شباب مغاربة من التشدد والتطرف إلى الإلحاد

المغرب العربي

شباب مغاربة من التشدد والتطرف إلى الإلحاد


01/10/2018

"وجدت نفسي حينها مصدومة من مشاهد القتلى على التلفاز، ومن صراخ جارتنا على اعتقال ابنها بتهمة الإرهاب" بهذه العبارات تستهل الشابة المغربية ندى (34 عاماً) سرد تفاصيل انتقالها من التشدد إلى الإلحاد.

كانت ندى تعيش في الحي الصفيح "دوار سكويلة" في سيدي مومن، حيث خرج أغلب المتورطين في التفجيرات الدامية التي هزت الدار البيضاء 16 أيار (مايو)  العام 2003 وأسفرت عن مقتل 45 شخصاً من بينهم 11 انتحارياً.

وعن تجربتها مع التشدد، تروي ندى لـ "حفريات": "قبل أحداث 16 مايو كانت الجماعات السلفية في حينا تقيم جلسات دينية في أحد بيوت أعضائها، كنت أعتبرها فرصة لأتفقه في أمور ديني".

ارتدت ندى الحجاب في سن 12 عاماً: "كانت الأخوات الأكبر منا سناً في الجماعة يزرعن فينا دائماً ذلك الإحساس بأننا الأفضل والأطهر من الفتيات غير المحجبات، كنت أشعر بأنني محظوظة، لأنني أحضر تلك الجلسات".

"دوار سكويلة" الحي الذي خرج منه أغلب المتورطين في تفجيرات 16 مايو 2003

مهووسة بأن لا أرتكب المعصية

في الوقت الذي كانت ندى بحاجة للترفيه عن نفسها واللعب مع أقرانها، أصبحت تفكر في عذاب القبر والجنة والنار. وبنبرة حزينة تتابع ندى: "أمضيت طفولتي وأنا أشعر بالخوف من عذاب القبر وجهنم، وحتى إذا رغبت في الضحك واللعب مع أقراني أتذكر أنّ ذلك حرام، وأنّ الله سيعذبني، كنت مهووسة بأن أتجنب المعصية".

لكنّ أحداث 16 أيار (مايو) واعتقال أبناء حيها بتهمة الإرهاب، جعل ندى تنتقل إلى مرحلة الشك في معتقداتها.

تصف ندى تحولاتها العقائدية: كان قراراً مصيرياً، إذ خلعت الحجاب بعد أن اقتنعت بأنهم كانوا يستغلون فقرنا

من طفولة ومراهقة متشددة إلى الإلحاد، كيف حدث هذا الانتقال من النقيض إلى النقيض؟ تجيب ندى: "عشت مرحلة صعبة في حياتي كنت أسأل نفسي عدة أسئلة عن الدين، وكيف يمكنني أن أستمر في اعتناق الأفكار التي جعلت من أبناء الحي متطرفين."

تصف ندى تلك اللحظة  قائلة "كان قراراً مصيرياً، خلعت الحجاب، بعد أن اقتنعت بأنهم كانوا يستغلون فقرنا...تخلصت من كل شيء يربطني بماضيّ المتشدد واخترت التفكير خارج السرب".

من أبرز الملتزمين إلى أشهر الملحدين

ويعتبر سعيد بن جبلي أحد أبرز الملحدين المغاربة على "فيسبوك"، بعد أن كان من أبرز الملتزمين الذين يؤثرون في الشباب بالمغرب، لاسيما وأنه كان عضواً في "جماعة العدل والإحسان" (تيار إسلامي) في المغرب، بيْد أنّ أفكاره تغيرت بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة.

في سن الخامسة عشرة كان حافظاً للقرآن، ومراهقاً نهماً للمعرفة الدينية خلال دراسته الإعدادية، وهناك سيتأثر بأحد أساتذته السلفيين الذي اتخذه قدوة، بعد انتقاله للمرحلة الثانوية؛ حيث درس الهندسة الكيميائية، مارس الدعوة على طريقته بين صفوف زملائه، من خلال عقد جلسات للوعظ.

اقرأ أيضاً: الإلحاد في العالم العربي: نقد التدين أم هدم الدين؟

حسه التواصلي العالي جعل منه عنصراً فاعلاً في استقطاب المزيد من التلاميذ لفكر جماعة العدل والإحسان، عبر حوارات ثنائية أو إلقائه  خطباً بين صفوف التلاميذ، وأيضاً تنظيم لقاءات ترفيهية وتعليمية تسمح له في التأثير بباقي التلاميذ.

وبعد خروجه، وجّه سعيد بن جبلي رسالة لجماعة العدل والإحسان يقول: "أعرف أنهم لن يفتحوا قلوبهم لها، لكنني أود أن أطمئن كل من يقرأ رسالتي أنّ القرار لم يكن بيدي، إنّ البحث والدراسة والتأمل العميق فقط ما قادني إلى الحقيقة اليقينية، الحقيقة التي تمنحني شعوراً يفوق كل شعور جربته من قبل في حظيرة الإيمان أو حضرة الإحسان، أما أبناء عبد السلام ياسين فأقول لهم استمروا على الطريق، فأنتم تستعملون المخدر الأعلى جودة في السوق".

يعتبر سعيد بن جبلي أحد أبرز الملحدين المغاربة بعد أن كان من أبرز الملتزمين

انفتاح على الفكر الإنساني

يعتبر بن جبلي أنه لم يكن في نيّته التمرد على الجماعة، وأن بحثه هو من جعل منه ينسحب منها. يقول لـ"حفريات": "كان تطور طبيعي لمساري الفكري. في البداية بدأت بملاحظة أنّ الجماعة لا تملك منهجاً فكرياً مستقراً فيما بخص رؤيتها السياسية، ولاحظت أنّ الجماعة بدأت تنحرف في اتجاه الخرافية، كما أنني رأيت أنّ الفساد بدأ ينخر قادتها وأعضاءها، فانسحبت بهدوء، وبعد انسحابي من الجماعة انفتحت على الفكر الإنساني والعلماني والنضال الحقوقي بمفهومه الكوني".

اقرأ أيضاً: وزير الأوقاف المصري: الإلحاد الوجه الآخر للتطرف

وبعد أن كان سعيد بن جبلي يستقطب الشباب للانضمام إلى جماعة العدل والإحسان أصبح اليوم ينشر فيديوهات تهاجم أصحاب الخطابات المتشددة. ويعزو بن جبلي أسباب خروج بعض الشباب بالمغرب عن الدين الاسلامي إلى أنّ "أصحاب الخطابات المتشددة يدّعون أنهم يمثلون الإسلام الحقيقي، وينسبون بقية المسلمين إلى البدعة والضلال وحتى الكفر أحياناً."

ويضيف السلفي السابق بأنّ المتشددين "يثيرون قضايا كانت مطمورة ومهجورة مند مئات السنين، وأحاديث تعرضت للنسيان"، مضيفاً أنه حين يتعرض الشباب لمثل هده النصوص القديمة المتطرفة يطرحون عدة تساؤلات أهمها هل توجد تلك النصوص فعلاً في التراث الإسلامي،عندما يبحثون  في الموضوع يجدونها بالفعل، فيكون لديهم أحد خيارين إما أن يتبعوا المتطرفين ويدعمونهم دعماً مطلقاً، أو أن يرفضوا المتطرفين، وبالتالي يرفضون تلك النصوص ويبدأون رحلة الشك في التراث"، على حد تعبيره.

مواقع التواصل الاجتماعي

يعتبر بن جبلي أنّ من واجبه التواصل مع الشباب الذين يتأثرون بالأفكار المتشددة: " إننا نحاول الوصول لهم بفيديوهاتنا ومقالاتنا، ونحن سعداء أننا أنقدنا الآلاف، لكنها مجرد بداية".

ولا توجد نسبة، ولو تقديرية، حول أعداد "اللادينيين" أو "الملحدين" في المغرب أو منطقة شمال إفريقيا برمتها، وذلك لأنّ هذا الموضوع لا يزال "تابو"  في دول تجمع كل دساتيرها على أنّ "الإسلام دين الدولة".

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!

يُذكر أنّ الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي ينص على أنّ "من استعمل العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما أو على حضورها، أو لمنعهم من ذلك، يعاقب بالسجن من 6 أشهر إلى 3 أعوام وغرامة تتراوح 200 إلى 500 درهم. ويعاقب بالعقوبة نفسها كل من استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى".

يجعل منا أتباعاً ومريدين

تشكل شبكات التواصل الاجتماعي فرصة للملحدين المغاربة لخلق مجموعات للتواصل فيما بينهم ودعوة غيرهم من خلال غرف الدردشة ومواقع التواصل، وهناك صفحات تجذب آلاف المعجبين كصفحة "ملحدون مغاربة" و"كافر مغربي" و"ملحد مغربي".

وتعد صفحات مواقع التواصل الاجتماعي منصة للشباب الملحد للتعبير عن الأفكار، وانتقاد المتطرف. ويعتبر صاحب الصفحة في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مهماً في خروج بعض الشباب عن الشريعة". ويقول: "يعيش الشباب صراعات نفسية لأنهم مجبرون على إخفاء إلحادهم، لذلك يفكر غالبيتهم في الهجرة إلى بلدان لا تحاسبهم على معتقداتهم".

"ويزعم هشام الذي يعرّف نفسه بأنه "ملحد مغربي" بأنّ "صورة الاسلام جرى تشويهها لتصبح معادلاً للتشدد والكراهية، وتقييد حريتنا لانه يجعل منا أتباعاً ومريدين، في حين نحن نرغب في السؤال والانتقاد والحرية".

المؤسسات الدينية في المغرب عجزت عن إيجاد نموذج ديني يلبي حاجيات الشباب الروحية

تجديد الخطاب الديني

وعن جهود مؤسسات الدولة في المغرب لمحاربة الفكر المتطرف، يشدد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب أحمد عبادي: "على ضرورة إنتاج خطابات بديلة تتسم بالتجديد والجاذبية والإبداع موجهة للأطفال والشباب، عن طريق انتاح ألعاب فيديو، والقصص المصورة، والرسوم المتحركة الحاملة للقيم البانية المسعفة على السلم والتسامح".

اقرأ أيضاً: ميليشيا الإلحاد

وأضاف أن: "تجديد الخطاب الديني المعاصر يجب أن يرتكز على استحضار العديد من التحولات والتغيرات والمعطيات، لاسيما في البعد التواصلي، وخاصة على مستوى المواقع الاجتماعية".

وفي المقابل، يرى مرصد الشمال لحقوق الإنسان أنّ المؤسسات الدينية في المغرب عجزت عن إيجاد نموذج ديني يلبي حاجيات الشباب الروحية.

الشباب يرفض نموذج التدين بالمغرب

ويقول محمد بن عيسى رئيس المرصد بالمغرب لـ"حفريات": "من خلال عملنا على موضوع الشباب والتدين في المغرب، توصلنا إلى أنّ نسبة كبيرة من الشباب المغربي ترفض نموذج التدين السائد في المغرب".

الناشط الحقوقي محمد بن عيسى لـ"حفريات": المؤسسات الدينية عاجزة ونسبة كبيرة من الشباب المغربي ترفض نموذج التدين السائد

وحسب بن عيسى: "يتجلى ذلك في تراجع ارتياد الشباب المساجد وعدم قبولهم لخطب الجمعة، في حين يقدم التيار السلفي عرضاً لهؤلاء الشباب يلبي حاجياتهم الروحية عبر إعادتهم للسلف الصالح، لكن سرعان ما ينتقل بعضهم إلى الإلحاد، وهذا ما يؤكد عدم انسجام خطاب المؤسسات الدينية في المغرب مع حاجيات الشباب ورغباته".

ويتساءل مراقبون وخبراء عن الدور الذي تتولاه المؤسسات الدينية في المغرب لمراقبة هذه التحولات الحادة لدى الشباب، وذهابهم إلى ما يعد في نظر المتدينين المتشددين "تطرفاً فكرياً" سببه قصور الدرس الديني عن الاستجابة لحاجات الشباب وأسئلتهم الحارقة التي ما يزال العمل عليها يتم بطرق قديمة وتقليدية منفّرة.

الصفحة الرئيسية