الحرب الباردة ما بعد الاستعماريّة: كيف نفهم العلاقات الصينيّة-الأمريكيّة؟

الحرب الباردة ما بعد الاستعماريّة: كيف نفهم العلاقات الصينيّة-الأمريكيّة؟
17708
عدد القراءات

2018-09-11

ترجمة: كريم محمد


في مقابلة مع صحيفة "The American Prospect"، في آب (أغسطس) الماضي، قال كبير مستشاري البيت الأبيض آنذاك، ستيف بانون: إنّ "الولايات المتحدة في حرب اقتصادية مع الصين، فالحرب كامنة في كلّ أدبياتهم، ولا يخجلون من قول ما يقومون به. إنّ الواحد منا سيكون مهيمناً خلال خمسة وعشرين أو ثلاثين عاماً، وهي ستعمل على إنفاذ ذلك في حال سلكنا نحن سبيلاً غير هذا السّبيل"، فإذا واصلت الولايات المتحدة خسارتها في الحرب الاقتصادية، يقول بانون، "فإنّنا سنكون على بُعد خمسة أعوام، فيما أعتقد، أو عشرة أعوام، على الأكثر، من الارتطام بنقطة الانعطاف التي لن نكون قادرين على الاستشفاء منها أبداً".

وفيما يبدو، وتمشّياً مع هذه التعليقات، فإنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الذي شنّ حملة على أجندة القومية الاقتصادية، قام بإجراء تحقيقات في سرقة الملكية الفكرية الصينية، التي يمكن أن تؤدي إلى فرض رسوم جمركية أمريكية على الواردات الصينية، لكنّ المسؤولين الأمريكيين سعوا، في الوقت نفسه، إلى كسب تعاون بكين فى ترويض كوريا الشمالية المحاربة بلا هوادة.

واشنطن تخشى أنّ الصين ستنشر نموذجاً للتنمية السياسية والاقتصادية سيقوّض النظام الدولي الليبرالي الذي تسعى أمريكا للتمسّك به

والحال؛ أنّ التقلبات المزاجية لإدارة ترامب بخصوص الصين، التي تعدّها أحياناً تهديداً للبراعة الأمريكية، وأحياناً أخرى شريكاً مهمّاً، ليست بجديدة. وفي الواقع؛ كما يوضح المؤرّخ غريغ برازينسكي، من جامعة جورج واشنطن، في كتابه الجديد "الفوز بالعالم الثالث: المنافسة الصينية-الأمريكية خلال الحرب الباردة"؛ فإنّ واشنطن تخشى، منذ أمدٍ بعيد، من أنّ "الصين ستنشر نموذجاً للتنمية السياسية والاقتصادية، سيقوّض النظام الدولي الليبرالي، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى التمسك به والعض عليه بنواجذها".

يبيّن كتاب "الفوز بالعالم الثالث"؛ كيف تنافست الصين والولايات المتحدة مع بعضهما، خلال منتصف القرن العشرين؛ بغرض التأثير في الدّول ما بعد الكولونياليّة، والأكثر أهمية وأساسية من ذلك؛ هو أنّ بكين وواشنطن تناوشتا حول عن بنية النظام الدولي ما بعد الكولونيالي نفسه. وبعد موجة فكفكة الكولونيالية، بعد الحرب العالمية الثانية، عزمت الصين الماوية على تكريس نفسها، باعتبارها الأولى بين نظراء كثيرين في كتلة مستقلّة آسيو-إفريقيّة من الدول، وهو المسعى الذي كانت الولايات المتحدة، تلك الدولة القوية حديثاً، والمتينة في مكانتها بين الدّول ما بعد الكولونياليّة، عازمة على إحباطه وإفشاله.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الصين تشكيل العالم اليوم؟

ومع ذلك، رغم جهودهما المثلى في ذلك؛ فإنّ سياسات الدولتين تجاه العالم ما بعد الكولونياليّ، سواء تمثّلت في دعم واشنطن للدكتاتوريين، أو في دعم بيكين لانتفاضات العصابات، كانت على خطأ، من وجهة نظر السّكان المحليين، ولم تفعل شيئاً يُذكر لحلّ مشكلات المجتمعات ما بعد الكولونياليّة، وفي اللحظة التي يشير فيها كثيرون إلى حتمية الصراع بين الصين والولايات المتحدة؛ فإنّ كتاب "الفوز بالعالم الثالث" يذكّرنا تذكيراً ناجعاً بكيفية دفع الأفكار المختلفة حول النظام العالمي بكين وواشنطن إلى الاشتباك في الماضي. سيتساءلُ المشكّكون في فائدة مقارنة مواجهات اليوم بمواجهات الحرب الباردة، عندما كانت الصين ملتزمة بتصدير الثورة، بدلاً من السلع الاستهلاكيّة الرخيصة، لكن بإظهار الأهميّة الفائقة للمكانة، وليس للينينيّة الماركسيّة، بالنسبة إلى الرؤى الصينيّة للنظام العالميّ؛ فإنّ برازينسكي يجعل كتاب "الفوز بالعالم الثالث" جوهريّاً للقراءة بالنسبة إلى أيّ أحد مهتمّ بمستقبل العلاقات الصينية-الأمريكية.

امرأة تنظف السجادة خلال حوار أمريكي - صيني بقاعة الشعب الكبرى في بكين، يوليو 2014 (رويترز)

مسألة المكانة

حدث أنّ حركة التحرير الوطنية الصينية وصعود الولايات المتحدة إلى مكانة القوة العظمى حصلا في الوقت نفسه، في أوائل القرن العشرين؛ فقد انهارت الأسرة الإمبراطورية الصينية الأخيرة (تشينغ) عام 1911؛ الأمر الذي أدّى إلى نشوب صراع بين القوميين والشيوعيين الصينيين؛ حيث طمحت كلتا المجموعتين إلى ترأّس عمليّة إعادة إحياء قومية، من شأنها أن تضع حداً لبقاء الصين في يد الإمبرياليين الأوروبيين واليابانيين. غير أنّ زعماء الصين الشيوعيين، كما يحاجج برازينسكي، لم يفكروا في العلاقات الدولية، سواء من حيث الأيديولوجيا الشيوعيّة، أو (كما في العصر الإمبراطوريّ) من حيث التسلسل الهرمي الذي تتمحور حوله الصين؛ فقد شددوا، عوضاً عن ذلك، على ضرورة أن تستعيد الصين مكانتها "لا سيما بين المجتمعات ما بعد الكولونياليّة الأخرى، كوسيلة لإنهاء تاريخ الصين من الإهانة واستعادة الشرف والمجد اللذين سُرقا منها".

اقرأ أيضاً: لماذا توصف زيارة الرئيس الصيني للإمارات بالتاريخية؟

والحال؛ أنّ رغبة الحزب الشيوعيّ الصينيّ (CCP) في إقامة علاقات مع العالم ما بعد الكولونياليّ، جعلته في منافسة مع الولايات المتّحدة المتصاعدة، التي أصبحت، العام 1916، القوة الصناعية الرائدة في العالم، وحقّقت الهيمنة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وصوّرت واشنطن، مثل بكين، نفسها كبديل للإمبرياليّة؛ فقد قدّم الرئيس الأمريكي، وودرو ويلسون، بعد الحرب العالمية الأولى، الولايات المتحدة على أنّها مناصرة لتقرير المصير الوطني، وأدّت، منذ أواخر القرن التاسع عشر، الالتزامات الأمريكية بالتجارة الحرّة إلى صراعها مع مجموعات التجارة الإمبريالية الأوروبية (واليابانية لاحقاً)، وخلال الحرب العالمية الثانية؛ نظرت الولايات المتحدة إلى الصين، باعتبارها حليفاً ضدّ اليابان، وقال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، العام 1942: "على الصين أن تلعب دورها الصحيح في الحفاظ على السلام والازدهار، ليس فقط في شرق آسيا، إنّما في العالم بأجمعه"، فمن وجهة نظر روزفلت؛ من شأن صين موحّدة ومتحالفة مع الولايات المتحدة أن "تساعد في إدارة الوصاية في جنوب شرق آسيا وأماكن أخرى، ما يسمح لبقية آسيا بتحقيق الاستقلال مع مرور الوقت"، ولبّى روزفلت، عام 1943، دعوة الجنرال الوطني، تشيانغ كاي شيك، إلى مؤتمر القاهرة؛ حيث لعب تشيانغ دور رجل دولة رائد جنباً إلى جنب مع روزفلت وتشرشل؛ حيث ناقشوا مستقبل آسيا.

لقد رأت بكين نفسها على أنها بناء "هرمية غير رسمية، هرمية" لأمم ما بعد الاستعمار، تكون فيها الصين الأولى بين المتساوين

كانت رؤية الولايات المتحدة تصبو إلى أن تقوم دولة صينية مُقادة وطنياً وموالية للولايات المتحدة، وتقوم بعملية فكفكة الكولونياليّة في آسيا، بيد أنّ ذلك وقع في مشادّة مباشرة مع أهداف الحزب الشيوعي الصيني، وبعد الغزو الياباني للصين، عام 1937؛ فإنّ ما يسمّى "حملة التصحيح داخل الحزب الشيوعي الصيني"، أصرّت ليس فقط على قيادة ماو للحزب في الصين، لكن أيضاً على تطبيق واسع لفكره على الشعوب المستعمَرة الأخرى؛ فكما أوضح تشانغ روكسين، وهو مؤيّد ذو نفوذ للماويّة، عام 1941: "قدّمت تجربة الصين رأسمالاً ثورياً قيّماً للغاية، بالنسبة إلى الغالبيّة العظمى (إن لم يكن كلّها) للدول الكولونياليّة وشبه الكولونياليّة"، وتبعتِ الأفعال الكلمات؛ ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1941، استضاف الحزب مؤتمر الشعوب الشرقية، المعادي للفاشيّة، في يانان، وضمّ مندوبين من ثمانية عشر بلداً، بما في ذلك بورما وكوريا وفيتنام، أضِف إلى ذلك؛ أنّه بعد وقت قصير من الهجوم اليابانيّ على بيرل هاربور، أمر ماو الحزب الشيوعيّ بالتنسيق مع الأحزاب الشيوعية في جنوب شرق آسيا، في كفاحهم المشترك ضدّ اليابانيين.

إنّ هذا البعد الدولي للشيوعية الصينية باغت الأمريكيين على حين غرّة، ونظرت الأيدي العاملة الصينية الشابة إلى الحزب الشيوعي بوصفهم إصلاحيين زراعيين ليس لديهم سوى القليل من الاهتمام بالثورة العالمية، وعملاً بهذا الافتراض؛ اقترح الدبلوماسيون الأمريكيون، الذين صاغوه لليابان؛ أن تقيم واشنطن علاقات مع الحزب الشيوعي الصيني، من أجل دعم معركته ضدّ اليابانيين، أو، على الأقل، من أجل تشجيع الإصلاح بين القوميين الفاسدين والوحشيين.

ومع ذلك؛ فإنّ شخصيات بارزة، مثل المبعوث الأمريكيّ باتريك جي هورلي، رفضت هذه الفكرة، ما أجبر الشيوعيين على التوجّه نحو الاتحاد السوفييتي للحصول على المساعدة وحرمانهم من أيّ صوت في مستوطنات ما بعد الحرب في شرق آسيا. وبدوره؛ عزّز هذا الأمر انطباع الحزب الشيوعي الصيني، الذي عُثر عليه في أحد التقارير المؤثرة للحزب، بأنّ الولايات المتحدة "من المرجَّح أن تقف (عقبة) في طريق طموحات الحزب الشيوعي الصيني، للحصول على مكانة راسخة في الصين وفي جميع أنحاء العالم".

اقرأ أيضاً: هل تتحكم معلومات الصينيين بهم في المستقبل القريب؟ وماذا عنك؟

وبعد أن هزم الحزب الشيوعي الصيني القوميين في الحرب الأهلية القصيرة، بعد انسحاب اليابانيين، سرعان ما وجد الحزب نفسه في صراع مع الولايات المتحدة، ولم يكن هذا الصراع مجرد نتيجة لرفض الولايات المتحدة الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، المعلنة حديثاً، إنّما لأنّ رؤى واشنطن وبكين كانت مختلفة جداً بشأن النظام العالميّ ما بعد الكولونيالي؛ حيث كانت واشنطن تفضّل تقرير المصير الوطني، في إطار نظام دولي ليبرالي ورأسمالي، لكنّها نظرت إلى سيرورة فكفكة الاستعمار، باعتبارها سيرورة تدريجية، مع الوصاية على دول مثل؛ كوريا وفيتنام، وأيّدت التراتبية الرسمية (مجلس الأمن الدوليّ)، وغير الرسميّة (حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي). أمّا الصين، وعلى النقيض من ذلك؛ فقد عزّزت الاعتماد على الذات اقتصادياً، وعلى التحرير الفوري لكوريا وفيتنام بالوسائل العسكرية، واستحداث شبكات شيوعية ومناهضة للكولونيالية، كبديل للأمم المتحدة، ونظرت بكين إلى نفسها، بحسب برازينسكي، كبناء "لتراتبية لا رسمية ومعادية للترابية" للدول ما بعد الكولونيالية، التي ستكون الصين الأولى على رأسها، الأمر الذي هو على النقيض من الإذعان المطالَب زعماً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

كانت رؤية أمريكا تصبو إلى أن تقوم دولة صينية مُقادة وطنياً وموالية للولايات المتحدة، وأن تفكك الكولونياليّة في آسيا

أدّت هذه الرؤى المختلفة إلى جعل الصين والولايات المتحدة في صراع مفتوح، متمثلاً، للمرة الأولى في الحرب الكوريّة؛ حيث دعمت الصين كوريا الشمالية، ودعمت الولايات المتحدة الجنوبية، ولاحقاً في فيتنام، عندما دعمت الصين التمرّد الشيوعي ضدّ الفرنسيين، ثم الأمريكيين. وفي مؤتمر باندونج، عام 1955، الذي سعى إلى تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية والآسيوية؛ عرض رئيس مجلس الدولة الصيني، تشو آن لاي، بإقناع، موقف الصين المتشدد تجاه تايوان والولايات المتحدة، بما يتفق مع رغبات القادة الآخرين في السلام والاستقرار في المنطقة.

ومع أنّ واشنطن كانت ما تزال تعترف بالقوميين في تايبي، كحكّام شرعيين للصين، فإنّ بكين ناورت للحصول على اعتراف من دول ما بعد كولونيالية، مثل؛ مصر والعراق وغينيا، وحكومة المنفى التابعة لجبهة التحرير الوطني الجزائرية. ويوضح برازينسكي كيف اتّبعت الصين هذه الخيارات السياسية، لا لنشر الشيوعية؛ بل لتعزيز التحرّر ضدّ الكولونيالية، فعلى سبيل المثال؛ وصف أمر ماو بالقتال، جنباً إلى جنب، مع الكوريين الشماليين، الحرب بأنّها "حرب واحدة دفاعاً عن مصالح شعوب جميع البلدان الشرقية، وليس فقط عن الصين أو كوريا".

الرئيس ماو وزو إنلاي في عام 1966

لمَ تشتري ماو؟

كتاب برازينسكي هو الأقوى؛ عندما أظهر أنّ وجهات نظر واشنطن وبكين المضللة لطبيعة الصراع، أدّت بهما إلى اعتماد سياسات ذات نتائج عكسيّة، وغدا القادة الأمريكيون ينظرون إلى صين ماو كدولة خطيرة؛ لأنّ فكفكة الاستعمار، من وجهة نظرهم، توعّدت بتعقيد الصراع الأيديولوجيّ بين الشرق والغرب، بصراع عرقيّ بين الشمال والجنوب. افتقدت بكين إلى موارد موسكو، لكنّ الصينيين كانوا مناصرين أكثر معقوليّة لمناهضة الإمبريالية العنصرية المتطرفة من الروس المسؤولين عن الاتحاد السوفياتي.

اقرأ أيضاً: سمير أمين يترجّل: في معنى أن يقرأ الرئيس الصيني لمفكر عربي

ولأنّ الأمريكيين ينظرون إلى التحدي الصيني على أنّه راديكالي جداً، فإنّهم لم يتبنّوا سوى القليل من الحلول الوسط؛ فقد كانت واشنطن معنيّة جداً بالدفاع عن فيتنام الجنوبية، مثلاً، التي تسامحت مع هجمات سايغون على معسكرات فييت كونغ في كمبوديا المحايدة، وعندما بدأت الميليشيات الكمبودية المعارضة للحكومة في بنوم بنه بإجراء برامج إذاعية من فيتنام الجنوبية، هدّدت الحكومة الكمبوديّة بإنهاء جميع برامج المساعدات الغربيّة والتحالف مع الصين ما لم يتمّ وقف البثّ، ولم تفعل الولايات المتحدة شيئاً، واتجهت كمبوديا إلى الصين، للحصول على مساعدات عسكرية واقتصادية، وأغلقت سفارتها في واشنطن.

هيمنت الأيديولوجية الماوية على كل مجالات النشاط الأجنبي في الصين مما خفض الهيبة الصينية في الخارج

كان الأميركيون، والحال كذلك، مهووسين جداً بإبقاء فيتنام خارج المعسكر الشيوعي؛ حيث زجوا دولاً أصغر إلى اقتتال مع الصينيين، وأضعفوا الثقة بأنفسهم كأنصار لنظام دولي عادل.

وميّزت خطايا مماثلة التجارة الأمريكية وسياسة مساعداتها؛ فمن عام 1950 إلى عام 1971، فرضت الولايات المتحدة حظراً شاملاً على جميع التجارة مع الصين، من أجل عرقلة التنمية الصناعية في البلاد، وعزلها عن المجتمع الدولي، وخلال الحرب الكوريّة، نجحت في دفع الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على إرسال مواد إستراتيجية للصين، بيد أنّ دولاً، مثل الهند ومصر، رفضت مشروعية الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة، وتمكّنت بكين من مقايضة بلدان كثيرة، مثل أندونيسيا وسريلانكا (في كثير من الأحيان، يكون ذلك في ظروف غير مؤاتية) لتجنّب العزلة، ولم يضعف الحظر اقتصاد الصين بشكل كبير، وفاخرت بكين بأنّ بقاءها في مواجهة الإمبريالية الأمريكية أثبت جدوى نموذجها الاقتصادي، وإظهار واشنطن كقوة إمبريالية.

ورغم أنّ كلا البلدين قدّم مساعدات للعالم ما بعد الكولونيالي، إلّا أنّ الصين قامت بذلك، في كثير من الأحيان، مع إيلاء اهتمام أكبر بالرمزية (symbolism)؛ ففي جنوب إفريقيا مثلاً، اقترحت تنزانيا وزامبيا غير الساحلية خطّ سكّة حديد يربط مناجم النحاس في زامبيا بميناء المحيط الهندي، وكلّ ذلك دون عبور الولايات التي يحكمها البيض، لكنّ الدول الغربية والاتحاد السوفياتي رفضوا تمويل المشروع؛ لأنّهم غير مقتنعين بفائدته الاقتصادية، ومع ذلك؛ قبل الصينيون ببناء خطّ سكة الحديد، عام 1967، متفهّمين أنّ المشروع يتعلق بالاكتفاء الذاتيّ، ومعارضة الحكم الأبيض، كما أنّه يتعلّق بالاقتصاد، وردّت الولايات المتحدة بإنشاء مشروع طريق على الطريق نفسه، لكنّها فشلت في جعلها طريقاً رئيسة للتجارة؛ بسبب عدم وجود شاحنات في أيّ من البلدين، ومن المفارقات؛ أنّ قدرها الرئيس كان منصبّاً على نقل الإمدادات للسكك الحديدية الصينية.

اقرأ أيضاً: لماذا اختار الرئيس الصيني زيارة الإمارات؟

بيد أنّ الصين ارتكبت أخطاء عديدة حدّت من نفوذها في العالم الثالث؛ فقد فشلت بكين، كما يقول برازينسكي، في فهم أنّ "هيمنة الأيديولوجيا الماوويّة على كلّ مجال من مجالات النشاط تقريباً في الصين، قد صدّت الجماهير الأجنبيّة، وقلّصت مكانة الصّين في الخارج". فمثلاً؛ أُصيب بالأسى أحد الصحافيين الهنود الذين رصدوا أداء رقصة من قبل فرقة صينية، في شتاء 1954-1955، وتساءل عن السبب في أنّ الصينيين "دمّروا هذا الفنّ الرائع عندما حدّوه عن طريق ربطه بزمام الأيديولوجيا". وفي الوقت نفسه؛ أدّى قمع بكين لانتفاضة عام 1959 في التبت، إلى تدمير صورة الصين في البلدان ذات الأغلبية البوذيّة، ودفعت حربها مع الهند، عام 1962، هذه الأخيرة إلى طلب المزيد من المساعدة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتيّ، وقد دمّرت الحرب مع الهند صورة الصين، بوصفها مضيفاً للسلام في آسيا، التي أولت اهتماماً كبيراً للزراعة في باندونغ. والحال؛ أنّ سلوكاً على هذه الشاكلة أدّى أيضاً إلى تقسيم الحركة الأفرو-آسيويّة، أكثر فأكثر، إلى معسكرات؛ معسكر تلك البلدان، مثل الصين وأندونيسيا، التي فضلت المواجهة المسلّحة مع القوى العظمى. ومعكسر تلك الدّول، من قبيل مصر والهند، التي فضّلت مساراً أكثر اعتدالاً من "عدم الانحياز"، الذي من شأنه استبعاد الصين الشيوعية.

وعام 1965؛ حاولت الصين تنظيم مؤتمر باندونغ الثاني في الجزائر، لتعزيز رؤيتها الأكثر عدوانيّة لمكافحة الإمبرياليّة؛ حيث دعت إلى مواجهة حربية مع "القوى البيضاء"، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتيّ، غير أنّ راديكاليّة بكين أثارت قلاقل الكثير من البلدان على الدولانية الصينية، حتى أنّ ذلك أدّى إلى إلغاء نهائي للمؤتمر، قبل وقوع الانقلاب في نظام الحكم.

اقرأ أيضاً: زيارة الرئيس الصيني للإمارات.. ومنطق "عالمٌ ليسَ لنا"

والحال أنّ الثيمة الرئيسة في سردية برازينسكي: هي كيف أنّ تعزيز الصين للماويّة، كعقيدة ثوريّة مركزية للمقاتلين المناهضين للكولونياليّة، أعاق فرص بكين في تحدّي واشنطن وموسكو في الجنوب العالمي؛ فقد دعمت الصين حركات حرب العصابات المسلّحة في دول مثل الجزائر ولاوس وليسوتو وفيتنام، منذ منتصف الخمسينيات فصاعداً، وقدّمت السلاح والمال والتدريب في الصين، وترجمت نسخ كتابات ماو حول حرب العصابات، لكنّ إصرار الصين على أنّ حروب العصابات كانت تتبع الأرثوذكسية الماووية إنّما كان هزيمة ذاتية، ما أسهم، مثلاً، في انهيار انتفاضة في الكونغو.

إنّ رجال حروب العصابات، الذين يسمّون أنفسهم "الأسود" غزوا النصف الشرقيّ من البلاد، في أوائل عام 1964، لكن حتى بعد أن أعلن زعيم الأسود أنّ ماو "ليس فقط محرّر الصين، لكن أيضاً محرّر العالم كلّه"؛ فإنّ المسؤولين الصينين ما يزالون يشعرون بأنّ "الأسود، في الواقع، لم يكن لديهم اهتمام كبير بتجربتنا"، وأوقفوا الدعم لهم، وبينما تردّدت الصين، فإنّ التدخلات العسكريّة البلجيكيّة والأمريكيّة أدت إلى إضعاف حركة الأسود هؤلاء، وعوضاً عن التعلم من التجربة؛ ألقت بكين اللّوم في هزيمة الأسود على فشلهم في قبول الماوية، وفي غضون عام؛ كان أكبر بلد في إفريقيا واقعاً في أيدي الطاغية الموالي للغرب، جوزيف موبوتو، بينما إصرار الصين على النّقاء والطهورية تركها دون قاعدة ثوريّة في إفريقيا.

اشتباك أمريكا والصين مبكراً تمّ تصوّره في المجتمع الدولي كأمر يمكن أن يحلّ جزئياً، محلّ السيطرة الإقليمية ووضع القوة العظمى

ملتصقاً بالوطن، كان الحزب الشيوعي الصيني مقتنعاً للغاية بمساهمة الماوية في الكفاح الفيتنامي، الذي غفل عنه كيف أنّ الفيتناميين كانوا أكثر اهتماماً بهزيمة الإمبريالية الأمريكية، من إثبات تعاليم ماو الصحيحة، وإثر ذلك؛ فشلت بكين في تقدير أنّ هانوي، التي كانت تتلقى المزيد من المساعدات العسكريّة، والتدريب من الاتحاد السوفياتي، لم تكن لها مصلحة تذكَر في معارضة موسكو كقوة "إمبريالية اجتماعية"، كما أملت العقيدة الماوية.

وبعد الحرب؛ أبرمت هانوي تحالفاً رسمياً مع موسكو، عام 1978، والأسوأ من ذلك؛ أنّ فيتنام كانت لديها طموحات إقليمية خاصة بها، فبعد أن غزا الفيتناميون كمبوديا، عام 1978، لتحلّ محلّ حكومة الخمير الحمر، المتحالفة في بكين، التي لديها نظام دمى موالين لهانوي وموسكو، أمرَ الزعيم الصيني، دنغ شياو بينغ، بغزو محدود لفيتنام، عام 1979، وأسفرت الحرب عن مقتل حوالي 28 ألف شخص في الحرب الصينية في شهر واحد؛ أي ما يقرب من نصف عدد الأمريكيين الذين عاشوا في فيتنام منذ 20 عاماً، واستثمرت الصين موارد كبيرة في تأمين دولة فيتنامية مستقلة وموحّدة، لكنّ هاجس بكين بالتطبيق الشامل للماوويّة أضرّ بمركزها في جنوب شرق آسيا.

الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون

تغيير التروس

ويركّز تصوّر برازينسكي، إلى حدّ كبير، على الخمسينيات وأوائل الستينيات، (ويعتمد الكتاب على وثائق من وزارة الخارجية الصينية، التي، حتى عندما كانت مفتوحة لفترة وجيزة من عام 2004 إلى عام 2012، منعت إجراء البحوث في أعوام الثورة الثقافية)، ومع ذلك، كما تبين الفصول الختامية لكتاب "الفوز بالعالم الثالث"؛ فإنّه قبل نهاية الستينيات من القرن الماضي؛ أدرك القادة الأمريكيون والصينيون أنّ التعاون، لا الصراع، أفضل الفرص المعروضة لتعزيز وضع دولتهم.

ويشير برازينسكي إلى تقرير حزيران (يونيو) 1966 من وزارة الخارجية والبنتاغون، كنقطة تحوّل في التفكير الأمريكي في الصين؛ حيث أشار التقرير إلى أنّه "لا يمكن للولايات المتحدة أن تحرص على السيطرة على آسيا من جانب قوة واحدة، لكن يتعيّن عليها البحث عن سبل لتقديم موقف الصين واحترامها، الأمر الذي يمكن أن تحلّ محلّه، جزئياً، الأهداف التي لا يمكن تحقيقها للهيمنة الإقليمية ووضع القوى العظمى"، ولم يغيّر هذا التقرير السياسات، لكنّ ليندون جونسون تحدّث، بعد شهر من المشاركة، بدلاً من العزلة، مشيراً إلى أنّ "السلام الدائم لا يمكن أبداً أن يأتي إلى آسيا، طالما أنّ 700 مليون شخص من الصين القارّية، معزولون من قبل حكامهم عن العالم الخارجي".

اقرأ أيضاً: مسلمو الأويغور.. نزلاء معسكرات إعادة التأهيل الصينية

قدّم الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، الذي تولّى منصبه عام 1969، هذه الرؤية، "بينما كانت الإدارات الأمريكية السابقة كلّها تكافح لعزل الصين وتدمير هيبتها في العالم الثالث"، يكتب برازينسكي: "أرادت إدارة نيكسون إعادة دمج جمهورية الصين الشعبية في المجتمع الدولي، ومنحتها الاحترام لكونها قوة عظمى"، وقد أدرك نيكسون أنّ الصدارة الأمريكية لا يمكن الحفاظ عليها إلا بتحويل واشنطن إلى العنصر المهيمن في المثلث الجيوسياسي مع بكين وموسكو.

إنّ حساسية نيكسون تجاه الاستهانة، والإصرار على الاحترام، علاوة على ذلك، جعلته محاوراً مثالياً مع بكين، وكتب نيكسون في مسودته التحضيرية لحديثه مع ماو، عام 1972: "تعامل معه (كإمبراطور)، أثنِ على الشعب، الفنّ القديم، امتدح القصائد وحبّ البلاد"، وكان العنصر الحاسم أنّ نيكسون لم يجعل التقارب بين الصين والولايات المتحدة مشروطاً بتخلي الصين عن مطالبها الثورية، وجاء في حديث نيكسون الأخير مع تشو: "لديك موقف في بلدك، وفي الحركة الاشتراكية كلّها، والعالم، وهو موقف مبدأ، والذي نتوقّعه منك، بالطبع، الحفاظ عليه".

ولحسن حظّ نيكسون؛ عدّل الحزب الشيوعي الصيني تصوّراته الخاصة المتعلقة بأفضل طريقة لتحقيق مكانة بحلول وقت زيارته، وقد تبنّت بكين دبلوماسية أكثر براغماتية؛ فقد هذّبتها الثورة الثقافية والصلات القريبة مع الاتحاد السوفيتي، فأقامت علاقات مع دول "رجعية"، مثل إيران وتركيا وزائير، واستمرت بتقديم نفسها بوصفها قائد العالم الثالث في الأمم المتحدة، لكنّها تعاونت، في الثمانينيات، بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في معارضة الأنظمة الماركسية في "عالم الجنوب"، وعلى سبيل المثال؛ فقد عملت الصين مع الولايات المتحدة والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا، في محاولة للإطاحة بالنظام في أنغولا، المدعوم من السوفييت وكوبا، وانضمّت للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وباكستان في دعمهم للمجاهدين الأفغان، للإطاحة بالنظام الحليف لموسكو في كابول.

لذلك؛ فإنّ أحد الدروس التي يأخدها برازينسكي في الحسبان، هو المدى الذي سمح به التهديد السوفييتي، بالتعاون الأمريكي-الصيني في عالم الجنوب والاقتصاد العالمي.

الفوز بالقرن الحادي والعشرين؟

الفوز بالعالم الثالث، يبدو تماماً كما لو أنّ إدارة ترامب تعرقل النقاش الحيوي الآن حول العلاقات الأمريكية-الصينية. يثبت كتاب برازينسكي قيمته؛ لأنه يوضح كيف أدّت الاختلافات بين وجهات النظر الأمريكية والصينية حول وضع الصين في النظام العالمي، وليس فقط المخاوف الأيديولوجية من التخريب الشيوعي، إلى نزاع طويل الأمد بين الدولتين.

قد تكون الصين اليوم حيواناً مختلفاً عمّا كانت عليه في عهد ماو، لكنّها ما تزال تقدّم نفسها للإفريقيين والآسيويين كدولة نموذجية ونصيرة لنظام عالمي جديد غير هرمي.

عندما افتتح شي جين بينغ منتدى (Belt and Road Forum)، في أيار (مايو) 2017؛ فقد ناصر "نوعاً جديداً من العلاقات الدولية، الذي من شأنه أن يحترم السيادة والسلامة الإقليمية لكافة الدول"، وتخلّت بكين عن إدعاءاتها الأكثر تطرفاً، لكنّ أساسيات نهجها، كتعزيز مكانة الصين ضمن النظام غير الهرمي، لم تتغير كثيراً.

أفضل رهان للصين على طرد أمريكا من المنطقة، وتأمين مركزها الخاص، سيكون ثقة سخيّة بالنفس القومية الصينية

لكنّ برازينسكي، بدلاً من عرض ادعاءات مكانة الصين كتهديد، قدم حكمة حول أساليب توجيهها، لا سيما فيما يتعلق بقضايا مثل التجارة، التي تهمّ الأمريكيين الذين صوّتوا لترامب. على سبيل المثال؛ يشير برازينسكي إلى أنّه: رغم أنّ الصين ما تزال ترى نفسها كنموذج للعالم النامي، فإنّ كثيرين في إفريقيا وآسيا ما يزالون مشكّكين في نوايا بكين، "إنّ النهج الغربي لفرض قيمه ونظامه السياسي على دول أخرى غير مقبول للصين، إننا نركز على التنمية المتبادلة، لا على تعزيز دولة واحدة على حساب الأخرى"، قال وانغ هونغ يي، الدبلوماسي الصيني والمتخصّص بإفريقيا، في منتدى حول التعاون الصيني الإفريقي، في بكين عام 2006.

غير أنّ الأفارقة المؤثرين، مثل حاكم المصرف المركزي النيجيري السابق، لاميندو سانوسي، قد انتقد الصين بوصفها "مساهماً مهمّاً في تراجع الصناعة والتخلف"، ومن وجهة نظر سانوسي؛ فإنّ فيضان السلع الفولاذية والاستهلاكية الصينية الرخيصة القادمة إلى إفريقيا، يجعل من المستحيل على الشركات الإفريقية أن تنافس، بينما تعتمد عمليات التعدين الصينية على استيراد العمالة الصينية والتكنولوجيا، بدلاً من من نقل المهارات إلى السكان المحليين، وهو ما يدعوه سانوسي "جوهر الكولونيالية".

ويمكن أن تحكى قصة مماثلة عن لاوس، منذ 2011؛ حيث أثار مشروع السكك الحديدية الصيني مخاوف بشأن حقوق الأراضي والمعايير، أو في سيريلانكا؛ فقد تمّ تمويل المرافئ والمطارات من خلال قروض غير قابلة للتحصيل من بكين، إضافة إلى مخاوف بشأن مخصصات الأراضي والأثر البيئي، وتشكّل هذه المشروعات جزءاً من دائرة خيبة الأمل بشأن تأثير الصين في العالم النامي.

لكن، كما يؤكد برازينسكي؛ فإنّه على الولايات المتحدة أن تكبح نفسها عن الاحتفال بخيبة أمل الآخرين مع الصين، كما فعلت في الحرب الباردة. لقد جلبت المنافسة الأمريكية الصينية مكاسب قليلة للأفارقة والصينين، غير أن برازينسكي يؤكد، اليوم، كيف يمكن للدولتين أن تتعاونا في قضايا مثل الصحة العامة ومكافحة الأمراض، كما فعلتا خلال فترة تفشّي وباء الإيبولا، عام 2014، في غرب إفريقيا.

وفي حين أنّ الحديث عن حرب اقتصادية مع الصين يرى أنّ معايير العمل المنخفضة في البلاد، وضعف التنظيم البيئي، وإغراق السوق بالصادرات، من المسلّم به أنّها تخدم كلّها المصالح الوطنية الصينية؛ فإن برازينسكي يؤكّد أنّه "فقط من خلال جعل نفسها مسؤولة أمام المعايير البيئية العالمية، ومعايير العمل، وتلطيف قوميتها، يمكن للصين أن تستعيد مكانة المملكة الوسطى الذي تمتعت به يوماً ما".

إذا كان هذا النهج يمكن أن يثبت نجاحه في آسيا، فإنّه أقلّ وضوحاً، وقد تقتنع بكين، على سبيل المثال، بقبول قوانين الملكية الفردية الأمريكية، أو قوانين العمل السيرلانكية، كأدوات لتعزيز مكانتها.

وكما يذكرنا كتاب برازينسكي؛ فإنّ اشتباك أمريكا مع الصين في وقت مبكر تمّ تصوّر مكانته في المجتمع الدولي، كأمر "يمكن أن يحلّ، جزئياً، محلّ السيطرة الإقليمية ووضع القوة العظمى، لكنّ قلّة قد تشكّك، اليوم، في أنّ الصين تهيمن على منطقتها، أو في أنّها قوة عظمى". ومن المفارقات، في رأي برازينسكي: أنّ "أفضل رهان للصين على طرد الولايات المتحدة من المنطقة، وتأمين مركزها الخاص، سيكون ثقة سخيّة بالنفس القومية الصينية"، التي من شأنها أن تجعل القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان تبدو زائدة عن الحاجة. ومع ذلك، ما تزال القومية الصينية سجينة ذكريات الجراح على أيدي الغربيين واليابانيين؛ حيث يبدو أنّ إعادة تعريف كهذه بعيدة الاحتمال، والأكثر من ذلك؛ أنّ إعادة كهذه لتعريف المكانة، قد تتطلب التعاطف والخيال من خصوم المرء، وكذلك الصفات الجيدة التي يمتلكها عدد قليل فقط من رؤساء الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، التي تبدو، تقريباً، غائبة تماماً عن البيت الأبيض اليوم.

 


المصدر: تيموثي نونان، فورين أفيرز

اقرأ المزيد...
الوسوم:



تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:

مؤتمر برلين.. هل يمهد لعودة العملية السياسية الشاملة في ليبيا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-23

ترجمة: مدني قصري


دعا المشاركون في المؤتمر الدولي في برلين، الذي عقد في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري، إلى وقف إطلاق النار، ووضع حد للتدخل الأجنبي.. فالنص غير الملزم ينبغي أن يقدَّم إلى مجلس الأمن.
تدعو الوثيقة إلى "وقف دائم لإطلاق النار" في ليبيا، وإلى "الامتناع عن أي تدخل في النزاع المسلح"، ولإعادة إطلاق "العملية السياسية"..

أنطونيو غوتيريس: إذا لم تترجم التزامات برلين إلى قرارات مجلس الأمن فمن المرجح أن تستمر الحرب

ولم يؤد المؤتمر، الذي استضافته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وغسان سلامة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، إلى اتفاق بين الطرفين الليبيين المتخاصمين، فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، وقائد القوات الليبية المشير خليفة حفتر، ونتج عن المؤتمر "بيان متواضع" أقرته الجهات الدولية الفاعلة المدعوة: الأعضاء الخمسة في مجلس الأمن، تركيا، مصر، الإمارات العربية المتحدة، جمهورية الكونغو، إيطاليا، الجزائر والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
يمثل النص حلّاً وسطاً بالحد الأدنى. ودعا المشاركون "جميع الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها من أجل وقفٍ دائم للأعمال القتالية، ووقف التصعيد، ووقف دائم لإطلاق النار". ولكسر دوامة الإفراط في تسليح الجانبين، تعهدت الأطراف أيضاً بالعمل على الاحترام الصارم للحصار المفروض على المعدات العسكرية وعلى "كبح أي نشاط يفاقم الصراع، بما في ذلك تجنيد المرتزقة"... حيث أرسلت تركيا خبراء ومقاتلين سوريين وطائرات بدون طيار ومركبات قتالية إلى قوات التحالف الموالية للحكومة.

أشار محمد السيد لعزيب، وهو دكتور في المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية، إلى أنّ "نجاح هذا المؤتمر نسبي للغاية. فبسبب تعذر الخروج باتفاقية قوية قابلة لأن تلقَى الرفض من جانب واحد أو أكثر من أطراف النزاع، فقد فُضِّل إصدارُ تذكير بالمبادئ دون ضمان التنفيذ".
ولكن هل سيكون لوثيقة برلين، التي تؤكد من جديد الحاجة إلى العودة إلى خريطة الطريق الخاصة بـ "العملية السياسية الشاملة" التي خطّطت لها الأمم المتحدة، تأثيرٌ أقلّ إلزاماً ممكناً على المتحاربين؟ المشاركون في المؤتمر يطالبون بفرض عقوبات على الذين "ينتهكون الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة اليوم"، وقد أكد  غسان سلامة أنّ النص سيقدم إلى مجلس الأمن في شكل قرار. وسيكون اعتماده خطوة مهمة. لكنه يتطلب تصويتاً بهذا المعنى من موسكو وباريس..
وفي هذا الشأن قالت ماري فيتزجيرالد، الباحثة المستقلة في شؤون ليبيا: "كل شيء سيعتمد على مجلس الأمن وكيف يختار الرد على بلاغ برلين". لقد طلب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، من المجلس تحمّل مسؤولياته في ليبيا. فإذا لم تترجم التزامات برلين إلى قرارات المجلس، فمن المرجح أن تستمر الحرب".
نفط الهلال
في غضون ذلك، باتت الهدنة السارية على الأرض منذ أكثر من أسبوع تترنح وتتلاشى. سُمِعت طلقات نارية يوم الأحد في طرابلس. كما استخدمت القوات الليبية شكلاً آخر من أشكال الضغط عشية المؤتمر: إغلاق صنبور الهيدروكربونات التي تشكل ثروة ليبيا. وتم يوم الجمعة الماضي إغلاق محطات الهلال النفطي، في حين توقفت حقول النفط في فزان (جنوب)، حيث توقف إنتاجها يوم الأحد. في هذا الشأن قال أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، إنّ "إغلاق حقول النفط كان قراره المحض من قبل الشعب".

اقرأ أيضاً: ماذا قال بلحاج عن تدخّل تركيا في ليبيا وعن مؤتمر برلين؟
قالت أنجيلا ميركل بحذر في المؤتمر الصحفي الذي اختتم أعمال القمة: وافق المشير خليفة على تعيين ممثليه الخمسة للجلوس في "اللجنة العسكرية" المؤلفة من عشرة أعضاء، المسؤولة عن التفاوض حول وقف إطلاق النار..

قابل للاشتعال
أثيرت أيضاً في نهاية هذا الأسبوع فكرة وجود قوة فصل للسهر على وقف أي إطلاق للنار مستقبلاً، لكنها لم تظهر في البيان الختامي. الموضوع حساس للغاية في ليبيا. لقد ذكر سراج نفسه هذا الأمر في مقابلة مع الصحافة الألمانية:

باحثة مستقلة في شؤون ليبيا: كل شيء سيعتمد على مجلس الأمن وكيف يختار الرد على بلاغ برلين

"يتعين على المجتمع الدولي التدخل بقوة دولية لحماية السكان المدنيين الليبيين، تحت رعاية الأمم المتحدة". وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد قال في هذا الشأن عند وصوله إلى برلين "إذا تحقق بالفعل وقف لإطلاق النار، فمن الواضح أننا يمكن أن نفعل ما يمكن أن نفعله بشكل جيد للغاية؛ أي إرسال أشخاص وخبراء لمراقبة وقف إطلاق النار. لقد تحدثتُ عن ذلك مع غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، وإيطاليا مستعدة لتقديم مساهمتها"، وهو الأمر الذي أكده بالفعل رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي.
مجلس الأمن وحده يستطيع أن يحسم هذه المسألة، القابلة للاشتعال بشدة بين مجموعات المقاتلين الليبيين. في هذا الشأن قال محمد السيد لعزيب: "في الوقت الحالي، تظل استنتاجات برلين استنتاجات عامة، لذا فمن غير المحتمل أن تزعزع استقرار التحالفات المحلية؛ لأن المعسكرات المتنافسة لم تضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة". لكن الوضع قد يتغير. ومن المفارقات، أنّ اتفاق السلام  مع احتمال تورط أجنبي على الأرض، ينطوي على خطر حدوث مزيد من التوترات الداخلية.

اقرأ أيضاً: أهمية مؤتمر برلين
اتفق المشاركون على إنشاء لجنة متابعة دولية، تجتمع شهرياً لتقييم تنفيذ توصيات المؤتمر. لكن الاختبار الحقيقي سيقاس في ساحة المعركة..
كان ارتياح أنجيلا ميركل، وأنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، اللذين تم الاجتماع تحت رعايتهما، ملحوظاً في المؤتمر الصحفي النهائي. "خطوة صغيرة إلى الأمام"، هكذا هنأت نفسها الزعيمة الألمانية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
liberation.fr

للمشاركة:

بالأرقام... معاناة الصحفيين تحت حكم أردوغان

2020-01-22

ترجمة: محمد الدخاخني


في كانون الثّاني (يناير) 1961، دخل القانون الذي ينظّم حقوق الصحفيين حيّز التّنفيذ في تركيا. ومنذ ذلك الحين، استخدمت البلاد شهر كانون الثّاني (يناير) للاحتفال بالصحافة وحرية تداول المعلومات، وكذلك لتكريم المراسلين الذين أُصيبوا أو قُتلوا أثناء أداء واجبهم.

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا

الرّئيس رجب طيّب أردوغان احتفل بالذّكرى السّنويّة ليوم الصحفيين العاملين في تركيا، يوم الجمعة، قائلاً إنّه من الضّروريّ أن تكون الصّحافة حرّة وغير مكمّمة خلال نقلها للوقائع. وصرّح في بيان صدر يوم الخميس: "إنّ وجود وسائل إعلام متعدّدة الأغراض وفعّالة وقادرة على إعلام الجمهور دون التّعرّض لأيّ قيود، شرط لا غنى عنه لمجتمع ديمقراطيّ وشفّاف".
هذا البيان من المرجّح أن يكون غير مقنع للصحافيين الأتراك الذين واجهوا حملة أردوغان على وسائل الإعلام منذ محاولة الانقلاب التي وقعت في تمّوز (يوليو) 2016. فقد تآكلت حرية الصحافة في ظلّ حكم الرّئيس، مع زيادة الضّغط الحكوميّ ومشهد إعلاميّ أقلّ تنوّعاً فأقلّ. ووفقاً لجمعيّة الدّراسات القانونيّة والإعلاميّة في تركيا، هناك حوالي 11,000 صحافيّ عاطل عن العمل، و114 قيد الاحتجاز، و1,500 يواجهون المحاكمة.

مناخ خانق

من الصّعب على الصحفيين في تركيا الكتابة عن قضايا مثل؛ الفساد أو نزاع الحكومة مع الأكراد، كما يقول جلال باسلانغيتش من قناة "آرتي تي في"، وهي محطّة بثّ مستقلّة مقرّها ألمانيا. وكما يضيف، "الأهم هو مقاومة الحرب والنّضال من أجل السّلام. لكن، في الوقت الحاليّ في ذلك البلد، أولئك الّذين يريدون السّلام يُعاملون معاملة الإرهابيّين".

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل قمع الحريات تحت هذه الذريعة
أيدين إنجين، وهو كاتب عمود في جريدة "جمهوريّت" اليوميّة، يمتلك رأياً مماثلاً. يقول إنّ وسائل الإعلام لم تكن حرّة منذ الاستفتاء الدّستوريّ عام 2017، الّذي أبطل صلاحيّات مكتب رئيس الوزراء وركّز السّلطة في الرّئاسة بدلاً من البرلمان. وبالكاد توجد وسيلة إعلاميّة حرّة والمناخ العامّ خانق، كما يضيف.
ووفقاً للإحصاءات الرّسميّة، فإنّ واحداً من كلّ أربعة صحفيّين في تركيا عاطل عن العمل. وجرى إغلاق العديد من وسائل الإعلام بعد محاولة الانقلاب. وفي عام 2018، بعد العاملين الاجتماعيّين، كان الصّحفيّون هم الأكثر تأثّراً بالبطالة، وفقاً للمعهد الإحصائيّ التّركيّ.

في عام 2019 صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشرها لحرية الصحافة العالمية

وقد تفاقم الوضع بسبب ضعف النّقابات العماليّة. ففي عام واحد فقط، ارتفعت نسبة الصّحفيّين العاطلين عن العمل بـ 4.7 نقطة مئويّة، لتصل إلى 23.8 في المائة. وفي عام 2019، صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشّرها لحرّيّة الصّحافة العالميّة. "لقد وصلت سياسة مطاردة السّاحرات الّتي شنّتها حكومة الرّئيس رجب طيّب أردوغان ضدّ منتقديها في مجال الإعلام إلى ذروتها منذ الانقلاب الفاشل في تمّوز (يوليو) 2016. وبعد القضاء على العشرات من وسائل الإعلام والاستحواذ على أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا على يد شركة موالية للحكومة، تشدّ السّلطات الخناق على القليل المتبقّي من التّعدديّة - الحفنة القليلة من وسائل الإعلام الّتي تتعرّض للمضايقة والتّهميش. إنّ تركيا هي أكبر سجّان للصّحفيّين الاحترافيّين في العالم".

تحت سيطرة الحكومة

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم، أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم وأقارب لقادته، العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا.

اقرأ أيضاً: الحريات في تركيا.. إلى أين؟!
وليس الضّغط على الصّحافيّين في تركيا بالأمر الجديد. فمنذ فترة طويلة تخضع وسائل الإعلام الكرديّة للرّقابة والإغلاق. تقول صفيّة ألاغاس، وهي صحافيّة كرديّة، إنّ ضغوط الحكومة أضرّت بالعلاقات المهنيّة. "في عامي 2010 و2011، كان الصّحفيّون ما يزالون يقفون جنباً إلى جنب"، تقول. "الآن، هناك استقطاب خطير... وهذا يجعلني حزينة جدّاً، حيث أودّ مزيداً من التّضامن".
من جانبه، بدا أردوغان أقلّ حزناً في بيانه بمناسبة يوم الصّحفيّين العاملين. "لقد مرّت بلادنا بفترات توقّفت فيها ديمقراطيّتنا ووضعت عقبات في طريق التّنمية"، يقول. "واستغرقت الصّحافة ومجتمعنا وقتاً طويلاً للتّغلب على الآثار السّلبيّة لهذه الفترة. وفي ضوء الدّروس الّتي تمّ تعلّمها من المشكلات الّتي واجهتها، فإنّني أعتقد أنّ وسائل الإعلام في بلدنا سوف تأخذ بعين الاعتبار حساسيات المجتمع، وتمنع قوى الظّلام من تحقيق أهدافها، ولن تحترم منظور الوصاية الّذي يتجاهل إرادة الأمّة، وتفي بواجب إعلام مواطنينا بدقّة ونزاهة".


بيلين أنكر ودانيل بيلوت، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/tough-times-for-journalism-in-recep-tayyip-erdogan...

للمشاركة:



وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

بالأرقام.. برلماني تركي يكشف الأعداد الحقيقية للعاطلين عن العمل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشف كبير مستشاري رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، أردوغان توبراك، أنّ هيئة الإحصاء تتعمد عدم إدراج الأشخاص الذين تخلوا عن البحث عن فرصة عمل ضمن جيش العاطلين لتقديم رقم العاطلين عن العمل منخفضاً.

وزعم البرلماني عن مدينة إسطنبول، أردوغان توبراك، أنّ العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يتجاوز 6 ملايين عاطل عن العمل، وليس 4 مليون و396 ألف، مثلما توضح إحصاءات الهيئة، وأنّ نسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وليست 13.4%.

واستعرض توبراك تقريراً أعده حزب الشعب الجمهوري، وقال: "العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص، ونسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وذلك بإضافة النساء اللواتي يتم تصنيفهن من قبل الهيئة "ربات منزل"".

أردوغان توبراك: العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص ونسبة البطالة 20.9%

وكانت هيئة الإحصاء التركية قد أعلنت؛ أنّ نسبة البطالة بلغت 13.4%، وأنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ 4 ملايين و396 ألف عاطل عن العمل، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وحتى أمس".

وذكر التقرير؛ أنّ بيانات هيئة الإحصاء التركية تشير إلى أن عدد النساء الذين تحولن إلى "ربات بيوت" كان 11 مليوناً و404 ألف شخص، في أيلول (سبتمبر) 2019، وأنّ هذا الرقم ارتفع إلى 11 مليوناً و549 ألف شخص، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مفيداً بأنّه "خلال شهر أزيحت 145 ألف سيدة من إجمالي رقم البطالة وتمّ ضمهنّ إلى فئة "ربات منزل"".

وأضاف تقرير المعارضة: "كانت هيئة الإحصاء تصنف المستعدين للعمل والباحثين عنه لكنّهم يعجزون عن إيجاد فرصة عمل لمدة ثلاثة أشهر، ضمن العاطلين، غير أنّها خفضت هذه الفترة الزمنية إلى أربعة أسابيع، أي أنّ الممتنعين عن البحث عن فرصة عمل خلال الأربعة أسابيع الأخيرة، لن يتم إدراجهم ضمن العاطلين عن العمل"، مشيراً إلى أنّ "هذا الإجراء هو من الأساليب التي تسعى هيئة الإحصاء من خلالها لإظهار انخفاض أعداد العاطلين عن العمل".

يذكر أنّ رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو، قال هذا الأسبوع إنّ حكومة حزب العدالة والتنمية تتلاعب بالأرقام للتستر على الأزمة الاقتصادية، وتفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

 

 

للمشاركة:

سوريا.. 38 ألف نازح في 5 أيام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

نزح أكثر من 38 ألف شخص عن منازلهم في شمال غرب سوريا، خلال خمسة أيام، بسبب الغارات الجوية التي ينفذها النظام السوري وحليفه الروسي، بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة.

وأعربت الأمم المتحدة عن "القلق البالغ" حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا، فيما أشار المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوشا"، دايفيد سوانسون إلى وجود "معلومات شبه يومية عن غارات جوية وقصف مدفعي في المنطقة"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وأوضح في بيان؛ أنّه "في الفترة بين 15 و19 كانون الثاني (يناير)، نزح أكثر من 38 ألف شخص، خاصة عن غرب حلب، باتجاه مناطق أخرى ضمن المحافظة أو باتجاه إدلب.

وما تزال محافظة إدلب، وبعض المناطق في حلب واللاذقية المجاورتين، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا)، وثمة حضور لفصائل مقاتلة أخرى أيضاً.

الأمم المتحدة تعبر عن قلقها حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا بسبب غارات النظام وروسيا

ومنذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، نزح ضمن شمال غرب سوريا 358 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب الأمم المتحدة.

ويقول المرصد السوري إنّ عشرات المدنيين قتلوا في غرب محافظة حلب وفي إدلب، خاصة بسبب غارات تنفذها مقاتلات روسية، بحسب المرصد.

ويحدّد المرصد هوية المقاتلات استناداً إلى نوعية الطائرة ومكان القصف وخطط الطيران والذخيرة المستخدمة، غير أنّ موسكو تنفي من جهتها المشاركة في أيّة "مهمة قتالية".

وفي بيان أمس؛ قالت ميستي بوسويل، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ إنّ "التصعيد الأخير فتح الباب أمام جبهة جديدة خطيرة".

وتابعت: "المخيمات ممتلئة والخدمات الصحية مستنزفة وغالبية النازحين يعيشون في خيم هشّة ومكتظة، تغمرها مياه الأمطار".

وتُكرر دمشق نيتها استعادة كامل منطقة إدلب ومحيطها، رغم اتفاقات هدنة عدة تم التوصل إليها على مرّ الأعوام الماضية.

وخلّف النزاع، الذي تشهده سوريا منذ آذار(مارس) 2011، أكثر من 380 ألف قتيل، بينهم أكثر من 115 ألف مدني.

 

للمشاركة:



من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية