عماد عبد الرازق: 3 أسباب وراء ظهور داعش وستظهر تنظيمات أكثر توحشاً

  عماد عبد الرازق: 3 أسباب وراء ظهور داعش وستظهر تنظيمات أكثر توحشاً
صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
25670
عدد القراءات

2018-10-04

أجرى الحوار: عيسى جابلي


أرجع الباحث المصري د.عماد الدين عبد الرازق أهم أسباب ظهور تنظيم "داعش" إلى إهمال الخطاب الديني وضعف الرقابة عليه، وعدم تجديده بما يتلاءم مع المستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي؛ فضلاً عن "الفقر والبطالة التي تدفع الشباب إلى الالتحاق بهذا التنظيم وغيره، لما يعيشه من بؤس، وحالة اقتصادية متدنية".

الفكر المتطرف الذي يعتنقه الإرهابيون تحركه إلى درجة كبيرة دوافع سيكولوجية

وقال، في حواره مع "حفريات"، إنّ التطرف والعنف اللذين يمارسهما "داعش" يأتيان من نوازع سيكولوجية دفينة معقدة، واستغلال حاجة المجنَّد للشعور بالأهمية وإيجاد معنى لحياته الخاوية، والرغبة في الحصول على المجد والشهرة.

وأشار عبد الرازق إلى أنّ التنظيم أخذ يتراجع على الأرض ويعيش أيامه الأخيرة، مستدركاً أن تنظيمات أخرى "أكثر شراسة" مرشحة للظهور "طالما أننا لا نعالج الأسباب الموضوعية لظهور مثل تلك التنظيمات".

والدكتور عماد الدين عبدالرازق عضو في الجمعية الفلسفية المصرية، والرابطة الأكاديمية العربية للفلسفة ببغداد، وعضو تحكيم في مجلات عربية، والاتحاد الدولي للصحافة العربية. له مؤلفات علمية عديدة أهمها: فلسفة الدين عند جوناثان إدواردز، العقل عند أرمسترونج، الأخلاق عند دوجالد ستيوارت، الدين عند إدجار شيفلد برايتمان، المعرفة عند تشيشولم، حرية الإرادة عند روبرت كين وغيرها.

وهنا نص الحوار:

أسباب متداخلة للتطرف

"داعش"  تنظيم مسلح يتبع فكر جماعات السلفية الجهادية

ما أبرز الأسباب التي ساهمت في بروز ظاهرة "داعش" في العالم الإسلامي المعاصر؟

"داعش" كما هو معروف تنظيم مسلح يتبع فكر جماعات السلفية الجهادية. ونستطيع القول إنّ ظهوره في العالم الإسلامي المعاصر يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة متداخلة: الأول منها ثقافي، ويدخل ضمنه إهمال الخطاب الديني وضعف الرقابة عليه، كذلك عدم تجديده ليتناسب مع المستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي، أيضاً الفهم الخاطئ لكثير من الأفكار الدينية، وعدم إعطاء العقل حرية في التعامل مع النص الديني، والجمود عند حدود النص، كل هذا أدى إلى ظهور الفكر المتطرف والجماعات الجهادية وعلى رأسها ”داعش” وأخواتها.

ستخرج تنظيمات أخرى ربما أكثر شراسة طالما للدول الكبرى مصالح في المنطقة

السبب الثاني سياسي؛ حيث شكل ضعف الموقف الدولي تجاه سوريا، والانقسامات الطائفية والصراعات المذهبية داخل العراق أرضاً خصبة كانت بمثابة محفزات سياسية على إيجاد فراغات مكنت تنظيم "داعش" من اختراقها، والسيطرة على أماكن كثيرة في سوريا والعراق.

والسبب الثالث في نظرنا اجتماعي يتمثل في الفقر والبطالة التي تدفع الشباب إلى الالتحاق بهذا التنظيم وغيره، لما يعيشه من بؤس، وحالة اقتصادية متدنية. ولا يمكن أن نغفل، إلى جانب هذه الأسباب، خدمة المشروع الصهيوني، بدءاً من احتلال أمريكا للعراق وتدمير بنيته التحتية ما أوجد بيئة حاضنة للفكر المتطرف وعلى رأسه هذا التنظيم الإرهابي.

سيكولوجيا التوحش

التوحش والعنف والقتل يعود أساساً إلى الفكر المتطرف

كيف تقرؤون التوحش الذي أبداه "داعش" في أعماله الإرهابية، وهل لذلك أسباب سيكولوجية؟

هذا التوحش والعنف والقتل يعود أساساً إلى الفكر المتطرف الذي يعتنقه هؤلاء، مع ذلك تحركه إلى درجة كبيرة أسباب سيكولوجية، كما يخبرنا علم النفس، وهو أنّ هؤلاء الشباب من خلال ممارسة العنف والقتل يشعرون بكيانهم وأهميتهم واحترام الآخرين لهم؛  فهذه الممارسات تعبر عن رغبة دفينة معقدة في تعويض الفشل في مجال ما.

اقرأ أيضاً: صناعة الإرهاب المتوحش.. رحلة في عقل تكفيري

هذا بنظرنا ما يفسر انضمام شباب أوروبيين إلى التنظيم، فهم غالباً يعانون من فشل اقتصادي، أو الحرمان الاجتماعي بفعل علاقات مضطربة في الأسرة والمحيط، وضياعهم في أوطانهم، فيسعون إلى إثبات أنفسهم. من هنا، يأتي التطرف العقائدي في مثل هذه الحالات علاجاً سريعاً للشعور بالدونية وهزيمة الذات؛ أي إنّ التطرف والعنف اللذين يمارسهما "داعش" يأتيان من نوازع سيكولوجية دفينة لحاجة الإنسان للشعور بأهميته وإيجاد معنى لحياته الخاوية، والرغبة في الحصول على المجد والشهرة.

لكن ما التحولات السيكولوجية التي يعيشها الشاب قبل انضمامه إلى تنظيم إرهابي وإلى أن يصبح عنصراً بارزاً فيه؟

للمتطرف الديني سمات وخصائص سيكولوجية تجعل منه شخصاً غير سويّ، لعل من أهمها اختلال تقديره وتقييمه للأحداث حوله إما بالتهويل أو اللامبالاة الشديدة، كذلك عدم اتزان مشاعره تجاه الأمور، واضطراب تعامله مع المحيطين به، كذلك التعصب والتطرف في أفكاره وعدم تقبل الرأي الآخر.

من أسباب التطرف إهمال تجديد الخطاب الديني المعاصر ليتناسب مع المستجدات السياسية والاجتماعية والثقافية

وفي هذا السياق نشير إلى أنّ التطرف الديني غالباً ما يظهر خلال فترة المراهقة، والأكثر عرضة له هو طفل نشأ في أسرة يسودها التفكير المتعصب والمتحجر وعدم تقبل الآخر، ومن هنا نؤكد على وجود أسباب تساعد على نشأة الشخص المتطرف الإرهابي، لعل من أهمها: اضطراب العلاقة بين الطفل ووالديه أو أحد رموز السلطة في البيت والمدرسة، تحول الشاب في مرحلة المراهقة إلى رفض الخضوع لأي سلطة حتى لو كانت سلطة القانون، فينخرط وغيره في تكوين أو الانتماء لجماعات في مثل سنه، أيضاً المعاناة الاجتماعية كالفقر، وتلقي أفكار دينية مغلوطة داخل البيت والمدرسة والجامعة، لذا لا بد من التوعية الدينية الصحيحة، حتى لا يقع هؤلاء فريسة للفكر المتطرف.

صرح أحد المنشقين عن "داعش" أنه لم يكن يميل لمشاهد الذبح لكن تدريجياً صار عنده تبلد إحساس، ما الذي يوصل هؤلاء إلى هذه المرحلة؟

يعود تبلد مشاعر الإرهابيين ممن يقومون بالقتل وسفك الدماء والوحشية والعنف، إلى أنّ لديهم اعتقاداً راسخاً أنهم يقومون بعمل بطولي وفدائي، يقرّبهم من الفردوس، بل رسخ في أذهانهم أن هذه الممارسات الوحشية ترضي الله، فلا يتحرك لهم ساكن، ولا تأنيب ضمير، ولا تجد في قلوبهم رحمة أو شفقة تجاه ضحاياهم.

المجندَّون غالباً يعانون من فشل اقتصادي أو حرمان اجتماعي بفعل علاقات مضطربة في الأسرة والمحيط

ويرجع ذلك أيضاً إلى عمليات غسيل دماغ هؤلاء منذ التحاقهم بتلك التنظيمات، فيتم إقناعهم أنهم يدافعون عن الدين وينتصرون للإسلام، والعقيدة، وأنهم يمتلكون ناصية الحقيقة المطلقة ومن عداهم كفرة لا يمتّون للإسلام بصلة. ونتيجة لأفكار مغلوطة عن مبادئ الإسلام مثل الجهاد أساؤوا فهم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وفسروها تبعاً لأهوائهم ومصالحهم، فنراهم يقبلون على تلك الممارسات الوحشية من قتل وتفجير وكأنها فروض من الدين.

أيضاً من وجهة نظري تبلد المشاعر يأتي من كثرة ممارسة هذه الأمور يومياً وكل لحظة من قتل وحرق وتفجير، هنا تصل النفس إلى درجة التشبع، ويصبح الأمر عادة تألفها، كما أن هناك سبباً دفيناً لتبلد مشاعر هؤلاء أثناء ممارستهم الوحشية يتمثل في "الظلم" الذي يشعرون به، ويتم إشباع رد الفعل على هذا الإحساس المرضي عندما يرون من يدفع "الثمن".

لكن كيف يتمكن "داعش" عملياً من الوصول إلى هؤلاء الشباب، وما هي الآليات التي يتبعها معهم؟

أصبح معروفاً أنّ من أبرز الوسائل لتجنيد الشباب في تنظيمات جهادية مثل “داعش” هو مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يختلف عن أسلوب التجنيد التقليدي في الماضي، حين كان يتم بالخطاب المباشر خاصة في الأحياء والمناطق الشعبية، وهو على كل حال مايزال فعالاً وسائداً.

اقرأ أيضاً: تاريخ التعذيب: هل التوحش طبيعة بشرية؟

ولعل تجنيد الشباب يرتكز على عدة أسباب أو يلعب على عدة أوتار من أهمها كما ذكرنا: البطالة، الجهل، الفقر، التهميش.. وتبدأ تلك الجماعات في احتضان الشباب البائس، كما تستغل الوازع الديني لديهم لترسم في عقولهم صوراً مظلمة وخاطئة عن فكرة الجهاد، ومع تطور التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل من فيس بوك وتويتر وغيرها، أصبحت عملية التجنيد أسهل وأيسر، فقد استغل تنظيم "داعش" مواقع التواصل الاجتماعي أفضل استغلال، وذلك عن طريق إعطاء كل شاب حساباً إلكترونياً، وتأمره أن يقوم باستعماله مرة واحدة في اليوم، أيضاً من وسائل التجنيد العمل في المدونات، وحتى الألعاب الإلكترونية التي تستهوي الأطفال والمراهقين.

ما بين الإسلام السياسي والإرهاب

مرت مصر بتجارب مؤلمة مع تنظيمات الإسلام السياسي

عاشت مصر تجربة مريرة مع الإسلام السياسي بصفة خاصة، هل من حدود بين الإسلام السياسي والإرهاب؟

مرت مصر بتجارب مريرة ومؤلمة مع تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي في فترات كثيرة، لعل من أبرزها الثمانينيات حين نشطت الجماعات الإسلامية المتطرفة التي عاثت في الأرض فساداً، واستخدمت العنف لتغيير الواقع بالقوة، وماتزال مصر تعاني من تبعات تلك الجماعات والتنظيمات، وما يحدث في سيناء خير شاهد على ذلك.

ثمة قواسم مشتركة بين الإرهاب والإسلام السياسي تتمثل في الرؤى والأهداف لعل أبرزها السعي لعودة الخلافة

وأشير هنا إلى أنّ هناك قواسم مشتركة بين الإرهاب والإسلام السياسي، تتمثل في الرؤى والأهداف التي تجمع بينهما لعل أبرزها السعي إلى عودة الخلافة لدى السنة، وولاية الفقيه لدى الشيعة. وهي مستقاة بشكل أساسي من أفكار سيد قطب وحسن البنا من قبله، التي كانت منطلق طهور حركات الإسلام السياسي في العصر الحديث، ومن رحم تلك الحركات انتشرت الأصولية السلفية وصولاً إلى الإرهاب بزعامة القاعدة وبوكو حرام وبيت المقدس وصولاً إلى ”داعش” اليوم.

اقرأ أيضاً: تنظيمات العنف الديني: متفقة في التوحش ومختلفة في المنابع

ورغم ذلك يوجد حدود وفوارق بين الإسلام السياسي والإرهاب، فالتنظيمات الإرهابية استغلالها للإسلام نابع من رغبتها في حشد الجماهير حولها لتبرير أفعالها الإجرامية بفعل عنفي مباشر، أما الإسلام السياسي فإنه يأخذ من الدين ستاراً لتحقيق أيديولوجيته وأهدافه ومصالحه بطريقة "ناعمة"، مستغلاً الحماسة الدينية لترويج أفكاره مجتمعياً، التي تصطدم مع الوطنية والقومية، وهو يرفض الآخر ويرغب في إقصائه، وذلك يقود في النهاية إلى الفعل الإرهابي وإن لم يتم تبنيه رسمياً.

انتشرت الأصولية السلفية وصولاً إلى إلى ”داعش”

"ما بعد داعش".. عبارة تكررت كثيراً وتناولتها وسائل الإعلام المختلفة، هل يمكننا الحديث فعلاً عن نهاية حقيقية لهذا التنظيم؟

بداية لا نستطيع أن نحارب أو نقتلع الفكر المتطرف من جذوره إلا إذا هاجمنا بنيته الفكرية التي يرتكز عليها، ومعرفة أسباب انتشاره، ثم بعد ذلك يأتي العمل على إيقاف خطورته والحد منه، وأعتقد أن تنظيم "داعش" كفكر متطرف بدأ ينحسر ويقل شراسة عن بداياته الأولى، بعد هزائمه المتلاحقة والانقسامات والصراعات التي أخذت تدب داخله.

اقرأ أيضاً: من أسرار توحش الجهاز الأمني لتنظيم داعش

ومن وجهة نظري نهاية "داعش" أصبحت قريبة ومسألة وقت، لكن كيف تكون النهاية؟ هذه مسألة ضبابية، ولي قراءة في كتاب "داعش" و"جهادي ما بعد القاعدة" أرى فيها أنّ النهاية قادمة ولكن كيف؟ لا أحد يعرف سيناريو تلك النهاية. وأعتقد أنه ستخرج تنظيمات أخرى ربما أكثر شراسة طالما للدول الكبرى مصالح في المنطقة، وطالما لا نعالج الأسباب الموضوعية لظهور تلك التنظيمات، فكما كان تنظيم القاعدة صناعة للدول الكبرى وقام بتنفيذ السيناريو المخطط له بدقة، وعندما انتهى دوره تم إضعافه وتفتيته بل وقتل رأس التنظيم أسامة بن لادن، وبعد ذلك تمت صناعة "داعش"، وسيمضي ويأتي من يحل محله من التنظيمات الإرهابية.. هي من وجهة نظري سلسلة متصلة متشابكة ومستمرة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سناء هاشم: لماذا فشلت السينما المصرية بكشف حقيقة الإسلاميين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-01-15

أجرت الحوار: منى يسري


قالت أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما في القاهرة، الدكتورة سناء هاشم، إنّه بالرغم من التاريخ الطويل للسينما المصرية، إلّا أنّها منذ بداية السبعينيات قد أخفقت في دورها التنويري، واكتفت بمناقشة قضايا اجتماعية، و"تشويه صورة النظام الناصري، بعد أن منحها السادات الضوء الأخضر".

السينما في جوهرها خطاب للمجتمع وليس لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين تحت شعار السينما النظيفة

وأكدّت هاشم، في حوارها مع "حفريات"، أنّ السينما في مرحلة لاحقة منذ الثمانينيات والتسعينيات ناقشت قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع و"لكن بسذاجة وسطحية، وجعلت من أبناء التيارات الإسلامية ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويه صورتهم، وهو ما وصل لأذهان البسطاء من المصريين".
وذهبت إلى أنّ "السينما بدلاً من أن تصبح حائط صد ووقاية من الفكر المتطرف، ساهمت في زيادته"، مؤكدةً أنّ الإخوان المسلمين لم يحركوا ساكناً أمام الموجة التكفيرية في التسعينيات، بل "استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين".
ولفتت هاشم إلى أنّ ما تشهده الساحة السينمائية في مصر، منذ مطلع الألفية من انتشار أفلام الكوميديا "غير الهادفة" على حد وصفها، "ليس سوى نوع من أنواع الملهاة وغض للطرف عن الهزيمة التي تلاحق المصريين منذ نكسة 1967".
وهنا نص الحوار:

بداية تراجع السينما

تعد السبعينيات فترة حاسمة في تاريخ مصر والمنطقة، برأيك ما هو الدور التنويري الذي قدّمته سينما السبعينيات وما بعدها؟
الحقيقة أنّ السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية، ودعيني في البداية أفك الارتباط الحاصل بين السينما والسياسة؛ لأنّهما كما أرى وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ينعكس على الآخر، وسأبدأ منذ الخمسينيات في الفترة التي بدأ فيها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر جعل صناعة السينما جزءاً من مهام الدولة، فتأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات، والتي أخذت على عاتقها الاهتمام بالصناعة، وترسيخ قضايا بعينها في نفوس الشعب، وامتزجت فيها السينما بالأدب، فصنعت العديد من الأفلام المأخوذة عن روايات مصرية مثل؛ روايات توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي والكثير.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
آنذاك أخذت الأفلام تؤكد على القضايا الوطنية الراهنة، مثل؛ ترسيخ قيمة العمل لبناء الدولة الحديثة، كما رأينا في أفلام مثل؛ اللص والكلاب، مراتي مدير عام، وأصبحت تتطرق لقضايا الصراع الطبقي كما رأينا في فيلم الأيدي الناعمة، ورُدّ قلبي، إلّا أنّ الانهيار جاء سريعاً وتحديداً منذ منتصف العام 1971، حين أعلن السادات دعوته للانفتاح الاقتصادي، ثم تلاها بالقضاء على الهيئة العامة للسينما صاحبة الفضل في معظم تراثنا السينمائي.

توظيف سياسي للفن

تأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات
إذن، لماذا فعل السادات ذلك رغم ولعه المعروف بالسينما ولماذا لم يستخدمها لدعم قضيته كما فعل عبدالناصر؟

هذا لأنّ السادات لم يكن يحمل قضيّة متماسكة يمكنه البناء عليها، فمرحلة السبعينيات عالمياً حملت الكثير من التحولات بعد انتهاء ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الاستعمار عن طريق الانفتاح الاقتصادي، الذي قطع أوصال الدولة وارتباطها بمواطنيها، فكان على السادات أن يتخلى عن السينما، ويتركها مساحة مفتوحة لكل من يريد ارتيادها دون قيود، فبدأت مرحلة جديدة من السينما التي انقسمت إلى شقين: إمّا أنّها تطعن نظام عبدالناصر مثل؛ فيلم الكرنك، وعودة الابن الضال، أو مجرد هزل خالٍ من الطرح الفني.

اقرأ أيضاً: سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن
لم يكن في تلك الحقبة شيء يذكر عن التحولات التي تجرى داخل المجتمع المصري من انتشار التيارات الإسلامية التي أطلق سراحها السادات في 1977 أعقاب انتفاضة الخبز، ليجد دروع أمنه تحميه من انتفاضة اليسار المصري، وبذلك كما يقولون "ضرب عصفورين بحجر واحد"، قضى على الشيوعيين، وروجّ لانفتاحه بقناع ديني، مرتدياً عباءة "الرئيس المؤمن"، كما أطلق على نفسه.

على ضوء ما أوضحت من فقدان القضية الاجتماعية، ماذا قدّمت سينما السبعينيات إذن لذاكرة المصريين؟

اتسمت سينما السبعينيات بالطابع السياسي، وكانت متفرغة لذم النظام السابق، فقد أطلق السادات العنان وقتها للناقمين على عبدالناصر وصلاح نصر، فرأينا فيلم الكرنك، زائر الفجر الذي سحب من دور العرض بعد بضعة أيام من عرضه نظراً لحساسية الفترة، حيث عرض في بداية كانون الثاني (يناير) 1973 قبل الحرب مع إسرائيل.

السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية وتفرغت لذمّ النظام السابق بتشجيع من السادات

كان المصريون ما زالوا مترنحين من وقع الهزيمة، ولم تُشفَ جراحهم من نكسة 1967، ولم نرَ أي تأثير لخطاب الإسلام السياسي إذ لم يكن ذا أهمية أو ثقل، فكان نطاقه محصوراً في جماعات صغيرة داخل القرى والمدن البعيدة عن المركز، حتى بدأت الحركة الطلابية الإسلامية في الإنتعاش داخل جامعة القاهرة، وأعلنت عن نفسها وأفكارها، ولم يكن هنا سوى إرهاصة واحدة بتغيرات المصريين ظهرت في فيلم "الحب قبل الخبز أحياناً"، العام 1977 للمخرج سعد عرفة، حين وجدنا الفتاة المتحررة التي تنخدع في حبها الأول، ثم تعود لرحاب شقيقتها المتدينة، التي تضع حجاباً على رأسها في نهاية الفيلم ليكون هذا الفيلم جرس الإنذار المقبل بالقادم الذي احتدم ظهوره في سينما التسعينيات.
السينما والإسلاميين
لماذا التسعينيات؟ ألم تشارك سينما الثمانينيات في رصد ما يحدث داخل المجتمع؟

بالطبع شاركت، ولكن إلى هنا لا تزال المشاركة محدودة، خاصة بعد ظهور موجة الواقعيين الجدد، في مقدمتهم عاطف الطيب ومحمد خان، الذين ركزوا على تفاصيل الإنسان المصري، واهتموا بمعاناته، فشاهدنا أعمالاً مثل البريء، وزوجة رجل مهم، وكذلك مساهمات محمد خان في الاهتمام بسينما المرأة وتصدير بطلات نساء.
كل هذا أضفى طابعاً مميزاً على سينما الثمانينيات، ولم يبدأ طرح قضايا الإرهاب الفكري الذي تعيشه مصر في السينما إلا في التسعينيات، وكان وحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال حاملي تلك الراية، من أفلام عزّزت من تواجد الإسلاميين، وجلبت تعاطف المجتمع لهم أكثر منها سينما تنويرية.

المخرج المصري محمد خان

ماذا كان السبب الرئيسي لتلك الموجة السينمائية في مرحلة التسعينيات التي تناقش قضايا الإرهاب التي تم التغافل عنها لعقود؟
إنّه نظام مبارك الذي فشل في إدارة العملية السياسية أكثر مما فشل السادات، فشاهدنا في بداية التسعينيات العنف الصريح ضد النخبة الثقافية بدأت باغتيال المفكر فرج فودة، ثم محاولة الاغتيال الفاشلة للأديب الكبير نجيب محفوظ، تبعها حادث الأقصر الذي كشف الستار عن العنف الممنهج الذي يمارسه الإسلامويين ضد المجتمع، ثُم باغتونا بحرق مقرات نوادي الفيديو في القاهرة والإسكندرية وقتل البعض من أصحاب تلك المحلات، فأعلنوا بذلك موقفهم الصريح من السينما والفن برمته.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
بالتوازي مع هذا فقد انسلخ تواجد الدولة بشكل كلي عن المجتمع، فتركته نهباً مباحاً أمام قوى الظلامية، ودعيني أقول إنّ السبب الرئيسي كان برنامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الذي قدمّه صندوق النقد وبدأ تطبيقه في العام 1991، تبعه المزيد من الإفقار والتجهيل للمصريين؛ فالدولة أصبحت بحاجة لملهاة الناس للانصراف عنها، وعدم خروجهم للمطالبة بحقوقهم، ووفّر لها تيار الإسلام السياسي ذلك الدرع الواقي من غضب الناس، فاستطاع مبارك استخدامهم بحرفية أكبر من استخدام السادات لهم.

ألا  يمكن مراجعة موقف الإسلاميين من السينما مع أدبيات الإخوان المسلمين ورسائل حسن البنا التي لم تنكر السينما ولكن وضعت لها شروطاً؟
صحيح ما ذكرت، ولكن دعيني أوضح أنّ الفن لا يخضع لشروط، والإبداع لا يحتاج سوى للحرية كي يتدفق، ولكي نكون منصفين، فإنّ موقف الإخوان "المعلن" من السينما كان يبدو إصلاحياً بشكل كبير ولم يرفضها في المطلق، ولكن ماذا عن الجماعة الإسلامية التي ولدت من رحم الإخوان، أليست هي من حملت راية التكفير، وإباحة الدماء في تلك الفترة؟ إنها وبلا منازع من قتل المصريين والأجانب، وكفّر كل مَن لم يشبهها.

أفلام الثمانينيات والتسعينيات ناقشت بسذاجة وسطحية قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع

لم يحرك أفراد جماعة الإخوان ساكناً أمام تلك الموجة التكفيرية، بل استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين، لا سيمّا بعد استمالتهم للشرائح الأكثر فقراً وتهميشاً بإقامتهم لمشاريع خيرية، فأصبحت المجمعات الطبية، والتعليمية كلها تحت إشراف الإخوان ومريديهم، وأقيمت منافذ بيع سلع مخفضة لتخفيف العبء عن الأسر المتضررة، وخاصة في الريف والنجوع الصعيدية، الضحية الأولى لسياسات التهميش والدافع الأكبر لكلفة الصراع الطبقي في مصر. فلا يمكننا أن نلوم تلك الطبقات التي دانت بالولاء للجماعة، وهرعت إلى صناديق الاقتراع بعد ثورة يناير لانتخابهم في مجلس النواب، ظناً منهم أنّهم سيجنون ثمرة انتهاء فترة القمع والفقر الذي شهدوه.

انفصال عن الواقع
هل كان هذا إيذاناً بفشل سينما التسعينيات وما بعدها، بعد كل الموجة الهجومية التي قدّمتها السينما على مدار عقدين؟

بالطبع، هو كان نتيجة عكسية لمبتغى الفنانين، والسبب الرئيسي هو التسطيح والمبالغة والطرح المباشر بفجاجة في الأفلام، بدءاً من تقديم الإسلاميين بملابس بهلوانية لا وجود لها على أرض الواقع، إلى جانب طريقة حوارهم الفظة والتي تبدو من عصور أخرى، هذا لم يكن واقع الإسلاميين كما قدّمته السينما، ولكن كانت تصورات خيالية لصانعي تلك الأعمال، وهذا يعكس مدى انفصال المبدعين عن المجتمع، فلم يصبح الفن مرآة للمجتمع ولا شرائحه المتباينة، وإنّما مجرد أفكار سردية من خيال المبدع.
ويمكننا رؤية هذا من فيلم الإرهابي وطيور الظلام والإرهاب والكباب، كلها برأيي جعلت الناس مفتقدين للثقة في أي طرح سينمائي مقدّم، بل وصل إلى حد أنّ البسطاء اقتنعوا أنّ الدولة تحارب الدين والمتدينين، وتشوه صورتهم، ما جعل التعاطف معهم يتزايد، وبالطبع نجحت السينما في هذا الدور، حين اعتلى مقاعد البرلمان مع اقتتاحية الألفية مقاعد البرلمان المصري لأول مرة، ورأينا صور حملاتهم الانتخابية تحت شعارهم الشهير "الإٍسلام هو الحل"، في كل أركان البلاد، وشاهدنا احتفاء الناس بهم، كان على تلك النتائج أن تكون صيحة نذير للسينمائيين لتغيير خطتهم وما يقدمونه من محتوى.

السينما فن وصناعة لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره

لكن يرى بعض النقاد أنّ أفلام مطلع الألفية قدّمت صورة أكثر واقعية للإرهاب، ألا تتفقين مع هذا الرأي؟
قد تكون أقل سذاجة من نظيرتها في التسعينيات، وأحسنها كان ما قدّمه المخرج محمد ياسين في دم الغزال العام 2006، لأنّه تطرق لدوافع الإرهاب القادم من الأحياء المهمشة، والإفقار والرفض الإجتماعي، ولم يكن هناك ترهل في الحوار أو الطرح كما أفلام وحيد حامد ونادر جلال.

معظم الأفلام التي عالجت الإرهاب صورت الإسلاميين ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويههم

بخلاف ذلك لم نملك تجربة ناضجة لسينما تنويرية حقيقية، تكشف ألاعيب الإسلام السياسي، حتى الطرح الذي قدّمه يوسف شاهين في أفلام مثل المصير، والآخر، كان أشبه بطرح سيريالي، لم يفهمه الناس، ولم يصل إلى الشريحة المشتبكة مع الإسلام السياسي، التي بوصولها إلى حقبة الألفينات، هجرت دور السينما، بل لم تعد تبالي بأي شيء سوى قوت يومها، الذي قدّمته لهم الجماعة الإسلامية.
ومع تزايد عنف نظام مبارك، والمجاهرة بمشروع التوريث، كانت السينما قد أفلست، وقدمت تجربة جديدة في فيلم عمارة يعقوبيان عن التطرف الإسلامي، الذي جسده الفيلم كرد فعل على قمع النظام، ولكن مُنع من العرض بعدها مباشرة، بسبب تسليط الضوء على وحشية الداخلية في التعامل مع المتأسلمين، ولدينا أيضاً تجربة عاطف حتاتة في فيلم الأبواب المغلقة، الذي جمع كل الأسباب من الفقر والتهميش وفشل الدولة، والحروب الإقليمية التي دفع كلفتها الأكثر فقراً فعززت بذور التطرف في نفوس النشء وجعلتهم فريسة سهلة للقيادات الإسلامية.

طرح أصحاب التوجه الإسلامي، خاصة بعد ثورة يناير، تقديم سينما نظيفة، مستشهدين بما تفعله السينما الإيرانية، هل هذا ممكن التحقق في مصر؟
لا مجال للمقارنة بين السينما المصرية والإيرانية، فالإيرانيون تحت سطوة قيود معقدة، يحاولون الفكاك منها، فينشغلون بتقنيات أخرى غير ما يصنع في مصر، ومصطلح "السينما النظيفة" مضلل للغاية، ولا شيء يسمى هكذا، السينما فن وصناعة، لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره، وأي محاولة للعمل بهذا الشيء، فالناتج سيكون مسخاً وليس فناً؛ لأنّ السينما في جوهرها خطاب للمجتمع، وليس خطاباً لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين.

للمشاركة:

الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

2020-01-14

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

للمشاركة:

العلّامة الشيخ محمد العاملي لـ "حفريات": إيران شوّهت الدين وخرّبت السياسة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-08

أجرى الحوار: كريم شفيق


يرى العلّامة الشيعي اللبناني، محمد علي الحاج العاملي؛ أنّ إيران شوهت الدين وأفسدت السياسة، لافتاً إلى أنّ الوضع السياسي اللبناني في مرحلة تغيير حقيقية، تستهدف الطبقة السياسية الحاكمة، التي قامت سلطتها بناء على اتفاق "الطائف"، في المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وما ترتب عليهما من قيام نظام حكم طائفي، ينهل من المحاصصة الطائفية.

الاحتجاجات ساهمت في فضح مفاسد السلطة، في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة

ويوضح العاملي، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ الاحتجاجات التي شهدتها بيروت وبغداد، تسعى نحو تقويض مفهوم تطييف السياسة، وإلغاء نفوذ طهران الأيديولوجي والأمني والعسكري في المنطقة، واستعادة حقوق المواطنين المنهوبة، تحت وطأة الصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب الذي يهدر الأموال على الحروب وصناعة الميليشيات.
ويطالب االشيخ الشيعي اللبناني الدولة في لبنان بإلغاء المحاكم الجعفرية، وإعادة النظر في منظومة القيم القانونية والفقهية السائدة، التي تحتاج إلى التحديث والتطوير، إضافة إلى استعادة الدولة لسيادتها المتآكلة، بغية تطوير وبلورة مفهوم دولة القانون، وردم الهوة بينها وبين المواطنين، على أساس قيم المواطنية والمدنية؛ حيث لا تدع ثمة فرصة إلى الأحزاب الطائفية، كحركة أمل وحزب الله، لتمارس التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وتعمل على احتكاره.

وهنا نصّ الحوار:

ثمّة مقاربات عديدة تجري حول الاحتجاجات في بيروت وبغداد وارتباطها بالتوغل الإيراني عبر وكلائها المحليين في كلا البلدين، الأمر الذي ترتّبت عليه جملة من الأوضاع المتردية سياسياً واجتماعياً وأمنياً؛ كيف تفسّر لنا هذا الحال لو اتفقت معه؟
لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام؛ حيث إنّ تجربة الإسلاميين الشيعة في لبنان والعراق لا تتشابه تحدياتها الراهنة فحسب، بل إنّها تجربة تزامنت فترة نشوئها في كلا البلدين، كما يمكننا إضافة الجانب الإيراني لهما أيضاً؛ حيث الارتباط الوثيق بين هذه المحاور الثلاثة، وهذا أمر غير خافٍ على أحد، وبنظرة فطرية بريئة، نرى أنّ الاحتجاجات هي أضعف الإيمان، وليس من داعٍ للتدليل على أحقية مطالب الناس المعترضة، بعدما تخطّت السياسة الإيرانية كلّ الخطوط الحمر، بتجاوزاتها في تعاطيها بالشؤون الداخلية اللبنانية والعراقية، بل والسورية أيضاً.

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة الدينية في إيران.. هل يحتضر نظام الملالي فعلاً؟
وعلى كلّ حال، هناك قاسم مشترك في سلسلة الاحتجاجات التي تريد كسر الهيمنة الإيرانية، وسطوتها على القرار السياسي في بعض العواصم العربية، مثلما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن؛ حيث رفض إهدار الأموال في الحروب الخارجية، والصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب لتدشين الميليشيات، وصناعة الأزمات الطائفية، بينما تعيش الشعوب والمجتمعات، في طهران كما في غيرها، تحت وطأة خطاب سياسي وأيديولوجي زائف، وتعاني من البطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية والصحية، مما أفقد خطابها الإقليمي والمحلي مصداقيته وشرعيته.

 

 

في ضوء ذلك، هل ترى فعلاً أنّ نظام الولي الفقيه استطاع في بيروت وبغداد مثلاً ابتلاع الطائفة الشيعية، وتقديم نفسه باعتباره الممثل لهم سياسياً، وتعبئتهم في خطابه الأيديولوجي والاستحواذ عليهم من خلال تطييف السياسية وتوظيف الرأسمال الرمزي للدين؟

نجحت إيران بالتغلغل إلى عمق المجتمعات الشيعية في العديد من الدول، رغم عدم تمكنها من إحكام السيطرة على كامل مفاصل المجتمع الشيعي، وأبرز ما تجلت قوتها فيه هو الفصيل العسكري في لبنان، وهذا الشأن لا يمكننا اعتباره إيجابياً بالكامل، بل هو سيف ذو حدين، بأحد وجوهه مصدر قوة لإيران، لكنّه بالعمق يمثّل وبالاً عليها وعلى أتباعها.

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين

كما يعاني اللبنانيون، رغم توقيع الفرقاء على اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أزمة داخلية سببها الصراع على السلطة، والمكاسب السياسية والمغانم المادية، من أزمة محتدمة ومتفاقمة في ظلّ تطييف السياسة، ومسألة المحاصصة الطائفية التي حوّلت السياسة لعملية إقطاعية، تقتات من المذهبية، وكون الشيعة جزءاً من الكيان اللبناني فإنّ معاناتهم مزدوجة، في ظلّ سيطرة هذا الواقع وتلك الحالة.
ويمكن القول، من جهة ثانية؛ إنّه كان يمكن لإيران أن تقتصر على علاقات سياسية واجتماعية وثقافية مع البعض، ولكان ذلك مصدر قوة حقيقي، لكن أهدافها التوسعية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لبلداننا، مع إنشائها لمجموعات وفصائل عسكرية وأمنية، انعكس سلباً علينا، كما أنّه حدّ من وطنية وقيمة المجموعات المرتبطة بها.

اقرأ أيضاً: الحوثيون وطهران: كيف أصبح اليمن مجالاً لحركة النشاط الثوري الإيراني؟

واللافت أنّ محاولات عدة سعت لتدشين أكثر من حراك، بهدف التغيير، وهي محاولات إصلاح داخل البيت الشيعي، خاصة في الفترة التي تلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، إلا أنّ الفريق الشيعي اللبناني ظلّ بعيداً ومتخلفاً عن بقية الأطراف اللبنانية، في ثورتها ضدّ الوجود السوري في لبنان؛ حيث قامت شخصيات شيعية متنوعة، تتفق على أمر واحد، وهو مناهضة توجه الثنائي الشيعي، المتحالف مع النظام السوري وإيران، حركة أمل وحزب الله، بمحاولة الإصلاح والتغيير؛ حيث قاد هذه المحاولة "اللقاء الشيعي اللبناني"، الذي تشكل بعد اغتيال الرئيس الحريري، عام 2005، وأطلق وثيقة تأسيسية بالكلية العاملية، في بيروت، برعاية العلّامة السيد محمد حسن الأمين، وحضور حشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، والعاملين في الشأن العام.
الاحتجاجات في لبنان وتحديداً في الجنوب والنبطية والضاحية وهي مناطق تمركز حزب الله وحاضنته الاجتماعية؛ هل تبرز في رأيك تآكل لقاعدته الشعبية وفقدانه الشرعية؟

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان: من يقتل الشيعة؟
واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، وأنّ الوعي في تزايد، فالانحدار في طور مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام، وفيما يخصّ حالات الاحتجاجات في المناطق الشيعية، سواء في الجنوب اللبناني أو في البقاع، فإنّها لا تعبّر عن كلّ الواقع ومجرياته؛ إذ تمّ قمعها في بعض الأماكن، والسيطرة عليها ولجمها في أماكن أخرى.

ومن الضروري أن ننتبه إلى أنّ القوة الظاهرية للشيعة في لبنان، تعود حصراً بسبب الهيمنة السياسية لحزب الله، وقوة السلاح الذي بحوزته، لكن ثمة ضعف يتغلغل في العمق الشيعي عبر العجز الذي تعاني منه مؤسساته الدينية والثقافية والاجتماعية، فضلاً عن التراجع الذي يتحكم في نشاطها؛ فقوة الثنائي الشيعي في لبنان وأدوارهما السياسية والميدانية أضعفت عن عمد باقي المؤسسات، وألغت فعاليتها وأدوارها، حيث يبقى طرف واحد فقط هو المعبر عن الشيعة سياسياً واجتماعياً.
لكن هناك بعض الأنشطة التي نسعى لأن نتيحها في ظلّ هذا المناخ الصعب والمعقّد للعب دور إصلاحي، وبهدف تغيير الواقع القسري، منذ حوالي أربعة عقود، وفي الفترة بين اختطاف السيد موسى الصدر، وانتصار الثورة في إيران.

ماذا عن وضع اتفاق الطائف في ظلّ تعالي الأصوات المنددة بالمحاصصة الطائفية والإقطاع السياسي وفساد النخبة الحاكمة والرغبة في قوانين مدنية للفكاك من سيطرة الطائفة وقوانينها؟
الطائف ليس مقدساً، والنظام السياسي الطائفي الراهن من أسوأ ما يكون، والمفترض البحث جدياً عن نظام مدني بالكامل، بما فيه اعتماد نظام موحّد مدني إلزامي للأحوال الشخصية، وفكّ ارتباط السلطة اللبنانية بكلّ المؤسسات الدينية اللبنانية، حيث إنّ الثنائي الشيعي نجح في تشويه صورة رجالات الشيعة القدامى، سواء كانوا من رجال الدين أو السياسيين، لكنّ الصورة التي رسمها هذا الثنائي لأسلافهم من قادة الطائفة، قد تغيّرت وتبدّلت إلى النقيض مع تجربتهم في الحكم، خلال المرحلة الماضية.

اقرأ أيضاً: لبنان واجتثاث الطائفية
وتنبغي الإشارة إلى أنّ القوى المدنية والشعبية في المجتمع اللبناني، باتت تدرك في ظلّ الحراك الراهن، أنّ قيم المواطنية والمدنية هي وحدها السبيل لعزل الطبقة السياسية الحاكمة، وإلغاء مصادر شرعيتها؛ حيث أطالب الدولة اللبنانية في كلّ مساهماتي الفكرية ومشاريعي الإصلاحي بتعقّب مناطق الخلل، والقيام بواجباتها المنسية، والتي تعاني تحت وطأتها من الانفلات وعدم الانضباط، كوضع حدّ للاحتراب الأهلي والصراع الطائفي، التي تتوافر كلّ شروطه، إضافة إلى منع الخطاب التحريضي الذي ينتشر في أكثر من طائفة، وفي أكثر من منطقة، فما المانع من أن تضع الدولة حدّاً لرجال الدين الذين يثيرون العصبيات والفتن؟
كما ينبغي على الدولة منع انتشار السلاح، على مستوى كلّ الوطن دون استثناءات؛ حيث تنتشر في لبنان الأسلحة على أنواعها وبكلّ المناطق.

سبق وتحدثت عن الفساد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ ما هي أبرز مصادر وأشكال الفساد ومن المسؤول عن حمايتها من المساءلة والنقد والحساب؟

في الأساس؛ وجود هذا المجلس هو خطأ، وليس من حاجة إليه، ولا يؤدي أيّ دور إيجابي، بل تنحصر وظيفته، هو وغيره من المؤسسات الملية في ترسيخ النظام الطائفي.
ويمكن الكشف عن فساده على أكثر من مستوى، منها تعطيل الانتخابات العامة، منذ أكثر من أربعين عاماً؛ حيث أعاد رئيس المجلس تعيين نفسه بنفسه وهو فوق السنّ القانونية، ومن ثم تعيين ابنه خلفاً له، وهي ممارسات لا تخضع للقوانين التي تحكم عمل مؤسسات المجلس، بشكل عام، والإفتاء الجعفري والقضاء الجعفري، بشكل خاص، وقد رصدت لهما الدولة مبالغ من ضرائب المكلف اللبناني، بلغت عام 2018 أكثر من 29 مليار ونصف مليار ليرة لبنانية، مما يجعلها خاضعة للمساءلة والمحاسبة من قبل أيّ مواطن لبناني.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يعرفون من أوصلهم للتسول
كما أنّ عمل تلك المؤسسات يبدو منحازاً لجهات شيعية ضدّ أخرى، وتعمد إلى التفريط بأوقاف وممتلكات الطائفة وغيرها، وبينما نصت المادة 174 من قانون الملكية العقارية على أنّه "لا يجوز بيع العقار الموقوف ولا يجوز التنازل عنه لا مجاناً ولا ببدل، ولا انتقاله بطريق الإرث، ولا يجوز رهنه، أو إجراء تأمين عليه"، إلا أنّه قد حصل بيع للعديد من المساجد والأوقاف.
وسبق أن طالبت مؤسسات الدولة الرقابية والنيابة العامة المالية التحرك لمحاسبة المتسببين بإهدار المال العام، كما وجّهت بضرورة استثمار أموال الأوقاف في مواردها، والاهتمام بشؤون الفقراء والمساكين، فضلاً عن إلغاء الوظائف التي لا طائل منها، حفاظاً على المال العام، مثل وظيفة "مدرسي الفتوى" التي يشغلها عشرات الأشخاص دون أن تكون لها أيّة صلاحية أو منفعة.

 

 

هل يمكن القول إنّ الكتلة الشيعية متجانسة وتتعاطى كلّها مع وجهة النظر السياسية التي تؤيد المواقف لحزب الله وإيران ونظام الجمهورية الإسلامية؟
المجتمع الشيعي اللبناني غني جداً، وفيه كثير من الكفاءات والطاقات، وقد يبدو للوهلة الأولى أنّه من لون واحد، لكن بنظرة فاحصة دقيقة يظهر العكس، ويتضح أنّ عوامل القوة التي يحظى بها البعض تجعل الأمور تبدو وكأن السيطرة تامة على الشيعة بلبنان، وهنا لا ينبغي تجاهل الدور السلبي للطوائف غير الشيعية، التي تساهم بشكل وازن وكبير ومباشر، عن قصد أو بدونه، في بلورة الأحادية لدى الشيعة، بل يمكننا القول إنّهم يساهمون في توجيه الشيعة لتوثيق الارتباط بإيران.
قبل الجمهورية الإسلامية كانت تتعدّد المرجعيات الدينية الشيعية في الفقه والسياسة، وذلك قبل أن يؤبّد الخميني مرجعية الولي الفقيه فجرى تأميم باقي الآراء الحوزوية لحساب السياسة وتعرض المخالفون للاعتقال أو القمع إلى أيّ حدّ أصاب العمى السياسي والأيديولوجي واقع الشيعة على مستوى الفكر والممارسة؟
قبل انتصار الثورة في إيران واتجاهها لتأسيس كيان ديني سياسي، كانت حوزة جبل عامل، بالحدّ الأدنى، تتمتع بجملة مواصفات علمية وفكرية مميزة، منها الانفتاح وإعمال العقل، والتنوع، والمستوى العلمي الرفيع، وكلّ هذه الأمور تلاشت مع نشر الثقافة الإيرانية. والانحراف الكبير كان بزجّ الدين في السياسة، الأمر الذي شوّه الدين وخرّب السياسة، ثم كانت الأحادية في الزعامة الدينية، وفي هذا الإطار شهدنا سياسة قمع واضطهاد لعدد من كبار العلماء والمراجع في إيران.
ويبقى المطلوب هو السعي نحو الفصل التام بين السياسة والدين، وتالياً ينتفي الكلام حول ولاية الفقيه من أساسه، فإنّه ليس من المطلوب أن يكون للفقيه أيّ دور سياسي إطلاقاً، بوصفه فقيهاً، أما كمواطن فله الحقّ التام بممارسة دوره المواطني.

 

 

 

هناك حركة حقوقية نسوية في لبنان ضدّ أحكام المجالس الشيعية والمحكمة الجعفرية والتي تتصل بوضع المرأة وحضانتها لأطفالها؛ ما هو، في رأيك، السبيل كي تسترد المرأة حقّها المسلوب ومدى ضرورة تعديل هذه الأحكام التي تبدو مجحفة؟
سبق أن طالبت بإلغاء المحكمة الجعفرية، فالمشكلة تكمن بكون المحكمة الجعفرية في لبنان لم تطور نفسها إطلاقاً، هذا في الوقت الذي يتحدث فيه الشيعة عن كون مذهبهم مذهباً يفتح باب الاجتهاد، وفي الواقع ثمة جمود عقائدي يتمثل في الالتزام بحرفية النصوص، دون أيّة محاولة للتجديد في فهم هذه النصوص بما ينسجم مع روحية العصر.

اقرأ أيضاً: "حزب الله" يتلاعب بديمقراطية لبنان
كما أنّ تأسيس المحاكم الجعفرية في لبنان له خصوصية تاريخية؛ حيث جاءت منسجمة مع طبيعة النظام اللبناني الذي سمح لكلّ طائفة بأن تكون لها قوانينها وأحكامها "الطائفية"، وتنظيم أحوالها الشخصية بحسب المذهب، فلم يكن تأسيس المحكمة الجعفرية بطلب من علماء الشيعة.
والأصل في الأمور؛ أنّ علماء الشيعة كانوا يرفضون دوماً تولي منصب القضاء الشرعي، ومن المعروف أنّ رئاسة محكمة التمييز الجعفرية، قد عرضت على الشيخ حسين مغنية، في العشرينيات من القرن الماضي، لكنّه رفضها، ولذا لا نلاحظ أيّ اهتمام بالقضاء، بشكل كبير، من جانب علماء ومراجع الشيعة.

اقرأ أيضاً: الثورة اللبنانية والتنانين الأربعة
وفي كلّ الأحوال؛ نحن بصدد جهاز قضائي لم يتم تطوير أجهزته وقوانينه، فضلاً عن القيم التي يحكم بها؛ إذ تنبغي إعادة النظر بالمنظومة التي يحتكم إليها في المجمل، رغم أنّ تنظيم القضاء الشرعي، صدر منذ أكثر من نصف قرن، وتحديداً في العام 1962، إلا أنّ الشيعة لم يشعروا قبلها بأيّ خلل أو ضعف.

واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، فالانحدار مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام

وأخيراً، يمكن القول إنّ تأسيس محكمة شرعية ضمن المجلس الشيعي هو أمر في غير مكانه، وهناك حالات تفلت عديدة في الإطار نفسه؛ حيث صار لدينا مكتب شرعي في مؤسسة السيد فضل الله، ومكتب شرعي للشيخ النابلسي في صيدا، وهذا أمر يعكس فوضى وانفلاتاً شديدين.
وفي تقديري؛ يجب تطوير أنظمة محاكمنا الشرعية، كما يجب إغلاق المحاكم الخاصة، والإبقاء على محكمة الدولة الرسمية، خاصة بعد أن تراكمت حالات تعسف وظلم كبيرين تعرضت لهما المرأة، فيما يتعلق بحقوقها بعد الطلاق، وحرمانها القسري من رؤية الأطفال، وفي ظلّ غياب الثقافة الشرعية ليست هناك ضمانات للمرأة لحفظ حقوقها، كمثل أن تكون وكيلة نفسها في أثناء عملية الطلاق، على سبيل المثال.

هل تقبل بقانون مدني للأحوال الشخصية بدلاً من المحاكم الشرعية وقوانينها باعتبارها ضمن الميراث السياسي لحكم الطائفة وهيمنتها المذهبية على أفراده؟

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين، كما أشرت سابقاً، بل أكثر من ذلك؛ فقد أكون العالم الديني المسلم الوحيد في لبنان الذي طالب بالنظام المدني الإلزامي، وقد بتّ ألحظ وجود صدى في الوسط الديني الإسلامي، آخذاً بالنمو شيئاً فشيئاً، ولو أنّه ما يزال في طوره البدائي؛ حيث إنّ شؤون الأحوال الشخصية هي من التنظيمات الاجتماعية التي لنا أن نجتهد في تعديلها وتطويرها بما يتلاءم مع مصلحة البشر، ونظامنا الراهن، الذي يطلق عليه أنّه نظام ديني، بينما هو في حقيقته أبعد ما يكون عن فهم روحية الدين، نتيجة تعقيداته.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. هل يوثر في تشكيل الحكومة اللبنانية؟
في حين أننا نرى أنّ النظام المدني أكثر انسجاماً مع روحية الفكر الإسلامي؛ لذا فإننا لا نترك مناسبة إلا وندعو فيها لإلغاء هذه المحاكم من أساسها.
كما لا يخفى على أحد أنّ الذهنية السائدة في مجتمعاتنا هي ذهنية ذكورية بامتياز، وتأثيرات هذه الذهنية لا يسلم منها بعض رجال الدين، إذا لم يكونوا أكثر ذكورية أحياناً من سواهم! وهذا ما يؤدي لهذه الحساسية الراهنة لدى الجمعيات النسوية، مثلاً، التي في رأينا تقوم بدور جليل، ولا شكّ في أنهنّ سيصلن إلى مبتغاهن، وفي تقديري، سنشهد حركة إصلاحية جراء الانتفاضة الشعبية الحالية بلبنان.

بين 7 أيار عام 2008 و2019، في الأولى احتلّ حزب الله بيروت واقتحم مقرات حزب المستقبل وغطى تمثال رفيق الحريري بأعلام الحزب، ثم محاولاته الأخيرة لبعث تلك المشاهد من خلال الاعتداءات المتكررة والمنفلتة على المتظاهرين لإرهاب المتظاهرين؛ ما هو الثابت والمتحول في المشهدَين، مع الوضع في الاعتبارين السياقَين التاريخي والإقليمي في اللحظتين؟

هذه مساوئ متوقعة من الأحزاب العسكرية التي تحاول العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية؛ فتنطلق من قوتها العسكرية لتفرض نفسها سياسياً، وهذا ما حصل بالفعل، والفارق بين المشهدَين أنّه في السابق كان يمكن إعادة ترتيب الأمور، فقد كان وضع الطبقة الحاكمة مقبولاً إلى حدّ ما، أما اليوم فالانهيار يصيبها بالصميم، وهي آيلة للسقوط، والشعب لم يعد يتحمل الفساد والابتزال السياسي، وفي هذا الجوّ المشحون بالعداء والسلبية، جاء الاعتداء على المتظاهرين السلميين، الذين ينتفضون بشكل حضاري.

اقرأ أيضاً: العراق هدف أمريكا وإيران
وإذا كان ٧ أيار موجهاً ضدّ فريق سياسي واحد؛ فإن مواجهة المتظاهرين اليوم تشكل تحدياً للشعب اللبناني بأكمله، ولن يلتئم هذا الجرح الوطني في المدى المنظور.
ناهيك عن تبدل المعطيات الخارجية، التي لم تعد لصالحهم إطلاقاً، انطلاقاً من وضع إيران الذي لا تحسد عليه، مروراً بأزمة سوريا التي ترخي بظلالها على هذا المحور، وليس انتهاء بتفاقم الأزمات المحلية اللبنانية؛ وكلّ هذا مرشح ليترجم على أرض الواقع في القريب العاجل.
برأيك؛ ما سيناريوهات الاحتجاجات ومآلاتها في بغداد وبيروت في ظلّ الأوضاع الإقليمية المعقدة؟ وهل سيتقلص نفوذ طهران أم ستراجع ذاتها؟
من الصعوبة بمكان تحديد إجابة، فما تزال الأحداث بالشارع تجعلنا نتفاجأ بمآلات ونتائج جمة، لكن من الواضح أنّ مشهد العنف سيتفاقم، والأطراف جميعها لا تتراجع عن مواقعها، وبمعزل عن تقييم التظاهرات، وعن الحديث عن إمكانية نجاحها، لكنها حققت الكثير من الأهداف، وساهمت في فضح مفاسد السلطة، سواء في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة.

للمشاركة:



مكافأة لمن يقتل ترامب.. من وراءها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

أعلن نائب إيراني عن مكافأة قدرها ثلاثة ملايين دولار لمن يقتل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

وقال النائب أحمد حمزة؛ "بالنيابة عن شعب إقليم كرمان، سندفع مكافأة ثلاثة ملايين دولار نقداً، لمن يقتل ترامب"، وفق ما نقلت "رويترز" عن وكالة أنباء الطلبة "إسنا".

 

 

ولم يوضح حمزة عمّن صدر هذا القرار، علماً بأنّ كرمان هي مسقط رأس قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي قتل بضربة طائرة أمريكية مسيرة في العراق، في الثالث من كانون الثاني (يناير) الجاري.

وقال إنّ إيران كانت ستصبح محصنة أمام التهديدات، لو كانت تملك أسلحة نووية، مضيفاً أنّه يتعين عليها صنع صواريخ برؤوس حربية "غير تقليدية".

نائب عن مسقط رأس قاسم سليماني يعلن عن مكافأة قدرها ثلاثة ملايين دولار لمن يقتل الرئيس الأمريكي

ويتهم الغرب طهران، منذ وقت طويل، بالسعي لتطوير أسلحة نووية، لكنّ رجال الدين الذين يتولون الحكم في البلاد ينفون ذلك باستمرار، قائلين؛ إنّ "أغراض البرنامج النووي الإيراني سلمية بحتة".

وكان التلفزيون الرسمي الإيراني قد أعلن عن مكافأة قدرها 80 مليون دولار مقابل رأس الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في أعقاب اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وهذا العرض مقابل رأس الرئيس الأمريكي يعكس الجنون الإيراني للاستمرار فى أعمال الإرهاب والقتل والتخريب، حيث إنّ الأطماع الإيرانية في تحقيق دولة الخلافة المزعومة تغلق أعين قادة طهران عن الحقائق، وهي أنّ جنرالات الحرس الثوري يقودون ميليشيات إرهابية لتحقيق أهداف غير مشروعة للولى الفقيه، الأمر الذي أثار انتقادات عالمية وحقوقية للحملة الإيرانية الدموية.

وخلال الجنازة التلفزيونية التي شيّع فيها الإيرانيون، الجنرال قاسم سليماني، قال مذيعون رسميون؛ إنّ دولاراً واحداً سيُخصص من كلّ إيراني في البلاد، مع تحويل هذه الأموال إلى من يقتل الرئيس الأمريكي، وأضاف المذيعون، بحسب تقرير نشرته صحيفة "ميرور" البريطانية: "إيران بها 80 مليون نسمة، استناداً إلى السكان الإيرانيين، نريد جمع 80 مليون دولار، وهي مكافأة لأولئك الذين يقتربون من رأس الرئيس ترامب".

 

 

 

للمشاركة:

اعترافات وحيل إيرانية جديدة تتعلق بالطائرة الأوكرانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

اعترفت منظمة الطيران المدني الإيرانية؛ بأنّ صاروخَين أطلقا باتّجاه الطائرة الأوكرانية التي أُسقطت في وقت سابق هذا الشهر، وفق تقرير صدر عن التحقيقات الأولية، ونشر على موقع الهيئة، في وقت متأخر أمس، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وأفاد التقرير بأنّ "المحققين اكتشفوا أنّ صاروخين من طراز (تور - إم1) أطلقا باتّجاه الطائرة"، مضيفاً أنّ التحقيق ما يزال جارياً لتقييم تأثيرهما.

منظمة الطيران المدني الإيرانية تعترف بأنّ صاروخين أطلقا باتّجاه الطائرة الأوكرانية المنكوبة

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد نشرت، الأسبوع الماضي، لقطات مصورة سجلتها كاميرا أمنية، تظهر إصابة صاروخين إيرانيين الطائرة الأوكرانية المنكوبة، بفارق 30 ثانية بينهما، بعد إقلاعها من طهران، في الثامن من يناير (كانون الثاني) الجاري.

إلى ذلك، بادرت الخارجية الإيرانية إلى حيلة جديدة للتهرب من دفع قيمة التعويضات كاملة إلى ضحايا الكارثة.

الحيلة الجديدة وردت في تصريح صحفي متلفز، أمس، لعباس موسوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قال فيه: إنّ "إيران تعتبر مزدوجي الجنسية من ضحايا حادث تحطم الطائرة الأوكرانية مواطنين إيرانيين".

ولجأ المسؤول الدبلوماسي إلى هذه الحيلة، لأنّ "الحكومة الإيرانية لا تعترف بـالجنسية المزدوجة لمواطنيها، وتعتبرهم إيرانيين في المقام الأول".

الموقف الإيراني، الصادر رداً على مطالب تعويض جميع ضحايا الطائرة الأوكرانية، جاء بعد وجود عدد كبير من ضحايا الطائرة، والبالغ عددهم 176 شخصاً، من أصل إيراني ويحملون جنسية أخرى، ضمنهم 57 كندياً.

إيران تحاول التهرب من دفع التعويضات إلى ضحايا الطائرة باعتبار مزدوجي الجنسية إيرانيين

وقال موسوي، في لقائه الصحفي: إنّ السلطات الكندية على علم باعتبار طهران مزدوجي الجنسية الذين قتلوا في تحطم الطائرة مواطنين إيرانيين.

وبذلك، تدفع طهران إلى تقليص عدد ضحايا الطائرة الأوكرانية المستحقين للتعويضات المادية، تلبية للدول التي طالبت بتعويض أهالي الضحايا.

وكانت خمس دول متضررة من حادثة الطائرة الأوكرانية في إيران، وهي: كندا وأوكرانيا والسويد وأفغانستان وبريطانيا، قد طالبت إيران في بيان صدر عقب اجتماع لمسؤوليها في لندن، الخميس، بدفع تعويضات لعائلات الضحايا وإجراء "تحقيق دولي شامل ومستقل وشفاف" بشأن الحادث.

 

 

للمشاركة:

المبعوث الأممي يكشف سبب دعوة أردوغان لمؤتمر برلين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

كشف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، سبب دعوة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لحضور مؤتمر برلين حول ليبيا.

 

 

وقال سلامة: حضور أردوغان لقمة برلين جاء بسبب تهديده بإرسال مرتزقة سوريين إلى ليبيا، مؤكداً أنّ "الرئيس التركي تعهّد في البند الخامس من بيان مؤتمر برلين، مثل غيره، بعدم إرسال قوات أو مرتزقة إلى ليبيا".

غسان سلامة: حضور أردوغان لقمة برلين جاء بسبب إرسال مرتزقة سوريين إلى ليبيا

وأكّد سلامة، في حوار مع قناة "218" الليبية؛ أنّه يستطيع الآن محاسبة أردوغان بعد توقيع الاتفاق، إن استمر في إرسال المرتزقة السوريين إلى ليبيا والقوات التركية.

وعن مذكرتَي التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق؛ أوضح سلامة أنّ مذكرة التفاهم الأمنية عقّدت بعض الأمور في ليبيا وزادت من التصعيد، بينما تمس مذكرة التفاهم البحرية مصالح دول أوروبية، لا سيما قبرص واليونان.

سلامة بعد توقيع الاتفاق نستطيع الآن محاسبة أردوغان إن استمر في إرسال القوات إلى ليبيا

وأكّد المبعوث الأممي؛ أنّ المذكرة الأمنية قد تتأكد أو تُلغى من قبل دولة ليبية موحدة، في حين مصير مذكرة التفاهم البحرية تحدده محكمة العدل الدولية؛ لأنّ ليبيا وتركيا لم توقعا على معاهدة اتفاق البحار.

وكشف سلامة؛ أنّ هناك مشروع ستتقدم به البعثة الأممية إلى لجنة (5+5) بهدف إخراج كلّ المقاتلين الأجانب من ليبيا، وهذا يشمل السوريين والآلاف غيرهم، وقال" "الآن لدى الليبيين مظلة دولية لفترة من الزمن، وفي حال أسرعوا في المسارات الثلاثة فهم الرابحون".

 

للمشاركة:



خطبة خامنئي النادرة في صلاة الجمعة تعكس أربعة مصادر قلق مُلحة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

مهدي خلجي

في 17 يناير، أمّ المرشد الأعلى علي خامنئي صلاة الجمعة في طهران، للمرة الأولى منذ ثماني سنوات. وتزامن قراره بترأس الشعائر الدينية ـ السياسية التي تكتسي أهمية مع احتجاجات شعبية جديدة انطلقت بعد أن أقرّ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بإسقاطه عن طريق الخطأ طائرة أوكرانية الأسبوع الماضي.

وكان النظام قد تنصّل سابقا من مسؤوليته عن الحادثة، ليعود ويغيّر موقفه بسبب ضغوط دولية هائلة. وانصب تركيز خامنئي الآن على السيطرة على الأضرار قبل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها الشهر المقبل.

الدور السياسي لصلاة الجمعة
تحمل إمامة صلاة يوم الجمعة في العاصمة رمزية خاصة. وتكون مخصصة عادة إلى لحظات ترغب خلالها أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية في إيصال رسالة مهمة إلى الشعب. إن الدور السياسي (والمسرحي) لهذا الطقس الديني مثبت بواقع أنه يُطلب ممن يؤم الصلاة التلويح بسلاح بغية التركيز على القوة العسكرية للبلاد والموقف المتصلّب تجاه الأعداء.

ووفقا لأيديولوجيا النظام، يتمتع المرشد الأعلى بالسلطة الحصرية على هذه الشعائر، بما في ذلك الحرية بأن يؤمها بنفسه أو يوكل الأمر إلى ممثل له. وتاريخيا، كلّف القادة في الجمهورية الإسلامية والخلفاء السابقون رجال دين أوفياء يتمتعون بمهارات خطابية مبهرة بهذه المهمة.

يُذكر أن آية الله روح الله الخميني، سلف خامنئي، لم يؤم الصلاة بنفسه يوما، بل كلّف عددا من الأتباع بذلك. في المقابل، عيّن خامنئي ستة رجال دين ليكونوا "أئمة مؤقتين لصلوات أيام الجمعة" خلال ولايته، لكن من دون التخلي عن حقه في تأدية هذا الدور متى اعتبر الأمر ضروريا.

وفي آخر مرة قدّم فيها خامنئي خطبة يوم الجمعة في الثالث من فبراير 2012، فعل ذلك استجابة للضغوط الاقتصادية المتنامية محليا ولقرار الحكومة بالتفاوض مع واشنطن بشأن البرنامج النووي. ومن بين رسائل أخرى، حذّر من أن واشنطن غير جديرة بالثقة قائلا: "يجب ألا تخدعنا ابتسامة العدو ووعوده الكاذبة... نميل أحيانا في البداية إلى التصديق ولكننا ندرك تدريجيا ما الذي يجري وراء الكواليس... إنهم يخلّون بوعودهم من دون خجل". كما تناول مسائل مرتبطة بالانتخابات البرلمانية التي جرت بعد خطبته ـ وهو وضع ينطبق على تعليقات هذا الأسبوع أيضا.

لماذا الصعود إلى المنبر الآن؟
حين أعلن "الحرس الثوري" الإيراني في نهاية الأسبوع الماضي مسؤوليته عن حادثة إسقاط طائرة الرحلة 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية الدولية قبل ذلك بثلاثة أيام، خرج الناس في طهران ومدن أخرى إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من النظام ـ ليس فقط لتسببه بمقتل 176 مسافرا، ولكن أيضا بسبب كذبه بشأن حادثة الثامن من يناير إلى أن تمكنت الضغوط من كندا والسويد وأوكرانيا وغيرها من الجهات الفاعلة من انتزاع اعتراف على مضض. وكان خامنئي نفسه قد اضطلع بدور في حملة التغطية هذه، متجاهلا حتى ذكر تحطم الطائرة في تعليقات علنية أدلى بها بعد الحادثة.

في البداية، انصب تركيز النظام على إطلاق حملة إعلانية كبيرة من أجل البناء على الهجوم بالصواريخ البالستية على قواعد عراقية تضمّ قوات عسكرية أميركية. وكان قد شنّ هذا الهجوم قبل ساعات من إسقاط الرحلة رقم 752 عن طريق الخطأ، وانتقاما لإقدام الولايات المتحدة على اغتيال قائد "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني.

وربما اعتقد القادة الإيرانيون أن قول الحقيقة بشأن تحطم الطائرة على الفور كان سيقوّض جهودهم لاستغلال الغضب الشعبي إزاء الولايات المتحدة إثر اغتيالها سليماني، مما سيُفسد بالتالي مسرحيتهم الانتقامية ويكذّب النظام.

وعليه، بدلا من شرح حادثة التحطم، نشرت وسائل الإعلام الحكومية صورا لخامنئي وهو يشرف شخصيا على الضربة التي استهدفت القواعد العراقية، مصورة إياه كقائد عسكري قوي وذكي ردّ بشجاعة على العدو من أجل حماية شعبه.

لكن سرعان ما تحوّل الحداد الوطني على سليماني إلى غضب على خامنئي، وهو شعور فجرته الإعلانات الأجنبية بشأن حادثة التحطم والبيانات المتناقضة الصادرة عن قادة "الحرس الثوري" وحكومة الرئيس حسن روحاني وكذلك عدم رغبة النظام في تحميل أي من المسؤولين رفيعي المستوى مسؤولية هذه المأساة.

وقد أفسد هذا التحوّل الجذري في المواقف العامة إلى حد كبير الجهود المركّزة التي بذلتها الدولة لحشد الناس للتنديد باغتيال سليماني ونقل صورة تُظهر شعبية وقوة محلية.

ومن خلال إمامة صلاة الجمعة في مثل هذه البيئة المشحونة، سعى خامنئي إلى معالجة أربعة مصادر قلق رئيسية. أولا، يبدو أن النظام يدرك حاليا أنه كان لمقاربته الخادعة والمهينة إزاء مأساة الطائرة تأثير غير مقصود بإهانة عوائل الضحايا وانتهاك كرامتهم كمواطنين وإثارة الصدمة والغضب في أوساط الإيرانيين من كافة التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

كما أن الكثير من الناس الذين اعتادوا سابقا دعم سياسات النظام بدون قيد أو شرط يجدون صعوبة الآن في تصديق مزاعمه ومسامحته على سلوكه، الأمر الذي يخلق فجوات واسعة في أوساط قاعدة قوته الاجتماعية ونخبته الحاكمة.

وبخلاف احتجاجات البنزين التي اندلعت خلال نوفمبر الماضي، تبيّن حتى الآن أنه يتعذر إصلاح الخطأ في السياسة الذي أجج الاضطرابات الحالية.

على سبيل المثال، يظهر فيديو مصوّر انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الجنرال في "الحرس الثوري" الإيراني أمير علي حجي زادة وهو يدافع عن قرار النظام بإخفاء الحقيقة لمدة ثلاثة أيام.

فبرأيه، لو أعلنت الحكومة عن خطأها في وقت سابق، لكانت قد أحدثت صدمة في أوساط الجنود وشتتت انتباههم عن واجباتهم الأساسية في وقت يشهد مواجهة حساسة مع الولايات المتحدة.

لكن هذه الحجج لم تهدئ موجة الغضب السائدة. وحتى إذا توقفت هذه الاحتجاجات في نهاية المطاف، سينتاب أنصار النظام الرئيسيون على الأرجح شعورا عميقا بالارتباك والخيانة إثر هذه الحادثة، وهما شعوران قد يصعب تبديدهما.

ثانيا، أمل النظام أن تؤدي حملة القمع العنيفة التي شنها في نوفمبر ومراسم التأبين المهيبة لسليماني في وقت سابق من هذا الشهر إلى إقناع المحتجين بعدم النزول إلى الشارع مجددا.

غير أن مأساة الطائرة أججت مرة أخرى رغبة المحتجين في التظاهر، ليس فقط للتعبير عن غضبهم إزاء الحادثة بل لتكرار مطالبهم الأساسية بالتغيير وإدانة أفعال المرشد الأعلى و"الحرس الثوري" الإيراني.

وكانت شخصيات سياسية عديدة قد دعت علنا إلى استقالة خامنئي نظرا إلى دوره كقائد عام للقوات المسلحة، بمن فيها زعيم "الحركة الخضراء" مهدي كروبي والناشطة فائزة هاشمي ابنة الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني.

ورغم أن النظام قد يشن حملة قمع أخرى أو يزيد حدتها، من شأن هذه المقاربة أن تترافق مع سلسلة عواقب غير متوقعة وحتى قد تُحدث أزمة أكبر. وبالتالي، يواجه النظام معضلة خطيرة ـ فاستعمال العنف على نطاق واسع قد يزعزع الاستقرار، في حين أن التقاعس قد يُحدث الأثر نفسه. وقد لجأ خامنئي إلى صلاة الجمعة لانتهاج مسار وسطي في ظل هذه المعضلة.

ثالثا، خشي المرشد الأعلى على الأرجح أن تؤدي الأزمات والاحتجاجات المحلية المستمرة إلى تعزيز الآمال بتغيير النظام في أوساط "أعداء" إيران، مما يدفعهم إلى زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية.

ومن وجهة نظره، من شأن هذه الضغوط أن تهدف إلى إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف أضعف أو استبدال النظام بحكومة تميل أكثر إلى الغرب. وعليه، فعل كل ما يلزم لإنهاء الاحتجاجات، ولكن دون مفاقمة وضع محرج أساسا أصبح أشبه بالطلاق المرير بين الأمة والدولة.

رابعا، بما أن الجمهورية الإسلامية تعتمد نظاما شبه استبدادي، فلا يزال عليها إجراء انتخابات "لإثبات" شعبيتها وشرعيتها الديمقراطية. وبالتالي، أمل خامنئي في أن ينجح في فصل عملية التصويت البرلمانية المقررة الشهر المقبل عن غضب الشعب إزاء مأساة الطائرة.

وقد عكست خطبته يوم الجمعة والأفعال اللاحقة [التي قد يقوم بها النظام] هذه الأولوية، لتضاف إلى الآلية التقليدية التي تعتمدها الحكومة للتلاعب بنتائج الانتخابات وتشريعها.

ويعتمد النظام هذه الآلية أساسا بشكل كبير ـ فقد انتهج "مجلس صيانة الدستور" بصورة غير علنية هذا النمط القائم على تجريد أعداد كبيرة من المرشحين للانتخابات البرلمانية من أهليتهم وتحديدا أولئك الذين لا يظهرون ولاءهم المطلق بشكل كافٍ للمرشد الأعلى.

ومع اقتراب يوم الانتخابات، سيتلاعب النظام بآليات إضافية لدعم مزاعمه بتسجيل نسبة اقتراع مقبولة (أي أكثر من 50 في المئة).

وقد بدّدت خطبة خامنئي يوم الجمعة كافة هذه المخاوف الملحة دفعة واحدة: تحديدا من خلال التشديد على "التهديد الذي يطرحه العدو"، وسيادة الأمن المطلقة، والأهمية الحيوية لـ "الحرس الثوري" الإيراني في الحماية من هذا الخطر؛ ومن خلال مهاجمة الحملة الإعلامية الدولية "الظالمة" ضد حراس الأمة؛ ومن خلال التحذير من مخططات الولايات المتحدة وأعمالها التخريبية؛ ومن خلال تكرار رفضه التفاوض بسبب انعدام الثقة بالولايات المتحدة؛ ومن خلال تشجيع الناس على المشاركة في الانتخابات.

في المقابل، لم يقم بأي خطوة تنمّ عن تواضع أو مساومة تجاه خصومه الداخليين أو الخارجيين. وقد يشمل موقفه هذا رفض طرد قادة "الحرس الثوري" على أثر حادثة الطائرة، وحتى منع القضاء من محاكمتهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:

سياسة أردوغان والمجتمع الدولي.. مواجهة مبكرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

عبد الحميد توفيق
مخرجات مؤتمر برلين السياسية ستكون بلا شك أول جدران الصدّ الدولي في مواجهة مغامرة أردوغان في ليبيا، وربما إجهاضها لاحقاً.. تفاهمه مع موسكو واحتضان الجانبين للقاء طرفي النزاع الليبيين، دون أن يثمر شيئاً، لم يعد بالإمكان اعتباره سياقاً وحيداً بعد اليوم، فما قبل مؤتمر برلين بالنسبة لمستقبل ليبيا ليس كما بعده حتماً.. موسكو الشريكة لأنقرة؛ والدولة المرشحة للتفاهم الأطول معها أصبحت جزءاً من الحراك الدولي الذي تم تأطيره في برلين عبر بوابة الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى ليبيا، وبالتالي لن يكون بمقدورها أيضاً التفرد مع تركيا بمجريات وخواتيم الوضع الليبي، لأنها ستكون في مواجهة وحدة موقف المجتمع الدولي.. مؤتمر برلين ونتائجه قلصت خيارات أردوغان.. بدا جليا أن جميع المشاركين يناهضون، عملياً وسياسياً، نزعته ومحاولات تفرده بالشأن الليبي.

موسكو ستجد متّسعاً لمصالحها من خلال العمل مع بقية اللاعبين الدوليين تحت راية الأمم المتحدة، وستستثمر كثيراً في القضية الليبية على حساب أردوغان.. لم يكن أحدٌ ينتظر أن يخرج مؤتمر برلين الدولي بشأن ليبيا بأكثر مما خرج به.. دولةٌ مزقتها حروبٌ طاحنة على مدى عقد من الزمن ولا تزال، لن يستطيع يوم عمل دبلوماسي واحد مهما كان المشاركون فيه فاعلين، أن يجترح معجزةً لنقله إلى برّ الأمان والاستقرار من خلال بيان ختامي.

من الطبيعي القول إن كل دولة حضرت مؤتمر برلين وشاركت في صياغة بنود بيانه الختامي ومجريات مشاوراته ومناقشاته كانت مدفوعةً ببواعث وأهداف مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصالحها، وبوحي هذه المصالح لدى كل دولة تجلت المواقف.. على أن الأبرز فيما تضمنه البيان الختامي للمؤتمر لا يكمن في إجماع المشاركين على خارطة طريق لإخراج البلاد والعباد من شرنقة الحرب وحسب، بل في وحدة الموقف الدولي الرافض للتدخل الخارجي ولإرسال المرتزقة والسلاح إلى الأطراف المتقاتلة، وتشكيل لجنة دولية للإشراف على وقف إطلاق النار المقترح، أي لم يعد أمرُ الساحة الليبية حكراً على طرف دون آخر، ولم يعد بإمكان، أردوغان تحديداً، العمل بشكل منفلت على المستويين الميداني والسياسي حيال الوضع الليبي.

صحوةٌ عربية، أوروبية، دولية، في توقيت ملائم؛ حفّزتها نزعة توسعية وسلوك عدواني تركي وضع تفاصيله ونفذ كثيراً منها شخص تضخمت أحلامه وشارفت حدود الانفصال عن الواقع في أماكن وأحايين كثيرة، صحوة يمكن لها أن ترتّب كثيرا من الأعباء على المشروع الأردوغاني وعلى النزعة التوسعية التي وسمت سياسة أنقرة منذ تدخلها واحتلالها لأراضٍ سورية بحجج وذرائع واهية.

غياب وحدة الموقف الدولي على مدار سنين من الزمن في كثير من القضايا الدولية الساخنة والشائكة شكل عاملاً تحريضياً، على ما يبدو، لأردوغان فاستغله وسعى لتحقيق طموحاته التوسعية، قد يكون الحال في سوريا أكثر إغراء له في هذا الاتجاه لأسباب يأتي في مقدمتها تعارض مواقف الدول وعدم وجود مصالح كبيرة لها يمكن أن تتضرر، إضافة إلى الحدود المشتركة بحكم التاريخ والجغرافيا، لكن ما فات العثماني الجديد هو أنه بمغامرته شرق المتوسط عموما، وفي ليبيا تحديداً، يتجاوز حدود المسموح به حين توهم أن سياسة الابتزاز والمقايضات والتهديد والوعيد تمنحه صكوك السماح لفعل ما يريد دون اكتراث بحقوق ومصالح المجتمع الدولي، متجاهلاً التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تترتب على سعيه للاقتراب من الحدائق الخلفية لدول عربية وأوروبية تلتقي جميعها عند رفض سياسته التوسعية، وتتفق على مبدأ حماية مصالحهما الوطنية، الحيوية والاستراتيجية، والدفاع عنها ضد أي تهديد خارجي.. رهانات أردوغان للمرور عبر ثقوب التناقضات المحلية والدولية في برلين تعثرت؛ سياسته بأبعادها المتعددة تكشّفت؛ ومزيد من التحديات أمامه وبسبب نهجه تراكمت.. بعد مؤتمر برلين خياراته انحصرت بين الانسجام مع المجتمع الدولي وتوجهاته، وهذا يعني التخلي عن مشروعه التوسعي، وبين إدارة ظهره لمصالح الآخرين ومواجهة تبعات غروره وأوهامه.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الحرب الليبية – الفصل الثالث: إنهاء سيطرة الإسلاميين على المال العام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

مهدت الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش الليبي في طرابلس وسرت لفتح معركة اقتصادية ستنهي قريبا سيطرة الإسلاميين وميليشياتهم على المال العام.

ويقول مراقبون إن الحرب الليبية دخلت طورها الثالث المتمثل في الجانب الاقتصادي بالتوازي مع الطورين العسكري والسياسي وهو الطور الأصعب بالنسبة للإسلاميين الذين هيمنوا على مدى تسع سنوات على موارد ليبيا التي استغلوها لدعم الميليشيات وشراء الذمم والولاءات لتثبيت انقلابهم على السلطة في 2014.

وسارع قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر إلى الضغط على حكومة الوفاق قبل ساعات من مؤتمر برلين بعد أن سمح للقبائل الليبية المتضررة من عزلها المالي والجغرافي عن “عطايا’ حكومة الوفاق، باحتلال حقول النفط ومرافئ التصدير سلميا.

ويعكس صمت المجتمع الدولي اصطفافا دوليا صامتا لصالح الجيش وهو ما سيشكل ضغطا على حكومة الوفاق ومن خلفها الإسلاميون في المفاوضات الاقتصادية المرتقبة.

ويشكل صمت المجتمع الدولي تطورا في موقفه الذي كان حتى وقت قريب يرفض فتح مفاوضات جدية تنهي عبث الإسلاميين بأموال الليبيين التي انتهى بهم الأمر لإنفاقها على مرتزقة سوريين لقتال أبناء البلد.

وتوحي تصريحات أدلى بها رئيس حكومة الوفاق فايز السراج بانتهاء عهد الأموال السائبة وبداية مرحلة جديدة توزع فيها الثروة بشكل عادل على كل الأقاليم الليبية.

ويسيطر الجيش الليبي منذ سبتمبر 2016 على الموانئ النفطية وفي فبراير الماضي سيطر على حقلي الشرارة والفيل جنوب البلاد، لكن ذلك لم يمنع إجباره على ممارسة دور شرطي النفط ورفض كل ضغوطه لإنهاء سيطرة الإسلاميين على البنك المركزي حيث سبق أن أغلق موانئ التصدير في صيف 2018 وطالب بإقالة رئيس مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير قبل أن تضغط أطراف دولية في مقدمتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة لإثنائه عن الخطوة.

ويثير صمت المجتمع الدولي هذه المرة قلق السراج الذي طالب، الاثنين، بالضغط على القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر. وقال فايز السراج إن ليبيا ستواجه وضعا كارثيا إذا لم تضغط القوى الأجنبية على خليفة حفتر لإنهاء حصاره لحقول النفط الذي أدى إلى وقف إنتاج الخام تقريبا.

وقال السراج لرويترز إنه يرفض مطالب حفتر بربط إعادة فتح الموانئ بإعادة توزيع إيرادات النفط على الليبيين، مشيرا إلى أن الدخل في النهاية يعود بالفائدة على البلد بأكمله.

وأضاف، خلال المقابلة التي جرت في برلين، أن هذا الوضع سيكون كارثيا في حالة استمراره.

وردا على سؤال عما إذا كان يرغب في أن تضغط الدول الأجنبية على حفتر حتى ينهي حصاره للموانئ النفطية، قال “على أمل أن الأطراف الدولية الخارجية تعرف عمق المشكلة… بعض الأطراف الخارجية وعدت بأن تتابع الملف”.

وأعلن وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، الأحد، استعداد كل من حفتر والسراج، لحل مشكلة النفط. وقال الوزير “أنا والمستشارة الألمانية، (أنجيلا ميركل)، خلال المباحثات مع الجنرال خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، بحثنا قضايا تتعلق بالقطاع النفطي، أكد الجانبان استعدادهما لإيجاد حل لهذه القضية”. وأشار الوزير إلى أن هذا الملف سيبقى على طاولة المفاوضات، وسيتم بحث هذه القضية في الأيام والأسابيع القادمة.

وتتمتع حكومة الوفاق بمزايا اقتصادية لإضعاف خصومها، فالحقول والموانئ النفطية التي يحرسها الجيش تذهب عائداتها للمصرف المركزي ومؤسسة النفط التي اتهمت بالخروج عن الحياد بعد خفضها لإمدادات الشرق من الكيروسين.

وفي أواخر أبريل، فرض المصرف المركزي في طرابلس قيودا على إمكانية الوصول إلى أموال المصارف في شرق البلاد، متحدثا عن “تجاوزات” في معاملات المؤسسات المالية المعنية لتبرير التدبير الذي اتخذه. وأدان البنك المركزي الموازي في الشرق “الإجراءات التعسفية” و”التوزيع غير العادل” للرواتب معتبرا أنها “حرب جهوية المقصود بها مصارف بنغازي”، كبرى مدن الشرق.

وقال مركز التحاليل في مجموعة الأزمات الدولية حينئذ “إذا شدد المصرف المركزي الليبي في طرابلس تدابيره، فذلك قد يعرّض للخطر قدرة سلطات الشرق على دفع رواتب الموظفين وقوات حفتر”. وأضاف التقرير أن ذلك “قد يدفع حفتر إلى وقف الصادرات النفطية من المناطق التي يسيطر عليها، ما قد يثير حربا اقتصادية”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية