الشيوعي المكسور

صورة أحمد برقاوي
كاتب ومفكر فلسطيني
16810
عدد القراءات

2018-10-01

جاء حين من الدهر كان من النادر أن تجد فيه مثقفاً عربياً لم يمر بتجربة أيديولوجية، فكل الأسماء التي لمعت في عالم الفكر والأدب منذ الخمسينيات حتى مطلع القرن الحالي عاشت تجربة الآمال الأيديولوجية وأوهامها، سواء كان ذلك بالانتساب إليها، أو بمناصرتها. وقد احتكرت الأيديولجيتان القومية والشيوعية أغلب العاملين في الشأن الثقافي من فكر وفن ومسرح وشعر في بلاد الشام والعراق ومصر على وجه الخصوص.

بل لقد كان اليسار الشيوعي الثقافي ذا سيطرة قوية على المشهد الإبداعي. وحتى المثقفين غير المنتمين تنظيمياً إلى الأحزاب الشيوعية كانوا واقعين تحت تأثير الماركسية الساحر بما هي منهج معرفي لفهم الواقع دون أن يعتقدوا بالفكرة الشيوعية، ومنهم صاحب هذا المقال.

ينتمي الشيوعي المكسور لعالم مضى دون أن ينتقد خطابه وتصوراته عن العدالة والإنصاف وحركة الرأسمالية

كان الانتماء للشيوعية موقفاً أيديولوجياً أخلاقياً بامتياز؛ فالشيوعي، بالتعريف المجرد، شخص قرر الانحياز إلى مصالح الفقراء وعذاباتهم ضد الرأسمال الذي يجعل من استغلال العمل وسيلة لتراكم ثروته، داعياً إلى تحقيق العدالة عبر الإشتراكية التي تلغي الاضطهاد الطبقي. كان الشيوعيون، وبخاصة الأوائل منهم، مخلصين حقيقيين لشيوعيتهم. من منا لا يتذكر  الشيوعيين النبلاء : محمود أمين العالم، زكي مراد، أحمد نبيل الهلالي، سمير أمين، كريم مروة، حسين مروة،  مهدي عامل، إلياس مرقص، والشهداء فرج الله الحلو، وشهدي عطية، وعبدالخالق محجوب، وآخرين. 

كانت الشيوعية إحدى ثلاث أيديولوجيات ساحرة، إلى جانب القومية والإسلامية، ولكن ما إن انهار المركز الشيوعي العالمي- الاتحاد السوفيتي، حتى راحت الشيوعية تتقهقر في كل أنحاء العالم، وبخاصة في أوروبا الغربية.  

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟

كانت الشيوعية العربية، في الغالب، شيوعية مثقفين وفئات وسطى، ولَم تتحول إلى أيديولوجيا شعبية إلا في العراق قبل انقلاب تموز العام 1958 الذي أطاح المَلكية.

وقد واجه الشيوعيون اضطهاداً كبيراً، وزُجّ بهم في السجون في كل مناطق تواجدهم، من العراق إلى المغرب، وظلوا محافظين على وقارهم حتى السبعينات.

ويعود الفضل للحزب الشيوعي اللبناني في تأسيس المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، قبل أن يحتكر حزب الله السلطة في الجنوب، وبالتالي المقاومة التي انتهت باتفاق مع إسرائيل بعد حرب تموز.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً

لقد شهدت الأحزاب الشيوعية كلها انشقاقات ذات طابع أيديولوجي، وانقسامات كانت ذات علاقة بالسلطة وقضايا التحرر وفلسطين.

ومع هزيمة الدول الشيوعية تاريخياً، وتحولها إلى دول رأسمالية، ومع ضعف الأحزاب الشيوعية الأوروبية، غربت شمس الأحزاب الشيوعية، وبقي جيل قديم متمسكاً بآماله الكبرى في الشيوعية.

غير أنّ ما يُدهش هو أنّ بقايا من شيوعيين مايزالون على ولاء مع روسيا، وكأنّ روسيا لم تتغير. أو كأنّ الصراع الروسي -الأمريكي هو استمرار للصراع بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا. مايزالون ينظرون إلى النظم الدكتاتورية كالنظام في  سوريا، على سبيل المثال، على أنها نظم يسارية. وهذا أمر يلقي هؤلاء في هاوية النكوص التاريخي وسلة نفاياته.

ينتمي الشيوعي المكسور إلى عالم مضى دون أن ينتقد خطابه وفلسفته وتصوراته عن العدالة والإنصاف وحركة الرأسمالية المتعولمة.

ما يدهش هو أنّ بقايا من الشيوعيين مايزالون على ولاء مع روسيا وكأنّها لم تتغير

الشيوعي ذو الطراز القديم، الشيوعي السوفييتي، لم يعد ابن الحياة، وبالمقابل، لا يمكن ترك العلاقات الرأسمالية في صورتها العولمية التي تأخذ طابع الرأسمال  المتوحش جداً دون مقاومة، فالشيوعية بالأصل هي المولود الطبيعي للرأسمالية، والمولودة من رحمها، بوصفها نقداً لها ولنتائجها على الإنسان وحريته. ولأنها اتسمت بطابع طوباوي فإنها أنتجت تجربة الدولة الأيديولوجية الدكتاتورية التي لم تستطع أن تحقق أوتوبيا لكلٍ حسب حاجاته.

فيما استطاعت الدول الاسكندنافية أن تقدم للبشرية نموذجاً للإنصاف يوفر لأفراد المجتمع حاجاتهم وحرياتهم وكرامتهم.

ولعمري إن الشيوعي المكسور على الطريقة السوفييتية والبكداشية ليس سوى خرقة بالية وحنين عجائز. إنّ كفاحات البشر اليوم لا تأتي ثمارها بالاستناد إلى أوتوبيا تطرح البدل المستحيل، بل بالاستناد إلى الممكنات التي يختزنها العالم الواقعي. وبالمناسبة، فإنّ جدل الممكن والواقع هو جوهر ديالكتيك ماركس.

اقرأ أيضاً: "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"

أليس هو القائل: إنّ انتصار أسلوب إنتاج جديد لا يمكن أن يكون إلا إذا نشأ في قلب أسلوب الإنتاج القديم. ولهذا فإنّ القوة الأخلاقية الإنسانوية للكفاح لا تؤتي أكلها إلا بمعرفة جدل الممكن والواقع.

اقرأ المزيد...

الوسوم: