قريب، استمرت انتهاكات حظر الأسلحة التركية"، وتابعت: "الأربعاء الماضي، بينما اعتمد مجلس الأمن الدولي قراراً يدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، كانت سفينة تركية تحمل شحنة أسلحة متجهة إلى المليشيات الليبية في ميناء مصراتة".

وصل 4700 مرتزق سوري إلى ليبيا وهناك 1500 آخرون بقوائم الانتظار لنقلهم من شمال سوريا

وأكدت الإذاعة الفرنسية؛ أنّ الأسلحة التركية تمّ تسليمها للميليشيات الليبية، والمرتزقة السوريين، مشيرة إلى أنّه "وصل بالفعل 4700 مرتزق سوري، وهناك 1500 آخرون على قوائم الانتظار، لنقلهم من شمال سوريا، حيث يشاركون في الهجوم التركي ضدّ الأكراد تحت راية الجماعة الإرهابية".

وأضافت: "على الجبهة الليبية، يتحرك المرتزقة الأتراك ضدّ قوات الجيش الوطني، تحت إشراف وتدريب القوات الخاصة التركية".

للمشاركة:

حركة النهضة الإسلامية تعرقل تشكيل الحكومة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

تحاول حركة النهضة الإسلامية مرة أخرى عرقلة تشكيل الحكومة التونسية، برئاسة إلياس الفخفاخ، بحثاً عن مكتسبات حزبية ضيقة.

وأعلن رئيس الحكومة التونسي المكلف، أمس، تشكيلة حكومته التي سرعان ما اصطدمت بعقبة إعلان حركة النهضة الإسلامية انسحابها منها، وفق "فرانس برس".

وضمّت تشكيلة الفخفاخ العديد من الوزراء الذين ينتمون إلى حركة النهضة التي آثرت إعلان انسحابها حتى قبل الكشف عن أسماء الوزراء رسمياً.

رئيس الوزراء التونسي يقدّم تشكيلته الحكومية ويعلن أنّ حركة النهضة أعلنت انسحابها من التشكيلة

وقال الفخفاخ، خلال تقديم حكومته من قصر قرطاج، في كلمة نقلها التلفزيون التونسي: إنّ "شريكاً أساسياً، وأعني حركة النهضة، التي اختارت الانسحاب، عشية اليوم، وقبل ساعة من الإعلان عن هذه التركيبة".

وأضاف: "النهضة قررت أيضاً عدم منح حكومتنا الثقة"، وذلك بسبب "عدم إشراك حزب قلب تونس في الائتلاف الحكومي".

ولفت إلى أنّ؛ هذا القرار "يضع البلاد أمام وضعية صعبة".

وتزعم الحركة أنّها تريد حكومة وحدة وطنية تشمل حزب "قلب تونس"، الذي يعدّ ثاني أكبر الأحزاب في البرلمان بـ 38 مقعداً، ويتزعمه رجل الإعلام والمرشح الرئاسي الخاسر نبيل القروي.

لكن الفخفاخ قال إنّه اتفق مع الرئيس للبحث عن حلول من خلال الخيارات الدستورية والقانونية والسياسية المتاحة، في إشارة إلى أنّ حكومته يمكن أن تخضع للتعديل.

وتصدّرت حركة النهضة انتخابات تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّها لم تتمكن من إحراز الغالبية.

وقال رئيس مجلس الشورى في النهضة، عبد الكريم الهاروني، في تصريح صحفي: "قررت حركة النهضة عدم المشاركة في الحكومة أو في التصويت على الثقة".

ولنيل الحكومة ثقة البرلمان عليها أن تحوز على أصوات 109 نواب من أصل 217 يتشكّل منهم مجلس نواب الشعب.

وانخرط الفخفاخ في السياسة، بعد ثورة عام 2011، في صفوف حزب التكتّل الاجتماعي الديمقراطي الذي تحالف مع النهضة في حكومة "الترويكا".

وفي أواخر 2011؛ عيّن الفخفاخ وزيراً للسياحة، قبل أن يتولى وزارة المالية، في كانون الأول (ديسمبر) 2012، وهو منصب استمرّ فيه لغاية كانون الثاني (يناير) 2014.

في حال عدم تشكيل حكومة بحلول 15 آذار (مارس) بإمكان الرئيس حلّ البرلمان والدعوة الى انتخابات جديدة

وفي 2019؛ خاض الفخفاخ الانتخابات الرئاسية مرشّحاً عن "التكتّل" لكنّه لم يحز سوى على 0,34% من الأصوات.

وكان الرئيس التونسي، قيس سعيّد، قد كلّف الفخفاخ وزير المالية السابق تشكيل حكومة جديدة، وذلك بعد فشل حكومة سلفه حبيب الجملي، مرشّح النهضة، في نيل ثقة البرلمان.

وإضافة إلى الأزمة السياسية الراهنة، تكافح تونس لتلبية متطلبات شعبها؛ حيث يتوقع أن تنتهي، في نيسان (أبريل)، حزمة مساعدات اقتصادية من صندوق النقد الدولي بدأت عام 2016.

وفي حال عدم القدرة على تشكيل حكومة، بحلول 15 آذار (مارس)، بإمكان الرئيس قيس سعيّد، حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.

 

للمشاركة:

ماذا فعلت القوات المسلحة الإماراتية في اليمن؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

لم يقتصر دور القوات المسلحة الإماراتية على مشاركتها العسكرية الفعّالة في تحرير المحافظات اليمنية، وتأمينها ومحاربة الإرهاب فيها؛ بل كان لهذه القوات دور إنساني كبير منذ اللحظات الأولى لانطلاق عاصفة الحزم، وهو ما ساهم في تخفيف معاناة أبناء اليمن.

دور الإمارات، منذ آذار (مارس) 2015، اتخذ 3 مسارات بشكل متزامن: الأول مسار عسكري، والثاني تطبيع الحياة وإغاثة أبناء المحافظات المحررة، والمسار الثالث تأمين المحافظات المحررة ومحاربة الإرهاب، وفق ما أوردت صحيفة "البيان" الإماراتية.

الإمارات اتّخذت 3 مسارات في اليمن: الأول عسكري، والثاني إغاثي، والثالث تأمين المحافظات ومحاربة الإرهاب

كما لعبت القوات المسلحة دوراً مهماً وبارزاً في عملية تأمين وصول المساعدات الإنسانية وإيصالها إلى مناطق الصراع، وكذلك إجلاء الآلاف من جرحى الحرب من مختلف المحافظات اليمنية والذين تكفلت الإمارات بنفقة علاجهم في الخارج.

وقدّمت الإمارات مساعدات إغاثية وداعمة الاستقرار تقدر بقرابة ستة مليارات دولار من خلال المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إضافة إلى إعادة بناء المستشفيات والمدارس، والبنية التحتية، مثل أنظمة الماء والكهرباء، كما تمّ توزيع عشرات الآلاف من الأطنان كتموين ومواد غذائية.

وساهمت القوات المسلحة الإماراتية في مساعدة عدن عقب تحريرها؛ حيث تدفقت سفن وطائرات الإغاثة، وتمّ توزيعها على مختلف المحافظات المحرّرة، ليسهم ذلك في تطبيع الحياة والتخفيف من معاناة اليمنيين. وساهمت القوات المسلحة أيضاً في إعادة تأهيل وصيانة مطار عدن الدولي، بهدف استقبال النازحين الذين غادروا عدن بسبب الحرب، واستقبال طائرات الإغاثة التي جاءت من مختلف دول التحالف العربي.

القوات المسلحة لعبت دوراً مهماً في تأمين وصول المساعدات الإنسانية وإجلاء آلاف الجرحى لعلاجهم في الخارج

ونظمت القوات المسلحة، عقب الحرب، عملية إجلاء الجرحى عبر مطار عدن الدولي، ورغم صعوبة الأوضاع الأمنية في عدن بعد تحريرها، إلا أنّ القوات الإماراتية بذلت جهوداً كبيرة للتخفيف من معاناة الجرحى، من خلال تسهيل إجراءات سفرهم.

أما في منطقة الساحل الغربي؛ فقد لعبت القوات المسلحة دوراً إنسانياً مهماً وبارزاً في مساعدة أبناء مناطق الساحل الغربي، منذ بدء عمليات تحرير منطقة باب المندب، نهاية عام 2015، وكان هناك عمل إنساني كبير متعدّد الأوجه لهذه القوات، التي وضعت نصب أعينها مساعدة أبناء هذه المناطق في مواجهة الظروف الصعبة.

كما أشرفت القوات المسلحة على تأمين وصول فرق الهلال الأحمر الإماراتي والمنظمات الأجنبية العاملة في اليمن، بهدف تلمّس احتياجات سكان تلك المناطق، والمساهمة في إعادة تأهيل القطاعات الخدمية.

ولمس اليمنيون في شتى المحافظات أنّ القوات المسلحة الإماراتية لعبت دوراً ليس فقط بدعم تحريرها، ولكن من خلال تأمين وصول المساعدات إلى مختلف مديريات المحافظة التي ظلت لأعوام تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وهذا الدعم ما يزال متواصلاً.

القوات الإماراتية أشرفت على تأمين وصول مساعدات الهلال الأحمر والمنظمات الأجنبية العاملة في اليمن إلى المنكوبين

وساهمت القوات المسلّحة، إلى جانب الفرق العسكرية المتخصصة بنزع الألغام وفتح الطرقات والممرات الرئيسة، وفي توعية اليمنيين، خاصة الأطفال، بمخاطر الألغام.

نتج عن تلك الجهود تشكيل فرق توعية مجتمعية وصلت إلى مئات اليمنيين في المناطق المحررة في الساحل الغربي من المخا تعز إلى الخوخة وحيس والدريهمي والتحيتا في الحديدة.

وقامت القوات المسلحة الإماراتية بدور الإسعافات الأولية، حين هرعت لإنقاذ وإسعاف الأطفال ضحايا الحرب، كما أسهمت في مساعدة ضحايا الألغام، ونقلهم إلى مستشفيات الداخل والخارج للعلاج.

هذا وقد بلغ إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20. 5.59 مليارات دولار؛ ثلثي المساعدات خُصّصت للمشاريع التنموية، واستفاد منها ملايين اليمنيين في ٢٢ محافظة.

 

 

للمشاركة:



هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

بُراق تويغان

العلاقات التركية الروسية تشهد أكثر أيامها توترًا بعد وقوع حادثة إسقاط الطائرة الروسية في 2015. وإن إرسال آلاف الجنود ومئات العربات المدرعة إلى المنطقة من أجل إيقاف التقدم السريع لقوات النظام السورية المدعومة من روسيا في إدلب، والتحرّك السريع للقوات المسلحة التركية الذي تمّ في أعقاب ذلك بتعليمات من الرئيس رجب طيب أردوغان جعل كلًّا من أنقرة وموسكو في مواجهة مباشرة.
وفي هذه المرحلة يبقى أمام موسكو خياران: إما أن تتخذ موقفًا إلى جانب الزعيم السوري بشار الأسد فتُصدر إنذارًا لأنقرة كي تسحب جنودها، وإما أن تتغاضى عن تقدم القوات المسلحة التركية. وهناك خيار ثالث أيضًا يتمثل في تجميد الاشتباكات في الوقت الراهن، على غرار قرارات وقف إطلاق النار السابقة. إلا أنه لا يبدو ممكنًا في الوقت الراهن أن يتراجع أردوغان خطوة إلى الوراء، لا سيما في ظل وجود الدعم الجديد الذي تلقاه من الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو.
وقد أرسلت موسكو وفدًا إلى أنقرة مرتين لوقف أردوغان، ويوم الثلاثاء أيضًا أعلن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أن أردوغان أجرى مكالمة هاتفية مع بوتين. لكن الكرملين أعلن أنه ليس هناك قرار حول لقاء الرئيسين في هذا الاتجاه. ولا يُعرف ماذا يعني عدم لقاء بوتين مع أردوغان: هل هو احتجاج مثل ما فعلته تركيا عبر امتناعها عن الخروج في دورية مشتركة مع روسيا في شمال سورية، أم أنّه حادثة إساءة فهم كثيرًا ما تحدث في الدبلوماسية التركية.
ولأسباب ظاهرة مثل محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، وتصرف الدول الغربية بحذر إزاء خطاب أردوغان عن الانقلاب في أعقاب تلك الحادثة، والخلاف القائم مع الولايات المتحدة الأميركية حول صواريخ باتريوت، فقد تطورت العلاقات بين تركيا وروسيا من الوقوف على حافة أزمة إلى تعاون وثيق، بل وحتى إلى زواج استراتيجي يتم تفسيره على أنه تحول محوري. فبموافقة البلدين بدأت قوات النظام السوري في استعادة الأراضي التي كانت خسرتها أمام جماعات المعارضة في وقت قصير منذ عام 2012. وفي المقابل نفذت تركيا أيضا عمليات "غصن الزيتون" و"درع الفرات" العسكرية، وسيطرت على عفرين مع خط جرابلس-الباب.
ولكن بالرغم من اللقاءات المتكررة ومشاهد الحفاوة الروسية مثل الإكرام بالمثلجات والتي عُرضت أمام الكاميرات، فقد ذُكر مرارًا وتكرارًا في الكواليس الدبلوماسية أن الزعيمين لا يثق أحدهما بالآخر أبدًا.
والواقع أنه بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، كانت عبارات بوتين بصفة خاصة والموجهة لأردوغان مثل"لقد طُعنوا في الظهر من قبل المتعاونين مع الإرهابيين" و"أم أنكم وضعتم الناتو في خدمة داعش الميليشيا الإرهابية" في إشارة إلى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي لا تزال تحتفظ بنضارتها وبحضورها في الأذهان. ولم يقف بوتين عند هذا، بل لم يرد على اتصالات أردوغان، ورفض أيضًا طلبه الاجتماع في قمة المناخ التي انعقدت في باريس.
إن إقامة الزعيمين جسور الصداقة فيما بينهما، بينما يشنّان في الوقت نفسه حربًا بالوكالة ضد بعضهما البعض في سورية التي تُعدّ واحدة من أكثر ساحات الحروب دموية في القرن العشرين، تشكل واحدًا من الأمثلة النادرة في التاريخ حول السياسات الدولية المُتناقضة.
وليس في سوريا وفي ليبيا وفي مناقشات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط فحسب، بل في كل مجال تقريبًا، ولا سيما في مشاكل بحر إيجة وقبرص، والقوقاز، والبلقان وآسيا الوسطى، يوجد لدى روسيا سياسة واضحة ضدّ تركيا تمامًا.
إلا أن أردوغان مضطر لإقامة صداقة مع بوتين. فعلى حين أن علاقاته مع الغرب صارت في الحضيض باتت روسيا تمثل المخرج الوحيد بالنسبة له. إلا انه تبيَّن من خلال التطورات الجارية في إدلب أنّ شهر العسل هذا لن يستمر طويلًا جدًا.
هناك تحليلات تُنشر مرارًا وتكرارًا تدور حول أن أردوغان لن يواجه أزمة مع روسيا وهو في خضم أزمة اقتصادية، وتراجع شعبيته بسرعة، وعدم قدرته على الكشف عن قصة أو بطولة جديدة، والزعم بأنه سيقع مرة أخرى في مواجهة مع أرغنكون. ومع ذلك، هناك شبكة علاقات تمثل أحد الأمور التي لن تستطيع روسيا وبوتين أيضًا أن تتجاهل فيها أردوغان وتركيا بسهولة.
ومما لا شك فيه فإنه يأتي على رأس شبكة العلاقات هذه فائض التجارة الخارجية الكبيرة الذي تحقق لصالح تركيا. فوفقًا لأرقام 2018 فإنّ التجارة بين البلدين بلغت نحو خمسة وعشرين مليار و500 مليون دولار، حوالي أربع مليارات دولار منها تمثل صادرات تركيا إلى روسيا. ففي صفقة واحدة باعت روسيا أنظمة الدفاع الصاروخية إس-400 بقيمة مليارين و500 مليون دولار. وقد صرح أردوغان وبوتين أنهما يريدان زيادة حجم التجارة الثنائية إلى مائة مليار دولار في المستقبل القريب.
وعلى سبيل المثال، تبلغ تجارة روسيا الخارجية مع إيران حليفتها في سوريا، حوالي ملياري دولار فقط.
ومن التطورات الجديدة التي عززت يد أردوغان ضد بوتين إطلاق خط أنابيب الغاز الطبيعي "تورك ستريم" في يناير الماضي. وعلى الرغم من أن قدرة نقله للغاز ليست عالية جدا إلا أن القدرة على مواصلة فعاليات هذا المشروع الذي يكلف مليارات الدولارات تخضع لسيطرة تركيا.
أولا: على الرغم من أن البلدين لم يتواجها بشكل جاد في سوريا حتى الآن، فإن علاقات تركيا الوثيقة مع الجماعات الموجودة في سوريا تشكل رادعًا رئيسيًا. ولا يمكن لنظام الأسد أن يحمي أرضه ضد المنشقين وجماعات القاعدة بدون روسيا وإيران. وبالتالي فإن أي توتر قد ينشأ مع تركيا ربما يهز عرش روسيا في سوريا.

ثانيا: بدء تركيا في تحسين علاقاتها مع الغرب من جديد ربما يقوض أحلام روسيا في أن تُصبح قوة عظمى مرة أخرى في الشرق الأوسط. وبسياسة مشابهة لاستراتيجية تركيا في أن تصبح صاحبة القوة في الشرق الأوسط عبر الإخوان المسلمين تقترب روسيا من تركيا. وبعد سورية بدأت موسكو تتبع مسارًا مماثلًا في ليبيا.

ثالثا: قد لا يكون من الممكن لشخص يأتي بدلًا عن أردوغان حال ضعفه كرئيس، أن يُكوِّن علاقات مع روسيا بنفس المستوى. وبالتالي فإن بقاء أردوغان في مقعد السلطة بشكل قوي أمر ضروري بالنسبة لمصالح روسيا في الوقت الراهن.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

مقتدى الصدر والمرأة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حازم صاغية

حين بدأت تتشكّل الأحزاب الحديثة في العالم العربيّ، استلّ التقليديّون في وجهها سيف الأخلاق. فالحزبيّون بلا أخلاق، والدليل اختلاط الرجال بالنساء فيها.
تتمّة الشتيمة كانت متوقّعة: في تلك الأحزاب المختلطة، تحدث أمور شائنة، بما فيها سفاح القربى.
السيّد مقتدى الصدر يعيد إلى الصدارة، بعد قرابة ثلثي قرن، ذاك النقد الذي واجه به العالمُ القديم، الضعيف الحجج، عالماً جديداً بأفكاره وتنظيماته ومؤسّساته. لكنّه، بدل الأحزاب بالأمس، يركّز اليوم على التظاهرات والاعتصامات التي تشهدها الثورة العراقيّة. يقول، هو وأصحابه في بعض تغريداتهم، إنّ هذا الاختلاط ينافي الأخلاق والدين والقيم والوطنيّة، وأنّه بالضرورة مصحوب بتعاطي المخدّرات والكحول. يحذّر من التحوّل إلى... شيكاغو!
بالطبع لا يملك مقتدى العدّة الفكريّة لمثقّفين كليو ستراوس نقدوا الحداثة بجذريّة، مستندين إلى قافلة من الفلاسفة تبدأ بأفلاطون ولا تنتهي بابن ميمون.
أفكار مقتدى، في المقابل، يمكن الاستدلال عليها، بين أمثلة عدّة، في مثلين باهرين: مرّة هاجم كرة القدم وركْضَ الشبّان وراء كرة، بدل أن يركضوا وراء الفروسيّة والمبارزة. لم يكتفِ بهذا، بل جزم بأنّ الغرب، «وخصوصاً إسرائيل واليهود»، تركوا ألعاباً كهذه لنا، كي نتلهّى بها، بينما انصرفوا هم إلى العلوم والتقدّم.
وفي مرّة أخرى أفتى، فيما عُرف بفتوى «الحواسم» التي أريد لها أن تمهّد لمعاركه مع الأميركيّين، بإجازة أعمال السرقة والنهب شريطة أن يُقدّم خُمس الأسلاب له ولمؤسّساته.
لكنّ أفكار الصدر لا يمكن التعامل معها إلاّ على مدى زمني طويل. فالثورة الراهنة شارك في الدعوة إليها، وانخرط فيها، وانسحب منها، وعاد إليها، ثمّ باشر قمعها بأقسى من أي قمع آخر. الشيء نفسه يمكن قوله عن علاقته بإيران التي أيّدها وانتقدها وهاجمها وامتدحها وانتقل، حتّى إشعار آخر، إلى العيش فيها. أمّا في العلاقة بالطائفة السنّيّة، فهو شارك بنشاط في حرب 2006 الأهليّة، وكانت «فِرق الموت» التابعة له تخرج من مدينة الصدر لتعيث قتلاً وخطفاً. لكنّه هو نفسه تضامن لاحقاً مع المحتجّين السنّة في الأنبار ضدّ حكومة نوري المالكي، وذهب أبعد بكثير، إذ اعترف بولاية الخلفاء الراشدين، ونفى أن يكون يزيد بن معاوية قد قتل الحسين بن عليّ. وقل الشيء نفسه عن التنظيمات الكثيرة التي كان يؤسّسها، وآخرها «القبّعات الزرق»، ثمّ يحلّها ويشهّر ببعضها، أو عن بعض مساعديه الذين طردهم وشتمهم ثمّ أعادهم إلى حيث كانوا مقرّبين منه.
مع هذا، فمقتدى لا يُدرَس انطلاقاً من أفكاره، ولا من تكوينه النفسي أو العصبي المتقلّب، ولا حتّى من حبّه للضجيج. لقد بات المدخل إليه، خصوصاً بعد اندلاع الثورة العراقيّة، مزدوجاً:
من جهة، لم يعد يستطيع الحفاظ على وحدة مؤيّديه من الفقراء الذين تعصف بهم الأزمة الاقتصاديّة بأكثر ممّا تعصف بسواهم. ولمّا كان «العدوّ» السنّي والكردي محتجباً عن الفضاء السياسيّ، يستحيل بالتالي التحريض عليه والتعبئة ضدّه، حفاظاً منه على تماسك قاعدته، أضحت المسألة الأخلاقيّة مُطالَبَة بأن تؤدّي هذه الوظيفة. والنساء، في نظر السيّد، خصم ضعيف يمكن أن تتكتّل في وجهه قاعدة تقليديّة ومحافظة.
من جهة أخرى، فإنّ مبدأ الطاعة العمياء الذي يربطه تقليديّاً بقاعدته لا يسري على شبيبة العراق، لا سيّما النساء، ممّن تعولمت أمزجتهم وأذواقهم، وصاروا يطالبون بالحقوق وبالمساواة والشفافيّة. هذا ما يرفع جرعة الغضب والتوتّر لديه، خصوصاً أنّ انسحابه من الثورة لم يوقف الثورة، تماماً كما أنّ مقتل قاسم سليماني لم ينجح في ذلك.
ما يهمّ، في النهاية، وعلى عكس الصورة التي يحاول إشاعتها عن نفسه كطرف محايد، فإنّ الصدر يقع في قلب السلطة التي يريد لها أن تبقى. لولاه لما شكّل عادل عبد المهدي حكومته، ولولاه لما كُلّف محمّد توفيق علاّوي بتشكيل حكومة جديدة، أمّا تحالف كتلته النيابيّة «سائرون» مع كتلة «الفتح» فهو ما يحفظ مقاليد تلك السلطة في أيدٍ طائفيّة مضمونة. إنّ ما يريده، في آخر المطاف، هو ضمان شراكته في مغانمها من موقع قويّ، مع الاحتفاظ بـ«حقّه» في الظهور على شكل معارض متذمّر يحبّ الظهور بمظهر الضحيّة.
لكنّ نساء العراق لن يكنّ الجسر الذي يوفّر له الوصول إلى ذاك الهدف. إنهنّ لم يعدن ذاك الخصم الضعيف الذي يتوهّمه السيد الصدر. لقد سقط في التظاهرات عدد من أشجع سيّدات العراق وفتياته، واعتُدي على بعضهنّ بما في ذلك حالة طعن بالسكاكين، وهنّ خرجن في تظاهرات حاشدة شهدتها بغداد ومحافظات في الوسط والجنوب كبابل وذي قار. هؤلاء بات ينبغي للسيّد الصدر أن ينتبه قليلاً حين يتحدّث عنهن.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

روحاني.. الانتحاري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-16

حسن فحص

المستمع لخطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في احتفال ذكرى انتصار الثورة الحادي والأربعين، يدرك عمق الازمة التي يمر بها النظام من جهة، والتحدي الذي تخوضه من جهة اخرى القوى والأحزاب الاصلاحية والمعتدلة ومن ورائها المدنية في معركتها السياسية والثقافية والاجتماعية دفاعا عما تبقى لديها من أمل دفاعاً عن المبادئ التي قامت عليها معادلة "الجمهورية الإسلامية" التي أسست للنظام قبل اربعة عقود، والطريق الواصل بينهما الذي يمر عبر صندوق الاقتراع وحرية الاختيار والانتخاب.

روحاني ودفاعا عما تتعرض له قوى تعتبر من صلب الكتلة الاجتماعية والفكرية والثقافية الحاملة لمشروع الثورة ورؤية المؤسس الإمام الخميني، لم يتردد في رفع الصوت وتعليق جرس الانذار محذراً من المسار الذي وصلت اليه الامور والاجراءات التي يقوم بها النظام "الإسلامي" والهادفة للاستحواذ على السلطة بكل مفاصلها مستفيدا من توظيف الآليات الدستورية والديمقراطية التي تخدم اهدافه، معتبرا ان "الحرية" كانت المطلب الأساس الذي خرج الشعب الايراني معترضا على النظام الملكي الشاهنشاهي، وان اصرار النظام السابق على حرمان الشعب من الحريات الفكرية والسياسية والثقافية هي ما أوصل الأمور الى طريق مسدود انتهت بسقوطه.

استعادة روحاني لمواقف الإمام الخميني المؤسس للثورة والنظام على الرغم من حساسيته وخطورته في المعركة السياسية والفكرية والدينية مع قوى النظام، قد تعتبر الملجأ الاخير الذي مازال متاحا امام القوى الاصلاحية التي عايشت التجربة الاولى والوعود التي حملتها في ظل دستور يقوم على اعطاء الشعب الكلمة الفصل في القرارات المصيرية، فالنظام عمل وخلال العقود التالية لوفاة المؤسس  على أن يحتكر التفسير والقراءة الصحيحة لأفكار ومواقف هذا الرجل بما يخدم السياقات والمواقف والقراءات التي تتوافق مع رؤيته وتخدم سياساته وتشكل المسوغ والغطاء لها، ما يعني بالتالي ان روحاني اختار اللعب والمواجهة في الساحة التي يعتبرها النظام خاصة به حكرا عليه، خصوصا ما يتعلق بتذكير السلطة بدور الشعب الذي مثل ويمثل في مواقف الامام الخميني اساس السلطة ومصدر شرعيتها والمقدم على كل الاعتبارات السياسية، خصوصا وانه وضع البرلمان على "رأس الامور والسلطات" وصاحب الكلمة النهائية في القرارات المصيرية مع الأخذ بالاعتبار موقع وسلطة ولي الفقيه في اطارها الدستوري والتي لم تكن مطلقة في العقد الاول من عمر الثورة والنظام، الا انها كانت تتمتع بسلطة معنوية مستمدة من الكاريزما والحضور الطاغي للمؤسس والزعيم. مع العلم ان الامام الخميني لم يعمد الى استخدام هذه السلطة الدستورية او الكاريزماتية سوى في المفاصل المصيرية مع الحرص على ان تمر عبر القنوات والقانونية والدستورية، ولعل اجراءات عزل اول رئيس للجمهورية ابو الحسن بني صدر من الرئاسة لم تصدر بقرار او "حكم ولائي" من المرشد الاول مباشرة، بل كان الحرص ان تأخذ سياقاتها القانونية وان تصدر عن البرلمان لتكون معبرة عن ارادة شعبية مصدر السلطات.

متمسكا بالبعد الجمهوري واساسه القائم على الانتخاب وحرية الاختيار، حذر روحاني السلطة وقوى النظام من مخاطر المس بهذه المسلمة، لانها تطال البعد الذي قامت من اجله الثورة، لأن "الانتخاب" هو خيار يومي للشعب الايراني منذ واحد واربعين عاما من عمر الثورة، مشيرا الى أن "في أي مجتمع يتمتع بالحرية، وتتم ترجمتها بشكل مستمر، والمجتمع الذي فيه ديمقراطية، فان الشعب هو الذي يتخذ القرار النهائي، دائما من خلال الانتخابات". وانطلاقا من هذه الرؤية التي تؤكد حرية الشعب في تقرير مصيره "قامت الثورة والنظام الاسلامي عبر الاستفتاء الشعبي الحر، وان مسار ايران قائم على الانتخابات والثورة قامت على اختيار عظيم للشعب قبل واحد وأربعين عاما واستمرت وتكاملت في الانتخابات اللاحقة"، وهذا التمسك يكشف ان المواجهة بين روحاني قد وصلت الى طريق لا عودة فيه، ولعل مسارعته كرئيس للجمهورية والسلطة التنفيذية والمؤتمن والحارس على تطبيق الدستور بالايعاز للدوائر القانونية في رئاسة الجمهورية بالبدء في وضع مسودة الدعوة الى استفتاء عام وشعبي حول " تفسير مجلس صيانة الدستور المتعلق بالانتخابات والمادة 99 من الدستور.

وعلى الرغم من إدراك روحاني للعوائق التي تقف امام اجراء اي استفتاء، ان كان من الناحية الدستورية التي تتطلب موافقة المرشد الاعلى، وان كان من ناحية استثارة مخاوف النظام والسلطة من الدعوة الى اي استفتاء خشية من أن تؤدي أي موافقة على أي استفتاء مهما كانت طبيعته الى فتح الباب أمام استفتاءات اخرى، والتي قد تدفع البعض الى طرح الاستفتاء حول اصل النظام الذي تطالب به بعض القوى والاحزاب العلمانية في الخارج والتي يعتبر النظام أنها تصب في اطار الاهداف الامريكية التآمرية لتغيير التظام الاسلامي والاطاحة به.

وهنا يمكن القول ان روحاني اختار اللعب في دائرة "الرئيس الانتحاري" متسلحا باصوات نحو 23 مليون صوت اوصلته الى موقع الرئاسة في مواجهة مرشح النظام الذي حصل على نحو 16 مليون صوت، وهو الرئيس الذي تجرأ على اصدار الامر لتسويد مثل هذا القانون على العكس من الرئيس الاسبق محمد خاتمي الذي اجبر على سحب مشروع قانون يطلب فيه تحديد وتوضيح صلاحيات الرئيس المتداخلة مع صلاحيات المرشد الاعلى وولي الفقيه المطلق خصوصا لجهة كونه حارساً للدستور ومنفذاً له.

قد لا يتمكن روحاني من المضي حتى النهاية في مشروع القانون الاستفتاء هذا، لكنه أسس لمرحلة جديدة خرجت فيها كل المواقف المعترضة حول صلاحيات مجلس صيانة الدستور في العملية الانتخابية وأهلية المرشحين من دائرة المواقف الحزبية والقوى المدنية الى دائرة المواقف الرسمية داخل السلطة والنظام، وبالتالي ستؤسس لتعامل مختلف في المستقبل مع العملية الانتخابية وحرية التعبير السياسي، ما قد يفتح الحياة السياسية الايرانية على متغيرات ايجابية اكثر انفتاحا وتنوعا.

عن "المدن"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية