"الأيام": كيف وظّف طه حسين الأسطورة لتحرير العقل؟

17688
عدد القراءات

2018-10-20

يمكن القول إنّ بنية أيّ خطاب ترتكز على: متكلم، وخطاب، ومخاطَب، وموضوع، مع توظيف الأدوات اللغوية للتأثير في المخاطب؛ حيث يأخذ الخطاب شكله الخاص، وفق موضوعه وقدرته على التماهي مع الكيفيات التعبيرية، التي تتجه نحو إحداث التأثير في المخاطب، بوصفه مكوناً رئيساً في بنية الخطاب.
ويعكس توظيف الأسطورة عند طه حسين قدرته على الإلمام بما أحاط بحياته من ظروف وملابسات، في محاولة جادة لتجاوز محنته الوجودية المعبّرة عن اغتراب محض، وصولاً إلى تشكّل مكوّنات الذات وتجلياتها، التي استبدلت عناصر القلق والغربة بإبداع حقيقي، كثف حضوراً إيجابياً للذات، في رحلتها من الظلمة إلى النور، وهو ما يظهر بوضوح في سيرته الذاتية "الأيام".

في "الأيام"؛ يحدثنا طه حسين عن محنة الوجود وقسوة القلق

محنة طه حسين واختبار الوجود
يقول سارتر: "الإنسان قُذف به إلى هذا العالم دون أن يكون في وسعه التخلص من هذا الوضع، وقد ترك لنفسه، وأودع وجوده بين يديه، لتغدو حياته اختباراً مستمراً للذات في كلّ لحظة من لحظات وجوده، وليس ثمة رجاء في أن يتخلص الإنسان من هذه الضرورة التي فرضت عليه فرضاً، وهو وحده يتحمل تبعات وجود لا يدَ له فيه، ولن يجد عوناً في هذه الأرض، وقد حكم عليه بمواجهة ألغازها وقسوتها وحده".

ترصد "الأيام" مدى تزامن القلق الوجودي عند طه حسين بالأسطورة، وكيف ارتبطت معها ذاكرته التي اختزنت أعوامه الأولى

وكأنّ محنة الوجود السارترية امتزجت باللاسببية عند كافكا؛ حيث الحياة درب من دروب الجبر، فذلك الموجود البشري، في ظنّه، جاء دون أن يُسأل عن رأيه، ودون أن يبدي رغبته في الوجود، وهو واقع طيلة الوقت تحت حصار الظروف والأحداث والأشخاص، وحتى دواخل نفسه وتطلعاته، كلّ هذا يحاصره في إصرار.
رغم إيقانه بمحنة الوجود، وقد سُلبت منه واحدة من أهم أدوات الإدراك، كانت الحياة عند طه حسين ضرورة فرضت عليه معطياتها الخاصة، فلم ينادِ بالهرب يأساً أو انتحاراً أو تمرداً، إنما بحث في غياهب نفسه، متفاعلاً مع حالة القلق الوجودي التي انتابته.

اقرأ أيضاً: حكم جديد بإعدام طه حسين!
في "الأيام"؛ يحدثنا طه حسين عن محنة الوجود وقسوة القلق، الذاهب به ومعه، إلى حيث لا يدري، يصيبه الألم كلّما تذكر صباه البائس، والحنق من الحياة بكل ما فيها، فهي في رأيه تنقسم إلى: "حياة مادية ضيقة عسيرة، كأقصى ما يكون الإجداب والفقر، وحياة عقلية مجدبة فقيرة، كأشدّ ما يكون الإجداب والفقر"، وتستمر قصة صراع الذات مع وجودها، ليصل إلى حالة من الاغتراب الكامل، وهو اغتراب تداخلت فيه الأمكنة وثقلت فيه الأيام، فكانت أعوام دراسته في الأزهر، على حدّ تعبيره: "كأنها الليل المظلم قد تراكمت فيه السحب القاتمة الثقال فلم تدع للنور إليه منفذاً".

اقرأ أيضاً: كيف دافع طه حسين عن الإسلام في رده على أندريه جيد؟

وفي فرنسا؛ لم يتغير الأمر كثيراً، فكان يرى نفسه "غريباً أينما كان وحيثما حلّ، لا يكاد يفرّق بين وطنه الذي نشأ فيه، وغيره من الأوطان الأجنبية؛ كان غريباً في وطنه، وغريباً في فرنسا، وكانت الطبيعة بالقياس إليه كلمة يسمعها ولا يعقلها، ولا يحقق من أمرها شيئاً، كأنما أغلق من دونها بالقياس إليه باب لا سبيل له من النفوذ إليه، كان ينكر الناس وينكر الأشياء، وكان كثيراً ما ينكر نفسه ويشكّ في وجوده".
لكنّ ذلك القلق المحض مع طه حسين بدأ يستحيل إلى إدراك عميق للأنا، فالخلاص يأتي أخيراً من خلال استدعاء صوت ملأ عليه الوجود القاتم، وأحاله إلى نور لا ينطفئ، استدعاه بكل ما أوتي من إرادة ورغبة صادقة في الحياة، فجاءه طوعاً ليخرج من غيابات الجبّ إلى فضاءات رحبة لا تضيق به، كان الصوت "يحدّثه عن الناس، فيلقي في روعه أنّه يراهم، وكان يحدثه عن الطبيعة، فيشعره بها شعور من يعرفها عن قرب، وكان يحدثه عن الشمس حين تملأ الأرض نوراً، وعن الليل حين يملأ الأرض ظلمة، وعن مصابيح السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وعن الجبال حين تتخذ من الجليد تيجانها الناصعة، وعن الشجر حين ينشر حوله الظلّ والروح والجمال، وعن الأنهار حين تجري عنيفة، والجداول حين تسعى رشيقة، وغير ذلك من مظاهر الجمال والروعة ومظاهر القبح والبشاعة، فيمن كان يحيط به من الناس، وفيما كان يحيط به من الأشياء".

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
وعليه؛ يأتي الخيال ليحرّر العقل من أسيجة الحزن، خلاصاً ذاتياً، فلم يكن الصوت أبداً من خارجه، لم تنطق به سوى ذاته، ولم تستشعره غير الأنا الراغبة في الحياة، ليخرج من محنة الوجود القلق إلى رحاب الواقع الممتدّ بلا نهاية.
نجح طه حسين فيما فشل فيه كافكا، الذي لم يستطع الفكاك من دوائره المستحيلة، وقد أسبغ المرض على محنة وجوده لوناً أكثر قتامة، ومضى يحاكي "سامسا"، بطل روايته "المسخ"، مستنزفاً آخر ما تبقى من قواه الخائرة في الزحف نحو الموت ليتخلص من تبعات وأعباء وجوده، فكان الموت أشبه بالدفء في شتاء لا ينتهي.
وكافكا، على حدّ قول طه حسين:" وجد أمامه سداً منيعاً لا يستطيع أن يتجاوزه، فوقف حيث ينتهي به السعي، واستأنف السير في طريق أخرى، وانتهى من هذه الطريق الأخرى إلى مثل ما انتهى إليه في الطريق الأولى، فوقف ثم استأنف السير في طريق ثالثة، وما يزال كذلك يبدأ الطرق، ولكنه لا ينتهي منها إلى غاية".

نجح طه حسين فيما فشل فيه كافكا، الذي لم يستطع الفكاك من دوائره المستحيلة
جدل الأسطورة والواقع

ترصد "الأيام" مدى تزامن القلق الوجودي عند طه حسين بحضور كبير للأسطورة، وكيف ارتبطت معها ذاكرته، التي اختزنت الأعوام الأولى من حياته، قبل أن يفقد بصره، اختزاناً دقيقاً؛ حيث تعمل الأسطورة ويتحقق عالمها عبر وسائط إنسانية تساعد في تفسير علاقة الإنسان بالكون أو بنظام اجتماعي بذاته، أو عُرف بعينه، أو بيئة لها خصائص تنفرد بها، في إطار من المفارقة الرامية إلى إدراك وتوظيف ما هو خارق، بغضّ النظر عن حقيقة وجوده من عدمها.

في "القصر المسحور" يستدعي طه حسين عناصر الأسطورة التي وظفها في "الأيام"، ليحررها تماماً من أسر الواقع وحكايا البسطاء

وبالتالي؛ فإنّ الحضور الكلّي للأسطورة في المعرفة، أو في الدراسات البينية التي تعني تردّد موضوع واحد بين أكثر من حقل معرفي، وجد صداه عند طه حسين، ورصده بدقة في "الأيام"؛ حيث عايش عالماً أسطورياً مفارقاً تشكل في قلب الواقع الحسيّ وبمفرداته نفسها؛ فها هو  الصغير في "الأيام" يتعلق بالسحر، رغبة في إدراك القدرة على الإخبار بالغيب، "وتجاوز حدود القوانين الطبيعية أيضاً والاتصال بعالم الأرواح"، ويبدي انزعاجاً من تلك الكائنات اللامنظورة (الجنّ)، التي تؤرق مضجعه ليلاً، حيث "كانت تهبط تحت الأرض كلّما أضاءت الشمس واضطرب الناس، فإذا أوت الشمس إلى كهفها، والناس إلى مضاجعهم، وأطفئت السرج، وهدأت الأصوات، صعدت هذه العفاريت من تحت الأرض، وملأت الفضاء حركة واضطراباً وتهامساً وصياحاً".

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين
وعليه، بات تحوّل المكان الحسي إلى مكان أسطوري بنيوي أمراً مألوفاً، ليعثر طه حسين على عالمه، الذي يقف فيه متحدياً العالم الحسّي المقيد؛ حيث تسهل الحركة فيه بلا قيود، وعندما يختلط الأسطوري بالواقع، تصبح الحدود بين داخل الإنسان وخارجه، أو بين الذات والموضوع باهتة، وذلك مردّه إلى الصراع اللاشعوري للإنسان  بين النظام والفوضى، بحسب توصيف نبيلة إبراهيم: "وقد كان لاشعور طه حسين، إبان حياته الأولى، مستودعاً للإحساس بالفوضى والظلمة، لينقلب المكان الآمن الساكن إلى مكان للأشباح التي تعيث فيه فساداً بأصواتها الغريبة تارة، وأشكالها المفزعة تارة أخرى".
وتوظيف الأسطورة هنا يدل على بنية متكاملة، تدخل في التركيبة النفسية الفردية عند طه حسين، وللمتخيل في تلك السياقات معقوليته ومنطقه الداخلي، ولعلّ شهرزاد في "القصر المسحور" جسدت هذا النزوع لعوالم الخيال، بشكل يؤكد أنّ العلاقة بين المتخيل والواقع التاريخي المندرج فيه علاقة دينامية لا تتوقف، وللمتخيل كذلك علاقة وثيقة بالأسطورة، التي تتجلى في صورة خطاب يأتي في شكل سردية ترتكز على نظام لغويّ واضح المعالم.

اقرأ أيضاً: رجل القانون محمد نور إذ ينتصر لفكر طه حسين

في "القصر المسحور"، يستدعي طه حسين عناصر الأسطورة التي وظفها في "الأيام"، ليحررها تماماً من أسر الواقع وحكايا البسطاء؛ حيث يقوم باستدعاء شهرزاد، التي قررت الانتقام من صديقه توفيق الحكيم، وقد أقبلت وشخوص حكايتها "كلّهم يريد أن يقتص منه؛ لأنّه صوّرهم على غير ما يحبّون، وأنطقهم بما لا يرضون".
وفي خطابه إلى بطلة حكايات "ألف ليلة وليلة"؛ يطرح طه حسين تصوره للعلاقة بين عالم الأسطورة وعالم الواقع، وكيف أنّ كليهما في حاجة إلى الآخر، فمثلما تعمل الأسطورة على تشكيل وعي الإنسان وتجسيد علاقته بالموجودات، فإنّ اتصال هذا الإنسان بشخوصها الخالدين يمنحهم قيمة لا تضاهيها قيمة، يقول طه حسين في نهاية خطابه لشهرزاد: "الخلود وحده لا يكفي لسعادة الخالدين، إنما قيمة الخلود أن يتصل من حين إلى حين بالفناء وأصحاب الفناء"، هنا يمثل اتصال الكينونة الذاتية بالفعل الأسطوري، إشارة إلى عمق الموروث الكامن في الذاكرة.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
وبحسب وليد منير: "تتجلى الكينونة دائماً عبر الفعل في الزمن والمكان، وتتجلى هوية الفعل في الرغبات الدفينة التي تدفع به إلى الظهور، فيما تتجلى أيضاً في علاقته بفعل الآخر وبرغبته، إن مشهد الفاعلية المتبادلة بين الأنا وذاتها، وبين الأنا والآخر هو مشهد الكينونة، وهو مشهد يتصدر خطاب طه حسين، ويستبد به، منذ تعثرت خطوات طفل حالم في طرقات قريته المظلمة ظلمة لا نهاية لها، ففتح لذاته نوافذ عوالم سحرية ساعدته في تجاوز محنة وجوده، وتبلورت في دروب المعرفة التي نهل منها شرقاً وغرباً. ذات خرجت عن صمتها لتخاطب الجميع، وتمدّ إليهم يد المساعدة، ليلحقوا بها نحو سماوات تتسع بطول الأحلام وعرض إرادة صلبة لا تنكسر.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

"الأيام": كيف وظّف طه حسين الأسطورة لتحرير العقل؟

17688
عدد القراءات

2018-10-20

يمكن القول إنّ بنية أيّ خطاب ترتكز على: متكلم، وخطاب، ومخاطَب، وموضوع، مع توظيف الأدوات اللغوية للتأثير في المخاطب؛ حيث يأخذ الخطاب شكله الخاص، وفق موضوعه وقدرته على التماهي مع الكيفيات التعبيرية، التي تتجه نحو إحداث التأثير في المخاطب، بوصفه مكوناً رئيساً في بنية الخطاب.
ويعكس توظيف الأسطورة عند طه حسين قدرته على الإلمام بما أحاط بحياته من ظروف وملابسات، في محاولة جادة لتجاوز محنته الوجودية المعبّرة عن اغتراب محض، وصولاً إلى تشكّل مكوّنات الذات وتجلياتها، التي استبدلت عناصر القلق والغربة بإبداع حقيقي، كثف حضوراً إيجابياً للذات، في رحلتها من الظلمة إلى النور، وهو ما يظهر بوضوح في سيرته الذاتية "الأيام".

في "الأيام"؛ يحدثنا طه حسين عن محنة الوجود وقسوة القلق

محنة طه حسين واختبار الوجود
يقول سارتر: "الإنسان قُذف به إلى هذا العالم دون أن يكون في وسعه التخلص من هذا الوضع، وقد ترك لنفسه، وأودع وجوده بين يديه، لتغدو حياته اختباراً مستمراً للذات في كلّ لحظة من لحظات وجوده، وليس ثمة رجاء في أن يتخلص الإنسان من هذه الضرورة التي فرضت عليه فرضاً، وهو وحده يتحمل تبعات وجود لا يدَ له فيه، ولن يجد عوناً في هذه الأرض، وقد حكم عليه بمواجهة ألغازها وقسوتها وحده".

ترصد "الأيام" مدى تزامن القلق الوجودي عند طه حسين بالأسطورة، وكيف ارتبطت معها ذاكرته التي اختزنت أعوامه الأولى

وكأنّ محنة الوجود السارترية امتزجت باللاسببية عند كافكا؛ حيث الحياة درب من دروب الجبر، فذلك الموجود البشري، في ظنّه، جاء دون أن يُسأل عن رأيه، ودون أن يبدي رغبته في الوجود، وهو واقع طيلة الوقت تحت حصار الظروف والأحداث والأشخاص، وحتى دواخل نفسه وتطلعاته، كلّ هذا يحاصره في إصرار.
رغم إيقانه بمحنة الوجود، وقد سُلبت منه واحدة من أهم أدوات الإدراك، كانت الحياة عند طه حسين ضرورة فرضت عليه معطياتها الخاصة، فلم ينادِ بالهرب يأساً أو انتحاراً أو تمرداً، إنما بحث في غياهب نفسه، متفاعلاً مع حالة القلق الوجودي التي انتابته.

اقرأ أيضاً: حكم جديد بإعدام طه حسين!
في "الأيام"؛ يحدثنا طه حسين عن محنة الوجود وقسوة القلق، الذاهب به ومعه، إلى حيث لا يدري، يصيبه الألم كلّما تذكر صباه البائس، والحنق من الحياة بكل ما فيها، فهي في رأيه تنقسم إلى: "حياة مادية ضيقة عسيرة، كأقصى ما يكون الإجداب والفقر، وحياة عقلية مجدبة فقيرة، كأشدّ ما يكون الإجداب والفقر"، وتستمر قصة صراع الذات مع وجودها، ليصل إلى حالة من الاغتراب الكامل، وهو اغتراب تداخلت فيه الأمكنة وثقلت فيه الأيام، فكانت أعوام دراسته في الأزهر، على حدّ تعبيره: "كأنها الليل المظلم قد تراكمت فيه السحب القاتمة الثقال فلم تدع للنور إليه منفذاً".

اقرأ أيضاً: كيف دافع طه حسين عن الإسلام في رده على أندريه جيد؟

وفي فرنسا؛ لم يتغير الأمر كثيراً، فكان يرى نفسه "غريباً أينما كان وحيثما حلّ، لا يكاد يفرّق بين وطنه الذي نشأ فيه، وغيره من الأوطان الأجنبية؛ كان غريباً في وطنه، وغريباً في فرنسا، وكانت الطبيعة بالقياس إليه كلمة يسمعها ولا يعقلها، ولا يحقق من أمرها شيئاً، كأنما أغلق من دونها بالقياس إليه باب لا سبيل له من النفوذ إليه، كان ينكر الناس وينكر الأشياء، وكان كثيراً ما ينكر نفسه ويشكّ في وجوده".
لكنّ ذلك القلق المحض مع طه حسين بدأ يستحيل إلى إدراك عميق للأنا، فالخلاص يأتي أخيراً من خلال استدعاء صوت ملأ عليه الوجود القاتم، وأحاله إلى نور لا ينطفئ، استدعاه بكل ما أوتي من إرادة ورغبة صادقة في الحياة، فجاءه طوعاً ليخرج من غيابات الجبّ إلى فضاءات رحبة لا تضيق به، كان الصوت "يحدّثه عن الناس، فيلقي في روعه أنّه يراهم، وكان يحدثه عن الطبيعة، فيشعره بها شعور من يعرفها عن قرب، وكان يحدثه عن الشمس حين تملأ الأرض نوراً، وعن الليل حين يملأ الأرض ظلمة، وعن مصابيح السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وعن الجبال حين تتخذ من الجليد تيجانها الناصعة، وعن الشجر حين ينشر حوله الظلّ والروح والجمال، وعن الأنهار حين تجري عنيفة، والجداول حين تسعى رشيقة، وغير ذلك من مظاهر الجمال والروعة ومظاهر القبح والبشاعة، فيمن كان يحيط به من الناس، وفيما كان يحيط به من الأشياء".

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
وعليه؛ يأتي الخيال ليحرّر العقل من أسيجة الحزن، خلاصاً ذاتياً، فلم يكن الصوت أبداً من خارجه، لم تنطق به سوى ذاته، ولم تستشعره غير الأنا الراغبة في الحياة، ليخرج من محنة الوجود القلق إلى رحاب الواقع الممتدّ بلا نهاية.
نجح طه حسين فيما فشل فيه كافكا، الذي لم يستطع الفكاك من دوائره المستحيلة، وقد أسبغ المرض على محنة وجوده لوناً أكثر قتامة، ومضى يحاكي "سامسا"، بطل روايته "المسخ"، مستنزفاً آخر ما تبقى من قواه الخائرة في الزحف نحو الموت ليتخلص من تبعات وأعباء وجوده، فكان الموت أشبه بالدفء في شتاء لا ينتهي.
وكافكا، على حدّ قول طه حسين:" وجد أمامه سداً منيعاً لا يستطيع أن يتجاوزه، فوقف حيث ينتهي به السعي، واستأنف السير في طريق أخرى، وانتهى من هذه الطريق الأخرى إلى مثل ما انتهى إليه في الطريق الأولى، فوقف ثم استأنف السير في طريق ثالثة، وما يزال كذلك يبدأ الطرق، ولكنه لا ينتهي منها إلى غاية".

نجح طه حسين فيما فشل فيه كافكا، الذي لم يستطع الفكاك من دوائره المستحيلة
جدل الأسطورة والواقع

ترصد "الأيام" مدى تزامن القلق الوجودي عند طه حسين بحضور كبير للأسطورة، وكيف ارتبطت معها ذاكرته، التي اختزنت الأعوام الأولى من حياته، قبل أن يفقد بصره، اختزاناً دقيقاً؛ حيث تعمل الأسطورة ويتحقق عالمها عبر وسائط إنسانية تساعد في تفسير علاقة الإنسان بالكون أو بنظام اجتماعي بذاته، أو عُرف بعينه، أو بيئة لها خصائص تنفرد بها، في إطار من المفارقة الرامية إلى إدراك وتوظيف ما هو خارق، بغضّ النظر عن حقيقة وجوده من عدمها.

في "القصر المسحور" يستدعي طه حسين عناصر الأسطورة التي وظفها في "الأيام"، ليحررها تماماً من أسر الواقع وحكايا البسطاء

وبالتالي؛ فإنّ الحضور الكلّي للأسطورة في المعرفة، أو في الدراسات البينية التي تعني تردّد موضوع واحد بين أكثر من حقل معرفي، وجد صداه عند طه حسين، ورصده بدقة في "الأيام"؛ حيث عايش عالماً أسطورياً مفارقاً تشكل في قلب الواقع الحسيّ وبمفرداته نفسها؛ فها هو  الصغير في "الأيام" يتعلق بالسحر، رغبة في إدراك القدرة على الإخبار بالغيب، "وتجاوز حدود القوانين الطبيعية أيضاً والاتصال بعالم الأرواح"، ويبدي انزعاجاً من تلك الكائنات اللامنظورة (الجنّ)، التي تؤرق مضجعه ليلاً، حيث "كانت تهبط تحت الأرض كلّما أضاءت الشمس واضطرب الناس، فإذا أوت الشمس إلى كهفها، والناس إلى مضاجعهم، وأطفئت السرج، وهدأت الأصوات، صعدت هذه العفاريت من تحت الأرض، وملأت الفضاء حركة واضطراباً وتهامساً وصياحاً".

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين
وعليه، بات تحوّل المكان الحسي إلى مكان أسطوري بنيوي أمراً مألوفاً، ليعثر طه حسين على عالمه، الذي يقف فيه متحدياً العالم الحسّي المقيد؛ حيث تسهل الحركة فيه بلا قيود، وعندما يختلط الأسطوري بالواقع، تصبح الحدود بين داخل الإنسان وخارجه، أو بين الذات والموضوع باهتة، وذلك مردّه إلى الصراع اللاشعوري للإنسان  بين النظام والفوضى، بحسب توصيف نبيلة إبراهيم: "وقد كان لاشعور طه حسين، إبان حياته الأولى، مستودعاً للإحساس بالفوضى والظلمة، لينقلب المكان الآمن الساكن إلى مكان للأشباح التي تعيث فيه فساداً بأصواتها الغريبة تارة، وأشكالها المفزعة تارة أخرى".
وتوظيف الأسطورة هنا يدل على بنية متكاملة، تدخل في التركيبة النفسية الفردية عند طه حسين، وللمتخيل في تلك السياقات معقوليته ومنطقه الداخلي، ولعلّ شهرزاد في "القصر المسحور" جسدت هذا النزوع لعوالم الخيال، بشكل يؤكد أنّ العلاقة بين المتخيل والواقع التاريخي المندرج فيه علاقة دينامية لا تتوقف، وللمتخيل كذلك علاقة وثيقة بالأسطورة، التي تتجلى في صورة خطاب يأتي في شكل سردية ترتكز على نظام لغويّ واضح المعالم.

اقرأ أيضاً: رجل القانون محمد نور إذ ينتصر لفكر طه حسين

في "القصر المسحور"، يستدعي طه حسين عناصر الأسطورة التي وظفها في "الأيام"، ليحررها تماماً من أسر الواقع وحكايا البسطاء؛ حيث يقوم باستدعاء شهرزاد، التي قررت الانتقام من صديقه توفيق الحكيم، وقد أقبلت وشخوص حكايتها "كلّهم يريد أن يقتص منه؛ لأنّه صوّرهم على غير ما يحبّون، وأنطقهم بما لا يرضون".
وفي خطابه إلى بطلة حكايات "ألف ليلة وليلة"؛ يطرح طه حسين تصوره للعلاقة بين عالم الأسطورة وعالم الواقع، وكيف أنّ كليهما في حاجة إلى الآخر، فمثلما تعمل الأسطورة على تشكيل وعي الإنسان وتجسيد علاقته بالموجودات، فإنّ اتصال هذا الإنسان بشخوصها الخالدين يمنحهم قيمة لا تضاهيها قيمة، يقول طه حسين في نهاية خطابه لشهرزاد: "الخلود وحده لا يكفي لسعادة الخالدين، إنما قيمة الخلود أن يتصل من حين إلى حين بالفناء وأصحاب الفناء"، هنا يمثل اتصال الكينونة الذاتية بالفعل الأسطوري، إشارة إلى عمق الموروث الكامن في الذاكرة.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
وبحسب وليد منير: "تتجلى الكينونة دائماً عبر الفعل في الزمن والمكان، وتتجلى هوية الفعل في الرغبات الدفينة التي تدفع به إلى الظهور، فيما تتجلى أيضاً في علاقته بفعل الآخر وبرغبته، إن مشهد الفاعلية المتبادلة بين الأنا وذاتها، وبين الأنا والآخر هو مشهد الكينونة، وهو مشهد يتصدر خطاب طه حسين، ويستبد به، منذ تعثرت خطوات طفل حالم في طرقات قريته المظلمة ظلمة لا نهاية لها، ففتح لذاته نوافذ عوالم سحرية ساعدته في تجاوز محنة وجوده، وتبلورت في دروب المعرفة التي نهل منها شرقاً وغرباً. ذات خرجت عن صمتها لتخاطب الجميع، وتمدّ إليهم يد المساعدة، ليلحقوا بها نحو سماوات تتسع بطول الأحلام وعرض إرادة صلبة لا تنكسر.

اقرأ المزيد...

الوسوم: