"هاتف الخلافة".. حين يُزيّن "الإخوان" الدم في عيون المسلمين

21042
عدد القراءات

2017-12-13

أقدم على ارتكاب المذبحة. أضحى على مسرح الجريمة. أوشك على وضع نصله على رقبة الضحية، فتلاطمت الأفكار في رأسه، وتضاربت المشاعر في وجدانه قبيل لحظة القتل، فلم يستطع أن يمارسه، لم تطاوعه نفسه، ولم تنطلق يده، فهرب من مكان التنفيذ، ليستقل سيارة أجرة، لتهرول به في اتجاه بيت الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، ليبلّغ عن تفاصيل الجريمة بأكملها لضابطين لم يأخذا كلامه في البداية على محمل الجد، فألقوه في الحبس وهما يستهزئان به، حتى جاءت الأنباء، فتمّ ترحيله إلى مقر أمن الدولة لمعرفة أبعاد القضية.
مرتْ 43 عاماً على حادثة الكلية الفنية العسكرية، التي وقعت أحداثها بعد 6 أشهر من إعلان مصر نصرها على "إسرائيل" في العام 1973، وفتح أبواب السجون أمام الإسلاميين الذين سمح لهم "السادات" بحرية الدعوة والحركة، فإذا بمجموعة يقودها صالح سرية، تخطط للانقلاب عليه، بمحاولة اقتحام الكلية الفنية العسكرية، والاستيلاء على السلاح والذخيرة، كقدمة لتمرد مسلح، كان يدبر له قبلها بشهور.
صمت د. أحمد الرجال، أحد كوادر التنظيم، طيلة السنوات السابقة، متحملاً ما أسماه هو "اتهامات بالخيانة" من قبل أقرانه في التنظيم، ثم خرج بعد أن تجاوز الـ 60 من عمره، ليكتب في النهاية شهادة وتجربة، أهم ما فيها أنه وصف بدقة لحظة إقدامه على ارتكاب المذبحة، ولحظة التراجع عنها، ووضع لكتابه عنوان "هاتف الخلافة: شهادة جديدة على أحداث الفنية العسكرية".

 د. أحمد الرجال

اندفع هؤلاء الشباب خلف هاتف يهتف بأنفسهم، وبعواطفهم الجياشة، كأنه الظل الملازم لصورة الإنسان حين يتحرك، بيد أننا أمام ظل روحي يخاطب الروح، ويداعب الأفكار، ويهتف بها أنْ قوموا لاستعادة الخلافة.
أجادَ أحدُ قادة تنظيم الجهاد السابقين د. كمال حبيب، في مقدمته للكتاب، شرحَ وتفسير معنى "الهاتف" فمرة يقول: إنه فعل نفسي ذو طبيعة حشدية، تنادي في الإنسان عوامل الإقدام، والشجاعة، والنخوة لاستعادة ما فقد، ومن ثم تثير قلقه وتدفعه للتحرك، بلا خطة، ولا سؤال عن المستقبل، ولا بحث عن الكيفية ولكنها صيحة غامضة، مجهولة، تحيط بالنفس، والروح، تدفعها إلى أقدارها حتى لو كان في ذلك حتفها أو موتها.
ومرة أخرى، يفتح "حبيب" كتاب ابن منظور ليستخرج من بين سطوره الجوانب النفسية لمعنى الهاتف، الذي اختاره "الرجال" عنوان لكتابه: سمعت هاتفا يهتف، إذا كنتَ تسمع الصوت ولا تبصره، وهنا ثقل المعاناة التي يتعرض لها من يعاني الهتاف الملاحق لأذنيه، والساري في روحه دون أن يبصر من يهاتفه، أو يتحدث إليه، إنها حالة نفسية أكثر منها حقيقة واقعة يمكن مناظرتها، أو ملامسة من يلقي بها في النفس والروح.

تحول الرجّال من الحب الشديد لعبد الناصر إلى الكراهية العنيفة مبرراً ذلك "النفس البشرية مخلوق عجيب"

"الرجال" المولود في العام 1953، في محافظة البحيرة، شمال القاهرة، لأسرة فقيرة الحال، يبدأ كتابه بفصلٍ حملَ عنوان "مشروعية قتل المسلم من أجل إقامة دولة الإسلام" بينما أجّلَ حديثه عن نشأته للفصل الذي يليه، يبدو عن عمد، فيشرع في بيان حرمة الدماء، ويستشهد بعشرات الآيات والأحاديث، التي تعظّمُ ذنب قتل النفس البشرية.
لم يزل ذلك الحدث، الذي ذهب ضحيته 13 قتيلاً، جاثياً على صدر "الرجال"، لا تفارق مخيلته مشاهده وتفاصيله فيقول: لا يستطيع المرء مهما آتاه الله من قوة وجلد أن ينفصل عن ماضيه، بكل ما يحمله هذا الماضي من أتراح وأفراح؛ إذ إنّ أحداث الماضي هي جزء أصيل من التركيبة النفسية والعصبية للإنسان وهي تاريخه الذي لا ينساه "إذا ضيّع التاريخ أبناء أمة، فأنفسهم في شرعة الحق ضيعوا" وهو ما يعبر عنه طبياً بالارتباط الانعكاسي، فهما حاول الإنسان أن ينسى ماضيه تجد صور هذا الماضي تتراقص أمام عينيه.
كان لا يزال شاباً، غضّاً، صغيراً، لم يجاوز بعد الــ20 من عمره، وفي أولى خطواته لكلية الطب، حتى ناداه هاتف الخلافة، وهو الشاب المتفوق المثابر الجاد ذو الهمة العالية، ترك نفسه وعدداً من أقرانه من طلبة الكلية العلمية لمن دعاه للتنظيم، حتى جاء يوم "المذبحة".
وجد نفسه كما يقول "مندفعاً" نحو مهاجمة الحراس بأدوات بدائية، فقد أوكل إليه ذبح حارس كان يقف على أحد أبواب الكلية بسكين.
لم يكن "الرجال" يعرف من هو قائد التنظيم، أو حتى مسؤوله المباشر، ولكنهم قالوا له إن القائد رجل عالم وسياسي ذو علاقة بالنخبة الحاكمة، أو قريب منها، فذهب به هاتفه إلى أن ذلك الرجل، هو حسين الشافعي، أحد نواب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر! وأنهم لديهم قوة عسكرية تابعة لهم في الجيش، وأنها هي التي ستقوم بالأمر المهم كله، بينما أدوارهم هم ستكون معاونة. اكتشف أنّ ذلك كله كان وهماً. كان مجرد هاتف، زين له فعله وطريقه، فإذا سار خطوات للأمام وجده شبحًا لا يستطيع الامساك به.

استبشع "الرجال" القتل غيلة وغدراً، ولم يرَ من ذلك فعل شيمة الأبطال، فقرر الذهاب إلى بيت رئيس الجمهورية

لم يتصور "الرجال" أن يقتل بشكل فردي كالمجرمين، فاستيقظ ضميره، ليزيح هاتفه أمام نفسه فتتجلى أمام ناظريه الحقيقة، أن ما كان يظنه ركب المسلمين نحو الخلافة ليس إلا هواتف وخيالات دون واقع أو حسابات، فقرر أن يبلغ عن العملية حتى يوقف ما كان يتصور أنها عملية فاشلة.
بعدما تحول إلى شاهد ملك في القضية، نهشته ألسِنة الإسلاميين طعناً وتجريحاً. لقد وصفوه بالخائن، الذي باع دينه من أجل عرض زائل، بينما هو في الحقيقة قد انتفض رافضًا ما اعتبر أنه مخالف لمبادئه، وللدين الإسلامي.
إنه استبشع فعل الذبح البدائي، فتعارض مع فطرته، لم يتصور أنه يمكن أن يتحول لذباح متوحش، فقرر الرفض والإبلاغ عن الكارثة التي يسميها هو في كتابه "المذبحة" عسى أنْ يمكنه منع وقوعها.
الهاجس الرئيسي للدكتور "الرجال" كان حماية الأنفس المعصومة، من أن تهدر في صراع وهمي مع مجتمعاتها، أو حكوماتها، وهو يرى أنّ المجتمعات مسلمة، والحكومات مسلمة، وأنّ التغيير السلمي من الداخل، هو خير وأهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً من استعجال المواجهة، واقتحام غمار الموت.
يرسل "الرجال" رسائله المملوءة رحمة وشفقه للأجيال الجديدة، "ادّخروا قوتكم لأمتكم، واصبروا الصبر الجميل، واصفحوا الصفح الجميل، ولا تستمعوا لهواتف كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا".

تجنيد الرجّال كان على يد رجل ينتمي لجماعة "مضطهدة" في ذلك الوقت حسب قوله تسمى "جماعة الإخوان المسلمين"

هذه شهادة عن حادث ضخم، وكبير من منظور مختلف، فإذا كان أحد أقرانه، وهو طلال الأنصاري، تحدث عن التنظيم تاريخياً، فإن "الرجال" تحدث عن نفسه، ومشاعره، وإقدامه، وإحباطه، وهاتفه الذي أرقه، ثم لم يلبث أن اكتشف أنه كهواتف الجن، وحكايته القديمة، التي تحدث عنها "ابن أبي الدنيا"، فأفاق منها وقرر أن يطلق صيحته راجياً أن تكون إنذاراً يحُول بين وقوع الشباب في الدوامة العنيفة، ويخص  الذين يندفعون نحو تنظيم "داعش" وأخواتها عسى أن يفيقوا من أوهامهم، وهواتفهم التي ليست هواتف جن وإنما هواتف شياطين الإنس، ومنازع الجناح في النفس الهائجة، الثائرة، الحدثة، الصغيرة، التي لم تعركها التجربة.
وفي تعريجه على الجذور البيئية التي شب فيها "الرجال" ندرك أن الظرفية الزمانية أثرت فيه، كما أثرت في أشباهه من الإسلاميين، الذين شب معظمهم في ستينيات القرن الماضي، والتي شهدت حملة اعتقالات ومحاكمات لمئات من الإسلاميين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وبدء انحسار المد الإسلامي الذي كان قد جرف البلاد أواخر الأربعينيات من القرن الفائت، وتعاظم دور اليسار المصري وتمظهراته، التي لم يرَ هؤلاء الإسلاميون منها سوى مظاهر للعري والانحلال، ثم ختام ذلك بالهزيمة التي منيت بها البلاد في حرب يونيو 1967.

كان شاغل الرجّال كيفية الاستيلاء على السلطة لإقامة شرع الله وإعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية

يحكي "الرجال" البذور الأولى لتجنيده، والتي كانت على يد رجل ينتمي لجماعة "مضطهدة" في ذلك الوقت، حسب قوله، تسمى "جماعة الإخوان المسلمين" وصفه "الرجال" بــ "الساحر في كلامه" والذي علمه الخطابة، فظل لصيقاً به وبالمسجد، حتى تم اعتقال الرجل في العام 1965 "على ذمة تنظيم سيد قطب".
يشير "الرجال" إلى أنّ الفضل في تكوين اللبنة الأولى من ثقافته ومنهجه الحركي لهذا الرجل، الذي أشبعه وهو في الــ15 من عمره، حكايات عن أصحاب الأخدود، وبطولات الصحابة في الغزوات، ثم ربطها ببطولات الإخوان في فلسطين وقناة السويس.
ثم ينسحب الحديث فجأة عن جمال عبدالناصر، وكيف أنه أعدم الأحرار من أبناء الوطن، ويعني في ذلك المجموعة الإخوانية التي أعدمت في العام 1954م ، ثم بعد ذلك سيد قطب ومن معه.
تحول من الحب الشديد لعبد الناصر إلى الكراهية العنيفة له وهنا يقول "النفس البشرية مخلوق عجيب، فبينما تنسى الكثير من المواقف، والأحداث، ولكن تكويني النفسي، ومنهجي الحركي، لا يسمحان لي بالمرور على الحوادث الجسام، لا سيما التي يكون فيها القصاص واجبًا مرورًا عابرًا، لذا قضيت السنوات التالية حتى أهل علينا عام 1971، وأنا أحلم ليل نهار بالقصاص من عبد الناصر ورجاله".

يقول الرجّال: دارت الدنيا بي وبدأتُ أتساءل كيف أذبح بيدي التي لم تذبح من قبل دجاجة؟

تسمع وتقرأ هذه القصة تقريباً كلما تم التفتيش عن البذرة الأولى لتجنيد هؤلاء الشبان من الإسلاميين، على تنويعاتهم كافة، وتكاد تتشابه حد التطابق، فجلهم تأثروا بحركة الاعتقالات التي تعرض لها الإخوان في تلك المرحلة، وتأثيرات من أسماهم "الرجال" في كتابه "بتوع ربنا"، وهي جملة مصرية دارجة تعني الناس الذين لهم اتصال روحاني بالله.
لقد أدت عملية الشحذ، بــ "الرجال" وأقرانه، إلى محاولات الثأر والانتقام، والاستيلاء على السلطة يقول: تتعاقب الأيام، وكل يوم تمر ساعاته، كان شاغلي هو كيفية الاستيلاء على السلطة لإقامة شرع الله وإعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية، كنت اتهم نفسي بالتقصير أحياناً وأحدث نفسي حيناً بأنني من الذين ألهتهم الحياة الدنيا عن الجهاد في سبيل الله، لقد كانت دماء سيد قطب ورفاقه، وعبدالقادر عودة ورفاقه سوطاً يجلدني صباح مساء، والآن أقول، وقد لا أكون مغالياً، إن من دماء قطب وعودة ورفاقهم نبت تنظيم الجهاد المصري ومن ثم تقاطعت أهدافه مع ما كان يحمله بن لادن، ومن ثم تشكل تنظيم القاعدة.
يصف شعوره، عندما قال له رفيقه "كامل"، وهو يشير إلى مجند يقف حارساً خارج سور الكلية الحربية، "هيا اذبح هذا الكلب" فيقول: دارت الدنيا بي وبدأت أتساءل، كيف أذبح بيدي، التي لم تذبح من قبل دجاجة، هذا الحارس الخارج لتوه من أول حرب ينتصر فيها الجيش المصري على الصهاينة.
استبشع "الرجال" القتل غيلة وغدراً، ولم يرَ من ذلك فعل شيمة الأبطال، فقرر الذهاب إلى بيت رئيس الجمهورية القريب من مكان الحادثة.

 

//0x87h

اقرأ المزيد...

الوسوم: