إبادة الكتب في القرن العشرين

2094
عدد القراءات

2018-08-28

حسونة المصباحي

وصف المؤرخ البريطاني ايريك. جي. هبوزباون القرن العشرين ب"عصر الأوضاع شديدة التناقضات". ولعله كان محقا في هذا الوصف. ففيه بلغت الإنسانية أوج مستويات الحضارة في جميع المجالات. وفي الآن نفسه عرفت الشعوب والأمم حربين عالميتين، وحروبا اقليمية متعددة، وحروبا أخرى اثنية وعرقية واستعمارية ودينية وأهلية ارتكبت خلالها مجازر رهيبة، ووسمتْها فظائع لا تختلف عن تلك التي عرفتها البشرية في عصور التخلف   والظلمات .
وفي الكتاب الذي حمل عنوان" إبادة الكتب-تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين" الصادر مؤخرا عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" بالكويت، والذي نقله الى اللغة العربية عاطف سيد عثمان ، تقدم الأمريكية ربيكا نوث تفاصيل مثيرة عن واحدة من أبشع الفظائع التي وسمت القرن العشرين الذي يعتبره العديد من كبار المؤرخين أكثر القرون “دموية”، وأشدها هولا على مصير الإنسانية. . ويتمثل ذلك في قيام أنظمة سياسية ذات توجهات ونزعات ايديولوجية وسياسية مختلفة بإبادة الكتب والمكتبات بدعوى أنهاّ مضرة"، و"منحطة"، و"مفسدة" للأذواق أو للأخلاق أو "معادية" لهذه الإيديولوجيا أو تلك.
ولم تتردد بعض الأنظمة في تحريض  أنصارها على القاء آلاف الكتب في النار ،أو تدمير مكتبات تحتوي على كنوز في مجال المعرفة عن طواعية ، بل وبابتهاج كما لو أن الأمر يتعلق باحتفال شعبي سعيد. لذلك يمكن القول أن ابادة الكتب لم تكن مختلفة عن ابادة البشر والأقليات الاثنية والدينية وغيرها من  الابادات  التي عرفها القرن العشرين مثل الإبادة الألمانية لشعب الهيريرو في جنوب افريقيا في الفترة الممتدة بين 1904، و1907، والتطهير العرقي الاثني ضد المسلمين بأيدي الصرب في التسعينات. وكان الشاعر البريطاني جون ميلتون على صواب عندما كتبر يقول :”ّقتل كتاب أشبه بقتل انسان، بل أن من يقتل إنسانا يقتل مخلوقا عاقلا أما من يدمر كتابا نافعا، فهو إنما يقتل العقل نفسه".
ورغم النزعة الإنسانية التي كانت تبديها وبها تفتخر وتتبجح، لم تتردد الأحزاب والتيارات الشيوعية خلال صعودها إلى السلطة في ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي في ابادة  الآلاف  الكتب ومطاردة وقتل كتاب مثقفون وشعراء ومفكرين أو نفيهم أو ارسالهم إلى المعسكرات الرهيبة في سيبيريا بدعوى أنهم "معادون للشعب". وفي الحقيقة لم يكن هؤلاء "معادين للشعب"، بل كانوا مناهضين للشيوعية الشمولية كما كان حالها في الفترة الستالينية. وبسبب الوحشية التي أظهرها الحزب البلشفي تجاه المثقفين، لم يتردد شعراء وكتاب من بين الذين كانوا من الموالين له في الانتحار كمدا ويأسا . وهذا ما أقدم عليه شاعران كبيران هما ماياكوفسكي ويسنين...
وخلال الفترة الستالينية أيضا، تم اتلاف آلاف الكتب ، ومصادرة العديد من المؤلفات والمكتبات التابعة للنبلاء الروس باسم "معاداة الثورة والبروليتاريا". وقد تواصل تدمير الكتب حتى بعد انتفاء الستالينية . ففي عام 1987، أي قبل عامين من انهيار جدار برلين، والمعسكر  الاشتراكي  برمته، قامت قاعدة تابعة للجيش الروسي في لتوانيا بإتلاف عدد كبير من الكتب النادرة التي نهبت من مكتبة نبيل روسي في أعقاب الحرب الكونية الثانية. وعلى الذين احتجوا على تلك الجريمة في حق الثقافة الإنسانية، رد الضباط الروسي قائلا بأن تلك الكتب ليست سوى "كومة من النفايات".
وكان الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماوتسي تونغ أشد قسوة وعنفا مع الثقافة والمثقفين باعتبار أن الثورة بالنسبة له لا بد أن تكون عنيفة أو لا تكون. وخلال الثورة الثقافية، لم يعد الصينيون يقرؤون سوى" الكتاب الأحمر" الذي يحتوي على "تعاليم" الزعيم ماوتسي تونغ ، وعلى فقرات تلخص فكره وفلسفته السياسية والاجتماعية.  وبتحريض منه، اندفع طلبة وعمال يفتقدون إلى الخبرة والتجربة والثقافة لمحاكمة مثقفين وكتاب وشعراء ومفكرين وجامعيين مرموقين. وفي الساحات العامة كان يتم سحلهم ومحاكتهم بتهمة" معاداة الثورة". وبحسب الكاتب الصيني الكبير با جين تم خلال الثورة الثقافية تدمير الكلاسيكيات الأدبية كأنها "فئران تمر عبر الشارع". وقد اجبر هو نفسه على تدمير كتب ومجلات ومخطابات ومخطوطات كان يحتفظ بها باعتبارها "كنوزا". وبسبب الفظائع التي كانت تحدث يوميا، وعلى مرأى ومسمع منه، لم يعد با جين كغيره من الكتاب والشعراء والمفكرين المسجلين في اللائحة السوداء ، قادرا على التمييز بين  الخطأ  والصواب، ولم يعد ينظر لا إلى الماضي ولا إلى المستقبل ليعيش ب"عقل معطل، متنكرا للأدب والجمال تماما". بل أنه بات يعتقد أن المجتمع المثالي هو المجتمع الذي "لا مكان فيه للثقافة ولا  للمعرفة ولا للأعمال الأدبية ".
وتعتقد ربيكا نوث مؤلفة الكتاب المذكور، أن ألمانيا النازية قد تكون" الحالة المثالية" التي نستكشف من خلالها تدمير الكتب والمكتبات في القرن العشرين. وكان حرق الكتب من أول الجرائم التي ارتكبها الحزب القومي الاشتراكي بزعامة ادولف هيتلر حال صعوده إلى السلطة في عام 1933 بعد أن قام بحرق الرايشتاغ (البرلمان). وترتكز عملية حرق الكتب لدى النازية  على مبادئ شوفينية  وعرقية وعنصرية. فالنسبة لها، كل ثقافة لا تمجد الجنس الآري هي ثقافة "منحطة". لذا يتوجب القضاء عليها، وحرق كل الكتاب التي تعكس توجهاتها. وكان النازيون يعتبرون نفسهم "سَنَامَ الثقافة والحضارة". لذلك لم يترددوا في تنظيم احتفالات   جماهيرية هائلة يتم خلالها حرق الكتب وتدمير المكتبات التي لا تتماشى مع توجهاتهم العنصرية والشوفينية. ولم تحدث حرائق الكتب في المدن الألمانية فحسب، بل امتد لهيبها إلى كل المدن التي احتلها النازيون في بولندا، وبلدان اوروبا الشرقية، وبلدان اوروبا الغربية...وكل واحدة من تلك الحرائق كانت تمثل بالنسبة لهيتلر وأنصاره "فخرا استثنائيا". وقد أدان الشاعر البريطاني الكبير أودن الذي كان شاهدا على صعود النازية في برلين في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين حرائق الكتب، معتبرا أن الذين اقترفوا تلك الجرائم وبها احتفوا جسدوا" العار الفكري" في أبشع وأشنع صوره.
وشهدت الحرب الأهلية التي عصفت بالوحدة اليوغسلافية في التسعينات من القرن الماضي حرائق للكتب وعمليات تدمير للمكتبات .وكل ذلك كان يقوم على أسس شوفينية ودينية وعرقية. ولم يكن هدف الصرب إبادة المسلمين في البوسنة فقط، بل حرق وتدمير كل تراثهم الثقافي والفكري والديني. وقد دعم مثل تلك الجرائم كتب ومثقفون وشعراء صربيون لم يكونوا يخفون نزعاتهم الشوفينية والعرقية. وقد اعتبر أعضاء الأكاديمية الصربية للفنون والعلوم في مذكرة صدرت عام 1986أن "تأسيس السلامة القومية والثقافية الكاملة للشب الصربي هو حقهم التاريخي والديمقراطي". وعلى أساس هذه الوثيقة شرع الصرب في التفكير في اعادة تشكيل البوسنة المسلمة وفق تصواراتهم الخاصة. وكان حرق مكتبة سراييفو من افظع الجرائم التي ارتكبوها خلال الحرب الأهلية. وقد تواصل الحريق ثلاثة أيام  بأكملها  ليأتي على كنوز في مجالات معرفية مختلفة.
وتقدم ربيكا نوث تفاصيل عن عمليات حرق الكتب وتدمير المكتبات التي حدثت في الكويت خلال الغزو العراقي لكنها لم تطرق إلى مثل هذه العمليات التي حدثت في ليبيا خلال "ثورة" القذافي الثقافية في مطلع السبعينات من القرن الماضي، والتي كان المفكر والمترجم المصري الكبير د. عبد  الرحمان  بدوي أحد ضحاياها. كما لم تتحدث عن نفس هذه الجرائم التي ارتكبها متطرفون مسلمون في مصر في التسعينات من القرن الماضي حيث  عمدوا إلى حرق "ألف ليلة وليلة" ومؤلفات الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. وكتب تراثية أخرى، ولا عن حرق  مكتبة بغداد  خلال  الغزو  الأمريكي للعراق   في ربيع عام 2003.

عن "إيلاف"

اقرأ المزيد...

الوسوم: