4 تصورات عن الدين في الفكر الغربي.. ما هي؟

7878
عدد القراءات

2018-08-28

وجد الفلاسفة المحدثون والمعاصرون أنفسهم في حاجة ماسّة إلى توظيف "الاستعارة" في رؤيتهم النقدية أو التقييمة أو الشارحة للدور الاجتماعي ـ السياسي للأديان، لتقريب الأمر من أذهان العموم، الذين سيطر عليهم الوعاظ والدعاة والمرشدون بخطاب غارق في البلاغة، ليكون له في نفوسهم وقع وتأثير.

لم يكن هذا بالأمر المستغرب؛ فالأديان نفسها توسّلت نصوصها وشروحها بالمجازات في سبيل تحقيق أعمق وأوسع مستوى من التمدد الاجتماعي في المكان والزمان، ما صنع قواعد بشرية، ومكانة اجتماعية، وثروة اقتصادية، للقائمين على إنتاج الخطاب الديني، سعوا إلى ترجمته إلى "ممارسة سياسية"، بحثاً عن مزيد من القوة.

سيطرت أربع استعارات حول الدين على الفلسفة الغربية زمناً طويلاً ومايزال صداها يتردّد في الفلسفات المعاصرة

وسيطرت أربع استعارات حول الدين على الفلسفة الغربية زمناً طويلاً، وما يزال صداها يتردّد في الفلسفات والأيديولوجيات المعاصرة، ليس في أوروبا فحسب إنما في العالم كله؛ الأولى كانت لكارل ماركس وهي "الدين أفيون الشعوب"، والثانية لفريدريك نيتشه وهي معاكسة "الدين ثورة العبيد" والثالثة لسيجموند فرويد "الدين رغبة نفسية" والرابعة هي لبرتراند راسل، الذي رأى أنّ الدين "تفكير طفولي"، يقوم على الخوف، ولذا فهو شرّ، وعدوّ للطيبة والذوق العام، ويقوم عند الأٌقوام التي لم تبلغ نضجها بعد.

وتشبه الاستعارة الأولى الدين بواحد من المخدرات ذائعة الصيت، والثانية تجعل منه ثورة بكل ما تعنيه في التاريخ السياسي من رغبة في التحرر النفسي والجسدي، والثالثة تجعله مجرد تعبير عن المكبوت في نفس الإنسان، والرابعة تستعير كل ما يرتبط بعالم الطفولة من قلة معرفة، وقلة حيلة، واتكال على الآخرين، لتلقيه على رقبة الدين.

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية 

فماركس، من خلال تأملاته لتوظيف الدين من قبل السلطة السياسية في أوروبا، رأى أنّه مخدّر يلهي الناس عن شقاء الحياة واستغلال أصحاب رؤوس المال،  وينسيهم المطالبة بحقوقهم، والتفكير فيما يحيط بهم، وذلك طمعاً في حياة أفضل في ملكوت السماء أو الجنة، وهنا يقول في كتابه "مقدمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل":

ماركس رأى أنّ الدين مخدّر يلهي الناس عن استغلال أصحاب رؤوس المال  وينسيهم حقوقهم

"الدين هو تأوّهات المخلوق المضطهد وسعادته المتخيلة لرسم روح عالم بلا روح، وقلب عالم بلا قلب، ونقد الدين هو نقد هذا الوادي من الدموع المليء بالزهور الخيالية، والذي يمثل الدين الهالة الضوئية التي تحيط به، ونقد الدين يقتطف هذه الورود الخيالية التي يراها المضطهد في السلسال أو الجنزير الذي يكبّله، ولكن لا يفعل النقد ذلك ليحرم الرجل المضطهد من سعادته برؤية الزهور الخيالية، وإنّما يفعل ذلك ليمكّن الإنسان من التخلص من السلسال الذي يكبّله حتى يستطيع الحركة بحرية ليقتطف الزهور الحقيقية".

اقرأ أيضاً: الرجل الخارق كما رآه نيتشه

وقد تأثّر ماركس في رؤيته تلك برأي لودفيج فيورباخ الذي اعتقد أنّ الدين منتج بشري أسبغه الناس على قوة سماوية، ونسبوا إليها كثيراً مما يفعلونه، وعوّلوا عليها في إجلاء الغموض الذي يحيط بالحياة البشرية، وبذا فإنّ الدين في نظره قوة "استلاب" و"اغتراب"، سيدركها البشر تباعاً، ووقتها سيسعون إلى أن يحققوا العدل والمساواة والخيرية على الأرض، بعد أن ظلوا ردحاً من الزمن يحلمون أن يلقوها في حياة أخرى، كما تأثر بأفكار سبينوزا الذي هاجم قيام الملوك باستغلال الدين لصالحهم، وتزيين الخوف باسم الدين حتى يظل الشعب مستعبداً، وتعتقد الرعية أنّها تقاتل في أجل خلاصها، بينما هي تثبّت عبوديتها، وبثمن دمها تحصّن قوة رجل واحد مثيرة كبرياءه، هذا الرجل الذي يتعامل معها بوصفها أدوات، وينتزع منها حرّيتها، وبالنتيجة ينتزع منها سبب عيشها.

نيتشه يرى أنّ الدين يتحوّل إلى مادة للتحرّر عند المغلوبين على أمرهم ويقوّيهم في وجه ظالميهم

لكن استعارة "الدين أفيون الشعوب" لاقت انتقاداً شديداً في فلسفات أوروبية غير ملحدة، وأوسعه مفكرون مسلمون نقداً وتقبيحاً وعلى رأسهم عباس محمود العقاد، الذي وصف هذا القول بأنّه "هراء" لأنّ الدين يولِّد شعوراً بالمسؤولية لدى الفرد ويجعله في حذر من اقتراف الذنوب، أما إنكار الدين فيؤدّي لتخدير ضمائر الناس وعدم مبالاتهم.

أما نيتشه، النازع إلى القوة، والباحث عن "الإنسان كامل الإرادة" أو "السوبرمان" فيرى أنّ الدين يتحوّل إلى مادة للتحرّر عند المغلوبين على أمرهم، إذ يقوّيهم في وجه ظالميهم، ويمدّهم بأسباب للتمرّد على الأوضاع البائسة التي يحيونها، ومع هذا فإنّ نيتشه أمضى حياته يقاوم الظلال القاتمة السيئة للفكر الديني، ونقد مخاوف رجال الدين وشللهم التام أمام تقديم تفسيرات لغرابة العالم، ورغبتهم المستميتة في الحفاظ على مكانتهم ومكاسبهم بتأويلات لنصوص الدين على هواهم، ومزاعم بامتلاكهم مفاتيح المعاني، وأسرار الخلاص، وكان، في الوقت نفسه، يعتبر الثورة انحطاطاً، وهنا يقول في كتابه "هكذا تكلّم زرادشت":

اقرأ أيضاً: أثر الفلسفة في تجديد الفكر الديني

"أنا أتألم مع الكهنة، لأنّهم في نظري سجناء، يحملون وسم المنبوذين في العالم، وما كبّلهم بالأصفاد إلا من دعوه مخلّصاً لهم، وما أصفادهم إلا الوصايا الكاذبة والكلمات الوهمية، فليت لهؤلاء من يخلّصهم من مخلِّصهم".

نظر فرويد إلى الدين على أنّه يصرف الإنسان عن التعامل مع الواقع ويلقي به إلى أوهام تفسد حياته

ونظر فرويد إلى الدين على أنّه يصرف الإنسان عن التعامل مع الواقع ويلقي به إلى أوهام تفسد عليه حياته، وهو مجرد رغبة في الإشباع حيث يحل محل الإنسان الله، أو "الأب السماوي"، مطلق القدرة، محلّ الأب الأرضي المحدود والخطّاء نتيجة لذلك، ومن ثم يستبقي البلاغ بهذا الإبدال  نمط سلوكه الطفولي، ومع هذا فإنّه يستثني الدين اليهودي، الذي كان يدين به، من هذه المعادلة، أو تلك الاستعارة.

وهناك من تأثّر بنظرية داروين عن "النشوء والارتقاء" التي ألقت بظلالها على الدراسات الخاصة بالدين داخل عدد من الأنظمة المعرفية الخاصة بعلوم اللاهوت، والدراسات الدينية، وعلم النفس التطوري، وعلم الاجتماع، والأنثربولوجيا الثقافية، محاولة الإجابة عن تساؤل عما إذا كان الدين قد يعاون في البقاء على قيد الحياة، وما إذا كانت التعاليم الدينية نفسها قد تطوّرت ثقافياً داخل مجتمع معين، وقد أصبحت هذه الرؤية أكثر قبولاً في الأوساط العلمية الغربية، بعد سنوات طويلة من اعتبار الدين والداروينية مسارين متناقضين تماماً، ولا يمكن أن يلتقيا، ومن ثم انفتح الطريق أمام النظر إلى "بيولوجيا السلوك الديني" على مصراعيه.

اعتبر راسل الدين تفكيراً طفولياً يقوم على الخوف ولذا فهو بنظره شرّ وعدوّ للطيبة والذوق العام

وتوجد محاولات للتوفيق بين الدين والفلسفة، فكلاهما يتعرض للأسئلة نفسها بأجوبة مختلفة؛ هي بنت الوحي بالنسبة للدين، وبنت العقل بالنسبة للفلسفة، وهي تروم "الكل" في حالة الأول، و"الجزء" في حالة الثاني، وبذا فهما متّفقان في الغاية ومختلفان في الوسيلة، ليبقى الدين في نظر البعض هو فلسفة عموم الناس، والفلسفة هي دين خاصتهم، وربما لهذا قام الفلاسفة الأوائل بتضمين آرائهم بعناصر من الدين والأسطورة، موقنين أنّ الطريقين يمثّلان استجابة طبيعية لفطرتين في الإنسان؛ الأولى تجريدية والثانية صوفية، لكنّ كليهما يمثلان طريقاً للمعرفة، ولهذا كان إريك فويجيلين يرى أنّ الفلسفة التقليدية والوحي يضيئان معاً الطريق.

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

وهذا الوضع يبقي الاستعارتين الشهيرتين قائمتين؛ فالدين ثورة وأفيون في آن، ثورة عند الأنبياء والأولياء، الذين يسعون إلى تحرير النفس البشرية من عبودية الأشخاص والرموز والأشياء، لكن رجال الدين والمترفين وأصحاب السلطان يجعلون منه "أفيوناً" لإشعار المحتاجين والمظلومين بعلاج زائف، فيكفّوا عن طلب حقوقهم السياسية والاجتماعية والنفسية المشروعة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: