هشام عشماوي.. رحلة السقوط في الهاوية

59290
عدد القراءات

2018-10-11

كانت الأفكار المتطرفة التي زرعها عبود الزمر، وعصام القمري، في عدد من أفراد الجيش، قد حُوصرت إلى حدّ كبير، بعد اغتيال الرئيس الراحل، أنور السادات، إلا أنّ مصر، في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، شهدت التحاق عدد من أفراد الجيش والشرطة بتنظيمات الجهاد المصرية، منهم: الضابط طارق أبو العزم، الذي أسهم فيما بعد بانضمام وليد بدر، وعماد عبد الحميد، وغيرهم إلى تنظيم القاعدة، كان من بينهم ضابط الصاعقة هشام عشماوي الذي سيصبح أخطر مطلوب في مصر.

البداية مع "أبو العزم"

قضى أبو العزم بعثة للتدريب في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعرف سبباً واضحاً جعله يشتري كتب سيد قطب، ويبحث في الإنترنت عن كلمات بن لادن، وأبو محمد المقدسي، وأبو مصعب السوري.

أبو محمد المقدسي

عقب عودته بدأ أبو العزم في نشر أفكاره، وتواصل مع ضباط آخرين، كان من بينهم هشام عشماوي، إلا أنّ المخابرات الحربية كانت قد رصدته، فعاقبته بالفصل من الجيش، ومعه آخرون، إلا أنّه أصرّ على استكمال مسيرته، فأسس تنظيماً أطلق عليه "جند الله"، خطّط لاستهداف السفن الأمريكية المارة في المجرى الملاحي لقناة السويس، وما لبثت أن اكتشفته قوات الأمن، فألقت القبض عليه، وزجّت به في السجن.

اقرأ أيضاً: لحظة بـ 10 أعوام.. البحث في عقل هشام عشماوي؟

في السجن؛ توطّدت علاقة (أبو العزم) بأعضاء الجماعات التكفيرية، وبعد فراره إثر ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) العام 2011، شكل مجموعة أطلق عليها فيما بعد "خلية مدينة نصر"، برفقة عدد منهم كان أبرزهم: كريم أحمد عبد السلام، الذي لقي حتفه بعد أن فجّر نفسه خوفاً من أن تحصل أجهزة الأمن على معلومات تمكّنها من معرفة الهيكل التنظيمي للجماعة.

في العام 2007، قررت المحكمة العسكرية طرد عشماوي من الجيش

نقطة التحوّل

انضم عشماوي إلى خلية طارق أبو العزم، بعد أن حدثت نقطة تحوّل في حياته، العام 2006، وفق أقوال زوجته نسرين، الأستاذة بجامعة عين شمس بالقاهرة، أمام نيابة أمن الدولة العليا، العام 2014، حين اعتقل صديق له وتوفَّي في الحجز بعد مزاعم بتعرضه للتعذيب، وبعدها؛ بدأ في إلقاء المواعظ الدينية في مصلَّى بنته عائلته في مدينة نصر.

في العام 2007، قررت المحكمة العسكرية طرد عشماوي من الجيش، فعمل بعدها بالتجارة لفترة في القاهرة، وكان يجتمع مع ضباط سابقين في مصلى عائلته.

بدأت رحلة عشماوي مع الإرهاب خلال خدمته العسكرية بعد انضمامه لخلية طارق أبو العزم العام 2006

بعد اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام معمر القذافي، كان المصريون من السلفية الجهادية على موعد مع رفقاء السلاح في بنغازي ودرنة، ولم يكن ثمّة ما يعيق ذلك في الداخل المصري، وفي الصحراء الغربية الشاسعة؛ حيث الحدود الليبية المصرية، مترامية الأطراف، كانت هناك شبكة محكمة لنقل الأسلحة، أعدّها محمد جمال الكاشف (أبو أحمد)، الذي كان ما يزال خارجاً لتوّه من عنابر سجن العقرب، بعد أحداث 25 كانون الثاني (يناير) العام 2011، في موجة إطلاق سراح السجناء، ومعه التونسي علي سعيد ميرغني.

نجح الكاشف، في وقت قصير، في تأسيس أخطر شبكة إرهابية، ومعه هشام عشماوي، خطّطت لاستهداف السفن المارّة في قناة السويس بالزوارق الحربية، ووقتها نقل عن اختصاصيين في مكافحة الإرهاب قولهم إنّ "أجهزة المخابرات الغربية المكلفة بمكافحة الإرهاب، تعدّ "أبو أحمد" أحد الأشخاص الأكثر خطورة في المنطقة منذ الربيع العربي".

في البداية لم يكن معروفاً حتى لأعضاء خليته الأولى بسبب استخدامه العشرات من الأسماء الحركية

لم يتم القبض على هشام عشماوي في تلك الشبكة، وظلّ متوارياً عن الأنظار؛ إذ رغم أنّه كان عضواً في خليّة مدينة نصر، وفي "شبكة الجمال"، إلا أنّه لم يكن معروفاً حتى لأعضاء خليته، بسبب استخدامه العشرات من الأسماء الحركية.

بعد مشاركته في الحرب ضد قوات القذافي، وارتباطه بقادة القاعدة في شمال إفريقيا؛ ذهب إلى سوريا، للمشاركة في الحرب هناك، إذ في ٢٧ نيسان (أبريل) العام ٢٠١٣ خلال فترة حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، تمكن عبر مطار القاهرة من السفر إلى تركيا، ومن ثم تسلّل عبر الحدود السورية-التركية إلى سوريا، ليعود بعدها إلى مصر، وينضم إلى تنظيم بيت المقدس في سيناء، قبل أن يتركه، ويتخذ من ليبيا مقراً لإدارة عملياته المسلحة.

اقرأ أيضاً: عشماوي .. ضابط الصاعقة في وحل التكفير

اندلاع ثورة 30 من حزيران (يونيو) العام 2013، والإطاحة بنظام مرسي، دفعا عشماوي للعودة إلى القاهرة مجدداً، والتنسيق مع قادة جماعة أنصار بيت المقدس.

تولّى عشماوي عملية رصد تحركات وزير الداخلية، مع عماد الدين أحمد، الذي أعدّ العبوات المتفجرة، بالاشتراك مع وليد بدر، منفّذ العملية، العائد من سوريا، كما شارك في "مذبحة كمين الفرافرة"، في 19 تموز (يوليو) العام 2014، وهي العملية التي قتل فيها 22 مجنداً، ومذبحة "العريش" الثالثة، في شباط (فبراير) العام 2015، التي استهدفت "الكتيبة 101"، وقُتل فيها 29 عنصراً من القوات المسلحة، كما اشترك في التدريب والتخطيط لعملية اقتحام الكتيبة العسكرية.

ظل على ولائه لمحمد الظواهري والقاعدة في الشمال الإفريقي

الانفصال عن "داعش"

انحياز "بيت المقدس" لأبو بكر البغدادي، ومبايعة تنظيم داعش، أغضب عشماوي، الذي ظل على ولائه لمحمد الظواهري والقاعدة في الشمال الإفريقي، فقرّر الانفصال، ثم ظهر بعد ذلك بكونه أميراً لكتيبة جديدة تحت اسم "المرابطين"، التي أعلن عن تشكيلها في 21 تموز (يوليو)  العام 2015.

عقب "25 يناير" نجح الكاشف وعشماوي بتأسيس شبكة إرهابية خطّطت لاستهداف السفن المارّة في قناة السويس

و"المرابطون" في الأصل؛ جماعة إقليمية، يقودها، الآن، الجزائري مختار بلمختار، المكنّى بخالد أبو العباس، وهي تابعة لتنظيم القاعدة، وكان مركز نشاطها في جنوب الجزائر، وشمال مالي، إلا أنّ مركز قيادتها الآن أصبح في ليبيا.

بداية تشكيل "المرابطين"، كانت من مدينة درنة، شرق ليبيا، وهي التي عُقد فيها اجتماع لبحث الردّ على إعلان أبي بكر البغدادي تنصيب نفسه "خليفة" للمسلمين.

استمر هذا الاجتماع المفصلي، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس بريس"، نقلاً عن صحيفة ألمانية، 3 أيام، وناقش إستراتيجية جديدة إقليمية قائمة على التنسيق والوحدة بين الجماعات، ورفض مبايعة البغدادي، والاستمرار في التحالف مع تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، والتصدي للحكومات العلمانية في المنطقة، وتدفّق المقاتلين الإسلاميين إلى مصر وتونس.

كما بحث إعلان قيادات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، و"المرابطون"، وحركة "التوحيد والجهاد"، والفريق المنشقّ عن بيت المقدس المصرية، وحدتهم وتشكيلهم جماعة واحدة، لتكون نواة لجماعة كبرى، ستسيطر على إمارة الصحراء الشاسعة، شمال مالي، حتى الحدود الموريتانية، مع أجزاء من النيجر، وليبيا، وجنوب الجزائر، وبعدها تتوجّه إلى مصر، على أن تكون المدينة نفسها، التي عُقِد فيها الاجتماع، المقرّ الجديد لقيادة القاعدة في إفريقيا، لاعتبارات عدّة، أوّلها: أنّ أنصار الشريعة (جماعة حلّت نفسها فيما بعد) يُحكمون سيطرتهم على المدينة، وثانيها: أنّ كلّ الجماعات في المدينة تعتنق فكر القاعدة، وظهر ذلك جلياً في الملتقى الأول للتنظيم، الذي انطلق تحت شعار "خطوة لبناء دولة الإسلام".

ظلّ عشماوي هارباً في جنوب درنة، حتى رصدته قوات الجيش الليبي

المطلوب رقم واحد

ظلّ عشماوي هارباً في درنة، يقود عسكرياً مجلس شورى المجاهدين، وبها وقع قتال كبير بين التنظيمات الموالية لداعش والقاعدة، انتهى بإعلان داعش جائزة مالية لمن يدلي بمعلومات عنه، وعن نائبه عمر رفاعي سرور، الذي قتل، ووجدت زوجته معه عقب القبض عليه.

انتهى تنظيم "المرابطين" عقب تصفية خلية الواحات فظلّ عشماوي هارباً جنوب درنة حتى إلقاء القبض عليه

 

خطط عشماوي لإحياء تنظيم القاعدة بمصر، الذي أعلن وقف عملياته بمصر، لعدم القدرة، منذ العام 1995؛ لذلك كلّف نائبه عماد عبد الحميد بالدخول لمنطقة الواحات المصرية الوعرة، عبر الحدود، وإقامة معسكر فيها، لكنّ العملية فشلت، بعد معركة قتل فيها أكثر من 50 شرطياً، وقضي فيها على المجموعة بالكامل، يوم 8 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2017.

عملياً، انتهى تنظيم "المرابطين" عقب تصفية خلية الواحات، وظلّ عشماوي هارباً في جنوب درنة، حتى رصدته قوات الجيش الليبي، وألقت القبض عليه، لتطوى بذلك صفحة أخطر إرهابي في مصر.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف جعلت إسرائيل من الضفة الغربية مكباً للنفايات الصلبة والسامة؟

2019-11-18

في ظل سياستها الممنهجة لتدمير البيئة الفلسطينية، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي استغلال أراضي الضفة الغربية لدفن كميات كبيرة من نفاياتها الكيماوية والطبية، وغيرها من النفايات السامة دون أدنى اعتبار للأضرار البيئية والصحية المترتبة على السكان الفلسطينيين لتحقيق مصالحها الاقتصادية، وذلك في مخالفة وخرق واضح للقوانين الدولية التي تمنع نقل نفايات الدولة المحتلة إلى الأراضي التي احتلتها.

سلطات الاحتلال قررت خلال 2018، إقامة عدة منشآت لمعالجة النفايات الإسرائيلية في داخل إسرائيل والمستوطنات ودفنها في الضفة الغربية

وتفيد التقارير الإسرائيلية بأنّ ظاهرة دفن النفايات الصلبة الإسرائيلية في مكبات عشوائية بالضفة الغربية تفاقمت في بعض المناطق بالضفة، وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى هبوط كبير في إجمالي نسبة النفايات التي تدفن في المكبات الإسرائيلية، والذي يتجاوز 15%، وأنّ بعض شاحنات نفايات مخلفات البناء الإسرائيلية تمر عبر حاجز قلنديا في طريقها إلى المكبات العشوائية الفلسطينية.

ووفقاً لتقارير سلطة جودة البيئة الفلسطينية، تنتشر مواقع النفايات الصلبة والسائلة المقامة على أراضي محافظات الضفة الغربية المحتلة على النحو التالي: (10) مواقع في محافظة القدس ومحيطها، (11) موقعاً في بيت لحم، (20) موقعاً في أريحا، موقعان في الخليل، (13) موقعاً في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، (10) مواقع في قلقيلية، (17) موقعاً في سلفيت من بينها 7 مواقع نفايات صلبة و10 مواقع نفايات سائلة.

وتنص اتفاقية بازل والتي انضمت فلسطين إليها عام 2015، والتي تهدف إلى الحد وتنظيم تحركات النفايات الخطرة بين الدول، وخاصة من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية، على أنّه "يحق للدولة التي تصل أراضيها أي نفايات خطيرة من دول مجاورة إعادتها إليها".

ووفقاً لتقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان خلال العام 2018، فإنّ دولة الاحتلال تتخلص من أكثر من 50٪ من نفاياتها في أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتقدر حجم تلك النفايات في الضفة الغربية بنحو 200 ألف طن سنوياً، تصنف غالبيتها على أنّها من النوع السام والخطير.

اقرأ أيضاً: غزة: جفت الزيتون حين يغدو مصدر رزق لعائلات أنهكها الحصار

وبحسب مصادر إسرائيلية، يوجد ما لا يقل عن 15 منشأة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية تعمل في معالجة النفايات التي ينتج معظمها في الداخل المحتل، 6 من تلك المنشآت تقوم بمعالجة النفايات الخطرة التي تستوجب معالجة وترتيبات خاصّة نظراً لخطورتها.

وتمكنت الأجهزة الفنية الرسمية، بالتعاون مع جهاز الضابطة الجمركية، والأجهزة الشرطية، بضبط حوالي 45  حالة تهريب لنفايات ومواد كيماوية خطرة خلال العام 2015 حتى بدايات العام 2018، سواء أكان مصدرها الداخل المحتل، أم من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.

وفي ظلّ غياب أرقام فلسطينية واضحة ومحددة، حول عمليات التهريب التي تجري كونها "عملية مفتوحة" إلا أنّ جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني قدر كميات نفايات المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية بحوالي 176 طناً سنوياً، دون توضيح طبيعة هذه النفايات إن كانت منزلية أم صلبة خطرة.

اقرأ أيضاً: الكاتبة السويدية جولبارج باشي تحتفي بـ "الأبجدية الفلسطينية" فتتهم بمعاداة السامية

وينصُّ قانون البيئة الفلسطيني في مادته رقم (13)، على "أنّ كل من يعمل على استيراد النفايات الخطرة إلى الأراضي الفلسطينية يلاقي عقوبة تصل إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة".

حرب إسرائيلية غير معلنة

يقول مدير عام التوعية والتعليم البيئي في سلطة جودة البيئة أيمن أبو ظاهر لـ "حفريات" إنّ "ظاهرة دفن النفايات الإسرائيلية السامة برزت مطلع العام 1997، مع بداية إنشاء وتأسيس سلطة جودة البيئة الفلسطينية؛ حيث تم ضبط عدة حالات إحداهما في قطاع غزة بعد إلقاء الاحتلال ما يقارب 150 برميلاً قبالة شواطئ غزة، وهي محملة بمخلفات نفطية، إضافة إلى ضبط 200 برميل من أصل 25 شاحنة محملة بمخلفات صبغية ومبيدات كيماوية في عدد من المناطق بالضفة الغربية، مبيناً أنّ هذه المبيدات تتميز بسُمّيتها العالية، ويعتبر التخلص منها عن طريق معالجتها في داخل اسرائيل مكلفاً اقتصادياً، وبالتالي يتم استغلال بعض المهربين وضعاف النفوس لدفنها في عدد من المناطق الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: الأدوات الخشنة على حدود غزة هل تعود للخدمة من جديد؟

ولفت أبو ظاهر إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يشن حرباً غير معلنة تحت مسمى الذرائع الاقتصادية باستغلاله الأراضي الفلسطينية بشكل ممنهج لدفن النفايات الخطرة والسامة، واستنزاف الموارد البيئية وتلويثها بالنفايات الخطرة وغير الخطرة، مشيراً إلى أنّ إسرائيل تسعى للإضرار بالبيئة الفلسطينية في سبيل تلبية مصالحها بصرف النظر عن الأضرار والأخطار المحدقة التي قد تهدد الأراضي الفلسطينية".

وتأخذ النفايات السامة والخطرة، التي يتم طمرها داخل المناطق الفلسطينية بالضفة، أنواعاً وأشكالاً متعددة كمخلفات المستحضرات الطبية، والأصباغ، والإنشاءات، والزيوت المعدنية المستخدمة، والإطارات المستهلكة، والمبيدات الكيماوية، والأجهزة المنزلية، وأجهزة التبريد والتكييف، التي تحتوي غازات ضارة، إضافة إلى النفايات الالكترونية، و"جميعها تتسبب بتلوث التربة والمياه بالعناصر الثقيلة كالنحاس والكروم والرصاص والخارصين والكادميوم والزئبق".

75% من النفايات ترتبط بأمراض الأطفال

وعن أكثر المناطق التي تتركز فيها عمليات دفن النفايات في الضفة الغربية، يقول أبو ظاهر "هناك مناطق مختلفة في قرى غرب رام الله في نعلين، في بلدتي إذنا وبيت عوا بمحافظة الخليل، والعيزرية بمدينة القدس، ومحافظتي طولكرم، وقلقيلية، وفي منطقة الأغوار قرب نهر الأردن تم إنشاء مكب إسرائيلي على مشارف بلدة فصايل الفلسطينية، حيث يقوم المكب بسحق المخلفات السامة ومحاولة تسويقها على أنّها سماد عضوي".

النفايات الإسرائيلية تتسبب بـ 75% من الأمراض التي تصيب الأطفال من مرضى التوحد والاضطرابات العصبية واضطرابات فرط الحركة والسلوك

ويرى أبو ظاهر أنّ النفايات الإسرائيلية وما تسببه من أضرار بيئية وصحية كبيرة "ترتبط بأكثر من 75% من الأمراض التي تصيب الأطفال الذين يعانون من مرض التوحد، والاضطرابات العصبية، واضطرابات فرط الحركة والسلوك، لما لهذه النفايات السامة من تأثير مباشر وخطير على البيئة والأراضي الزراعية والغذاء الذي يتناوله السكان وخاصة الأطفال منهم".

ولمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية بحق البيئة الفلسطينية يرى أبو ظاهر أنّ "انضمام سلطة جودة البيئة إلي اتفاقية بازل مكّنها من القيام بتقديم عدة شكاوى بحق الاحتلال لردعه ودفعه لإرجاع هذه المواد السامة إلى داخل إسرائيل"، مبيناً أنه بفضل الرقابة والتفتيش والمتابعة التي تقوم بها سلطة جودة البيئة بالتنسيق مع شرطة السياحة والبيئة، فقد تم ضبط أكثر من 90% من محاولات تهريب النفايات الإسرائيلية إلي داخل الضفة الغربية.

مكب ضخم للنفايات الإسرائيلية

من جانبه، يقول مدير وحدة الدراسات البيئية في مركز العمل التنموي "معاً" جورج كرزم إنّ "الاحتلال الإسرائيلي عمد منذ عدة عقود إلى نقل المنشآت الصناعية الإسرائيلية الملوثة إلى الضفة الغربية، مبيناً أن إسرائيل تقوم بدفن ما يقارب 200 ألف طن سنوياً من النفايات الخطرة في أراضي عدة بلدات بالضفة الغربية، كالخليل وطولكرم وقلقيلية والقدس الشرقية وسلفيت وغيرها، لتتحول الضفة الغربية إلى مكب ضخم لنفايات إسرائيل السامة".

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟

ويضيف كرزم، الذي يرأس تحرير مجلة آفاق البيئة والتنمية، لـ "حفريات" أنّ "عمليات تهريب النفايات السامة والخطرة تتم بمعرفة من السلطات الإسرائيلية، وتحديداً من قبل وزارة البيئة والتي تسهل مرورها من إسرائيل إلى الضفة الغربية؛ حيث تتمتع المصانع الإسرائيلية، التي تعنى بمعالجة وتدوير النفايات، بدعم حكومي وتسهيلات ضريبية لتشجيعها على الاستمرار والعمل في مناطق الضفة الغربية، مما جعل عملها مجدياً اقتصادياً وأكثر ربحية من إنشاء تلك المنشآت في داخل دولة الاحتلال".

خطر حقيقي

ولفت إلى أنّ أكثر من نصف النفايات الإلكترونية في إسرائيل يتم دفنها في أراضي الضفة الغربية، وتهرب هذه النفايات من المصانع الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948، ومن المستوطنات المنتشرة في مناطق مختلفة من الضفة، مستدركاً أنّ "التهريب الإسرائيلي لنفاياته السامة والخطرة تفاقم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، كالمخلفات الكيماوية والطبية والحمأة السامة، حتى أصبحت البيئة الفلسطينية والسكان يتعرضون لخطر حقيقي جراء تلوث التربة والمياه، وكذلك تلوث الهواء بالغازات السامة".

وتابع كرزم أنّ "سلطات الاحتلال قررت خلال العام 2018، إقامة عدة منشآت لمعالجة النفايات الإسرائيلية في داخل إسرائيل والمستوطنات ودفنها في مناطق مختلفة من الضفة الغربية بتكلفة 400 مليون دولار أمريكي، ومن أبرز هذه المشاريع إقامة منشأة لتدوير النفايات الإسرائيلية شرقي مستعمرة "معاليه أدوميم" المقامة على أراضي بلدة العيزرية بالقدس المحتلة بتكلفة مالية تصل 216 مليون دولار".

للمشاركة:

الفقر في أفريقيا: كيف استعادت القارة السمراء مسيرتها التنموية؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-11-18

لمئة عام، أو يزيد، خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية، نهبت مواردها الطبيعية، وجرفت مواردها البشرية، ليتركها الاستعمار أرضاً مسكونة بشبح الموت والأوبئة والفقر المدقع والحروب الأهلية.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
لكن، منذ منتصف التسعينيات تحديداً، بدأت أنظار العالم تتوجه نحو أفريقيا التي بدأت اللحاق في صنع مجدها الخاص، وبدت أكثر جاذبية للمستثمرين، وبشكل خاص التنين الصيني، الذي يكتسح أفريقيا بمشروعات عملاقة لم يسبق لها مثيل.
وحشية ونهب
بين سبعينيات القرن التاسع عشر وعام 1900، واجهت أفريقيا عدواناً إمبريالياً أوروبياً، وضغوطاً دبلوماسية، وغزوات عسكرية، وغزواً، واستعماراً، في نهاية المطاف، وفي الوقت نفسه، وضعت المجتمعات الأفريقية أشكالاً مختلفة من المقاومة ضدّ محاولة استعمار بلدانها وفرض هيمنة أجنبية، ومع ذلك، بحلول أوائل القرن العشرين، كانت معظم الدول الأفريقية، باستثناء إثيوبيا وليبيريا، قد استعمرت من قبل القوى الأوروبية؛ إذ كان الدافع وراء الدفع الإمبريالي الأوروبي إلى إفريقيا من خلال ثلاثة عوامل أساسية؛ اقتصادية وسياسية واجتماعية، تطوّرت في القرن التاسع عشر بعد انهيار ربحية تجارة الرقيق، وإلغائها، وقمعها، إضافة إلى توسّع الثورة الصناعية الرأسمالية الأوروبية؛ حيث ضرورات التصنيع الرأسمالي، بما في ذلك الطلب على مصادر مضمونة للمواد الخام، والبحث عن أسواق مضمونة ومنافذ استثمارية مربحة، حفّزت التدافع الأوروبي والقسمة والغزو الأفريقي في نهاية المطاف، وهكذا كان الدافع الرئيس للتسلّل الأوروبي اقتصادياً لأفريقيا، ولكن لعبت عوامل أخرى دوراً مهمّاً في هذه العملية، تمثّل في الزخم السياسي المستمد من تأثير صراعات القوى الأوروبية المشتركة والمنافسة على التفوق.

لمئة عام أو يزيد خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية

كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا تتنافس على السلطة في سياسات القوة الأوروبية، إحدى الطرق لإثبات التفوق الوطني كانت من خلال الاستحواذ على أقاليم حول العالم، بما في ذلك أفريقيا، وكان العامل الاجتماعي هو العنصر الرئيس الثالث، وكنتيجة للتصنيع، نمت المشاكل الاجتماعية الكبرى في أوروبا "البطالة والفقر والتشرد الاجتماعي من المناطق الريفية"، تطورت هذه المشكلات الاجتماعية جزئياً؛ لأنّه لا يمكن استيعاب جميع الأشخاص بواسطة الصناعات الرأسمالية الجديدة، إحدى طرق حلّ هذه المشكلة هي الحصول على مستعمرات وتصدير هذا "الفائض من السكان"، أدّى ذلك إلى إنشاء مستعمرات للمستوطنين في الجزائر وتونس وجنوب أفريقيا وناميبيا وأنغولا وموزمبيق ومناطق وسط أفريقيا، مثل زيمبابوي وزامبيا، في النهاية أدّت العوامل الاقتصادية الغالبة إلى استعمار أجزاء أخرى من أفريقيا، هكذا كان التفاعل بين هذه العوامل والقوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هو الذي أدّى إلى التدافع لأفريقيا والمحاولات المحمومة من قبل الوكلاء التجاريين والعسكريين والسياسيين الأوروبيين، لإعلان وتأسيس حصة في أجزاء مختلفة من القارة من خلال أمور "المنافسة التجارية الإمبريالية"، وإعلان المطالبات الحصرية لأقاليم معينة للتجارة، وفرض الرسوم الجمركية على التجار الأوروبيين الآخرين، والمطالبات بالسيطرة الحصرية على المجاري المائية والطرق التجارية في أجزاء مختلفة من أفريقيا.

المقاومة والتحرر
في كتابه "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"، يقدم البروفيسور والمؤرخ النيجيري، إيهيدو إي. جي، أطروحته عن تجريف أفريقيا الذي تمّ تحت سطوة الدبابات الأوروبية، وكيف تمّت مقاومة هذا الاحتلال من قبل الأفارقة.

يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم تغادر قروناً من التخلف والاستبداد

يشرح إيهيدو كيف ناضلت المجتمعات الأفريقية بشجاعة، إلّا أنّ قوة المحتل، أدّت إلى خلق صراعات فاقمت المشكلة؛ حيث فقدت المجتمعات الأفريقية القديمة في النهاية، وكان هذا جزءاً من أسباب سياسية وتكنولوجية؛ إذ كان القرن التاسع عشر فترة من التغييرات العميقة والثورية في الجغرافيا السياسية لأفريقيا، التي تميزت بزوال الممالك والإمبراطوريات الأفريقية القديمة، وإعادة تشكيلها في كيانات سياسية مختلفة، أعيد بناء بعض المجتمعات القديمة وأسست مجتمعات أفريقية جديدة على أسس أيديولوجية واجتماعية مختلفة، ونتيجة لذلك؛ كانت المجتمعات الأفريقية في حالة من التقلب، والكثير منها ضعيف من الناحية التنظيمية وغير مستقر من الناحية السياسية، وبالتالي لم يتمكنوا من ممارسة مقاومة فعالة ضدّ الغزاة الأوروبيين، وبحلول عام 1900، استعمرت سبع قوى أوروبية معظم أفريقيا، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بعد غزو الدول الأفريقية اللامركزية والمركزية، بدأت القوى الأوروبية في تأسيس أنظمة الدولة الاستعمارية، كانت هي آلية الهيمنة الإدارية التي أنشئت لتسهيل السيطرة والاستغلال الفعالَين للمجتمعات المحتلّة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟

كتاب "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"

جاءت التحركات الأولى في عملية التحرّر لما يمكن اعتباره القومية الأفريقية؛ ردّاً على نقد الحضارة الأفريقية من قبل الأوروبيين؛ حيث انطلقت في وقت مبكر من القرن السادس عشر في السودان، وكان الكُتّاب الأفارقة يدافعون عن الثقافة الأصلية من خلال وصف إنجازات الدول القوية، مثل إمبراطورية سونجهاي، ومع ذلك؛ فقد كان نمو تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، بين عامَي 1700 و1800، هو الذي أنتج أقوى الهجمات المبكرة على الهيمنة الأجنبية، وبين عامَي 1957 و1993، حصلت حوالي 50 دولة أفريقية على الاستقلال عن الحكم الاستعماري، بدأت شرارات المقاومة الأولى للسيطرة الأجنبية في وقت أبكر بكثير، وتطورت حركات الاستقلال في جميع أنحاء إفريقيا في منتصف القرن العشرين، رغم أنّهم اتبعوا مسارات مختلفة، إلا أنّهم شاركوا في بداية مشتركة وهي مقاومة هيمنة القوى الأجنبية، لكن بمجرد السيطرة، فرضت العديد من حركات الاستقلال هذه شكلها الخاص من الهيمنة، وهو ما تسبّب في مشكلات سياسية واقتصادية ما تزال تعاني منها أفريقيا، وهو ما يمكن تسميته "الإرث الاستعماري".

اقرأ أيضاً: بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل
القارة الأفريقية خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة

النجم الصاعد
عام 2010؛ توجّهت أنظار العالم تجاه القارة الأفريقية، تحديداً جنوب أفريقيا، التي كانت مسرحاً لبطولات المونديال، ما جعلها حديث الإعلام العالمي آنذاك، فالدولة التي، ولوقت ليس ببعيد، عانت من صراعات عرقية، وحروب طائفية، وتجريف لمواردها؛ ها هي ذا تستقبل ضيوفاً من كلّ أنحاء العالم، ليصرح بعدها الأكاديميان الأمريكيان؛ كزافييه سالا مارتن، ومكسيم بينكوفيسكي، بأنّ القارة الأفريقية قد خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة في الأعوام العشرة التي سبقت الأزمة الائتمانية، عام 2008، وهو ما أيدته أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أمينة كامل، في حديثها مع "حفريات": "لا شكّ في أنّ الأزمة الاقتصادية، عام 2008، لم تكن بالتأثير ذاته على أفريقيا، مقارنة بالولايات المتحدة، فأفريقيا ما تزال تخطو بحذر تجاه التنمية، وما تزال عالقة في إرث استعماري بلا شكّ، بيد أنّ عملية تجريف الموارد البشرية والطبيعية، كان، وما يزال، أخطر مشكلات القارة الأم، لكنّها اليوم تجني بعضاً من ثمرات التطور التكنولوجي الذي أتاح الموارد المعرفية الشرط الأهم في عملية التنمية، ولا شكّ في أنّ تعاون أفريقيا مع بلدان مثل؛ الصين ودول الخليج، كان له الدور الأكبر، في الحدّ من معدلات الفقر، وتحجيم الجوع الذي عايشه الأفارقة لعشرات السنين".

أمينة كامل: تعاون أفريقيا مع الصين ودول الخليج كان له الدور الأكبر في الحدّ من معدلات الفقر

وأوضح تقرير نشره المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، أنّه بحلول عام 2006، كان معدل الفقر في أفريقيا أقل بنسبة 30٪ عن عام 1995، وأقلّ بنسبة 28٪ عن عام 1990، ونفى التقرير الحجة القائلة إنّ هذا كان فقط نتيجة للنخبة الأثرياء التي تحصد عائدات ثروة النفط الوفير، رغم أنّهم ما يزالون مرتفعين، وفق معايير الدول المتقدمة، إلا أنّهم يقولون إنّ معامل جيني، وهو مقياس دولي لعدم المساواة الاجتماعية، قد انخفض باستمرار، ولو ببطء، منذ أوائل التسعينيات، لكنّ هناك فريقاً يرفض تلك الفكرة، في مقدّمتهم البروفيسور في جامعة أكسفورد، ستيفان ديركون، الذي يرفض إحصاءات هذا التقرير، موضحاً أنّه تغافل عن قياس عوامل أخرى واستند إلى قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وهو بذلك مضلل إلى حدّ كبير، لكن بالنظر إلى جوانب أخرى في أفريقيا، نجد أنّ بلداناً مثل رواندا وإثيوبيا وزامبيا، خفّضت عدد الوفيات الناجمة عن الملاريا لأكثر من الثلثين، وهي على وشك القضاء عليه، كما تضاعفت نسبة طلاب المدارس في مرحلة التعليم الأساسي، وهي مؤشرات أكثر إيجابية.
يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم، وبعد قرون من التخلف والاستبداد، تفتح أحضانها للسياحة، وتقدّم صورة مغايرة عمّا رسخ في أذهان العالم.

للمشاركة:

تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎

2019-11-18

بعد ماراثون من المشاورات، رشّحت حركة النّهضة الإسلامية التونسية كاتب الدولة للزراعة السابق، الحبيب الجملي لمنصب رئيس الحكومة الجديد، الأمر الذي أثار انتقادات كثير من المراقبين والمحللين الذين شككوا في استقلاليته، واعتبروا ترشيحه "واجهة لحركة النهضة ومشاريعها"، سيما أنّ الجملي شغل مهامه في إطار حكومتي "النهضة" اللتين ترأسهما كلٌّ من حمادي الجبالي وعلي لعريّض (2011-2014).
وسيخلف الجملي (60 عاماً)، الذي أكّدت حركة النّهضة أنّه "شخصية مستقلّة"، الرئيس الحالي يوسف الشاهد في غضون 60 يوماً، برغم كلّ المآخذ التي أبدتها الأحزاب السياسية حول مسألة استقلاليته، فيما يخشى التونسيون من أن يكون واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان، تحت يافطة الاستقلالية.

اقرأ أيضاً: الحبيب الجملي: تكنوقراط بلا انتماء سياسي يرأس حكومة تونس
مخاوف يبرّرها قرار مجلس شورى "النّهضة"، وهو أعلى سلطة داخل الحركة، باختيار مرشحٍ من داخلها لترؤس الحكومة، أو شخصية مقربة منها على أساس "الكفاءة والنزاهة والخبرة في مجال الإدارة".
وينص الدستور التونسي على أن يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الحزب الفائز بأغلبية الانتخابات التشريعية لتشكيل الحكومة الجديدة، في مدّة زمنية لا تتجاوز الشھرین.
الحبيب الجملي مرشح حركة النهضة لرئاسة حكومة تونس

"نهضاوي" متخفّ؟
وبالرغم من أنّه لم يُعرف عن الجملي أيّ نشاطٍ سياسي تابعٍ لنظام بن علي، الذي أطاحت به ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011 ولا أيّ نشاطٍ معارض له، كما لم يبرز في أيّ عملٍ سياسي بعد الثورة، خاصّة أنّه يقدم نفسه في سيرته الذاتية على أنّه "ليس له أي انتماءات سياسية"، فإنّ متابعين للشأن الحزبي يعتبرونه "مقرّباً" من حركة النّهضة التي عيّنته في حكوماتها المتعاقبة خلال السنوات الأولى التي أعقبت الثورة أحد أعضائها، كما يرى المحلّل السياسي، باسل ترجمان.

التونسيون يخشون من أن يكون رئيس الحكومة المكلّف واجهة جديدة لمشاريع حركة النّهضة التي فازت برئاسة البرلمان

وقال ترجمان، في تصريحه لـ "حفريات": إنّه من غير المعقول أن يكون، الحبيب الجملي، مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها، مستقلاً عنها، مشيراً إلى أنّ الحركة هي من رشّحته في السابق لتولّي منصب كاتب الزراعة، حسب ما هو منشورٌ على صفحتها، وبالتالي هذه الحكومة "ستكون حكومة النّهضة وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتوجهات من سيتحالف معها".
المحلل السياسي اعتبر أيضاً أنّ إصرار حركة النّهضة وتصريحاتها بخصوص استقلالية الجملي، "محاولة منها للتملّص من الفشل الذي تتوقّع أن تعيشه هذه الحكومة كغيرها من الحكومات التي سبقتها"، لافتاً إلى أنّ حركة النّهضة استطاعت السيطرة على البرلمان بعد انتخاب زعيمها راشد الغنّوشي رئيساً له بـ123 صوتاً، وعلى أعلى سلطة تنفيذية (رئاسة الحكومة).
وشدّد ترجمان على ضرورة أن تتحمّل الحركة هذه المرّة مسؤوليتها السياسية كاملة، وأن لا تتملّص من المسؤولية بتعلّاتٍ غير منطقية.

اقرأ أيضاً: تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة
من جهتها، أكّدت حركة النهضة، في بيانٍ لها، على استقلالية شخصية الحبيب الجملي، وعلى كفاءته وخبرته الاقتصادية والمالية عامة وفي الشأن الفلاحي خاصةً.
حركة النهضة تشدد على أنّ الحبيب الجملي شخصية مستقلة

"خرج من عدم"
ومن بين الانتقادات التي رافقت اختيار الجملي لرئاسة الحكومة، أنّه لم يكن معروفاً لدى التونسيين، ولا في الأوساط السياسية، فضلاً عن تكوينه في مجال الزراعة الذي لا يؤهله لقيادة حكومة أمامها تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، إلى جانب وصفه بشخصية الظلّ ذات الأيادي المرتعشة التي لا تجيد إدارة الخلافات.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، فيصل الشريف، في حديثه لـ "حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف "خرج من عدمٍ"؛ لأنّه غير معروف لدى التونسيين، كما أنّه لم يسبق له أن ظهر إعلامياً، ولا حتّى حكومياً حين تقلّد منصباً وزارياً، ليتيح الفرصة إلى الشعب لمعرفته، ومعرفة توجّهاته وأفكاره.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وأبدى الشريف تخوّفه من أن تتحكّم به حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، دون التشاور مع باقي الأحزاب المكوّنة للمشهد السياسي، والتي انتخبها الشعب التونسي لتمثيله في البرلمان، وهو ما يرجّح أن يبقى الجملي تحت طائلة تجاذبات النهضة وخصومها.
وأكّد عددٌ من قيادات حزب التيار الديمقراطي، الثالث في ترتيب البرلمان، وحزب حركة الشعب الذي حلّ رابعاً، في تصريحات مختلفة لـ"حفريات"، أنّهم لم يتخذوا موقفاً بعد من إمكانية المشاركة في حكومةٍ يرأسها الحبيب الجملي من عدمها، في وقتٍ ذكرت فيه مصادر خاصّة أنّ الحزبين لديهما مؤاخذات حول انتماء الجملي أو قربه من حركة النّهضة.
وقال الجملي مباشرةً بعد حصوله على رسالة التكليف التي سلّمها إيّاه رئيس الدولة قيس سعيّد، إنّه مستقل ولا ينتمي إلى أيّ حزب، قائلاً ''أنا مستقلٌ دون أدنى شكٍ، ليس فقط عن النهضة بل عن جميع الأحزاب السياسية، لم ولن أنتمي لأي حزب والمقربون مني يعرفون ذلك''.

باسل ترجمان: من غير المعقول أن يكون الحبيب الجملي مرشّح النّهضة لقيادة الحكومة والعضو فيها مستقلاً عنها

وعن اقتراحه من قبل النهضة بخطة كاتب دولة للفلاحة خلال فترة الترويكا قال: إنّ ذلك تم على أساس أنّه شخصيةً مستقلة ذات كفاءة.
وشدّد الجملي على أنّ "الحكومة المقبلة ستُشكّل على أساس الكفاءة والنزاهة مهما كانت الانتماءات السياسية"، مؤكداً أنّه سيسعى إلى إيجاد برنامج عمل مشترك من دون التحفظ على أي حزب، كما أنّه يعوّل في هذا الصدد على مساهمات المنظمات الوطنية وهيئات المجتمع المدني واقتراحات بقية الأحزاب الأخرى.
هذا ونقلت مصادر مقرّبة من "النّهضة" أنّ مجلس الشورى اختار بعد تصويتٍ سرّي، الحبيب الجملي، من بين عشرة مرشحين، جرى اقتراحهم من أبناء وأصدقاء الحركة لتولّي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.
رئيس تونس يكلّف مرشح حركة النهضة بتشكيل حكومة جديدة

هل تلتقي الخطوط المتوازية مرّة أخرى في تونس؟
ويذهب محللو الشأن التونسي إلى أنّ منح الثقة لحكومة الجملي يبقى مرتبطاً بتصويت نواب حزب "قلب تونس"، مثلما حصل لدى انتخاب زعيم "النهضة" راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان بـ 123 صوتاً، ثلثها تقريباً من ذلك الحزب الذي يتزعمه نبيل القروي (38 نائباً).

إبراهيم الرفاعي: الحكومة الجديدة قد تواجه صعوبةً كبيرةً في البرلمان وقد لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولة

يأتي ذلك بعد إعلان حركة النهضة التونسية، عن موقفها الثابت، باستحالة التحالف مع هذا الحزب التقدّمي، انتصاراً لروح الثورة وقطيعةً مع الفساد، وفق ما روجت له في خطابٍ ثوري مفاجئ روجت له خلال حملتها الانتخابية.
وقد لا يتكرر ذلك في مسار تشكيل الحكومة الذي يراه البعض مختلفاً عن المسار التشريعي، خصوصاً أن تصويت "قلب تونس" للغنوشي قوبل بانتقاد كبيرٍ من أنصاره وناخبيه ودفع أحد مؤسّسيه، عبد العزيز بلخوجة، إلى الاستقالة.
كما تسبّب ذلك في موجة غضب كبيرة واجهتها "النهضة" من قبل أنصارها وقواعدها؛ لأنّها خذلتهم حسب تدويناتٍ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، حتّى أنّ بعضهم اتّهمها بالانتهازية، وبازدواجية الخطاب، وتغليب مصالحها السياسية، وعدم استعدادها للتخلّي عن الحكم تحت أيّ ظرفٍ.
من جانبه، يتوقع المختص في العلوم السياسية، إبراهيم الرفاعي، أن تواجه الحكومة صعوبةً كبيرةً في البرلمان، وأن لا تحصل على ثقة النوّاب بسهولةٍ، نظراً لتركيبته الفسيفسائية، واختلاف أفكار ورؤى الكتل المكوّنة له.
وقال الرفاعي لـ"حفريات"، إنّ الرئيس المكلّف تقني، وله خبرةٌ في العمل الإداري، غير أنّه قريبٌ من حركة النّهضة التي رشّحته لهذا المنصب، في إطار القانون الذي يخوّل لها ذلك كصاحبة أغلبيةٍ في البرلمان، مشدّداً على أنّ التجاذبات السياسية ستعقّد عملية مرور حكومته بسلاسة.
جديرٌ بالذكر أنّ تعيينات رئاسة الحكومة في تونس منذ عام 2015 كانت تتم في صفوف مهندسين مختصين في الزراعة، بدءًا برئيس الحكومة الحبيب الصيد (تقلد المنصب من كانون الثاني 2015 إلى آب2016) مهندس زراعي، وكذلك يوسف الشاهد (آب 2016 حتى الآن) أستاذ جامعي في الزراعة.

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية