تحذيرات من إفلاس تونس على وقع صراع بين الحكومة والنقابات

تونس

تحذيرات من إفلاس تونس على وقع صراع بين الحكومة والنقابات


12/09/2018

أثار تلويح الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظّمة نقابية في تونس تُعنى بالدفاع عن العمال)، بإقرار مبدأ الإضراب العام بالقطاع العمومي، مخاوف التونسيين من وصول الصراع بين أكبر منظمة عماليّة وحكومة يوسف الشاهد إلى مستويات خطرة تنذر بانفجار اجتماعي وشيك، في ظل وضع اقتصادي منهك، وسط تحذيرات من وصول البلاد إلى حافة الإفلاس.

ويتوقّع متابعون للشأن التونسي أن تقود التجاذبات السياسية والحزبية الحالية بشأن مصير حكومة يوسف الشاهد، البلاد إلى سنة سياسية ساخنة، خاصّة بعد إعلان أمين عام الاتحاد نور الدين الطبوبي، إقرار المنظمة مبدأ الإضراب العام في القطاعات العمومية في ظل ما سمّاه سياسة "المخاتلة والمماطلة" من حكومة الشاهد التي تسعى للتفويت في المؤسسات العمومية بدل إصلاحها.

اقرأ أيضاً: مرة أخرى... ملف الحريات يشعل الجدل في تونس

وقال الطبوبي، في تصريح لوكالة "تونس أفريقيا" للأنباء الرسمية، في الرابع من الشهر الجاري، إنّ "الدخول في إضراب عام في المؤسسات والمنشآت العمومية وارد بنسبة 90 بالمئة".

واعتبر الطبوبي في تصريحات سابقة أنّ الحكومة الحاليّة برئاسة يوسف الشاهد عنوان الأزمة السياسيّة والاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، منتقداً، "الأطراف التي ترفض تغييرها بتعلّة الحرص على المصلحة الوطنيّة والاستقرار"، في إشارة إلى موقف حركة "النهضة" الإسلامية (الشريك الثاني في الحكم)، التي قال رئيسها راشد الغنوشي في تصريحات صحفية سابقة "إنّ الحفاظ على الحكومة الحاليّة يمثّل استقراراً لتونس".

اعتبر الطبوبي في تصريحات له أنّ الحكومة الحاليّة عنوان الأزمة في تونس

واتهمت المركزية النقابية حكومة الشاهد ببيع الوهم للناس، وتفقير الشعب، مطالبة بضرورة تعويضها بحكومة كفاءات، لأنها فشلت في جميع المجالات، وفي إدارة الملفات الكبرى، وفق تقديرها.

في المقابل، تجنّب الشاهد، في تصريحاته الإعلامية، الخوض في مستقبل حكومته والردّ على دعوات الاستقالة المتصاعدة، وتعهد بمواصلة تحقيق ما وصفها بـ "النجاحات الاقتصادية والأمنية"، معتبراً أنّ تحسين القدرة الشرائية للتونسيين من بين أولويات حكومته في المرحلة المقبلة، إضافة إلى مكافحة الاحتكار.

يتوقّع متابعون للشأن التونسي أن تقود التجاذبات السياسية والحزبية بشأن مصير حكومة يوسف الشاهد إلى سنة سياسية ساخنة

ووصف محللون في الشأن السياسي تصريحات الشاهد حول إنجازات حكومته بأنها محاولة للهروب إلى الأمام، مشيرين إلى أنه يسعى من خلال حديثه عما يعتبرها نجاحات، إلى التسويق لنفسه قصد الترشح للانتخابات الرئاسية المرتقبة في البلاد خلال العام المقبل.

البنك المركزي يحذّر من الإفلاس

وسط هذ الجدل السياسي، حذّر البنك المركزي التونسي، من تواصل تعطّل آلة الإنتاج، التي قال إنّها ستقود البلاد الى الإفلاس، وستزيد من تواصل انهيار سعر صرف العملة المحلية الدينار مقابل العملتين الرئيسيتين اليورو والدولار؛ إذ فقد الدينار 13% من قيمته مقابل اليورو، و7.6% مقابل الدولار، خلال 2017 و2018.

اقرأ أيضاً: تونس: من أزمة الدولة إلى أزمة الحزب الحاكم

ويربط مختصّون هذا التراجع الاقتصادي بـ "الوضع السياسي الهش للبلاد"، لافتين إلى أن السوق المالية تتأثر بتهديدات النقابات العمالية بالإضراب عن العمل، وهو ما أكّده الخبير الاقتصادي صادق جبنون، الذي قال لـ "حفريات"، إنّ "الإضراب سيؤثّر سلباً دون أدنى شكّ في الاقتصاد الوطني، من حيث قيمة يوم العمل المفقود، الذي يُقدّر بنحو 90 مليون دولار".

وأضاف أنّ "إيقاف العمل بمؤسّسات الدولة سيشلّ الدورة الاقتصادية، وهو ما سيؤثّر سلباً في صورة تونس كوجهة استثمارية للمستثمرين الأجانب".

الطاهري: الاقتصاد التونسي متأزم بسبب خيارات الحكومة الخاطئة

ووفق بيانات نشرها البنك المركزي، بداية الشهر الجاري،  فإنّ احتياطي العملة الصعبة، تراجع إلى حدود 2494 مليون دينار؛ أي ما يعادل 32 يوم توريد سلع. وسجلت بورصة تونس للأوراق المالية هبوطاً حاداً في مؤشرها بعد نزول غير مسبوق في قيمة أسهم المصارف التي تمثل نحو 45% من مجموع الأسهم المتداولة.

وسجل المؤشر العام لبورصة تونس نزولاً بـ1.76% تبعه نزول بـ3.12% بداية الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، فيما سجل المؤشر القطاعي للمصارف تراجعاً بنسبة 2.38%، وسط توقعات بتواصل المنحى التنازلي لهذا المؤشر.

تتزايد المخاوف في تونس من إمكانية الإفلاس نتيجةً للإضرابات المتوقعة بعدما تراجعت معدّلات الإنتاج الصناعي بقطاع الصناعات

ويقول الأمين العام المساعد والناطق الرسمي للاتحاد العام التونسي سامي الطاهري في هذا الشأن، لـ"حفريات"، إنه لم يتم بعد أخذ قرار نهائي بشأن الإضراب العام، لكن أمام إصرار الحكومة على الهروب إلى الأمام، وتمسّكها ببيع مؤسّسات الشعب، فإنه لا خيار أمام المركزية النقابية سوى إعلان تحرّك عمالي ضخم ضد هذه السياسة.

وأضاف الطاهري أنّ الاقتصاد التونسي متأزم بطبعه، بسبب خيارات الحكومة الخاطئة التي أغرقت البلاد في الدين الخارجي، فضلاً عن عجزها عن محاربة ظاهرة تهريب السلع والعملة الصعبة. وتساءل عن سبب انهيار احتياطي البلاد من العملة الصعبة، في وقت حقّقت تونس مبيعات مهمة في مادة زيت الزيتون، والتمور، إضافة إلى تسجيل دخول 5 مليون سائح أجنبي للبلاد هذا الموسم.

اقرأ أيضاً: أزمة سيولة أم عصابات تهريب وراء نقص الأدوية في تونس؟

واستبعد الطاهري ارتباط مطالب المركزية النقابية بشأن تغيير الحكومة، بالإضراب العام في القطاع العام المُنتظر شنه منتصف الشهر الجاري.

وتتهم عدة أحزاب من بينها حركة النهضة، الاتحاد العام التونسي للشغل بالتحوّل إلى حزب سياسيّ وإلى خدمة مصالح أطراف سياسيّة معيّنة، وتعطيل البلاد، علماً أنّ النقابات العمّاليّة التابعة إلى الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل رفعت منذ  كانون الثاني (يناير) 2018 سقف المطالب الاجتماعيّة للعمّال في ما يتعلّق بالزيادات في الأجور والمنح (المكافآت) والامتيازات.

اتهمت المركزية النقابية حكومة الشاهد ببيع الوهم للناس

وكانت حكومة الشاهد، التي تسلّمت السلطة منذ 26 آب (أغسطس) من عام 2016، محط انتقادات من قبل الاتحاد العام التونسيّ للشغل الذي يقف ضدّ الإجراءات الاقتصادية التي يدفع الشاهد باتجاهها، كخصخصة المؤسسات العموميّة، وزيادة الضرائب، وتجميد أجور القطاع العام.

نداء تونس ينصّب الشاهد ثم يدعو إلى إقالته

النائب عن حركة نداء تونس فاطمة المسدّي تدعم قرار الاتحاد بتنفيذ إضراب عام في حال تأكَد أنّ الحكومة تنوي التفويت في حوالي 20 مؤسسة حكومية لفائدة القطاع الخاص.

وتقول المسدّي في تصريحها لـ "حفريات"، إنّ بيع مؤسّسات الدولة وممتلكات الشعب هي ما يضرّ بالاقتصاد التونسي، وليس الإضراب بيوم من أجل الدفاع عنها، مشيرة إلى أنّ المواطن في حال بيع مؤسساته للقطاع الخاص لن يقدر على توفير أبسط متطلباته.

اقرأ أيضاً: أين وصلت تونس بعد 7 سنوات من "الثورة"؟

وتدعو النائب عن حزب نداء تونس المُمثّل الأوّل في الحكومة، إلى ضرورة إعلان حوار اقتصادي تشارك فيه جميع الأطراف من أجل إنقاذ البلاد من وضعها الراهن، وأن لا تستأثر الحكومة بطرح حلول أحادية.

وانطلقت المعركة بين نداء تونس وابنه "الضال" يوسف الشاهد، بسبب خلاف شخصي بين الشاهد وبين حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي لنداء تونس، ونجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، بداية حزيران (يونيو) الماضي، حول أحقية الحزب بتعيين كوادر تابعة له في مواقع متقدمة من المؤسسات الحكومية، وهو ما أسفر عن انقسام الحزب بين مؤيّد للشاهد، ومناصر للسبسي الإبن.

وضع اقتصادي منهار

وتتزايد المخاوف في تونس من إمكانية الإفلاس نتيجةً لهذه الإضرابات، بعدما تراجعت معدّلات الإنتاج الصناعي بقطاع الصناعات المعمليّة التونسي، بنهاية النصف الأول من العام الجاري، بنسبة 1.2% على أساس سنوي، وفق بيانات للمعهد الوطني للإحصاء التونسي.

الطاهري: لا خيار أمام المركزية النقابية سوى إعلان تحرّك عمالي ضخم ضد سياسة الحكومة

وأرجع المعهد ذلك لانخفاض معدلات الإنتاج بقطاع المواد الكيميائية بنسبة 10.3%، مع تراجع إنتاج مشتقات الفسفاط، وتراجع قطاع المواد المنجمية غير المعدنية بنسبة 4.6% وتراجع حجم الإنتاج بقطاع تكرير النفط 41.8%، وانخفض كذلك قطاع المستخرجات المنجمية غير المولّدة للطاقة 21.1%، كما تراجع إنتاج الفوسفات إلى 1.53 مليون طن في النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بنحو 2.41 مليون طن في النصف الأول من العام الماضي.

في المقابل، ارتفع معدّل الإنتاج بقطاع الصناعات الزراعية والغذائية 9.4%، مع نمو إنتاج زيت الزيتون، كما زاد إنتاج قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية 2.2%..

الصفحة الرئيسية