يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

30074
عدد القراءات

2018-10-14

في مدينة وزان بالمغرب يقع مزار تقصده النساء اليهوديات والمسلمات، اللواتي يرغبن في نيل البركة كي يتمكنّ من الإنجاب؛ فالاعتقاد بقدرات هؤلاء الأولياء، قاسم مشترك بين بعض المغاربة، سواء أكانوا مسلمين أم يهوداً، فهذا التعايش، بين اليهود والمسلمين المغاربة، والتداخل الروحي، شكّلا نموذجاً مغربياً متفرداً في العالم .
"وإذا كانت الأديان تغير الشعوب، فإنّ الشعوب، أيضاً، تغير الأديان" هكذا وصف المخطط الأول لمسيرة السوسيولوجية الكولونيالية في المغرب "ميشو بلير" التدين السائد في المجتمع المغربي.
حسب "ميشو بلير" فإنّ الفرد المغربي شكل ملامح تدينه وفق حاجته الوجودية والاجتماعية، فأنتج اسلاماً مغربياً أكثر تسامحاً مع الثقافات الاخرى، لقد تعايش مع باقي الأديان السماوية وسمح لها في أن تشكل هويته الروحية.
التثاقف الروحي والديني بين المسلمين واليهود
إنّ المزارات التي يقصدها اليهود والمسلمون في المغرب قصد التبرك، من أبرز معالم هذا التثاقف الروحي والديني بين المسلمين واليهود المغاربة، يشير "حاييم الزعفراني" المؤرخ المغربي في كتابه "يهود المغرب والأندلس" إلى أنّ "التقارب بين المسلمين واليهود لم يقتصر على العادات والتقاليد المشتركة، المتعلقة بالمأكل والمشرب والموسيقى واللباس، بل تعداها إلى ما هو روحي وعقائدي، وما هو مرتبط بممارسة السحر وكتابة الرقى؛ لطرد الشرورِ واستجلاب الأمن والبركة".

يزور المسلمون المغاربة الولي "سيدي يحي" أيام الخميس والجمعة ويزوره اليهود وهم يتوسطون المسلمين لتقديم هداياهم

وبحسب الأسطوغرافي الفرنسي الكولونيل "فوانو": "لم يتردد المسلمون الذين يحتكرون عن طواعية الشخصيات المقدسة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، في توجيه دعواتهم للأولياء اليهود، ويقدس اليهود بدورهم أولياء المسلمين وإن كان ذلك نادراً، فقبل الاحتلال الفرنسي احتمى يهود مراكش بمولاي علي الشريف بباب غيلان، وبسيدي بلعباس أو بمول القصور".
وبرغم أهمية ظاهرة المزارات المشتركة بين المسلمين واليهود المغاربة، غير أنها لم تنل ما تستحق من الدراسة والبحث، ولا نجد سوى دراستين منشورتين، واحدة للكولونيل "فوانو" بعنوان "المزارات اليهودية الاسلامية بالمغرب"، صدرت عام 1948 عن معهد الدراسات العليا المغربية، ودراسة أخرى عن "المركز الوطني للآداب" بفرنسا للكاتب "أساشار بن عمي"، صدرت العام 1990 بعنوان "طقس المزارات والأولياء اليهود المسلمين بالمغرب".

اقرأ أيضاً: قصة اليهود العرب.. كيف سقطوا في قبضة الصهيونية؟
في المغرب ثمة مزارات كثيرة تحظى بتقديس يهود ومسلمين مغاربة؛ فعلى بعد 6 كيلومترات شرق مدينة وجدة يوجد "الولي سيدي يحي بنيونس". وحسب المؤلف اليهودي بن عمي في كتابه "طقوس الأضرحة والأولياء اليهود بالمغرب"، فإنّ "الولي سيدي يحيى بنيونس، يعد واحداً من بين 36 ولياً، يتصارع المسلمون واليهود على  ملكيته".

رغم أهمية الظاهرة غير أنها لم تنل ما تستحق من الدراسة
ولفت المؤلف إلى وجود 126 ولياً يشترك المسلمون واليهود في زيارتهم، وقد قسم هذه اللائحة إلى ثلاثة أنواع، أولياء يهود يزورهم المسلمون، وأولياء مسلمون يزورهم اليهود، وقد أشار الكاتب إلى مجموعة من العادات اليهودية والمغربية المشتركة في الاحتفالات والولائم بمناسبة إحياء المناسبات الخاصة.
يزور المسلمون المغاربة الوالي "سيدي يحي"، أيام الخميس والجمعة، ويزوره اليهود، وهم يتوسطون المسلمين لتقديم هداياهم، أو يقدمون الزيت للبيعة، إكراما للوليهم الصالح ربي يحي بن دوسة، الذي خُص ببركة شفاء العقم.

اقرأ أيضاً: اليهود في الخليج.. حين هربوا من تنكيل العثمانيين وصاروا مواطنين
ويشتهر الضريح بالعلاج من العقم وتقصده المسلمات واليهوديات قصد التبرك والإنجاب، كما أنه يعتبر من أهم الأضرحة في المغرب التي تجمع الديانات الثلاث؛ حيث يزوره اليهود والمسيحيون والمسلمون.
الولي الحامي لمدينة وجدة والمدافع عنها
في الروايات الشعبية للمغاربة المسلمين "يعتقد أنّ سيدي يحيى بن يون"، كان معاصراً للمسيح وتنبأ بقدوم الرسول، وكان مستقراً في القدس قبل أن يشد الرحال على ناقته نحو المغرب بعد أن أحس بالمرض، دأب مريدوه على إخفاء قبره لئلا يتم تدنيسه أو تنقل رفاته خارج المغرب، واتخذوا لهم مسكناً في غار يسمى "غار الحريات" حتى يتمكنوا من البقاء بجواره والصلاة لأجله، وهو الولي الحامي لمدينة وجدة والمدافع عنها حتى وهو راقد في قبره منذ زمن، وكانت تسمى هذه المدينة باسمه قديماً، وهذا ما بقي راسخاً في أذهان واعتقاد أهالي مدينة وجدة".

يقدس المسلمون المغاربة الولي "سيدي قاضي حاجة" دون تجريده من  يهوديته معتبرين أنّه يوزع بركاته على زواره من الديانتين

وأشارت الباحثة مارية دادي في كتابها  "تاريخ مدينة وجدة" من التأسيس إلى العام 1830 إلى أنّ هناك روايات يهودية ومسيحية تتنازع في أصل سيدي يحي، وحسب الكاتبة، فرواية المسيحية تقول إنّ "سيدي يحيى زامن السيد المسيح وكان أحد حوارييه، قضى حياته في العبادة والصلاة، وإثر مرضه، حمله رفاقه على ظهر جمل، وعندما أحسّ بدنوّ أجله رغب أن يحفر قبره في المكان الذي يتوقف فيه الجمل، وهذا المكان كان هو العين الذي تسقى منها مدينة وجدة".
ويعتقد اليهود المغاربة بأنّ يهودياً من قشتالة اسمه "ربي يحيى بن دوسة"، لجأ إلى مدينة وجدة بعد أن طرده المسيحيون من الأندلس، وعندما وصل المنطقة، ذات مساء أراد أن يتوضأ فاحتاج إلى الماء، فشق الأرض لتخرج عين جارية، ثم استدعى يهود وادي تايغيت ليكونوا شهوداً على معجزته، إلا أنّهم صدّوا عنه فدعا الله أن يشتت شملهم، وبعد ذلك عاش "ربي يحي بن دوسة" جنب العين المباركة إلى أن حضره الموت فقام بحفر قبره بنفسه؛ حيث وجد مغموراً بالتراب بالقدرة الإلهية.

" كف ليهودي"
قرب مدينة صفرو يوجد ضريح مول جبل لخضر، على امتداد الطريق المؤدية إلى مدينة فاس، الضريح عبارة عن مغارة، لا وجود فيها لأثر لأي قبر، المسلمون يطلقون على هذا المكان اسم "كف ليهودي" ويقومون بزيارته، خصوصاً بعدما أكد لهم الشريف محمد الكتاني بأنّ بالمغارة قبر النبي دانييل، ودعاهم إلى تسمية المكان بـ" كف المومن" وليس "كف اليهودي" وتزور الولي النساء المسلمات، اللواتي يغتسلن داخل المغارة، طلباً للأبناء، وقد كان مقدم "السيد" مسلماً يعينه اليهود،على حد تعبير فوانو.
يعتقد بعض اليهود أنه يوجد داخل المغارة قبر النبي دانييل، في حين يعتقد الغالبية منهم أنّ الأمر يتعلق بالحاخام "أمران بن ديبان" الذي قدم إلى وزان؛ حيث ظل يستقبل الزوار في حياته وبعد موته.
تنظم الزيارة خلال العاشر من كل شهر عبري، ويقام الموسم في 18 من شهر آذار (مارس)، حيث تضاء المغارة خلال الاحتفالات وتقام الشعائر اليهودية داخلها.
معاقبة اللصوص بالشلل
وكشفت مديرة المتحف اليهودي في الدار البيضاء، زهور ارحيحل، أنّ الدراسات الإثنوغرافية، أكدت أنّ المغرب يتوفر على حوالي 625 ضريحاً لحاخامات يهود، مشددة على أنّ المغرب أرض مقدسة بالنسبة لليهود تحوي مئات المقابر لحاخامات كبار، والتي تم الحفاظ عليها منذ قرون.
ومن بين المقابر التي تنقسم الروايات اليهودية والمسلمة حولها ضريح "سيدي أبار"، الواقع بين المقبرتين؛ اليهودية والإسلامية بالراشيدية .
ويختص "ربي يحي للو" ببركة معاقبة اللصوص بالشلل، وينسب المسلمون الوالي إليهم وينادونه اليهود بـ"الحاخام يحي للو".

اقرأ أيضاً: تونس: محاولة إحراق مدرسة دينية يهودية
وتشير الرواية اليهودية إلى أنّ "ربي يحي للو" قدم قبل أزيد من أربعمائة سنة إلى المغرب، واستقر بقصر السوق وكان عالماً، يزوره الناس للاستفادة من حكمته، وتضيف الرواية أنّه ذات يوم قصده يهوديان ليحكمانه في نزاع قائم بينهما، وعندما أصدر"ربي يحي للو" حكمه في المنازعة، غضب الرجل الذي لم يكن الحكم لصالحه، وهكذا عثر عليه في الصباح ميتاً في داره، وهو الأمر الذي أحزن "ربي يحي للو" حيث لزم الفراش إلى أن مات.
المغرب يتوفر على حوالي 625 ضريحاً لحاخامات يهود

ولي صالح اضطر المسلمون لبيعه 
في أيار (مايو) من كل عام تقام "الهيلولة" على ضريح ربي يهودا الجبلي الولي الذي عاش رفقة دجاجته التي كانت تمنحه، كل صباح، بيضة، إلى أن مات العام 1780 ودفن؛ حيث عاش بمدينة القصر الكبير، وكان يتقي الله ومتمسكاً بديانته اليهودية ويعظ يهود المغرب بها، إلا أنّه كان يحترم المسلمين ويحترم الإسلام، لذلك لقبه المسلمون حينها في القصر الكبير بسيدي بلعباس، وتوفي وسُمي الحي الذي فيه ضريحه بحي بالعباس بالقصر الكبير تيمناً به وفقا "اساشار بنعمي".

اقرأ أيضاً: فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية
وحسب الرواية الشعبية التي مايزال السكان يرددونها في المنطقة هي أن "سيدي بلعباس" ولي صالح من المسلمين اضطروا، في إحدى أعوام الجوع، لبيعه لليهود الذين كانوا في حاجة إلى شرعية دينية بالمدينة .
يوزع بركاته على زواره دون تمييز
ويشار إلى أنّه في هذا العام، حج إلى المغرب أزيد من 2000 مغربي من الجالية اليهودية المقيمة في مختلف بلدان العالم، للتبرك بأضرحة الحاخامات والرِّبيين اليهود وأوليائهم المقدسين، ولإحياء صلة الرحم مع الطائفة اليهودية بالمغرب .
في قصبة تادلة يوجد ضريح "سيدي قاضي حاجة"، وحسب فوانو يقدس المسلمون المغاربة الولي "سيدي قاضي حاجة" دون تجريده من  يهوديته، معتبرين أنّه يوزع بركاته على زواره من الديانتين دون تمييز ديني.
ولم يقتصر التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب على المزارات المشتركة فحسب؛ بل كانت هناك مظاهر أخرى من بينها احترام الأعياد الدينية ففي تطوان خلال القرنين الـ18 والـ19، كان اليهود يوزعون الفطيرة على المسلمين في عيد الفصح اليهودي ويتقاسمون معهم الطعام، وفي المقابل كان المسلمون يهنّئون اليهود في عيد ميمونة؛ حيث يدخلون إلى الملاح ويقدمون التهاني لهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

30074
عدد القراءات

2018-10-14

في مدينة وزان بالمغرب يقع مزار تقصده النساء اليهوديات والمسلمات، اللواتي يرغبن في نيل البركة كي يتمكنّ من الإنجاب؛ فالاعتقاد بقدرات هؤلاء الأولياء، قاسم مشترك بين بعض المغاربة، سواء أكانوا مسلمين أم يهوداً، فهذا التعايش، بين اليهود والمسلمين المغاربة، والتداخل الروحي، شكّلا نموذجاً مغربياً متفرداً في العالم .
"وإذا كانت الأديان تغير الشعوب، فإنّ الشعوب، أيضاً، تغير الأديان" هكذا وصف المخطط الأول لمسيرة السوسيولوجية الكولونيالية في المغرب "ميشو بلير" التدين السائد في المجتمع المغربي.
حسب "ميشو بلير" فإنّ الفرد المغربي شكل ملامح تدينه وفق حاجته الوجودية والاجتماعية، فأنتج اسلاماً مغربياً أكثر تسامحاً مع الثقافات الاخرى، لقد تعايش مع باقي الأديان السماوية وسمح لها في أن تشكل هويته الروحية.
التثاقف الروحي والديني بين المسلمين واليهود
إنّ المزارات التي يقصدها اليهود والمسلمون في المغرب قصد التبرك، من أبرز معالم هذا التثاقف الروحي والديني بين المسلمين واليهود المغاربة، يشير "حاييم الزعفراني" المؤرخ المغربي في كتابه "يهود المغرب والأندلس" إلى أنّ "التقارب بين المسلمين واليهود لم يقتصر على العادات والتقاليد المشتركة، المتعلقة بالمأكل والمشرب والموسيقى واللباس، بل تعداها إلى ما هو روحي وعقائدي، وما هو مرتبط بممارسة السحر وكتابة الرقى؛ لطرد الشرورِ واستجلاب الأمن والبركة".

يزور المسلمون المغاربة الولي "سيدي يحي" أيام الخميس والجمعة ويزوره اليهود وهم يتوسطون المسلمين لتقديم هداياهم

وبحسب الأسطوغرافي الفرنسي الكولونيل "فوانو": "لم يتردد المسلمون الذين يحتكرون عن طواعية الشخصيات المقدسة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، في توجيه دعواتهم للأولياء اليهود، ويقدس اليهود بدورهم أولياء المسلمين وإن كان ذلك نادراً، فقبل الاحتلال الفرنسي احتمى يهود مراكش بمولاي علي الشريف بباب غيلان، وبسيدي بلعباس أو بمول القصور".
وبرغم أهمية ظاهرة المزارات المشتركة بين المسلمين واليهود المغاربة، غير أنها لم تنل ما تستحق من الدراسة والبحث، ولا نجد سوى دراستين منشورتين، واحدة للكولونيل "فوانو" بعنوان "المزارات اليهودية الاسلامية بالمغرب"، صدرت عام 1948 عن معهد الدراسات العليا المغربية، ودراسة أخرى عن "المركز الوطني للآداب" بفرنسا للكاتب "أساشار بن عمي"، صدرت العام 1990 بعنوان "طقس المزارات والأولياء اليهود المسلمين بالمغرب".

اقرأ أيضاً: قصة اليهود العرب.. كيف سقطوا في قبضة الصهيونية؟
في المغرب ثمة مزارات كثيرة تحظى بتقديس يهود ومسلمين مغاربة؛ فعلى بعد 6 كيلومترات شرق مدينة وجدة يوجد "الولي سيدي يحي بنيونس". وحسب المؤلف اليهودي بن عمي في كتابه "طقوس الأضرحة والأولياء اليهود بالمغرب"، فإنّ "الولي سيدي يحيى بنيونس، يعد واحداً من بين 36 ولياً، يتصارع المسلمون واليهود على  ملكيته".

رغم أهمية الظاهرة غير أنها لم تنل ما تستحق من الدراسة
ولفت المؤلف إلى وجود 126 ولياً يشترك المسلمون واليهود في زيارتهم، وقد قسم هذه اللائحة إلى ثلاثة أنواع، أولياء يهود يزورهم المسلمون، وأولياء مسلمون يزورهم اليهود، وقد أشار الكاتب إلى مجموعة من العادات اليهودية والمغربية المشتركة في الاحتفالات والولائم بمناسبة إحياء المناسبات الخاصة.
يزور المسلمون المغاربة الوالي "سيدي يحي"، أيام الخميس والجمعة، ويزوره اليهود، وهم يتوسطون المسلمين لتقديم هداياهم، أو يقدمون الزيت للبيعة، إكراما للوليهم الصالح ربي يحي بن دوسة، الذي خُص ببركة شفاء العقم.

اقرأ أيضاً: اليهود في الخليج.. حين هربوا من تنكيل العثمانيين وصاروا مواطنين
ويشتهر الضريح بالعلاج من العقم وتقصده المسلمات واليهوديات قصد التبرك والإنجاب، كما أنه يعتبر من أهم الأضرحة في المغرب التي تجمع الديانات الثلاث؛ حيث يزوره اليهود والمسيحيون والمسلمون.
الولي الحامي لمدينة وجدة والمدافع عنها
في الروايات الشعبية للمغاربة المسلمين "يعتقد أنّ سيدي يحيى بن يون"، كان معاصراً للمسيح وتنبأ بقدوم الرسول، وكان مستقراً في القدس قبل أن يشد الرحال على ناقته نحو المغرب بعد أن أحس بالمرض، دأب مريدوه على إخفاء قبره لئلا يتم تدنيسه أو تنقل رفاته خارج المغرب، واتخذوا لهم مسكناً في غار يسمى "غار الحريات" حتى يتمكنوا من البقاء بجواره والصلاة لأجله، وهو الولي الحامي لمدينة وجدة والمدافع عنها حتى وهو راقد في قبره منذ زمن، وكانت تسمى هذه المدينة باسمه قديماً، وهذا ما بقي راسخاً في أذهان واعتقاد أهالي مدينة وجدة".

يقدس المسلمون المغاربة الولي "سيدي قاضي حاجة" دون تجريده من  يهوديته معتبرين أنّه يوزع بركاته على زواره من الديانتين

وأشارت الباحثة مارية دادي في كتابها  "تاريخ مدينة وجدة" من التأسيس إلى العام 1830 إلى أنّ هناك روايات يهودية ومسيحية تتنازع في أصل سيدي يحي، وحسب الكاتبة، فرواية المسيحية تقول إنّ "سيدي يحيى زامن السيد المسيح وكان أحد حوارييه، قضى حياته في العبادة والصلاة، وإثر مرضه، حمله رفاقه على ظهر جمل، وعندما أحسّ بدنوّ أجله رغب أن يحفر قبره في المكان الذي يتوقف فيه الجمل، وهذا المكان كان هو العين الذي تسقى منها مدينة وجدة".
ويعتقد اليهود المغاربة بأنّ يهودياً من قشتالة اسمه "ربي يحيى بن دوسة"، لجأ إلى مدينة وجدة بعد أن طرده المسيحيون من الأندلس، وعندما وصل المنطقة، ذات مساء أراد أن يتوضأ فاحتاج إلى الماء، فشق الأرض لتخرج عين جارية، ثم استدعى يهود وادي تايغيت ليكونوا شهوداً على معجزته، إلا أنّهم صدّوا عنه فدعا الله أن يشتت شملهم، وبعد ذلك عاش "ربي يحي بن دوسة" جنب العين المباركة إلى أن حضره الموت فقام بحفر قبره بنفسه؛ حيث وجد مغموراً بالتراب بالقدرة الإلهية.

" كف ليهودي"
قرب مدينة صفرو يوجد ضريح مول جبل لخضر، على امتداد الطريق المؤدية إلى مدينة فاس، الضريح عبارة عن مغارة، لا وجود فيها لأثر لأي قبر، المسلمون يطلقون على هذا المكان اسم "كف ليهودي" ويقومون بزيارته، خصوصاً بعدما أكد لهم الشريف محمد الكتاني بأنّ بالمغارة قبر النبي دانييل، ودعاهم إلى تسمية المكان بـ" كف المومن" وليس "كف اليهودي" وتزور الولي النساء المسلمات، اللواتي يغتسلن داخل المغارة، طلباً للأبناء، وقد كان مقدم "السيد" مسلماً يعينه اليهود،على حد تعبير فوانو.
يعتقد بعض اليهود أنه يوجد داخل المغارة قبر النبي دانييل، في حين يعتقد الغالبية منهم أنّ الأمر يتعلق بالحاخام "أمران بن ديبان" الذي قدم إلى وزان؛ حيث ظل يستقبل الزوار في حياته وبعد موته.
تنظم الزيارة خلال العاشر من كل شهر عبري، ويقام الموسم في 18 من شهر آذار (مارس)، حيث تضاء المغارة خلال الاحتفالات وتقام الشعائر اليهودية داخلها.
معاقبة اللصوص بالشلل
وكشفت مديرة المتحف اليهودي في الدار البيضاء، زهور ارحيحل، أنّ الدراسات الإثنوغرافية، أكدت أنّ المغرب يتوفر على حوالي 625 ضريحاً لحاخامات يهود، مشددة على أنّ المغرب أرض مقدسة بالنسبة لليهود تحوي مئات المقابر لحاخامات كبار، والتي تم الحفاظ عليها منذ قرون.
ومن بين المقابر التي تنقسم الروايات اليهودية والمسلمة حولها ضريح "سيدي أبار"، الواقع بين المقبرتين؛ اليهودية والإسلامية بالراشيدية .
ويختص "ربي يحي للو" ببركة معاقبة اللصوص بالشلل، وينسب المسلمون الوالي إليهم وينادونه اليهود بـ"الحاخام يحي للو".

اقرأ أيضاً: تونس: محاولة إحراق مدرسة دينية يهودية
وتشير الرواية اليهودية إلى أنّ "ربي يحي للو" قدم قبل أزيد من أربعمائة سنة إلى المغرب، واستقر بقصر السوق وكان عالماً، يزوره الناس للاستفادة من حكمته، وتضيف الرواية أنّه ذات يوم قصده يهوديان ليحكمانه في نزاع قائم بينهما، وعندما أصدر"ربي يحي للو" حكمه في المنازعة، غضب الرجل الذي لم يكن الحكم لصالحه، وهكذا عثر عليه في الصباح ميتاً في داره، وهو الأمر الذي أحزن "ربي يحي للو" حيث لزم الفراش إلى أن مات.
المغرب يتوفر على حوالي 625 ضريحاً لحاخامات يهود

ولي صالح اضطر المسلمون لبيعه 
في أيار (مايو) من كل عام تقام "الهيلولة" على ضريح ربي يهودا الجبلي الولي الذي عاش رفقة دجاجته التي كانت تمنحه، كل صباح، بيضة، إلى أن مات العام 1780 ودفن؛ حيث عاش بمدينة القصر الكبير، وكان يتقي الله ومتمسكاً بديانته اليهودية ويعظ يهود المغرب بها، إلا أنّه كان يحترم المسلمين ويحترم الإسلام، لذلك لقبه المسلمون حينها في القصر الكبير بسيدي بلعباس، وتوفي وسُمي الحي الذي فيه ضريحه بحي بالعباس بالقصر الكبير تيمناً به وفقا "اساشار بنعمي".

اقرأ أيضاً: فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية
وحسب الرواية الشعبية التي مايزال السكان يرددونها في المنطقة هي أن "سيدي بلعباس" ولي صالح من المسلمين اضطروا، في إحدى أعوام الجوع، لبيعه لليهود الذين كانوا في حاجة إلى شرعية دينية بالمدينة .
يوزع بركاته على زواره دون تمييز
ويشار إلى أنّه في هذا العام، حج إلى المغرب أزيد من 2000 مغربي من الجالية اليهودية المقيمة في مختلف بلدان العالم، للتبرك بأضرحة الحاخامات والرِّبيين اليهود وأوليائهم المقدسين، ولإحياء صلة الرحم مع الطائفة اليهودية بالمغرب .
في قصبة تادلة يوجد ضريح "سيدي قاضي حاجة"، وحسب فوانو يقدس المسلمون المغاربة الولي "سيدي قاضي حاجة" دون تجريده من  يهوديته، معتبرين أنّه يوزع بركاته على زواره من الديانتين دون تمييز ديني.
ولم يقتصر التعايش بين المسلمين واليهود في المغرب على المزارات المشتركة فحسب؛ بل كانت هناك مظاهر أخرى من بينها احترام الأعياد الدينية ففي تطوان خلال القرنين الـ18 والـ19، كان اليهود يوزعون الفطيرة على المسلمين في عيد الفصح اليهودي ويتقاسمون معهم الطعام، وفي المقابل كان المسلمون يهنّئون اليهود في عيد ميمونة؛ حيث يدخلون إلى الملاح ويقدمون التهاني لهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: