فوكوياما للغارديان: قرائي أخطأوا فهم "نهاية التاريخ" وترامب عنصري

19998
عدد القراءات

2018-10-03

ترجمة: محمد الدخاخني

كلّ "قائد فكر" يحتاج إلى فكرة رائدة وجذابة. وقد صنع فرانسيس فوكوياما اسمه وثروته الفكرية من المقولة السياسية الرائجة و"الموجَزة" والحاسمة في آن، "نهاية التاريخ؟"، التي بدَت في أوائل التسعينيات طريقة ذكية لوصف انهيار الشيوعية، و"انتصار" الغرب. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار الأعوام الّتي رفض فيها التاريخ بوضوح أن يصل إلى نهايته، حاول فوكوياما، الّذي يحظى الآن بمنصب كبير زملاء في جامعة ستانفورد، المضيّ بطرقٍ مختلفة لتكرار ذلك النجاح الأوليّ. وكتابه الجديد، "هوية"، يقترح مصطلح "الثّيموس thymos" باعتباره المفتاح لفهم لحظتنا السياسية المُربِكة.

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟

يعود مصطلح "الثيموس" إلى كتاب "الجمهورية" لأفلاطون (وما من ضرر، يخص المصداقيّة أو مبيعات الكتاب، إذا كان المصطلح الرّائد فكريّاً قد فُهِمَ على النّحو الأفضل من جانب قدماء اليونانيّين). وهو يشير إلى نوعٍ من طريقٍ ثالثة للطّرح السّقراطيّ الّذي يفيد بأنّ الرّوح تنقسم بصورة غريزيّة إلى دافعين متنافسين -العقل والشّهوة-. فإذا كان أوّل هذين الدّافعين يجعلنا بشراً والأخير يبقينا حيوانات، فإنّ "الثّيموس" يقع في مكانٍ ما بين الاثنين. وتشير معظم ترجمات كتاب "الجمهوريّة" إلى أنّ أفلاطون كان يعني به "الشّغف". ومن أجل أغراضه البحثيّة، يعني فوكوياما بالمصطلح "مَوْضِع أحكام القيمة"، ما يشبه  "ترموستات" [:منظّم الحرارة] له وضعيّة أبديّة.

إنّ أهميّة الثّيموس، كما يعتقد، لا ترجع فقط إلى أنّه قد جرى تجاهله بشكل جدّي من جانب المنظّرين السّياسيّين الآخرين. ففي حين حاول عِلم الاقتصاد الكلاسيكيّ أن يشرح العالم من حيث هو أفراد يعملون لتعظيم مصالحهم الماليّة الخاصّة، فإنّ السّلوكيّين، عبر أطروحة التّفكير بشكل سريع وبطيء [الإشارة هنا إلى كتاب دانيال كانيمان، الاقتصاديّ الحائز على جائزة نوبل، "التّفكير، سريعاً وببطء"]، قد أثبتوا أنّ قدرتنا العقلانيّة غالباً ما تقوِّضها قوى أكثر حدسيّة. وربّما أقواها، كما يصرّ فوكوياما، الرّغبة في الاحترام.

يشدّد فوكوياما على الحاجة الملحّة لسياسيّين يمكنهم التّحدّث حول اهتمامات جميع المواطنين وليس فقط قاعدتهم الانتخابيّة

قد تُجادِل بأنّ هذا التّوتّر المحدَّد هو المحرّك، على سبيل المثال، لرواية القرن التّاسع عشر، بداية من "فخر وتحامل" [لجين أوستن] فصاعداً، ولكنّنا، وفق السّرد الّذي يتبنّاه البروفيسور فوكوياما، غضضنا الطّرف عن حماقتنا البشريّة الأساسيّة. فمنذ ثلاثينيّات القرن الماضي فصاعداً، انحلّت الحروب الطّبقيّة الماركسيّة الواسعة إلى المصالح المتنافسة لسياسات الهويّة. وأصبحت مسألة "من نحن"، وما المجموعات الثّقافيّة أو القوميّة الّتي نعرِّف أنفسنا ضمنها، قوةً سيكولوجيّةً أكثر إصراراً من رغبتنا في المزيد من الثّروة أو الأمن.

غلاف كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفرانسيس فوكوياما

"إنّ الثّيموس هو هذا الجانب من الرّوح الّذي يتوق إلى الاعتراف أو الكرامة"، يشير فوكوياما. وعندما يُشبَع هذا التّوق بشكل متوازن، فإنّ ذلك يؤدّي إلى اعترافٍ يتضمّن المساواة مع الآخرين (isothymia). ويمكن الاستماع إلى صرخة [المغنيّة الإفريقيّة-الأمريكيّة] أريثا فرانكلين، "ا.ح.ت.ر.ا.م R.E.S.P.E.C.T"، الّتي رفدت كلّ شيء، بداية من الحركة النّسويّة إلى حركة الحقوق المدنيّة إلى حركات التّحرّر المثليّ، باعتبارها نشيداً للحاجة إلى الاعتراف على نحو يتضمّن المساواة (isothymia). إلّا أنّه عندما تخرج هذه الرّغبة عن السّيطرة، فإنّ الحاجة إلى أن يُعترَف بك بوصفك أعلى من الآخرين تكون هي النّتيجة (megalothymia). والمجموعة - أو الفرد - الّتي تسيطر عليها هذه الحاجة الأخيرة تصبح غير راضية عن المساواة البسيطة والقوى التّوازنيّة للّيبرالية؛ تريد أن تأخذ "مخاطر كبيرة، وتشارك في صراعات ضخمة، وتسعى إلى تأثيرات هائلة، لأنّ كلّ هذه الأشياء تؤدّي إلى تمييز النّفس باعتبارها أعلى من غيرها". هل يبدو هذا مألوفًا؟

اقرأ أيضاً: جيفرسون.. الحقوق المدنية للأديان كافة

لا توضّح أطروحة فوكوياما بشكل تامّ لماذا يُعدّ "الثّيموس" الطّريق الأكثر فائدة لتفسير القوى غير العقلانيّة، الّتي تشكّل التّضاريس السّياسيّة حالياً، أكثر من المصطلحات المألوفة - الأنا ego، ربّما، أو الهويّة فقط - لكنّه يتعاطى معه باعتباره عاملاً محفّزاً يأخذ في توضيح كلّ من، على سبيل المثال، المَكْر الشّرس لفلاديمير بوتين والغضب واسع الانتشار لحركة #أنا-أيضاً. كما أنّ ترامب والبريكست [:خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ] يعبّران عن ردّة فعل عكسيّة ذات طابع يرنو إلى الاعتراف الّذي يتضمّن الاستعلاء على الآخرين (megalothymic) ضدّ القوى الّتي ترنو إلى الاعتراف الّذي يتضمّن المساواة مع الآخرين (isothymic) للتّعدّديّة الثّقافيّة والتّعاون الدّوليّ.

جزئيّاً، تقدّم الظّاهرة الأخيرة أيضاً ردّاً سلبيّاً رجعيّاً عن ذاك السّؤال الّذي طرحه فوكوياما كمفكّرٍ مستبصرٍ عام 1989. إنّ مقالته الشّهيرة "نهاية التّاريخ؟"، الّتي أصبحت فيما بعد الكتاب الأكثر مبيعاً المعنون "نهاية التّاريخ والإنسان الأخير"، أخذها كثيرون بوصفها تفسيراً للنّصر النّهائيّ للّيبراليّة على أيديولوجيّاتٍ أكثر تطرّفاً. فالفاشية قد هُزِمت باعتبارها فكرةً في الحرب العالميّة الثّانية، والشّيوعيّة مع انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ. ومن ثمّ لم يعد هناك سوى نظام واحد - الدّيمقراطيّة الّليبراليّة البراغماتيّة.

كان والد فوكوياما قسّاً في كنيسة جماعيّة وحصل على شهادة الدّكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو

وإذْ نُشِرَت المقالة، كما حصل بالفعل، في الّلحظة التّاريخيّة الّتي وافقت سقوط جدار برلين، فقد قوبلت بالرّفض كلّ تحذيرات فوكوياما الّتي ألقاها بصوتٍ عالٍ ضدّ النّبرة القطعيّة الّتي استُقبِلَت بها مقالته (ومن تحذيراته: "لقد جاءت المقالة مصحوبة بعلامة استفهام!"؛ "كانت المقالة استفزازيّة على نحو متعمّد!"؛ "كلمة 'نهاية' عنيتُ بها 'الهدف' وليس 'الحلقة الأخيرة'"). كما أمضى قدراً كبيراً من بقيّة حياته المهنيّة - حيث أدّى صعود الصّين غير الدّيمقراطيّة وغير الّليبراليّة، وإعادة ظهور الدّكتاتوريّين والقوميّين في الدّول السّوفييتيّة السّابقة إلى تقويض قضيّته - يعمل على إضافة فوارق دقيقة إلى ذلك الكاريكاتير. والثّيموس، بهذا المعنى، يُعدّ أحدث حاشية تفسيريّة طويلة يكتبها.

العقلانية السياسية ومشاعر الهوية

الأسبوع الماضي، تحدّثت إلى فوكوياما (65 عاماً)، عبر الهاتف من منزله في كاليفورنيا، حول أحدث تحليلاته. وكان قد عاد لتوّه من رحلة استمرّت عشرة أيّام كان يشرح فيها جاذبيّة الدّيموقراطيّة إلى مسؤولين متوسّطي المستوى في العراق. بدأت بسؤاله عمّا إذا كانت المُبَالغة في تقدير الدّوافع العقلانيّة عند النّاخبين عبارة عن حالة شاملة أم خاصّة بزمننا؟

أقرّ مُشدِّداً بأنّ ذلك ليس جديداً، وإن كان عقدنا هذا على ما يبدو يقدّم أمثلة مذهلة للجنوح نحو اعتراف تتفوّق فيه النّفس على غيرها. "لقد قيل لك إنّ البريكست سيكون مكلّفاً للغاية بالنّسبة إلى الاقتصاد البريطانيّ، وبالتّالي سيكون من غير المنطقيّ دعمه"، يقول. "لكن ما ثبت ليس فقط أنّ كثيرين ممّن صوّتوا لمغادرة الاتّحاد الأوروبيّ لم يهتمّوا بذلك، [وإنّما] كانوا في الواقع مستعدّين للمعاناة عندما تعلّق الأمر بازدهارهم. كانت المسألة ثقافيّة وكانوا مستعدّين لدفع الثّمن، على ما يبدو، لتكون لديهم سيطرة أكبر على الهجرة. بشكل عام، الخطأ الّذي ارتكبته كثير من النّخب تمثّل في الاعتقاد بأنّه يمكن أن تكون لديك سياسة تقودها عقلانيّة اقتصاديّة منفصلة عن هذه المشاعر حول الهويّة القوميّة".

اقرأ أيضاً: الكشف عن عقوبات أوروبية سرّية وأثرها في الاقتصاد التركي

لكن ألم تُفسَّر تلك الحركات الشّعبويّة بنوعٍ من العقلانيّة اليائسة؟ بما أنّه لم يغيِّر أيّ شيء آخر الظّروفَ الاقتصاديّة الشّخصيّة لعقد من الزّمن، فإنّ مجرّد قلب الأوضاع، بوصفه الملاذ الأخير، يُعدّ أمراً منطقيّاً؟

"لقد تركت العولمة بوضوح الكثير من النّاس في حالة يُرثى لها. فهناك قدر أكبر من الأتمتة [:استبدال الإنسان بالآلة الأوتوماتيكيّة]، وقدر أكبر من عدم المساواة، لكنّني أعتقد أنّه إذا نظرت إلى أيّ تفصيلة تخصّ أنماط التّصويت، سواء في الولايات المتّحدة مع ترامب أو في المملكة المتّحدة مع البريكست، فإنّ العديد من الأشخاص الّذين لم يخضعوا لأسوأ ما في تلك القوى صوّتوا رغم ذلك [لترامب والبريكست]. وإذا نظرت إلى عدد المقيمين المولودين في الخارج في بريطانيا في العقد الماضي، فإنّ [الزّيادة] استثنائيّة حقّاً. سأكون مندهشاً للغاية إذا كان بالمستطاع الحصول على هذه الدّرجة من التّغيير الاجتماعيّ دون أن تُنتِج نوعاً من ردّ الفعل العنيف".

اليسار واليمين وسياسات الهويّة

يرى فوكوياما أنّ المطالبة بالصّوابيّة السّياسيّة و"ا.ح.ت.ر.ا.م" الاختلاف بين الجميع قد ولّدا وأنكرا على حدّ سواء هذه المشاعر الكامنة. بشكل عام، هل يعتقد أنّه في إصرارنا على الاعتراف بالاختلاف فقدنا النّظر إلى الرّوابط الّتي تربط بيننا؟

"لديك صِيَغ يساريّة ويمينيّة لسياسات الهويّة. والصّيغة اليساريّة طويلة الأمد؛ حيث بدأت الحركات الاجتماعيّة المختلفة في التّأكيد على الطّرق الّتي تختلف بها عن الثّقافة السّائدة، وأنّها بحاجة إلى الاحترام بطرق متعدّدة. ثمّ كان هناك ردّ الفعل اليمينيّ، من جانب هؤلاء الّذين فكّروا قائلين 'حسنٌ، وماذا عنّا؟ لماذا لا نحظى أيضاً بمعاملة خاصّة؟'. سياسيّاً، الأمر إشكاليّ من حيث إنّه يقوّض الشّعور بالمواطنة. والآن يمكنك ملاحظة التّطرّف على كلا الجانبين".

اقرأ أيضاً: اللحظة الشعبوية: انتهاء ثنائية اليمين واليسار في أوروبا

يشير فوكوياما إلى أنّ كتابه لم يكن ليُكتَب من دون انتخاب الرّئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة. فلم يكن، كما يعترف، أفضل في توقّع تلك الحقيقة المؤسفة من أيّ شخص آخر، بالرّغم من أنّه قبل 30 عاماً تقريباً، في "نهاية التّاريخ والإنسان الأخير"، قام، حتّى في ذلك الحين، بأخذ ترامب كأحد الأمثلة الأكثر فظاعة على "فائض الحرّيّة وفائض الإظهار المتغطرس" للرّغبة في الاعتراف الّذي يتضمّن تفوّق النّفس واستعلائها على الآخرين والّتي يجب على الدّيمقراطيّات تحمّلها. إنّني أرى أنّ آثار التّقشّف في العقد القريب بعد الانهيار الماليّ، بالإضافة إلى الحروب الّتي أنتجت الهجرة الجماعيّة، قد أطلقت بعض أجراس الإنذار. ما أقصده أن الأحداث الّتي سبقت كلّ هذا لم تكن رائعة أبداً، أليس كذلك؟

يختار ترامب غريزيّاً ثيمات عنصريّة من أجل دفع النّاس إلى اليسار بجنون

"لقد اعتقدتّ أنّ الانهيار الماليّ سيخلق نوعاً أكثر مباشرةً من الشّعبويّة اليساريّة"، يقول. "فهذا الرّكود الضّخم قد خلقه بلوتوقراطيّو [:البلوتوقراطيّ هو الشّخص المتنفّذ بسبب ثروته] وول ستريت. لكن بدلاً من ذلك، ما حصل كان صعود حزب الشّاي والأنشطة اليمينيّة. يعود جزء من تفسير ذلك إلى الطّريقة الّتي تطوّرت بها قضايا الهويّة هذه منذ الثّلاثينيّات: يفكّر النّاس في أشكال عدم المساواة الأصغر بدلاً من المعارك الطّبقيّة الأكبر".

هل يرى عشوائيّة ترامب غير الّليبراليّة باعتبارها لحظة خاطفة أم واقعاً جديداً؟

"إنّه بالتّأكيد ليس مجرّد لحظة خاطفة"، يقول. "الشّيء الأكثر إثارة للقلق هو مقدار الدّعم الّذي يحصل عليه بالرّغم من كلّ الأشياء الضّارة والعنصريّة والسّخيفة الّتي يفعلها. يبدو أنّ ثلث الشّعب الأمريكيّ يوافق على ما يفعله و10 بالمئة أو 15 بالمئة يتحمّلونه بسبب التّخفيضات الضّريبيّة".

كانت الغاية من وسائل التواصل أن تكون أداة للدّيمقراطيّة أن تعطي النّاس إمكانيّة الوصول إلى المعلومات وبالتّالي إلى السّلطة

ويبدو أنّ التّأثير الآخر هو دفع الحزب الدّيمقراطيّ جهة اليسار، ممّا يخلق وضعاً يخسر فيه الوسط السّياسيّ السّلطة. "يختار ترامب غريزيّاً هذه الثيمات العنصريّة من أجل دفع النّاس إلى اليسار بجنون ومن أجل أن يصبحوا أكثر تطرّفاً فأكثر في استجابتهم. أعتقد أنّه يرى فرصةً لتقسيم النّاس وجعل الدّيمقراطيّين أقل توحّداً كجهة منافسة له".

عندما تشاهد هذه القوى وترى، على سبيل المثال، كيف ما لا يمكن الدّفاع عنه يجري الدّفاع عنه من قِبل مؤيّدي البريكست، مع مناشدات بالتّمتع "بروح رواقيّة" مزيّفة، فإنّه يبدو بمثابة المعجزة كيف تمّت السّيطرة على هؤلاء لفترة طويلة. إنّ رسالة "نهاية التّاريخ؟" بدت متفائلةً بحذر، وأطروحة فوكوياما كما يبدو تتناغم مع تأكيد مارتن لوثر كينغ أنّ "قوس الكون الأخلاقيّ طويل، ولكنّه ينحني نحو العدالة". فهل هو أقلّ اقتناعاً بهذا التّفاؤل الآن؟

"لست متأكداً من أنّني متفائل"، يقول. "من بعض النّواحي، أعتقد أنّه من المفاجيء أنّ ردّ الفعل العنيف لم يأت قبل ذلك".

فوكوياما، هل هو ياباني-أمريكي؟

فوكوياما نفسه مهاجر من الجيل الثّالث للولايات المتّحدة. فقد فرّ جدّه لأبيه من الحرب الرّوسيّة-اليابانيّة عام 1905 واستقرّ على السّاحل الغربيّ، حيث فتح متجراً. أمّا والد فوكوياما فقد كان قسّاً في كنيسة جماعيّة وحصل على شهادة الدّكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو. ووالدته، الّتي ولدت في كيوتو، كانت ابنة مؤسّس قسم الاقتصاد في جامعة كيوتو. أسأله عن كمّ الأسئلة المتعلّقة بالاندماج والهويّة الّتي كان يتمّ نقاشها حول مائدة العشاء في صِغره. وأسأله هل يفكّر في نفسه كأمريكيّ-يابانيّ؟

"لم أفكر أبداً في نفسي على هذا النّحو على الإطلاق"، يقول، بشكل سريع.

لماذا؟

"لم أترعرع بأيّ شكل من الأشكال في المجتمع/الجالية اليابانيّـ/ـة".

اقرأ أيضاً: المجتمع الياباني: وفاء للعادات والتقاليد رغم إغواء الحداثة

فهو لم يتعلّم أبداً التّحدّث بالّلغة اليابانيّة - فلم تكن هناك حاجة لذلك. "اعتقدتّ أنّ أمريكا عبارة عن بلد عظيم حقّاً لأنّه كان بإمكانك المضي قدماً دون أن يضع أيّ شخص عوائق في طريقك بسبب خلفيّتك الإثنيّة". وحتّى يومنا هذا، كما يقول، يشعر بالضّيق عندما تطالبه مجموعات من حرم جامعة ستانفورد بأن يذهب إلى اجتماعات مع "مجموعات أمريكيّة-آسيويّة". فهو لا يشعر أنّ ذلك يناسبه على الإطلاق.

هل ينظر والداه إلى الأمر بالطّريقة نفسها؟

"والدي يمكنه تكلّم اليابانيّة، ولكن ليس بشكل جيّد. لقد نشأ ضمن النّظام المدرسيّ للوس أنجلوس في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن الماضي. وأمّي ولدت في اليابان وجاءت هنا بعد الحرب. وهي تتحدّث الإنجليزية بلهجة، لكن والدي ليس كذلك. أتذكّر والدتي تقول في مناسبات مختلفة إنّها تعتقد أن الأمريكيّين عنصريّون وإنّها قد عانت من التّحامل وما إلى ذلك. لكنّي أتذكّر والدي يقول إنّه لم تكن هناك لحظة في حياته شعر فيها أنّ خلفيّته اليابانيّة تمثّل عائقاً له. وقد استنتجت أنّ الأمر كالتّالي: "إذا كنت تتحدّث الإنجليزيّة مثلما يتحدّثها مواطن أمريكيّ، فإنّه سيتمّ قبولك". ووالدتي لم تستطع. إنّك إذا نظرت إلى الأمريكيّين الآسيويّين في الولايات المتّحدة، ستجدهم قد قاموا بأداءٍ جيّد للغاية مقارنةً بالبيض على كلّ قياس تقريباً".

اقرأ أيضاً: إدارة التنوع للهروب من أزمة الهوية في المجتمعات العربية

عندما راقبَ مسيرةً على غرار مسيرات "كو كلوكس كلان" في شارلوتسفيل العام الماضي، كيف كان شعوره حيال تلك القناعات القديمة؟

"إنّ مسألة الهويّة القوميّة الأمريكيّة باعتبارها هويّة تستند إلى فكرة معيّنة عن المواطنة كانت معركةً بدا أنّه قد فازت بها حركة الحقوق المدنيّة"، يقول. "فجأةً، ترى هؤلاء النّاس يحاولون العودة إلى فهم عرقيّ لما يعنيه أن يكون المرء أمريكيّاً. وهذا أمر سيء للغاية. وترامب يقدّم العون والتّشجيع لهؤلاء ".

حلول مقترحة

يقترح جزء من كتاب فوكوياما بعض الحلول لهذه السّياسة الممزّقة. فهو يشدّد على الحاجة الملحّة لسياسيّين يمكنهم التّحدّث حول اهتمامات جميع المواطنين وليس فقط قاعدتهم [الانتخابيّة]، ويمكنهم تقديم رؤية قوميّة تتجاوز اعتبارات الهويّة الضّيّقة. وينادي باستكشاف سياسات مثل؛ الخدمة الوطنيّة لتشجيع الشّباب على استيعاب الأهداف المشتركة مع أشخاص من جميع الخلفيّات. هل يمكنه أن يتخيّل حقّاً أن يحدث هذا في المناخ السّياسيّ الحاليّ في الولايات المتّحدة أو المملكة المتّحدة؟

فوكوياما: لقد اعتقدتّ أنّ الانهيار الماليّ سيخلق نوعاً أكثر مباشرةً من الشّعبويّة اليساريّة

يقرّ بأنّ ذلك "لا يمكن أن يحدث إلّا على أساس طوعيّ". "ففي عهد كلينتون"، يقول، "كان هناك مخطّط يستطيع فيه الشّباب التّطوّع للعمل في مدرسة عامّة داخل المدينة أو القيام بأنواع أخرى من الخدمة. وإنّني أعتقد أنّ ذلك يمكن توسيعه. لكن من أجل جعل هذه الخدمة إلزميّة، فإنّ الأمر قد يتطلّب حرباً أو حدثاً خارجيّاً كبيراً".

والمنطقة الأخرى الّتي تحتاج إلى عناية عاجلة، كما يقترح، هي الحاجة إلى سياسيّين يقومون بمعالجة الطّرق الّتي عمل فيها الإنترنت كوقود لسياسات الهويّة، حيث أتاحت وسائل التّواصل الاجتماعيّ للأفراد الاستماع إلى مجموعة ضيّقة خاصّة بهم دون وجودٍ لمحادثات قوميّة أو أكثر اتّساعاً.

"كانت الغاية من هذه الوسائل أن تكون أداة للدّيمقراطيّة، أن تعطي النّاس إمكانيّة الوصول إلى المعلومات، وبالتّالي إلى السّلطة"، يقول. "لكنّي أعتقد أنّ المحرّرين و"الحرّاس" والمحقّقين في الوقائع الّذين تميّزت بهم وسائل الإعلام القديمة/التّقليديّة كانوا في الواقع مفيدين للغاية - في عمليّة إبطاء انتشار المعلومات الكاذبة، وضمان حدّ أدنى معيّن من الجودة. كلّ هذا انتهى الآن. ومن ثمّ فإنّ أيّ شيء تطالعه على الإنترنت يبدو جيّداً شأنه شأن أيّ شيء آخر تطالعه على الإنترنت".

كيف يرى فوكوياما المستقبل؟

في غياب مثل هذه السّياسات، كيف يرى مستقبل الممارسة السّياسيّة في الولايات المتّحدة؟ هل يعتقد أن "عمليّة مولر" ستبدأ في كبح جماح سياسات تعريف النّفس بوصفها متفوّقة/أعلى على غيرها؟

"عاود فحص الأمور بعد الانتخابات النّصفيّة"، يقول، نصف ضاحك. "ففي النّظم الدّيمقراطيّة، أكبر فحص نملكه للسّلطة هو الانتخابات. إذا احتفظ الجمهوريّون بالسّيطرة على المجلسين، فسيتم اعتبار ذلك تأكيداً على كلّ الأشياء الّتي كانوا يفعلونها وسيكون ذلك سيئاً للغاية. ومن ناحية أخرى، إذا فاز الدّيموقراطيّون بمجلس النّواب، فسيكون لدينا فجأة هذه المعلومات المتدفّقة من تحقيق [مولر]. لقد كانت هذه الإدارة مدمِّرة للغاية في كلّ مجال من مجالات السّياسة -سواء كان الحديث عن البيئة أو الصّحّة أو الإسكان- وأعتقد أنّه ينبغي محاسبتها على ذلك".

اقرأ أيضاً: هل الخوارج ثوار ديمقراطيون أم جماعة سياسية منشقة؟

بالرّغم من كلّ المظاهر الّتي تشير إلى العكس من ذلك، هل ما يزال يحتفظ بقناعة أنّ قوّات أكثر اعتدالاً من الدّيمقراطيّين الّليبراليّين ستسود الأمر مجدّداً - أنّ الدّيمقراطيّة الغربيّة يمكن أن تحقّق العودة إلى التّوازن، أنّ الوسط السياسيّ يمكن أن يعود إلى السّلطة؟

"إنّ الأمر يعود إلى القيادة"، يقول مصرّاً. "ما كنّا لنصل إلى هذه الحالة إذا لم يكن هناك رجال أعمال مسيّسون رأوا هذه الفجوة وشغلوها".

وبعد ذلك كلّه، يقول أفضل متكهّن معروف في الحياة السّياسيّة الحديثة: "من الصّعب حقّاً التّنبّؤ بما هو قادم".

المصدر: تيم آدامز، الغارديان

اقرأ المزيد...

الوسوم:



فوكوياما للغارديان: قرائي أخطأوا فهم "نهاية التاريخ" وترامب عنصري

عدد القراءات

2018-10-03

ترجمة: محمد الدخاخني

كلّ "قائد فكر" يحتاج إلى فكرة رائدة وجذابة. وقد صنع فرانسيس فوكوياما اسمه وثروته الفكرية من المقولة السياسية الرائجة و"الموجَزة" والحاسمة في آن، "نهاية التاريخ؟"، التي بدَت في أوائل التسعينيات طريقة ذكية لوصف انهيار الشيوعية، و"انتصار" الغرب. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار الأعوام الّتي رفض فيها التاريخ بوضوح أن يصل إلى نهايته، حاول فوكوياما، الّذي يحظى الآن بمنصب كبير زملاء في جامعة ستانفورد، المضيّ بطرقٍ مختلفة لتكرار ذلك النجاح الأوليّ. وكتابه الجديد، "هوية"، يقترح مصطلح "الثّيموس thymos" باعتباره المفتاح لفهم لحظتنا السياسية المُربِكة.

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟

يعود مصطلح "الثيموس" إلى كتاب "الجمهورية" لأفلاطون (وما من ضرر، يخص المصداقيّة أو مبيعات الكتاب، إذا كان المصطلح الرّائد فكريّاً قد فُهِمَ على النّحو الأفضل من جانب قدماء اليونانيّين). وهو يشير إلى نوعٍ من طريقٍ ثالثة للطّرح السّقراطيّ الّذي يفيد بأنّ الرّوح تنقسم بصورة غريزيّة إلى دافعين متنافسين -العقل والشّهوة-. فإذا كان أوّل هذين الدّافعين يجعلنا بشراً والأخير يبقينا حيوانات، فإنّ "الثّيموس" يقع في مكانٍ ما بين الاثنين. وتشير معظم ترجمات كتاب "الجمهوريّة" إلى أنّ أفلاطون كان يعني به "الشّغف". ومن أجل أغراضه البحثيّة، يعني فوكوياما بالمصطلح "مَوْضِع أحكام القيمة"، ما يشبه  "ترموستات" [:منظّم الحرارة] له وضعيّة أبديّة.

إنّ أهميّة الثّيموس، كما يعتقد، لا ترجع فقط إلى أنّه قد جرى تجاهله بشكل جدّي من جانب المنظّرين السّياسيّين الآخرين. ففي حين حاول عِلم الاقتصاد الكلاسيكيّ أن يشرح العالم من حيث هو أفراد يعملون لتعظيم مصالحهم الماليّة الخاصّة، فإنّ السّلوكيّين، عبر أطروحة التّفكير بشكل سريع وبطيء [الإشارة هنا إلى كتاب دانيال كانيمان، الاقتصاديّ الحائز على جائزة نوبل، "التّفكير، سريعاً وببطء"]، قد أثبتوا أنّ قدرتنا العقلانيّة غالباً ما تقوِّضها قوى أكثر حدسيّة. وربّما أقواها، كما يصرّ فوكوياما، الرّغبة في الاحترام.

يشدّد فوكوياما على الحاجة الملحّة لسياسيّين يمكنهم التّحدّث حول اهتمامات جميع المواطنين وليس فقط قاعدتهم الانتخابيّة

قد تُجادِل بأنّ هذا التّوتّر المحدَّد هو المحرّك، على سبيل المثال، لرواية القرن التّاسع عشر، بداية من "فخر وتحامل" [لجين أوستن] فصاعداً، ولكنّنا، وفق السّرد الّذي يتبنّاه البروفيسور فوكوياما، غضضنا الطّرف عن حماقتنا البشريّة الأساسيّة. فمنذ ثلاثينيّات القرن الماضي فصاعداً، انحلّت الحروب الطّبقيّة الماركسيّة الواسعة إلى المصالح المتنافسة لسياسات الهويّة. وأصبحت مسألة "من نحن"، وما المجموعات الثّقافيّة أو القوميّة الّتي نعرِّف أنفسنا ضمنها، قوةً سيكولوجيّةً أكثر إصراراً من رغبتنا في المزيد من الثّروة أو الأمن.

غلاف كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفرانسيس فوكوياما

"إنّ الثّيموس هو هذا الجانب من الرّوح الّذي يتوق إلى الاعتراف أو الكرامة"، يشير فوكوياما. وعندما يُشبَع هذا التّوق بشكل متوازن، فإنّ ذلك يؤدّي إلى اعترافٍ يتضمّن المساواة مع الآخرين (isothymia). ويمكن الاستماع إلى صرخة [المغنيّة الإفريقيّة-الأمريكيّة] أريثا فرانكلين، "ا.ح.ت.ر.ا.م R.E.S.P.E.C.T"، الّتي رفدت كلّ شيء، بداية من الحركة النّسويّة إلى حركة الحقوق المدنيّة إلى حركات التّحرّر المثليّ، باعتبارها نشيداً للحاجة إلى الاعتراف على نحو يتضمّن المساواة (isothymia). إلّا أنّه عندما تخرج هذه الرّغبة عن السّيطرة، فإنّ الحاجة إلى أن يُعترَف بك بوصفك أعلى من الآخرين تكون هي النّتيجة (megalothymia). والمجموعة - أو الفرد - الّتي تسيطر عليها هذه الحاجة الأخيرة تصبح غير راضية عن المساواة البسيطة والقوى التّوازنيّة للّيبرالية؛ تريد أن تأخذ "مخاطر كبيرة، وتشارك في صراعات ضخمة، وتسعى إلى تأثيرات هائلة، لأنّ كلّ هذه الأشياء تؤدّي إلى تمييز النّفس باعتبارها أعلى من غيرها". هل يبدو هذا مألوفًا؟

اقرأ أيضاً: جيفرسون.. الحقوق المدنية للأديان كافة

لا توضّح أطروحة فوكوياما بشكل تامّ لماذا يُعدّ "الثّيموس" الطّريق الأكثر فائدة لتفسير القوى غير العقلانيّة، الّتي تشكّل التّضاريس السّياسيّة حالياً، أكثر من المصطلحات المألوفة - الأنا ego، ربّما، أو الهويّة فقط - لكنّه يتعاطى معه باعتباره عاملاً محفّزاً يأخذ في توضيح كلّ من، على سبيل المثال، المَكْر الشّرس لفلاديمير بوتين والغضب واسع الانتشار لحركة #أنا-أيضاً. كما أنّ ترامب والبريكست [:خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ] يعبّران عن ردّة فعل عكسيّة ذات طابع يرنو إلى الاعتراف الّذي يتضمّن الاستعلاء على الآخرين (megalothymic) ضدّ القوى الّتي ترنو إلى الاعتراف الّذي يتضمّن المساواة مع الآخرين (isothymic) للتّعدّديّة الثّقافيّة والتّعاون الدّوليّ.

جزئيّاً، تقدّم الظّاهرة الأخيرة أيضاً ردّاً سلبيّاً رجعيّاً عن ذاك السّؤال الّذي طرحه فوكوياما كمفكّرٍ مستبصرٍ عام 1989. إنّ مقالته الشّهيرة "نهاية التّاريخ؟"، الّتي أصبحت فيما بعد الكتاب الأكثر مبيعاً المعنون "نهاية التّاريخ والإنسان الأخير"، أخذها كثيرون بوصفها تفسيراً للنّصر النّهائيّ للّيبراليّة على أيديولوجيّاتٍ أكثر تطرّفاً. فالفاشية قد هُزِمت باعتبارها فكرةً في الحرب العالميّة الثّانية، والشّيوعيّة مع انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ. ومن ثمّ لم يعد هناك سوى نظام واحد - الدّيمقراطيّة الّليبراليّة البراغماتيّة.

كان والد فوكوياما قسّاً في كنيسة جماعيّة وحصل على شهادة الدّكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو

وإذْ نُشِرَت المقالة، كما حصل بالفعل، في الّلحظة التّاريخيّة الّتي وافقت سقوط جدار برلين، فقد قوبلت بالرّفض كلّ تحذيرات فوكوياما الّتي ألقاها بصوتٍ عالٍ ضدّ النّبرة القطعيّة الّتي استُقبِلَت بها مقالته (ومن تحذيراته: "لقد جاءت المقالة مصحوبة بعلامة استفهام!"؛ "كانت المقالة استفزازيّة على نحو متعمّد!"؛ "كلمة 'نهاية' عنيتُ بها 'الهدف' وليس 'الحلقة الأخيرة'"). كما أمضى قدراً كبيراً من بقيّة حياته المهنيّة - حيث أدّى صعود الصّين غير الدّيمقراطيّة وغير الّليبراليّة، وإعادة ظهور الدّكتاتوريّين والقوميّين في الدّول السّوفييتيّة السّابقة إلى تقويض قضيّته - يعمل على إضافة فوارق دقيقة إلى ذلك الكاريكاتير. والثّيموس، بهذا المعنى، يُعدّ أحدث حاشية تفسيريّة طويلة يكتبها.

العقلانية السياسية ومشاعر الهوية

الأسبوع الماضي، تحدّثت إلى فوكوياما (65 عاماً)، عبر الهاتف من منزله في كاليفورنيا، حول أحدث تحليلاته. وكان قد عاد لتوّه من رحلة استمرّت عشرة أيّام كان يشرح فيها جاذبيّة الدّيموقراطيّة إلى مسؤولين متوسّطي المستوى في العراق. بدأت بسؤاله عمّا إذا كانت المُبَالغة في تقدير الدّوافع العقلانيّة عند النّاخبين عبارة عن حالة شاملة أم خاصّة بزمننا؟

أقرّ مُشدِّداً بأنّ ذلك ليس جديداً، وإن كان عقدنا هذا على ما يبدو يقدّم أمثلة مذهلة للجنوح نحو اعتراف تتفوّق فيه النّفس على غيرها. "لقد قيل لك إنّ البريكست سيكون مكلّفاً للغاية بالنّسبة إلى الاقتصاد البريطانيّ، وبالتّالي سيكون من غير المنطقيّ دعمه"، يقول. "لكن ما ثبت ليس فقط أنّ كثيرين ممّن صوّتوا لمغادرة الاتّحاد الأوروبيّ لم يهتمّوا بذلك، [وإنّما] كانوا في الواقع مستعدّين للمعاناة عندما تعلّق الأمر بازدهارهم. كانت المسألة ثقافيّة وكانوا مستعدّين لدفع الثّمن، على ما يبدو، لتكون لديهم سيطرة أكبر على الهجرة. بشكل عام، الخطأ الّذي ارتكبته كثير من النّخب تمثّل في الاعتقاد بأنّه يمكن أن تكون لديك سياسة تقودها عقلانيّة اقتصاديّة منفصلة عن هذه المشاعر حول الهويّة القوميّة".

اقرأ أيضاً: الكشف عن عقوبات أوروبية سرّية وأثرها في الاقتصاد التركي

لكن ألم تُفسَّر تلك الحركات الشّعبويّة بنوعٍ من العقلانيّة اليائسة؟ بما أنّه لم يغيِّر أيّ شيء آخر الظّروفَ الاقتصاديّة الشّخصيّة لعقد من الزّمن، فإنّ مجرّد قلب الأوضاع، بوصفه الملاذ الأخير، يُعدّ أمراً منطقيّاً؟

"لقد تركت العولمة بوضوح الكثير من النّاس في حالة يُرثى لها. فهناك قدر أكبر من الأتمتة [:استبدال الإنسان بالآلة الأوتوماتيكيّة]، وقدر أكبر من عدم المساواة، لكنّني أعتقد أنّه إذا نظرت إلى أيّ تفصيلة تخصّ أنماط التّصويت، سواء في الولايات المتّحدة مع ترامب أو في المملكة المتّحدة مع البريكست، فإنّ العديد من الأشخاص الّذين لم يخضعوا لأسوأ ما في تلك القوى صوّتوا رغم ذلك [لترامب والبريكست]. وإذا نظرت إلى عدد المقيمين المولودين في الخارج في بريطانيا في العقد الماضي، فإنّ [الزّيادة] استثنائيّة حقّاً. سأكون مندهشاً للغاية إذا كان بالمستطاع الحصول على هذه الدّرجة من التّغيير الاجتماعيّ دون أن تُنتِج نوعاً من ردّ الفعل العنيف".

اليسار واليمين وسياسات الهويّة

يرى فوكوياما أنّ المطالبة بالصّوابيّة السّياسيّة و"ا.ح.ت.ر.ا.م" الاختلاف بين الجميع قد ولّدا وأنكرا على حدّ سواء هذه المشاعر الكامنة. بشكل عام، هل يعتقد أنّه في إصرارنا على الاعتراف بالاختلاف فقدنا النّظر إلى الرّوابط الّتي تربط بيننا؟

"لديك صِيَغ يساريّة ويمينيّة لسياسات الهويّة. والصّيغة اليساريّة طويلة الأمد؛ حيث بدأت الحركات الاجتماعيّة المختلفة في التّأكيد على الطّرق الّتي تختلف بها عن الثّقافة السّائدة، وأنّها بحاجة إلى الاحترام بطرق متعدّدة. ثمّ كان هناك ردّ الفعل اليمينيّ، من جانب هؤلاء الّذين فكّروا قائلين 'حسنٌ، وماذا عنّا؟ لماذا لا نحظى أيضاً بمعاملة خاصّة؟'. سياسيّاً، الأمر إشكاليّ من حيث إنّه يقوّض الشّعور بالمواطنة. والآن يمكنك ملاحظة التّطرّف على كلا الجانبين".

اقرأ أيضاً: اللحظة الشعبوية: انتهاء ثنائية اليمين واليسار في أوروبا

يشير فوكوياما إلى أنّ كتابه لم يكن ليُكتَب من دون انتخاب الرّئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة. فلم يكن، كما يعترف، أفضل في توقّع تلك الحقيقة المؤسفة من أيّ شخص آخر، بالرّغم من أنّه قبل 30 عاماً تقريباً، في "نهاية التّاريخ والإنسان الأخير"، قام، حتّى في ذلك الحين، بأخذ ترامب كأحد الأمثلة الأكثر فظاعة على "فائض الحرّيّة وفائض الإظهار المتغطرس" للرّغبة في الاعتراف الّذي يتضمّن تفوّق النّفس واستعلائها على الآخرين والّتي يجب على الدّيمقراطيّات تحمّلها. إنّني أرى أنّ آثار التّقشّف في العقد القريب بعد الانهيار الماليّ، بالإضافة إلى الحروب الّتي أنتجت الهجرة الجماعيّة، قد أطلقت بعض أجراس الإنذار. ما أقصده أن الأحداث الّتي سبقت كلّ هذا لم تكن رائعة أبداً، أليس كذلك؟

يختار ترامب غريزيّاً ثيمات عنصريّة من أجل دفع النّاس إلى اليسار بجنون

"لقد اعتقدتّ أنّ الانهيار الماليّ سيخلق نوعاً أكثر مباشرةً من الشّعبويّة اليساريّة"، يقول. "فهذا الرّكود الضّخم قد خلقه بلوتوقراطيّو [:البلوتوقراطيّ هو الشّخص المتنفّذ بسبب ثروته] وول ستريت. لكن بدلاً من ذلك، ما حصل كان صعود حزب الشّاي والأنشطة اليمينيّة. يعود جزء من تفسير ذلك إلى الطّريقة الّتي تطوّرت بها قضايا الهويّة هذه منذ الثّلاثينيّات: يفكّر النّاس في أشكال عدم المساواة الأصغر بدلاً من المعارك الطّبقيّة الأكبر".

هل يرى عشوائيّة ترامب غير الّليبراليّة باعتبارها لحظة خاطفة أم واقعاً جديداً؟

"إنّه بالتّأكيد ليس مجرّد لحظة خاطفة"، يقول. "الشّيء الأكثر إثارة للقلق هو مقدار الدّعم الّذي يحصل عليه بالرّغم من كلّ الأشياء الضّارة والعنصريّة والسّخيفة الّتي يفعلها. يبدو أنّ ثلث الشّعب الأمريكيّ يوافق على ما يفعله و10 بالمئة أو 15 بالمئة يتحمّلونه بسبب التّخفيضات الضّريبيّة".

كانت الغاية من وسائل التواصل أن تكون أداة للدّيمقراطيّة أن تعطي النّاس إمكانيّة الوصول إلى المعلومات وبالتّالي إلى السّلطة

ويبدو أنّ التّأثير الآخر هو دفع الحزب الدّيمقراطيّ جهة اليسار، ممّا يخلق وضعاً يخسر فيه الوسط السّياسيّ السّلطة. "يختار ترامب غريزيّاً هذه الثيمات العنصريّة من أجل دفع النّاس إلى اليسار بجنون ومن أجل أن يصبحوا أكثر تطرّفاً فأكثر في استجابتهم. أعتقد أنّه يرى فرصةً لتقسيم النّاس وجعل الدّيمقراطيّين أقل توحّداً كجهة منافسة له".

عندما تشاهد هذه القوى وترى، على سبيل المثال، كيف ما لا يمكن الدّفاع عنه يجري الدّفاع عنه من قِبل مؤيّدي البريكست، مع مناشدات بالتّمتع "بروح رواقيّة" مزيّفة، فإنّه يبدو بمثابة المعجزة كيف تمّت السّيطرة على هؤلاء لفترة طويلة. إنّ رسالة "نهاية التّاريخ؟" بدت متفائلةً بحذر، وأطروحة فوكوياما كما يبدو تتناغم مع تأكيد مارتن لوثر كينغ أنّ "قوس الكون الأخلاقيّ طويل، ولكنّه ينحني نحو العدالة". فهل هو أقلّ اقتناعاً بهذا التّفاؤل الآن؟

"لست متأكداً من أنّني متفائل"، يقول. "من بعض النّواحي، أعتقد أنّه من المفاجيء أنّ ردّ الفعل العنيف لم يأت قبل ذلك".

فوكوياما، هل هو ياباني-أمريكي؟

فوكوياما نفسه مهاجر من الجيل الثّالث للولايات المتّحدة. فقد فرّ جدّه لأبيه من الحرب الرّوسيّة-اليابانيّة عام 1905 واستقرّ على السّاحل الغربيّ، حيث فتح متجراً. أمّا والد فوكوياما فقد كان قسّاً في كنيسة جماعيّة وحصل على شهادة الدّكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو. ووالدته، الّتي ولدت في كيوتو، كانت ابنة مؤسّس قسم الاقتصاد في جامعة كيوتو. أسأله عن كمّ الأسئلة المتعلّقة بالاندماج والهويّة الّتي كان يتمّ نقاشها حول مائدة العشاء في صِغره. وأسأله هل يفكّر في نفسه كأمريكيّ-يابانيّ؟

"لم أفكر أبداً في نفسي على هذا النّحو على الإطلاق"، يقول، بشكل سريع.

لماذا؟

"لم أترعرع بأيّ شكل من الأشكال في المجتمع/الجالية اليابانيّـ/ـة".

اقرأ أيضاً: المجتمع الياباني: وفاء للعادات والتقاليد رغم إغواء الحداثة

فهو لم يتعلّم أبداً التّحدّث بالّلغة اليابانيّة - فلم تكن هناك حاجة لذلك. "اعتقدتّ أنّ أمريكا عبارة عن بلد عظيم حقّاً لأنّه كان بإمكانك المضي قدماً دون أن يضع أيّ شخص عوائق في طريقك بسبب خلفيّتك الإثنيّة". وحتّى يومنا هذا، كما يقول، يشعر بالضّيق عندما تطالبه مجموعات من حرم جامعة ستانفورد بأن يذهب إلى اجتماعات مع "مجموعات أمريكيّة-آسيويّة". فهو لا يشعر أنّ ذلك يناسبه على الإطلاق.

هل ينظر والداه إلى الأمر بالطّريقة نفسها؟

"والدي يمكنه تكلّم اليابانيّة، ولكن ليس بشكل جيّد. لقد نشأ ضمن النّظام المدرسيّ للوس أنجلوس في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن الماضي. وأمّي ولدت في اليابان وجاءت هنا بعد الحرب. وهي تتحدّث الإنجليزية بلهجة، لكن والدي ليس كذلك. أتذكّر والدتي تقول في مناسبات مختلفة إنّها تعتقد أن الأمريكيّين عنصريّون وإنّها قد عانت من التّحامل وما إلى ذلك. لكنّي أتذكّر والدي يقول إنّه لم تكن هناك لحظة في حياته شعر فيها أنّ خلفيّته اليابانيّة تمثّل عائقاً له. وقد استنتجت أنّ الأمر كالتّالي: "إذا كنت تتحدّث الإنجليزيّة مثلما يتحدّثها مواطن أمريكيّ، فإنّه سيتمّ قبولك". ووالدتي لم تستطع. إنّك إذا نظرت إلى الأمريكيّين الآسيويّين في الولايات المتّحدة، ستجدهم قد قاموا بأداءٍ جيّد للغاية مقارنةً بالبيض على كلّ قياس تقريباً".

اقرأ أيضاً: إدارة التنوع للهروب من أزمة الهوية في المجتمعات العربية

عندما راقبَ مسيرةً على غرار مسيرات "كو كلوكس كلان" في شارلوتسفيل العام الماضي، كيف كان شعوره حيال تلك القناعات القديمة؟

"إنّ مسألة الهويّة القوميّة الأمريكيّة باعتبارها هويّة تستند إلى فكرة معيّنة عن المواطنة كانت معركةً بدا أنّه قد فازت بها حركة الحقوق المدنيّة"، يقول. "فجأةً، ترى هؤلاء النّاس يحاولون العودة إلى فهم عرقيّ لما يعنيه أن يكون المرء أمريكيّاً. وهذا أمر سيء للغاية. وترامب يقدّم العون والتّشجيع لهؤلاء ".

حلول مقترحة

يقترح جزء من كتاب فوكوياما بعض الحلول لهذه السّياسة الممزّقة. فهو يشدّد على الحاجة الملحّة لسياسيّين يمكنهم التّحدّث حول اهتمامات جميع المواطنين وليس فقط قاعدتهم [الانتخابيّة]، ويمكنهم تقديم رؤية قوميّة تتجاوز اعتبارات الهويّة الضّيّقة. وينادي باستكشاف سياسات مثل؛ الخدمة الوطنيّة لتشجيع الشّباب على استيعاب الأهداف المشتركة مع أشخاص من جميع الخلفيّات. هل يمكنه أن يتخيّل حقّاً أن يحدث هذا في المناخ السّياسيّ الحاليّ في الولايات المتّحدة أو المملكة المتّحدة؟

فوكوياما: لقد اعتقدتّ أنّ الانهيار الماليّ سيخلق نوعاً أكثر مباشرةً من الشّعبويّة اليساريّة

يقرّ بأنّ ذلك "لا يمكن أن يحدث إلّا على أساس طوعيّ". "ففي عهد كلينتون"، يقول، "كان هناك مخطّط يستطيع فيه الشّباب التّطوّع للعمل في مدرسة عامّة داخل المدينة أو القيام بأنواع أخرى من الخدمة. وإنّني أعتقد أنّ ذلك يمكن توسيعه. لكن من أجل جعل هذه الخدمة إلزميّة، فإنّ الأمر قد يتطلّب حرباً أو حدثاً خارجيّاً كبيراً".

والمنطقة الأخرى الّتي تحتاج إلى عناية عاجلة، كما يقترح، هي الحاجة إلى سياسيّين يقومون بمعالجة الطّرق الّتي عمل فيها الإنترنت كوقود لسياسات الهويّة، حيث أتاحت وسائل التّواصل الاجتماعيّ للأفراد الاستماع إلى مجموعة ضيّقة خاصّة بهم دون وجودٍ لمحادثات قوميّة أو أكثر اتّساعاً.

"كانت الغاية من هذه الوسائل أن تكون أداة للدّيمقراطيّة، أن تعطي النّاس إمكانيّة الوصول إلى المعلومات، وبالتّالي إلى السّلطة"، يقول. "لكنّي أعتقد أنّ المحرّرين و"الحرّاس" والمحقّقين في الوقائع الّذين تميّزت بهم وسائل الإعلام القديمة/التّقليديّة كانوا في الواقع مفيدين للغاية - في عمليّة إبطاء انتشار المعلومات الكاذبة، وضمان حدّ أدنى معيّن من الجودة. كلّ هذا انتهى الآن. ومن ثمّ فإنّ أيّ شيء تطالعه على الإنترنت يبدو جيّداً شأنه شأن أيّ شيء آخر تطالعه على الإنترنت".

كيف يرى فوكوياما المستقبل؟

في غياب مثل هذه السّياسات، كيف يرى مستقبل الممارسة السّياسيّة في الولايات المتّحدة؟ هل يعتقد أن "عمليّة مولر" ستبدأ في كبح جماح سياسات تعريف النّفس بوصفها متفوّقة/أعلى على غيرها؟

"عاود فحص الأمور بعد الانتخابات النّصفيّة"، يقول، نصف ضاحك. "ففي النّظم الدّيمقراطيّة، أكبر فحص نملكه للسّلطة هو الانتخابات. إذا احتفظ الجمهوريّون بالسّيطرة على المجلسين، فسيتم اعتبار ذلك تأكيداً على كلّ الأشياء الّتي كانوا يفعلونها وسيكون ذلك سيئاً للغاية. ومن ناحية أخرى، إذا فاز الدّيموقراطيّون بمجلس النّواب، فسيكون لدينا فجأة هذه المعلومات المتدفّقة من تحقيق [مولر]. لقد كانت هذه الإدارة مدمِّرة للغاية في كلّ مجال من مجالات السّياسة -سواء كان الحديث عن البيئة أو الصّحّة أو الإسكان- وأعتقد أنّه ينبغي محاسبتها على ذلك".

اقرأ أيضاً: هل الخوارج ثوار ديمقراطيون أم جماعة سياسية منشقة؟

بالرّغم من كلّ المظاهر الّتي تشير إلى العكس من ذلك، هل ما يزال يحتفظ بقناعة أنّ قوّات أكثر اعتدالاً من الدّيمقراطيّين الّليبراليّين ستسود الأمر مجدّداً - أنّ الدّيمقراطيّة الغربيّة يمكن أن تحقّق العودة إلى التّوازن، أنّ الوسط السياسيّ يمكن أن يعود إلى السّلطة؟

"إنّ الأمر يعود إلى القيادة"، يقول مصرّاً. "ما كنّا لنصل إلى هذه الحالة إذا لم يكن هناك رجال أعمال مسيّسون رأوا هذه الفجوة وشغلوها".

وبعد ذلك كلّه، يقول أفضل متكهّن معروف في الحياة السّياسيّة الحديثة: "من الصّعب حقّاً التّنبّؤ بما هو قادم".

المصدر: تيم آدامز، الغارديان