مسلمو الأويغور.. نزلاء معسكرات إعادة التأهيل الصينية

13184
عدد القراءات

2018-09-04

ترجمة: علي نوار


أكّدت منظمة الأمم المتحدة؛ أنّ 10% تقريباً من سكان إقليم شينغيانغ الصيني، محتجزون داخل معسكرات إعادة تأهيل، بينما تغيّر موقف حكومة بكّين من الإنكار إلى تبرير وجودهم.

تتناهى إلى أسماعنا الأقاويل؛ قصص هنا وهناك، عن أشخاص اقتيدوا إلى معسكرات اعتقال في شينغيانغ، الإقليم الصيني مترامي الأطراف، الواقع في غرب الصين؛ حيث تعيش غالبية المواطنين الصينيين في البلاد، ويصل الأمر، في بعض الأحيان، إلى خروج شخصٍ ما ليروي تجربته في هذه المعسكرات، لكن يبدو أنّ هناك عنصراً آخر، لا يدعو للدهشة إلى درجةٍ كبيرة، يتمثّل في القصص المتكررة عن انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان من جانب النظام الصيني الحاكم، إلّا أنّ ما لم يكن يدور بمخيّلة أحد؛ هو ارتفاع وتيرتها.

جابه الأويغور تصعيداً تدريجياً في سياساتٍ تستهدف محو هويتهم لا سيما من حيث حقوقهم اللغوية وحريتهم الدينية طيلة عقود

فقد أكّدت مؤخّراً، غاي ماكدوغال، نائبة رئيس اللجنة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصريّ؛ أنّها تمتلك معلوماتٍ موثوقة حول اعتقال ما لا يقلّ عن مليون فرد من مسلمي الأويغور في مراكز لمكافحة التطرف في شينغيانغ، وأنّ التقديرات تشير إلى إرسال مليونين آخرَين قسراً إلى معسكرات إعادة تأهيل. وقد وصفت إحدى لجان الكونغرس الأمريكي المهتمة بالشأن الصيني، ما يدور في البلد الآسيوي بأنّه: "أضخم اعتقال جماعي لعرق ما في الوقت الحالي"، رغم أنّه من غير المعلوم إلى أيّ مدى وصلت هذه الظاهرة، ونظراً إلى أنّ هناك 11 مليون شخص تقريباً من عرقية الأويغور في شينغيانغ؛ تعتقد منظمة الأمم المتحدة أنّ 10% من أبناء هذا العرق، على الأقل، يقبعون في هذه المراكز.

تُعرف هذه المعسكرات رسمياً باسم مراكز تحويل التعليم المركّز، ويقول الأكاديمي أدريان زنز، وهو أحد من درسوا هذه الظاهرة بتعمّق: إنّ الصين ألغت نظام إعادة التأهيل في جميع أنحاء البلاد عام 2013، لكن يبدو أنّها أعادت العمل به لقطاعٍ واحد من شعبها؛ هم المسلمون.

صور ماو ولينين وماركس في متجر قديم في كاشغر (رويترز)

ورغم أنّ المبادرة تعود إلى عام 2004؛ حين أعلنت الحكومة الصينية حرباً شعبية على الإرهاب، إلّا أنّ المنحنى تصاعد في أواخر عام 2016، بعد أن شهد إقليم شينغيانغ وصول شين كوانغوو؛ الذي عُيّن زعيماً جديداً للحزب الشيوعي الصيني في المنطقة، وكان قبلها مسؤولاً عن إخماد حركة الانشقاق في إقليم التبت، وفوق كلّ ذلك؛ ترى بكين أنّ إقليم شينغيانغ يتمتّع بأهمية إستراتيجية كبيرة؛ حيث إنّ مساحته تعادل نصف مساحة الهند، فضلاً عن اشتراكه في الحدود مع ثماني دول، ليشكّل بذلك محوراً رئيساً في مبادرة "حزامٌ واحد طريقٌ واحد"، وهو مشروعٌ ضخم للبنى التحتية، يستهدف تحفيز التجارة وتصدير السلع الصينية إلى جميع أنحاء العالم، فضلاً عن أنّه يضمّ أكبر احتياطات من الغاز الطبيعي والفحم في البلاد.

اقرأ أيضاً: أقلية الأويغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها

لكنّ إقليم شينغيانغ أيضاً أحد المناطق شديدة المراس على مستوى الصين؛ فقد تمّ ضمّه، عام 1949، بعد مرحلةٍ وجيزة كان خلالها دولة مستقلة، عُرفت باسم جمهورية تركستان الشرقية، وأثناء هذه الفترة كان الصينيون "الهان"، العرق الذي يشكّل أغلب سكّان الصين، بالكاد يقدّرون بـ5% من إجمالي قاطني الإقليم، لكن اليوم، وبعد عقود من الهندسة السكّانية والتشجيع على الهجرة الداخلية، اقتربت نسبة أبناء الهان من النصف.

ويشكو الأويغور من التمييز ومحاولات طمس هويّتهم العرقية والدينية، والتي تؤدّي بشكلٍ ما إلى تهميش المسلمين.

سياسات استيعاب

مع كلّ هذه العوامل، ليس مستغرباً أن يصبح شينغيانغ، الإقليم الأكثر اضطراباً على مستوى البلاد؛ فوفق تحليلٍ أعدّته مجموعة تشاينا هيومن رايتس ديفيندرز الناشطة، واستناداً إلى بيانات الحكومة الصينية نفسها؛ فقد جرت 21% من إجمالي عمليات توقيف المجرمين، عام 2017 في شينغيانغ، رغم أنّ عدد سكّانه لا يمثّل سوى 1.5% من تعداد سكّان البلاد، كما أنّ هذه الاعتقالات تضاعفت ثمانِ مرات مقارنة بالعام الذي سبقه؛ لتقفز من 27 ألفاً و404 معتقلين، إلى 227 ألف و882 معتقلاً.

بيد أنّ الأكثر مدعاةً للقلق؛ هو أنّ هذه البيانات لا تشمل الأشخاص الذين زُجّ بهم في المعسكرات التي تعمل بصورة موازية للنظام القضائي المعتاد، ويتم في أغلب الحالات القبض على المعتقلين بشكلٍ عشوائي وتعسّفي، ودون توجيه أيّة تهم إليهم، ودون إبلاغ ذويهم، ولا تحديد تاريخ لإطلاق سراحهم، يقول بيتر إيروين، المتحدّث باسم المؤتمر العالمي للأويغور، وهي أبرز منظمة للأويغور في المنفى، ومقرّها مدينة ميونخ الألمانية: "تواصلنا مع عدد من الأشخاص الذين دخلوا المعسكرات، إلّا أنّه لا توجد أيّة إيضاحات، حتى اللحظة، بشأن الإفراج عن الأويغور بأعداد كبيرة"، مضيفاً: "تبنّت الحكومة الصينية سلسلةً من السياسات ضدّ هوية الأويغور، كسياسةٍ استيعابية، وهذا على الأرجح هو الغرض من إنشاء هذه المراكز"، في تصريحات أدلى بها لصحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الأويغور في حساباتها السياسية؟

تدور الشهادات حول أفرادٍ يوضعون في ظروفٍ بائسة؛ حيث يجبرون على ترديد شعارات تمجيد الحزب الشيوعي، والتبرّؤ من الدين الإسلامي، وكذلك مشاهدة أفلام ذات هدف تأهيلي لساعات، ويؤكّد المسؤول عن منظمة العفو الدولية لمنطقة آسيا، نيكولاس بيكيلين: "الحكومة الصينية تنفّذ عملية غسيل مخّ مكثّفة، تتطّلب اعتقال مئات الآلاف من الأشخاص، بصورة تعسّفية، وخارج أيّ نطاق قانوني، بغية إخضاعهم لتلقينٍ سياسي مركّز، على أمل أن يحوّلهم إلى أشخاص أكثر ولاءً وانصياعاً".

أما ردّ الفعل الصيني تجاه هذه الادّعاءات، فقد تباين بمرور الوقت؛ بدءاً بإنكار وجود هذه المراكز مع ظهور أولى التقارير، وصولاً إلى إعطاء تفسيرات جزئية مؤكّدة؛ بأنّ المعسكرات تدخل ضمن إطار "حملة خاصة لمكافحة جرائم المتطرّفين والإرهابيين"، مع نفي حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان بداخلها.

على الجانب الآخر؛ وجّهت وزارة الخارجية الصينية انتقاداتها لقوىً مناهضة للصين لديها دوافع غير معلنة، فيما ذكرت صحيفة "غلوبال تايمز"، التي تصدر باللغة الإنجليزية، والمقرَّبة من الحكومة الصينية؛ أنّ هذه الحملة هي التي ساهمت في الحيلولة دون تحوّل شينغيانغ إلى سوريا أو ليبيا صينية.

لكنّ وثيقة أكاديمية صادرة في حزيران (يونيو) الماضي، عن مدرسة الحزب الشيوعي في شينجيانغ، تضمّنت نتائج التحقيقات مع معتقلين سابقين في هذه المعسكرات، أشارت إلى أنّه في البداية لم يكن أغلب الـ588 المشاركين في الاستفتاء على علم بالتُهم الموجّهة إليهم، أو السبب وراء إيداعهم في مركز إعادة التأهيل، وعندما حان وقت إطلاق سراحهم، كشف 98.8% منهم أنّهم استوعبوا أخطاءهم، وفق مقال نشرته وكالة أنباء "أسوشيتد بريس"، بالطّبع اعتبرت هذه النسبة مؤشّراً على نجاح المبادرة، لدرجة دفعت بكين إلى طرح عقود على شركات إنشاءات لبناء مراكز جديدة.

دورية للشرطة الصينية أمام الجامع الكبير في كاشغر (رويترز)

وصمة الإرهاب

في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)؛ كانت الصين من أوائل الدول التي استقلّت حافلة الحرب على الإرهاب، التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، مؤكّدةً أنّ الحركات الإسلامية المحلية، وأبرزها حركة تركستان الشرقية الإسلامية، كانت على صلة بتنظيم القاعدة الإرهابي، واستغلّت بكين الظروف لتشديد حدّة القمع في إقليم شينغيانغ.

ومع حلول عام 2009؛ وبعد إعدام بعض العمال المهاجرين من عرقية الأويغور في مدينة شاوغوان، جنوب الصين، خرج أبناء هذه العرقية إلى شوارع أورومتشي، عاصمة إقليم شينغيانغ، وحدثت أعمال شغب أسفرت عن مصرع 197 شخصاً، وإصابة ألفين آخرين على الأقل.

كانت ثورة أورومتشي نقطة التحوّل؛ فمنذ ذلك الحين، أصبحت المنطقة مسرحاً لعملياتٍ عسكرية مستمرة، وتمّ إدخال آليات مراقبة؛ حيث جرت تجربة مبادرات عديدة تتعلّق بالأمن والسيطرة الاجتماعية، دأبت الصين على استحداثها في الأعوام المنصرمة.

ويقول إيروين: "ما لم يرد ذكره، إلى حدٍّ ما، في التقارير؛ هو أنّ المعسكرات جاءت نتيجة أعوامٍ طوال من التمييز والقمع المنهجي بحق السكّان من عرق الأويغور، الذين يتعرّضون للتهميش على المستوى التاريخي حتى"، قبل أن يستطرد: "هناك حاجة ماسّة إلى التذكير بأنّ الأويغور جابهوا تصعيداً تدريجياً في سياساتٍ تستهدف محو هويتهم، لا سيما من حيث حقوقهم اللغوية وحريتهم الدينية طيلة عقود".

الأويغور ليسوا وحدهم ضحايا السياسات الصينية؛ فهناك مجتمعات مسلمة أخرى تتعرّض للممارسات نفسها مثل الأورالمان

ومن بين الإجراءات التي تمّ تطبيقها في الأعوام الأخيرة، يأتي حظر لغة الأويغور في المدارس ببعض المناطق، ومصادرة الكتب الدينية، بما فيها القرآن، وهدم المباني الدينية، 70% تقريباً من المساجد القديمة في قاشغر، العاصمة التاريخية لإقليم شينجيانغ، ومنع أذان الصلاة عبر مكبرات الصوت في عدّة مناطق، وتجريم تغطية النساء لوجوههنّ في الأماكن العامة، وبالنسبة إلى الرجال؛ عدم إطالة اللّحى، بشكل أطول من المعتاد، وإفطار الموظفين في رمضان، وارتياد الأطفال للمساجد، ونتيجة كلّ ذلك، تصاعدت وتيرة العنف بصورة كبيرة؛ حيث وقعت عشرات الهجمات ضدّ قوات الأمن، وتعرّض عدد من المواطنين للطعن في جميع أنحاء الصين على يد أفراد من عرق الأويغور.

لذا؛ عدّت السلطات الصينية التطرّف الإسلامي أحد أخطر التهديدات بالنسبة إلى أمن البلاد، إلّا أنّ الأويغور، في الواقع، ليسوا وحدهم ضحايا هذه السياسات؛ فهناك مجتمعات مسلمة أخرى تتعرّض للممارسات نفسها، مثل الأورالمان، وهم الصينيون المنحدرون من أصول كازاخية، الذين يرسَلون إلى المعسكرات أيضاً، الأمر الذي أدّى لتوتّر العلاقات مع كازاخستان.

بالمثل؛ يتخوّف الكثير من المراقبين من أن تمتدّ السياسات المتّبعة في شينجيانغ إلى أقاليم أخرى يسكنها مسلمون؛ مثل مناطق نينجشيا وقانسو.

من جانبه، صرّح وفدٌ صيني أمام لجنةٍ لحقوق الإنسان تابعة للأمم المتحدة مؤخراً: "لا تربط الحكومة الصينية على الإطلاق بين الإرهاب وأيّة مجموعة عرقية أو دين"، لكن الوفد أضاف أيضاً: "أما هؤلاء الذين خُدعوا بالتطرّف الديني، فستقدّم لهم المساعدة عن طريق إعادة التوطين والتأهيل"، ويبدو أنّ بكين لا تهتزّ جراء الحراك في هذا الصدد.


تحقيق عن تعامل السلطات الصينية مع مسلمي إقليم شينغيانغ ومعسكرات الاعتقال، أعدّه الصحفي الإسباني دانييل إيريارتي، ونشر في الموقع الإلكتروني لصحيفة "الكونفدنسيال" الرقمية الإسبانية

اقرأ المزيد...

الوسوم: