سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة

5136
عدد القراءات

2018-01-22

لطالما كان التحليق خارج السرب يمثل مغامرة تحفها مخاطر الإدانة والنفي وربما القتل، كان ضوء المعرفة وهو يتسلل عبر النوافذ الموصدة، يمثل هاجساً لأولئك الذين اعتادوا الظلام، وكأنّ المستسلمين طوعاً للموت، يرفضون بإصرار محاولات من يؤرقهم بإمكان وجود حياة خارج ظلمات القبور، بينما ذاكرة التاريخ المثخنة بالنكبات تزيح ستارها كل حين عن مشهد دموي، يقترفه القتلة بحجة نصرة الله ودينه.

صخب تاريخي معتاد

من قبل وقف والي الكوفة خالد بن عبد الله القسري يخطب على المنبر في ليلة عيد الأضحى قائلاً: "أيها الناس اذهبوا وضحوا بضحاياكم، تقبل الله منا ومنكم، أما أنا فإني مضحٍّ اليوم بالجعد بن درهم؛ فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليماً ولا اتخذ خليلاً، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً"، ثم نزل واستل سكيناً وذبحه أسفل المنبر بتهمة نفي الصفات عن الله!

وذات مساء، كان الصخب المدوي يهز أرجاء الحلبة، في طقس عبور حتمي يمارس فيه العقل الحر وجوده، ويواصل فيه العقل الماضوي تحجره وجموده، وقف غيلان الدمشقي رافعاً قلمه، في مواجهة سدنة الهيكل، يمثلهم الشيخ الفقيه الأوزاعي في حضرة الخليفة هشام بن عبد الملك، فيحمى وطيس المناظرة، ويكيل العقل ضرباته الموجعة لدعاة الصنمية ولصوص الله، وحين يفشل الفقيه في الرد بالحجة، فإنه يفتي بردة الفليسوف وكفره، ليُساق الدمشقي نحو مقصلة سوف تطيح بالكثيرين فيما بعد باسم السماء.

عندما حاصر فقهاء العصور الوسطى وحلفاؤهم فرج فودة كان يخوض مغامرته الأخيرة من أجل تحرير العقل

عندما يضل المنطق طريقه

لعلها القوانين التي تحكم عالمنا، وتحيله إلى مدارات متداخلة من الأفكار المتصارعة، هي ذاتها التي تدفع بالمبدعين نحو حافة الموت؛ حين ينتهى طريق الأفكار المخملية بهوة سحيقة من الجهل والتعصب، ففي الوقت الذي وقف فيه فقهاء العصور الوسطى وحلفاؤهم يحاصرون فرج فودة، كان الأخير يخوض مغامرته الأخيرة من أجل تحرير العقل من ربقة الجبر وسطوة رجال الدين، ومضى يحلق بأفكاره خارج حدود القطيع الذاهب طوعاً نحو هوة الانسحاق، كان التحريض على أشده، وقد ضاقت صدور الفقهاء بما يقوم به من تقويض لأصنامهم، فأصدرت جبهة علماء الأزهر تصريحاً بالقتل، حين اتهمته بالردة والخروج عن الدين.

من جديد أعدت الحلبة لمنافسة أخيرة، ومضلَّل مهووس ينتظر بشغف تصريحاً بالقتل، يعد سكينه، وآلاف المتفرجين ينتظرون بحماسة نتيجة النزال، لم يكن مدهشاً أن تكون مناظرة فرج فودة الأخيرة وسط هذا الحشد الهائل من الجماهير التي احتشدت خارج القاعة على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب العام 1992، من كل صوب حشد الإسلاميون أنصارهم، ولم تبخل جماعة الإخوان المسلمين بالجهد كعادتها في الحشد والتجييش، ثلاثون ألفاً اختلطت صيحاتهم الغاضبة بضجيج التكبيرات التي أخذت تستنزل اللعنات على المصارع وحده في حلبة الموت.

متسلحاً بالعقل والمنطق تحدى فودة مناظريه في مناظرته الأخيرة أن يأتوا ببرهان على حتمية الدولة الدينية

النزال الأخير على حلبة الموت

"مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، هو العنوان الذي حملته مناظرة فرج فودة الأخيرة، منذ نحو ربع قرن، وقف فقهاء الوسطية: الشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة، تحت لواء القيادى الإخواني محمد المأمون الهضيبي، المرشد السادس لجماعة الإخوان المسلمين، مؤيدين بصيحات الجماهير، في مواجهة فرج فودة الذي تصدى لضرباتهم بالعقل والمنطق، متحدياً أن يأتوا ببرهان على حتمية الدولة الدينية، حتى بُهت الكهنة، بينما فقدت الجماهير حماستها، فكانت الحيلة القديمة، حيلة الأوزاعي حين أفتى بكفر غيلان الدمشقي.

كانت مداخلة فرج فودة هي الأخيرة، حيث أظهر للغزالي في هدوء شديد مدى التناقض بين ما يقوله، وما سبق أن صرح به من قبل، موضحاً خطايا الدولة الدينية على مر العصور، ومؤيداً ما ذهب إليه زميله في المناظرة الدكتور محمد أحمد خلف الله، ثم انتقل إلى الهضيبي موجهاً سؤالاً مباشراً: قولوا لنا سيادة المستشار الهضيبي وأنت رجل قانون إذا كان التنظيم السري جزءاً من فصائلكم أم لا؟ تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي ومقتل الخازندار.. هذه بدايات لحل إسلامي صحيح؟ ثم طرح تساؤله الصادم حول إمكانية أن يظل الإسلام في ظل هذه الأيديولجيا دين السلام والرحمة الذي يرفض أن يقتل مسلماً زوراً وبهتاناً لمجرد خلاف رأي.

عندما فشل المنطق بدأت وتيرة التكفير بالصعود فانبرى الإسلاميون بعد المناظرة في المزايدة على إيمان فودة بشتى الوسائل

ثم مضى يفند أقوال الدكتور محمد عمارة الذي قال: "إن بديل الدولة الدينية دولة لادينية"، مؤكداً تناقض هذا مع وجود الأقليات الدينية تحت مظلة الدولة المدنية الواحدة، وقال إنّ الأقباط قاوموا المستعمر تحت شعار المواطنة لا الدولة الدينية، ومضى فودة يرسخ منطلقات الحوار الهادئ كسمة للدولة الحضارية، وكيف أن الاختلاف يضمن حيوية الفكر وازدهار الثقافة، وهو في رأيه أمر لم يكن غريباً عن الدولة الإسلامية ذاتها، حيث "نقل لنا التاريخ – على حد تعبيره- كتابات الملحدين داخل الدولة الإسلامية عندما كانت في قمة حضارتها، ولم يرتفع السيف، كان الحديث بالحروف وليس بالكلاشنكوف".

رد الهضيبي محاولاً نفي تهمة الإرهاب عن جماعته، لكنه بدلاً من ذلك، وتحت ضغط الحوار اعترف به ضمنياً، فقال في عصبية: "نحن نفخر ونتقرب إلى الله بالجهاز السري"، فهتف الحاضرون من جماعته: الله أكبر. فاستدرك سريعاً في مزايدة دعائية، بأن مهمة التنظيم الإخواني المسلح كانت العمل على دحر المستعمر وتحرير فلسطين، ثم تنصل من قتل النقراشي بحجة أنه كان قراراً فردياً، لكنه أخذ يبرر عملية القتل قائلاً: "هل تستطيع أن تخبرني من الذي ولى النقراشي في مصر، وبأي حق ملك رقابنا في مصر يتصرف فيها، بأي حق حل جماعة الإخوان وقبض على المجاهدين العائدين من قتال اليهود وزج بهم في السجون وأذاقهم العذاب والهوان"!.

رصاصة التفويض الإلهي

نجح فرج فودة في استفزازهم بالعقل والمنطق، فجاء حديثهم عصبياً مرتبكاً ومتناقضاً، وعندما يفشل المنطق تبدأ وتيرة التكفير في الصعود، انبرى الإسلاميون بعد المناظرة في المزايدة على إيمان فودة، وتكفيره بشتى الأشكال، فخرجت جريدة النور السلفية بفتوى أباحت فيها دمه، وعلقت زينب الغزالي على المناظرة ببيان جاء فيه: "لا يجب أن نناظر هؤلاء الغلاة في محاربتهم للإسلام، إننا على الحق، والحق سينتصر إن شاء الله، وإن تجمعت عليه دروب الباطل"، وفي إقرار مباشر وتصريح علني بالتكفير قالت في ختام بيانها: "لو أن هؤلاء الغلاة حملت قلوبهم ذرة من إيمان أو ذرة من التصديق بالإسلام لكانوا تنازلوا عن معارضتهم لأئمة الدين الذين كانوا يتناظرون معهم، ولكن لأن الشيطان دائماً يغلب على ضعاف اليقين بالله فهم جميعاً متحرزون عن جادة الحق والصواب".

أعدت الحلبة لمنافسة أخيرة ومضلَّل مهووس ينتظر بشغف تصريحاً بالقتل وآلاف المتفرجين ينتظرون بحماسة نتيجة النزال

لم يتبق سوى تفاصيل بسيطة لينتهي كل شيء، أعد القاتل عدته بليل، وفي صباح الثامن من حزيران (يونيو) 1992 سقط فرج فودة شهيداً برصاصات الغدر، في التحقيقات اعترف القاتل بتنفيذ جريمته بناء على فتوى مفتى الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن، وأكد القاتل أنه أمي لا يقرأ، ولا يعرف عن الضحية سوى أنه مرتد عن الدين، مارق عن القطيع، فنفذ فيه إرادة السماء وفقاً لأوامر الفقهاء؛ هكذا تبدأ حلقات الموت المجاني حين يستلب العقل في دوائر التغييب.

كان مبدأ التفويض الإلهي حيلة الكهنة منذ القدم، في محاولة للمماهاة بين حاكمية الله وسلطة الكهنة، وربما كان العقل الجمعي يرى في الانصياع لهم ملجأً يوفر نوعاً من الحماية الداخلية والأمن المعنوي تجاه الهزيمة على الصعيد الاجتماعي والسياسي؛ تجاه خطاب ديني متعدد الدلالات والإيحاءات والمعاني، قد يجمع بين الحقيقة وجملة من الأكاذيب والأساطير والابتزاز العاطفي، ويسعى دوماً إلى تعبئة النفوس وشحن العقول حتى يحمل أصحابها السيف ذاته الذي أطاح بغيلان الدمشقي والجعد بن درهم ويستقر أخيراً في قلب فرج فودة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

2019-07-21

خلال أحد أيام العام 1941، لم يكن الأسير الفرنسي لدى القوات النازية في الجزائر يتخيل أنّه سيحسم أمره باعتناق الإسلام بعد سنوات طويلة؛ بفضل مجموعة من العسكر الجزائريين، تحدّوا الأوامر العسكرية، بعد اندلاع تمرد للسجناء في ذلك المعتقل، ورفضوا إطلاق النار عليه وعلى وزملائه.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

كان ذلك أول احتكاك للشاب، روجيه غارودي، المقاوم للنازية، بالمسلمين سكان المستعمرات المسلمة، التي طالما وصفها الاستعمار بالهمجية، تعجّب الفتى من تضامن تلك المجموعة الجزائرية الصامدة مع الأسرى، أمام تهديدات الألمان بالقتل؛ بسبب رفضهم قتل عُزّل من السلاح، وعدم اقتناعهم بقتله ورفاقه؛ لأنّهم لم يسبّبوا أيّ ضرر لهم.

وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة

عاد روجيه إلى فرنسا، بعد أن أمضى ما يقرب من ثلاثة أعوام في معسكرات الاعتقال في الجلفة بالجزائر، وفي قلبه تلك التجربة التي أنقذت حياته، وعقله قد توقف بالتأمل طويلاً أمام تلك الحادثة؛ "كانت الصدمة الأولى التي زلزلت حياتي، ويومها عرفت أنّ الإسلام هو الذي أنقذ حياتي.. وأنا عمري 28 عاماً وظل بداخلي حتى اعتنقت الإسلام العام 1982".

اعتنق الماركسية في المرحلة الأطول التي صنعت شهرته لم ينقطع خلالها عقله عن التأمل والشغب

نضال بالفلسفة والسياسة
سرعان ما انخرط غارودي في العمل السياسي في فرنسا بعد عودته، لينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي وصل أوج شعبيته بعد الحرب العالمية الثانية، وانخراط كوادره في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، وقد تكلّل نشاطه السياسي بانتخابه نائباً في البرلمان، العام 1945، ثم عضواً في مجلس الشيوخ، ورئيساً للجنة التعليم القومي، ونائباً لرئيس المجلس.
حصل على درجة الدكتوراه العام 1953 من جامعة السوربون، عن موضوع النظرية المادية في المعرفة، ثم على درجة الدكتوراه الثانية حول الحرية العام 1954، من جامعة موسكو، مما يظهر مدى تعمقه في دراسة الأيديولوجيا الشيوعية.
عمل في كلية الآداب بجامعة كليرمونت فيراند، ما بين عامي 1962-1965، إلا أنّه ترك الجامعة لخلاف مع المفكر الفرنسي الراحل ميشيل فوكو، ثم رحل إلى جامعة بواتييه، ليحاضر فيها ما بين عامي 1969-1972.

اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول من حياته والتي صنعت شهرته

أربع محطات فكرية
وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية، واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة؛ مما يعني أنّ سؤال الدين طغى عليه منذ البداية، بفعل اختلاف عقيدة الوالدين، وانتهى هذا القلق الفكري بالثورة على الإلحاد والكاثوليكية، والانحياز للمذهب البروتستانتي، ويبدو أنّ غارودي اختار التجربة سبيلاً، لانتقاء العقيدة التي سيظلّ يبحث عنها، حتى يصل إليها ويؤمن بها حتى رحيله.

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل

كانت تلك المرحلة الأولى من حياته الفكرية تجاه الدين، ثم اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول التي صنعت شهرته، لم ينقطع خلالها عقل المفكر الفرنسي عن التأمل والشغب، وظلّ متمسكاً بالديالكتيك، عصب الفلسفة الماركسية، ودون أن يفقد عقله أمام الوصاية القادمة من الاتحاد السوفييتي، التي حوّلت الأحزاب الشيوعية حول العالم إلى ظلال خافتة بلا هوية، وهو ما لم يَرُق له، فتمّ طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي، العام 1971، لمعارضته الحادة للغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، العام 1968؛ حيث أكد أنّه لا يمكن اعتبار الاتحاد السوفييتي دولة اشتراكية، على حدّ قوله، كما في كتابه الشهير "ماركسية القرن العشرين" الذي استكمله بعد هذه المرحلة.
في المرحلة الثالثة؛ عاد إلى المسيحية ولكن في ثوبها الكاثوليكي، بعد صداقة طويلة وعميقة مع كبار رجال الكنيسة الكاثوليك؛ حيث ساهم معهم في مؤتمرات الحوار المسيحي الشيوعي، في ستينيات القرن الماضي؛ محاولاً الخروج من الفوضى التي يتصور فيها كلّ فرد ودولة أنّه مركز كلّ شيء، ووجد الحلّ في الإيمان بقيم مطلقة، تتجاوز منطقنا البسيط، مؤكداً على قيمة الحوار بين الأديان والأيديولوجيات.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل
وفي المرحلة الرابعة والأخيرة، في سبعينيات القرن الماضي، ظهر اهتمامه بالإسلام، خاصة بعد صعوده على مسرح السياسة الدولية، ومعاناة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان المسلمة، ليعلن في الثاني من تموز (يوليو) العام 1982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف.

أعلن في الثاني من تموز العام 982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف

يظنّ كثيرون من قرّاء غارودي أنّ كلّ مرحلة لاحقة نسخت المرحلة السابقة في حياته العقلية المثيرة، ولكنّه -على العكس- تمسك بكلّ مرحلة، واستطاع تكوين سبيكة عقلية، لا يمكن فصل الماركسية فيها عن المسيحية والإسلام، وعزّز ذلك شخصية مستقلة مهمومة بمشكلات الواقع وتحدياته، رافضاً الإقصاء والإرهاب اللذين يمارسهما كلّ من يريد السلطة، بغضّ النظر عن الضحايا الذين يسقطون في سبيل تلك المشروعات الدموية.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

يقول غارودي، في كتابه "كيف صنعنا القرن العشرين؟": "في مسيرتي نحو الإسلام، حاملاً في يد الإنجيل وفي اليد الأخرى ماركس، حاولت أن أعيد في الإسلام –كما فعلت في الماركسية- إحياء الأبعاد الداخلية والسموّ والحبّ".

نقد الغرب فلسفياً

يحتلّ نقد غارودي للحضارة الغربية مكانة كبيرة في اهتماماته الفكرية، وفي كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات تلك الحضارة، التي تعدّ الفلسفة اليونانية والتقاليد اليهودية المسيحية، رافديها الأساسيين.

في كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات الحضارة الغربية ومعضلاتها مع الآخر

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه، بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل؛ مما دفعه للبحث بشغف في تاريخ هذين المفهومين في الثقافة الغربية؛ حيث يرى غارودي أنّ الغرب المتمركز حول نفسه، مرّ بعدد من عمليات الانفصال والتمزق والتحيز لصالح فلسفة الذات، وكان أول انفصال قام به سقراط وتلامذته بناء على فلسفة بارمينيدس، الذي استبعد من الوجود كلّ ما لا نعقله بالمنطق، وبالتالي يُحدّد بالذات، وجعل أفلاطون البشر طبقات في جمهوريته، وقد قام المجتمع اليوناني القديم على الفصل والانحياز الواضح للتأمل الذاتي، على حساب الفعل اليدوي واحتقاره، واستمرت تلك المرحلة إلى عصر النهضة.

كتابه: "وعود الإسلام"

في المصدر الثاني المتمثل بالفكر اليهودي المسيحي، رأى غارودي أن القديس بولس ومريديه استعادوا الفكرة الملعونة عن شعب الله المختار؛ حيث استبدلوا مفهوم "الجوييم"، أي غير اليهود، بمفهوم الكفار والوثنيين، الذين تجب دعوتهم إلى المسيحية، بمعنى استعمارهم روحيّاً قبل استعمارهم اجتماعيّاً.

بعد بيانه ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان لم تنشر له أي صحيفة فرنسية أي موضوع أو إشارة إيجابية

عندما تأمّل غارودي الحداثة الغربية، التي نجحت في فرض نفسها بالقوة، ودفعت العالم لأتون حربين عالميتين، من أجل الصراعات على الثروة العالمية، استخلص مفهوم الحداثة في عدد من المبادئ التي اقتبسها من كتابات الفلاسفة الغربيين، مثل أنّ "الإنسان سيد الطبيعة يسخرها كيفما يشاء من أجل مصلحته الخاصة"، و"الإنسان عدو لأخيه الإنسان"، و"أيها الإنسان من خلال عقلك القوي، كن إلهاً"، فالفلسفات الغربية، كما يقول، قدّمت طروحات فلسفية تتمركز حول الذات الغربية، وتطمح إلى احتلالها مكانة أكبر من إمكانياتها، وتدفعها إلى الاغتراب، ويظل الهدف هو تحقيق مفهوم الرشادة، بتحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة اقتصادية، أما سقوط ملايين الشهداء في ساحات المعارك، فهو جزء يسير من تلك التكلفة المنخفضة القيمة.

أسلمة غارودي أم إسلامه؟

أربك تحوّل روجيه غارودي إلى الإسلام، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، الكثيرين، ومثّل صدمة عميقة  لرفاق دربه والمتحمسين لأفكاره السابقة ومشروعه الفكري، في الوقت الذي ابتهج فيه المسلمون بتحوّل شخصية بوَزن وثقل روجيه غارودي للإسلام، وطمع بعض المتشددين في المزيد، فأذاعوا نبأ تغيير اسم روجيه غارودي إلى رجاء غارودي، وهو الأمر الذي نفاه الفيلسوف الفرنسي أكثر من مرة، واستنكره، وعبّر عن رفضه لتلك الفكرة قائلاً لأحد الصحفيين العرب: إنّ "الإسلام أكبر من أن يحتويه قمقم العروبة فقط"؛ حيث أراد الإسلاميون توظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب.

اقرأ أيضاً: جوزيف كونراد يشعّ من "قلب الظلام" ويكشف الوجه البشع للاستعمار

عاصر غارودي قرناً يعجّ بالأحداث الصاخبة، والأسئلة، والأزمات الطاحنة، والآمال الوردية، لم يفقد فيها أبداً الرغبة في مقاومة ما يحدث في هذا العالم من فظائع، وقد نال المفكر الراحل جائزة الملك فيصل العالمية، عام 1985، عن خدمة الإسلام، وذلك عن كتابيه: "وعود الإسلام" و"الإسلام يسكن مستقبلنا"، واستمرّ المفكر الراحل يكتب عن الإسلام وثرائه، ولم يتوقف عن مهاجمة الأصوليات الدينية والأيديولوجية والتكنوقراطية حتى وفاته.

رحل روجيه غارودي في حزيران 2012

معركة أخيرة قبل الرحيل

لأن المبادئ لا تتجزأ كما آمن طوال حياته، أصدر غارودي بعد مجازر صبرا وشاتيلا بياناً مدوياً أعلن فيه رفضه الحاسم للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وذلك على صفحة كاملة بصحيفة "اللوموند" الفرنسية اشتراها لحسابه الخاص بتاريخ 17 حزيران (يونيو) 1982، موجهاً نقداً لاذعاً لإسرائيل والصهيونية لإقدامها على "تغذية غرور الغطرسة والهوس المزمن الذي تزكيه أمريكا، وكانت هذه المقالة بمثابة الطلقة الأولى التي خرجت من حنجرتي لتعلن بداية حرب ضروس ضدي".

بعد هذا الموقف تحوّل ذلك الضيف الدائم على المحطات الإذاعية والتلفزيونية وأعمدة الصحف، إلى شخصية مقاطَعة من الإعلام الفرنسي، فلم تنشر له أي صحيفة بعدها أي موضوع أو إشارة إيجابية، حتى أنّ كتابه "الإرهاب الغربي" صدر العام 2009 عن دار الأمة الجزائرية بعد أن رفضت كل دور النشر الفرنسية طباعته.

بعد اعتناقه الإسلام سعى الإسلاميون لتوظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب

وكانت الأمور قد تصاعدت ضده في العام 1998عندما أدانته محكمة فرنسية بتهمة التشكيك في الهولوكوست في كتابه "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ.

وإثر ذلك وصمته الصحافة الفرنسية والغربية بمعاداة السامية، علماً أنّه لم ينكر جرائم النازية ضد اليهود، بل المبالغة في حجم المأساة والأرقام المعلنة في أعداد الضحايا، على حساب جرائم أكبر للنازية استهدفت شعوباً وقوميات أخرى؛ كان يقول ببساطة إنّ أحداث المحرقة ضُخمت وأعطيت أبعاداً أسطورية مخالفة للواقع، وتمت بالكامل على المسرح الأوروبي لكنها وُظّفت لحجب وتبرير ما ارتكبته إسرائيل بعدها ضد الفلسطينيين.

رحل روجيه غارودي، في حزيران (يونيو) 2012، عن عمر ناهز التاسعة والتسعين، وقد تداول بعض من حضروا العزاء؛ أنّ أسرته أحرقت جثته رغم مخالفة ذلك للتعاليم الإسلامية، بحجة أنّه ترك المسيحية، ونقلوا عدم رغبتهم دفنه، بحسب الشريعة الإسلامية، وأنّهم تجاهلوا الصلاة على الراحل وفق الشريعة التي اعتنقها، وسط حضور متواضع لمئات كان أغلبهم من المسلمين، كما رفض عميد مسجد باريس إقامة صلاة الغائب على روح الراحل؛ بحجة عدم وجود وثيقة تؤكد إسلامه، وأنّ المسألة تحتاج إلى قرار سياسي!

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين

إنّ روح غارودي، القوية الصلبة، في مراحله المختلفة التي تشترك في البحث عن الحق والحقيقة تكاد تصفها كلمات المفكر المصري عبد الرحمن بدوي، عندما قال: "فالروح المتطرفة هي من شيم الممتازين الذين يبدعون ويخلقون التاريخ.. ومن عمائق الإنكار والتجديف، تنطلق الموجة التي تنشر الإيمان في الدنيا بأسرها".

للمشاركة:

هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-07-18

في بلاد النوبة قديماً، عُبد آمون، إلهاً للشمس والريح والخصوبة، فامتلك القدرة على التجدد وإعادة خلق نفسه، واستطاع التحول لأفعى وطرح جلده، ثم تجلى للخلق، بينما ظلّ، في الوقت نفسه، منفصلاً ومستقلاً عنه، وعندما اتّحد مع رع، استطاع الجمع بين النقيضين "التجلّي والخفاء"، وإعادة تشكيل نفسه من جديد.

اقرأ أيضاً: الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي

هكذا كان محمد منير، ابن النوبة ورمزها الأوحد منذ عدة عقود، فرغم أنه هُمِّشت فيها تلك المملكة الأم، منبت الإمبراطورية المصرية؛ لكنّ مشواره الحافل استطاع التجلي والخفاء، في أن يكون فنان الشعب تارة، وفنان النخبة تارة أخرى.

أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"

في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، عاش المصريون لأعوام تحت مظلة الصوت الواحد والمطرب الواحد، مجتمعين حول حفلات قطبي الغناء العربي؛ أم كلثوم، وعبد الحليم، حتى وفاتهما في توقيت متقارب، ترجّلت أم كلثوم عام 1975، ثم عبد الحليم حافظ 1977، مسدلَين الستار على باب من أبواب تاريخ الفنّ المصري المرتبط بالنظام السياسي، ليُعلَن ميلاد فصل جديد من التاريخ الفني لمصر، في سياقه الاجتماعي، بانطلاق أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"، في توقيت وفاة عبد الحليم نفسه، الذي لم يشبهه منير في شيء، سوى أنّه عبّر عن مرحلة جديدة في تاريخ المجتمع المصري، بدأت بنكسة حزيران (يونيو) 1967، ثم وفاة عبد الناصر، فانفتاح السادات 1974، ليظهر منير متشحاً بثوب مختلف عن أسلافه في الغناء؛ إذ كان نجم الشباب وقتها، هاني شاكر، والذي اتخذ من الغناء الرومانسي باباً لقلوب الجماهير، التي لم تلتفت إلى منير في أول ألبوماته؛ حيث لم يلقَ أيّ نجاح شعبيّ يذكر، فالجماهير المستفيقة لتوها من وفيات متلاحقة لرموز حركة وطنية وفنية، سيطرت على وجدانها، لم يكن بمقدورها الالتفات لأغنيات مثل: "إيه يا بلاد يا غريبة، عدوة ولا حبيبة".

كان المسيطر على هذا اللون الغنائي وقتها، الفنان الراحل محمد حمام، كفارس للأغنية الوطنية، التي ما تزال تتربّع على قلوب الجماهير، والحقيقة أنّه، وبحسب حلقات تلفزيونية بعنوان "الموهوبون في الأرض"، تحدّث فيها الكاتب الصحفي المصري، بلال فضل، عن محمد منير، بحكم الصداقة التي جمعتهما منذ تسعينيات القرن الماضي، وشاهد عيان على فترة صعوده جماهيرياً، أوضح فيها أنّ "منير، بذكاء فطري، استطاع تطوير الموسيقى المصرية بشكل غير مسبوق في عصره، وبتوأمته مع الرباعي: هاني شنودة، ويحيى خليل في الموسيقى والألحان، وعبد الرحمن الأبنودي، وعبد الرحيم منصور في الشعر وكلمات الأغاني، استطاع منير أن يحلق عالياً، رغم ما تعرض له من تهميش في بداية مسيرته؛ ففي لقاء له مع الإعلامي عمرو الليثي، أوضح منير أنّ مسألة لون بشرته وشعره مثّلا حاجزاً كبيراً مع الجمهور، ما ولّد لديه شعوراً بالاغتراب، رغم غنائه لأهل بلده. وفي لقاء آخر، أجراه الفنان المصري محمد الحلو، في برنامج "معكم منى الشاذلي"، على الفضائية المصرية "CBC"؛ يحكي قصة مشاجرة دارت بينه وبين منير في التسعينيات من القرن الماضي، حين أجرى لقاءً على التلفزيون المصري، قائلاً: "أنا وعلي الحجار ومدحت صالح وهاني شاكر فقط من نحمل لواء الطرب العربي الأصيل، ليفاجأ الحلو بمكالمة من منير غاضباً وشاتماً: "أنتم الأربعة... الخلفاء الراشدون! طب اعتبرني بلال يا أخي"، وهي كلمات عكست شعور منير بالضجر والاغتراب الناتج عن اختلاف لون بشرته وهيئة شعره، كونه تشبّه ببلال، رضي الله عنه، مؤذّن الرسول، عليه السلام، أسود البشرة.

 الفنان المصري محمد الحلو

أفق أكثر اتساعاً للغناء

منذ انطلاقة منير، التي حاد فيها عن أغنيات الشوق والحب واللوعة والهجر، رفض منير الانصياع لمتطلبات السوق، وهو ما دفع شباب الثمانينيات إلى تسميته بـ "مطرب النخبة"، وأحياناً أخرى "مطرب اليسار"، لكنّ منير كانت له رؤية أخرى أوضحها من خلال استمراره على النهج نفسه؛ كونه جاء من أقصى الجنوب، منبثقاً من معطف محمد حمام، الذي انقلب عليه لاحقاً، جاء منير خارج معايير السوق، فلا هو شاب وسيم مهندم الثياب يستطيع جذب أنظار الجماهير، ولا هو مطرب عاطفي يغني للشباب والمراهقين فيؤجّج مشاعرهم، إنّما تفتحت آفاقه وأدخل وجدان المصريين إلى ألوان أخرى، مزجت بين الفنّ والحياة؛ فالغناء أرحب من أن يتسع للحب فقط، كما استفاض منير في معظم اللقاءات الصحفية التي أجريت معه، في الثمانينيات من القرن الماضي؛ ففي حوار له مع الكاتب الصحفي، حامد العويضي، نشر بجريدة "الأهالي" المصرية، في التاسع من تموز (يوليو) 1986، عبّر منير من خلال الحوار عن امتعاضه من حال الأغنية المصرية، التي سيطر عليها التجار لمجاراة النهم الاستهلاكي وتحقيق أقصى معدلات ربح؛ لذلك فهو يرفض تقديم أغنيات تجعله في مصافّ المشاهير، بل تأسره الكلمة الرافضة، على حدّ تعبيره، وإذ عبّر هذا الحوار بشكل خاص عن السبيل الذي اتخذه منير في الغناء.

عام 1987؛ قدّم محمد منير مسرحية غنائية بعنوان "الملك هو الملك"، ثبّتت أقدامه في مصاف نجوم الغناء المصري، وحاز بها على لقبه الشعبي "الكينغ"، إلّا أنّ ما قدّمه منير من حالة غنائية اعتبرها البعض أيقونات في الفنّ الثوري، مثّلت جدلية كبيرة بالنسبة إلى مثقفي أجيال الستينيات، وحتى الثمانينيات، الذين أثقلت كواهلهم الأحلام المبددة منذ زمن الناصرية، وحتى انتفاضة الخبز 1977، التي كانت بمثابة تصفية للقضية الاجتماعية في مصر، فجمهور منير أغلبه من الطبقات الوسطى صاحبة القضية الوطنية الأكثر حضوراً على الساحة، بدءاً من العدالة الاجتماعية وحتى تحرير فلسطين من وطأة احتلال غاشم، عقد المصريون معه اتفاقية سلام كانت نكسة نفسية أخرى تضاف إلى همومهم، وبحسب ما يرى الكاتب والباحث أيمن عبد المعطي، في مقال له؛ فإنّ "ما قدمه منير لم يكن فناً ثورياً، وإنّما حبّ تقدّمي واقع تحت سيطرة الشجن المنبثقة من الأوجاع الاجتماعية التي يعاني منها المصريون".

ولكن تغيّر الأوضاع السياسية، اعتبر بعض الناس أنّ منير أصابه شيء من التعالي على الناس الذين رفعوه عالياً، وأنه يقوم بما يطلقون عليه الانقلاب على أحلامهم التي استشعروا في صوته تجسيداً لها، ووجهت له انتقادات بأنّه بات في حالة تقارب مع السلطة، وهو ما يستدل عليه من حالة الجدل الواضحة التي تلاحق منير من جماهيره، ونقد البعض له بصفته لم يعد يمثل حلم جماهير يناير، التي لم يصرح مباشرة بموقفه ضدّها، ولكن واحدة من الأغاني الأكثر ثورية التي قدمّها منير في مسيرته، وكانت أغنية "حدوتة مصرية"، والتي غنّاها في فيلم ليوسف شاهين حمل الاسم نفسه، وتغنّت بها جموع الثوار في ميدان التحرير، ظهرت في مدلوله المكانة التي يجسدها منير في نفوس أبناء الطبقات الوسطى، من تعبير أغنياته عن أوجاعهم حتى في أحلك اللحظات احتداماً بين السلطة والشعب.

"علّي صوتك بالغنا"

عام 1997، قدّم المخرج المصري الراحل، يوسف شاهين، فيلمه "المصير"، المستوحى من حياة الفيلسوف الأندلسي الأشهر، ابن رشد، وحلّ محمد منير بطلاً لتلك الملحمة التاريخية، التي رُشحَ بفضلها شاهين للسعفة الذهبية بمهرجان "كان" السينمائي الدوليّ، وتمّ تكريمه عن مجمل أعماله في خمسينية "كان" السينمائي الدوليّ، هنا صدحت المحطات التلفزيونية المصرية، ليلاً نهاراً، بأغنية منير الأشهر في تلك المرحلة: "علّي صوتك بالغنا..لسا الأغاني ممكنة"، كانت تلك الأغنية بمثابة ميلاد جديد لمنير، الذي خرج من قالبه التراثي في تقديم أغنيات وضعته في قالب "مطرب النوبة"، وهو قالب يرفضه منير بالطبع؛ لأنّه يعزز الإقليمية التي لطالما كرهها، واشتكى منها في العديد من حواراته الصحفية التي أجراها في مستهل حياته الفنيّة، وفي حوار أجرته جريدة "أخبار اليوم"، في كانون الثاني (يناير) 2019، مع الشاعرة المصرية، كوثر مصطفى، أحد أشهر شركاء منير، ومؤلفة أغنية "علّي صوتك"، التي خطّت بها مسيرة مختلفة لمنير، فقد شاركته كوثر لفترة امتدت 25 عاماً، قالت: "منير لا يعرف الصدفة، فكلّ كلمة يغنيها كان يقصدها ويقصد معانيها بالكامل، مثل أغنية "إزاي" التي لاقت رفضاً لعرضها في وقت الثورة، ولكنها ظهرت لجمهور منير، ولاقت إعجاباً جماهيرياً كبيراً".

فيديو قناة العربية.. الثورة هدية الحالمين:

وبحسب كلمات الشاعرة؛ فإنّه إذا كان منير لا يعرف الصدفة، فإنّ أغنياته تعبّر عنه بشكل أو بآخر، فهو لم يكن مع الناس اعتباطاً ولم ينقلب عليهم سهواً، وأكّد على الصفة نفسها في منير، الموسيقار هاني شنودة، في حديثه عن محمد منير لـ "حفريات"، قائلاً: "عرفت منير منذ بداية مشواره، ورغم موهبته الفذّة، إلّا أنّه كثيراً ما كان يتردّد قبل أدائه لأيّ لحن أو أغنية، وكلّ تفاصيل العمل يحب أن يدقّق فيها، ليخرج على أكمل وجه، فهو فنان متطلّع للكمال، كما يحبّ أن يندمج مع الحالة الشعبية السائدة بين أجيال الشباب، فمنير مرِن فنياً لأقصى درجة، ويحبّ أن يجتث نبض الشارع ليقدم ما يلائم مزاجه"، ربما التناقضات التي اجترّ لها منير قبيل ثورة يناير، وفي أعقابها، حتى إزاحة الإخوان عن حكم مصر، جسدت حالة من الجدل المماثل ضدّه من الجماهير المحبة؛ فقبيل ثورة يناير أدّى محمد منير وصلة غنائية في احتفالية القوات الجوية المصرية، في ذكرى تحرير سيناء، أمام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، والمشير طنطاوي، وتصافح مع مبارك بحرارة في أعقاب الحفل، كما تناقل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي فيديو في لقاء له على قناة "دريم" المصرية، يصف مبارك فيها بـ "الأب الحكيم لكلّ المصريين"، وهو ما لا يتوافق مع تصريحات منير لقناة "العربية"، بعد مرور بضعة أشهر فقط من اندلاع ثورة يناير، وانضمامه لصفوف شباب يناير، واصفاً الثورة بالحلم المتراكم على مدار عقود، من الفساد والديكتاتورية.

هل اختلف مشروع منير فعلاً؟

أصبح منير في الآونة الأخيرة مثار جدل كبير بين صفوف الشعب المصري، وهذا إن دّل على شيء فهو دلالة على منزلة عالية تمتع بها الفنان بين جماهيره لعدة عقود، واستشعار بعض الجماهير بالخذلان من فنانهم الأوحد، حتى إنّ ثوّار ميدان التحرير لم يجدوا سوى منير للتغني بأغنياته، إلى جانب تراث مشايخ الفنّ الثوري؛ محمد حمام، والشيخ إمام عيسى، بعد تخاذل نجوم الشباب، على رأسهم تامر حسني، الذي طرد من الميدان شرّ طردة، وبدأ نجمه في الخفوت بعدما سيطر لأعوام على ساحة الأغنية الشبابية، فها هو منير الفنان الوحيد الذي ما يزال حيّاً، يغني للثورة ويؤيد أحلام الثائرين، إلّا أنّ أغنية "متحيز"؛ عام 2014، اعتبرها البعض خروجا على مسيرة الفنان منير ومساره، متناسياً تاريخه الطويل من التغني بالآم المصريين وأوجاعهم، كما فعل في أغنية حدوتة مصرية:

مين العاقل فينا مين المجنون

مين يلي مدبوح من الألم

مين يلي ظالم فينا مين مظلوم

مين يلي ما يعرفش غير كلمة نعم

مين يلي محميلك خضار الفلاحين غلابة

مين يلي محميلك عمار عمالك الطيابة

مين يلي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار

مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

يبقى لمنير في وجدان الشعب المصري تاريخه الفني الطويل، الذي امتد لأربعة عقود، قدّم فيها ما يزيد عن 450 أغنية، إلى جانب 17 فيلماً، بين ممثل ومؤدٍّ لأغنيات بعض الأفلام، إضافة إلى 17 مسلسلاً تلفزيونيّاً، وثلاث مسرحيات، كانت علامات فارقة في الإرث الفني لمصر الحديثة، وعكست التناقضات والتحولات الاجتماعية، وعبّرت عن الجماهير في أوقات كثيرة.

للمشاركة:

خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

2019-07-16

حتى تمسك بالكلمتين الرئيستين لتجربة خالد الحروب في الكتابة: الأكاديمي والأديب، لا بد لك من قراءة بعض نتاجه؛ لمعاينة كيف يتغوّل طرف على آخر في مرات، ما يخلق بدوره طابعاً فريداً لنتاجه، إلى حد قد يفكر فيه المتلقي باجتراح توصيف خاص لبعض كتاباته، ما يُذكّر إلى حد ما بحالة القيادي في الجبهة الديموقراطية ممدوح نوفل، الذي دوّن تجربته في كتب عدة، ارتأى نقّاد آنذاك أنّها قد تكون جنساً نادراً اسمه "الرواية غير الخيالية"، وفي حالة الحروب بالوسع قول إنّ بعض نصوصه "قصة غير خيالية".

"حبر الشمس" الصادرة في العام 2016

"حبر الشمس"
أكثر ما يتجلّى السابق، فيما اصطلحت عليه الدار الأهلية "قصص"، تحت عنوان "حبر الشمس"، والصادرة في العام 2016؛ ذلك أنّ نمطها يراوح بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات والقصة، وبين المقالات في مرات والتغطيات الصحافية في مرات أخرى لحفل ما أو فعالية في فلسطين.

أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية وخالد الحروب من صفوتهم

ولم يكن الحروب يراوح بين أجناس كتابية متنوعة فحسب، بل كان كذلك يذهب ويجيء بين التفاصيل والخطوط العريضة، التي تطرّق إليها من خلال تجربة الروائي الأمريكي جوناثان فرانزن في روايته "فريدوم".
المُلاحَظ في مجموعة "حبر الشمس"، التي يُفرِغ فيها الحروب حمولات ثقيلة عن كتفيه، عنوانها العريض فلسطين، المُلاحَظ أمور عدة، أبرزها تغوّل الأكاديمي والمفكّر على الأديب في مرات كثيرة، وهو التغوّل الذي جعل الحروب يعرض وجهات نظره السياسية وفي مرات أن يستشهد بالأرقام والمعلومات، على حساب السرد الأدبي لحادثة بعينها، ما كان يقطع على المتلقي حبل الاندماج في المادة إن أُخِذت على محمل قراءة الأدب، لكن سيعود المتلقي لاستذكار أنّ التصنيف لربما جاء غير دقيق من قِبل دار النشر، ثم إنّ الحروب أكاديمي ومفكر في المقام الأول، قبل أن يكون أديباً أو بعد لا يهمّ، لكن هذه هي صبغته الأبرز. ما يجعل من تقديم المعلومات والرؤى والمقارنات وارادً لديه أكثر من الخيال والصور البديعية، التي لم يغفلها بل جاءت مكثفة وحاضرة بقوة، لكن كان المفكر والأديب يشدّه من جديد وبقوة كلما أراد ترك نفسه على سجيّته في الكتابة الوجدانية.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
وفي مرات، كان الجانب الإعلامي يطغى على كتابة الحروب (كما في تغطيته حفل الفرقة الجولانية في رام الله)، وهو أمر ليس مستغرباً أيضاً؛ إذ مارس الحروب الإعلام مرات كثيرة، مرئياً ومكتوباً، وهذا التنوّع ليس مستهجناً؛ إذ هو قبل ما سبق كله مهندس، ودارس مزمن، إن جاز التعبير، في علوم الفلسفة والعلوم السياسية والإحصاء السكاني، كما مارس مهنياً الإعلام والعمل الأكاديمي والهندسي، وفي بقاع شتى آسيوية وأفريقية وأوروبية. كل ذلك، يحضر بقوة في كتابة الحروب، وإن لم يتم ذكره بالفم الملآن، لكنه حاضر.
الطرافة كانت متواجدة إلى حد كبير في بعض النصوص التي كتبها الحروب في "حبر الشمس"، وقد عادَ من خلالها الفلاح الفلسطيني الذي يجلس في مضافة القرية ويتندّر على طرائف أهالي قريته والقرى الملاصقة، كما في النص الذي يتناول خلاله السجال الذي جرى بينه وبين السيدة البتّيرية، حول نسبة الباذنجان البتّيري لقرية بتّير، فيما هو من قريته وادي فوكين.

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أكثر ما ظهر الجانب الأكاديمي البحت لدى الحروب، في حديثه عن غزة في المادة الأولى؛ إذ ما كاد القارئ يستغرق معه في المشاهد التي ينقلها من هناك، حتى عاد به لخانة العمل الأكاديمي الجدّي، مثيراً قضية بالغة الأهمية وهي التناول الإعلامي لقطاع غزة، وبوسع المتلقي القول إنّ عقل المفكر وانضباط الأكاديمي كانا يوقفان الحروب كلما حاول الانطلاق كأديب. وليس الأمر متعلقاً باللغة هنا، بل التناول. لذا، يبقى الحروب رقيباً على النص ويديره بعقلية الأكاديمي الذي لا يرتاح حتى يُسلّم المتلقي معلومة مفيدة.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

نص "ساحرة الشعر" يأخذ المتلقي بعيداً، ولربما يكون من أكثر النصوص التي تجمع الجزالة والطرافة وتحمل فكرة فريدة، وهو النص الذي يظهر فيه الحروب مهجوساً بمحمود درويش، أكثر من بقية النصوص التي يبقى درويش فيها حاضراً بشكل أو بآخر.
ولعل النص الوحيد الذي خرجَ فيه الحروب من جلد الأكاديمي كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، والذي استعرضَ فيه بغضب بعض تنظيرات النخب، وبعض استسهالات العامة، بلغة رشيقة متمردة يشتاق المتلقي لها خلال استغراقه بلغة الأكاديمي الرصينة.

"أصفع وجه السماء وأمضي" الصادرة في العام 2017

"أصفع وجه السماء وأمضي"
ضمّن الحروب بعض قصائده في مجموعة حملت عنوان "أصفع وجه السماء وأمضي"، والصادرة كذلك عن دار الأهلية في العام 2017. وفي هذه المجموعة، تطلّ قصيدة بالغة الأهمية، وهي تصبغ وجدان الحروب وحديثه كثيراً، وتحمل عنوان "تينة مريم".
يعود الحروب من خلال هذه القصيدة يافعاً يحوم حول عمته مريم، ويعود شاباً يزورها ويطلّ عليها ويهجس بيومياتها:
كل الحكاية
يا عالم التعقيد والآلات
والغزوات
أن لا حكاية عند مريم
فهي الحكاية قبل أن تُحكى،
وهي النهاية بعد أن تُحكى
وبصدد معرفة المزيد عن الحروب، هناك قصيدة "ليته لم يعد"، التي يحضر فيها بشجنه دونما مواربة. يقول في مقطع منها:
يُطلّ المساء حزيناً
صبايا الحي وراء النوافذ
ستائر تسترُ دمعاً وهمساً:
ألا ليته لم يعد؟
لماذا يا بلد الغرباء
تعيد إلينا فتانا
وقد شاب... أو مات،
وتخلعُ عن كتفيه الكبرياء،
وتسرقُ من عينيه اللهب؟
يا بلد الغرباء: أما كان فيك اتساع
لوقت جديد
يعود لزهر البداية
ليبقى فيكَ
ويأتي منكَ
شباباً ورُمحاً
كما كان يوم ارتحل

"المثقف القلق ضد مثقف اليقين" الصادر عن دار الأهلية في العام 2018

المثقف القلق ضد مثقف اليقين
في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، الصادر عن دار الأهلية في العام 2018، يصول الحروب ويجول باقتدار، من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى. يحضر واثقاً ويُغرِق القارئ تماماً من دفّة الكتاب الأولى للثانية دونما انقطاع، خلال تشريحه ظاهرة المثقف العربي وأدواره وتصنيفاته، مجدّداً قلقه من تعويل الجماهير على المثقف بطريقة تحمّله في مرات ما لا يحتمل، وهو الحديث ذاته الذي كان قد صارحَ الجمهور به ذات مرة في نادي الجسرة الثقافي، قائلاً إنّ المثقف في نهاية المطاف إنسان عادي بالتزامات حياتية كثيرة وبتضييقات أمنية شأنه شأن أي إنسان آخر.

في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين" يصول الحروب ويجول باقتدار من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى

من يقرأ للحروب كلا الطيفين: الأدبي والفكري، يجد الجانب التنظيري والأكاديمي ميدانه الأوسع، الذي يكتب فيه بزخم لافت، مستشهداً بتجارب كثيرة وممسكاً بتلابيب الخطاب وأدواته كمن يمسك معجونة ليّنة بين أصابعه، يشكّلها ويصوغها كيفما شاء. ثمة زخم لافت في المراجع والمقارنات والاستشهادات والتصنيفات، تجعل القارئ نهماً بالضرورة لكتاب "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، وستتكرّس قناعة أكيدة لدى المتلقي في حينها بأنه أمام مفكر نوعي موسوعي ممسك بأدواته باقتدار لافت.

تصنيفات كثيرة يجترحها الحروب في كتابه ويبني على السابق منها لدى مفكرين آخرين، من قبيل: المثقف العضوي ومثقف القطيع والمثقف الاعتذاري والمثقف الشعبوي الطوباوي والمثقف المهرج ومثقف السلطة والمثقف القلِق والمُقلِق، وغير ذلك.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وبعد أن يوغل الحروب في التصنيفات والتقسيمات والتأملات، يعرض مجموعة من مقالاته السابقة في هذا السياق، ما يترك المتلقي مطمئناً للنتاج الذي يغرف منه، لدى مفكر من عيار ثقيل بلغة رصينة وأفكار مرتبة وخلفية أكاديمية محكمة أيما إحكام.
ما بين الحروب المفكر والأكاديمي، والحروب الشاعر والقاصّ، وما بين الخطوط العريضة والتفصيلات، سيجد المتلقي ما يحتمل الجدل في مرات أو التوافق، لكن شيئاً واحداً سيكون جازماً بشأنه: أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية، وخالد الحروب من صفوتهم.

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية