سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار

يعد سلامة موسى أحد الأسماء البارزة من جيل التنويريين المصريين، الذين عاشوا في النصف الأول من القرن العشرين، بكل أحداثه التاريخية، المهمة والمؤثرة، في مسارات حياتهم وتشكلاتهم الفكرية، ومن بينها، اندلاع الحربين العالميتين؛ الأولى والثانية، إضافة إلى الانبعاثات الفكرية والعلمية، والكشوفات والاختراعات، في ميادين العلم والسياسة والمعرفة، مثل: النظرية النسبية، والأفكار الاشتراكية والقومية، وتأثره البالغ بنظرية النشوء والارتقاء.

سافر سلامة موسى إلى فرنسا، عام ١٩٠٦؛ حيث مكث فيها ثلاثة أعوام، وانتقل بعدها إلى إنجلترا أربعة أعوام، بغية إكمال دراسته في القانون، وخلال هاتين المرحلتين، تشكّلت المرتكزات الأساسية لديه التي نهل منها أفكاره، عبر اطلاعه على المنجز العلمي والأدبي والمعرفي، في الغرب، والتي صنعت وعيه الحادّ، وانحيازه شديد الخصوصية؛ فكان أبرز من تأثّر بهم من مفكري الغرب وأدبائه: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين.

المقدّس في فكر موسى

يؤكّد موسى أنّ "الدين في ذاته لا يمكن أن يضطَّهد، وإنّما ينشأ الاضطهاد، من السلطة المستعينة بالدين، وربما من الجمهور الذي يفضّل المألوف على الخلق والتجريب".

رفض موسى الجمل البلاغية واستخدم لغةً علميةً سهلةً وواضحةً يقتصد فيها على ضرورات المعنى

وتبرز أهمية مقولته "أسوأ ما تُصاب به أمّةٌ، أن يتّحد الدّين مع الاستبداد"، التي أوردها في كتابه: "هؤلاء علموني"، في راهنيتها الشديدة، واستمرارية صلاحيتها، في الواقع الراهن، ومآلاته المتجددة؛ فهي تشكّل رؤيةً جذريةً لوقائع الانسداد التاريخي، الذي يعاني منه كلّ مجتمعٍ، يتعرض للانحطاط، والسّقوط في فخِّ الاستبداد باسم المقدّس، وأسباب ذلك الانسداد، ومن ثمّ، الدخول في دوّامات العنف والاضطهاد، لكلّ من يخالف تلك السلطة القسرية.

وشملت القضايا التي حرص موسى على إثارتها، في الدعوة إلى التقدّم الحضاري، والعدالة الاجتماعية، ودعم الفكر العلمي، وتحرير العقل العربي من الخرافة والغيبيات، وهو الخط التنويري الممتد، الذي تبنّاه آخرون من مجايليه، مثل: إسماعيل مظهر، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، وفرح أنطون، ممن دعوا إلى الالتحاق بالحضارة الغربية، والامتثال للقيم التنويرية والحداثية، بغية تجديد البنية الفكرية والثقافية، ورفض كلّ القيم الماضوية.

يؤكّد موسى أنّ الدين في ذاته لا يمكن أن يضطَّهد وإنّما ينشأ الاضطهاد من السلطة المستعينة بالدين

معاركه الفكرية

كان المفكر المصري يحمل هواجس تتمثل في استبدال الاستعمار الأجنبي بآخر محلي، والاستعانة بتبعيةٍ طوعيةٍ، وكان دائم الخوف من الاعتماد على ثقافة التقاليد والتعاويذ؛ فعدّ أنّ ما يساعد الاستعمار الأجنبي، ممثلاً في الاحتلال البريطاني لمصر، على الاستمرار، في الأساس، هو أغلال الجهل وقيود التخلف، والتبعية الدائمة والمستمرة التي تنتحل أسماء وأهداف مختلفة.

وقد عمد صاحب "حرية الفكر وأبطالها في التاريخ"، إلى بناء موقفٍ نقديّ وجذريّ من التراث، الذي لم يعرف فيه المهادنة أو التوفيق، ورفض السلفية بكلّ أفكارها وتياراتها، والنزوع إلى القطيعة مع الماضي، بصورة تامّة. وتركّزت رؤية موسى، ومهمته الرئيسة لتطور المجتمعات، على تخليص أفرادها من سطوة الفكر الغيبي، ومن عبوديتهم واستبداد الدين بهم، ويتأتى بعد ذلك تحريرهم من الاستغلال الطبقي.

الدين في ذاته لا يمكن أن يضطَّهد وإنّما ينشأ الاضطهاد من السلطة المستعينة بالدين

يقول في كتابه "ماهي النهضة؟": "نحتاج إلى ثقافةٍ علميةٍ تعمّ الشعب حتى يترك غيبياته، وينزل على قوانين المادة في الزراعة، والصّحة، والصناعة، حتى تعمّه العقلانية العلمية، فيحلّ مشكلات الزواج والطلاق، والعائلة، والجريمة، والتربية والسياسة، بأساليب العلم، لا خضوعاً للتقاليد والعقائد".

كل ذلك عرّض سلامة موسى لهجومٍ شنيعٍ من عددٍ كبيرٍ من مفكري عصره، من بينهم: عباس العقاد، والمازني، ومصطفى صادق الرافعي، نتيجة مواقفه الراديكالية، فيما يتصل بالقطيعة مع التراث، وضرورة الانتماء الكامل للغرب؛ حيث وصفته مجلة "الرسالة" الأدبية، بأنّه "يجيد اللاتينية أكثر من العربية"، وهو الهجوم ذاته الذي طاله من العقاد الذي قال عنه: "لقد أثبت سلامة موسى شيئاً مهماً؛ هو أنّه غير عربي"، إلى جانب التشنيع ضدّه بأنّه معادٍ للإسلام.

اللغة العربية في ميزان سلامة موسى

برزت قضية اللغة العربية، التي وصف أسلوبها السائد وصيغها المتداولة بين العديد من الكتاب والأدباء والمفكرين، بالانغلاق على رؤيةٍ سلفيةٍ، ورأى أنّها تستعير صوراً قديمةً وتقليديةً، تعكس حالةً من الجمود العقائدي، وتبتعد عن روح العصر، وإمكانيات الثقافة الحديثة، والإنتاج المعرفي والعلمي الجديد لها.

رفض الجمل البلاغية "المفخخة"، والمعاني الفضفاضة الواسعة، والمجازات البعيدة، وقصد في كتابته أن يشتقّ لغةً علميةً سهلةً وواضحةً، يقتصد فيها على ضرورات المعنى، دون إفراطٍ أو تفريطٍ، فيقول: "أنا لا أبالي بما يقال عن أسلوب الكتابة، لكنّني أبالي أسلوب الحياة، ولا أعبأ ببلاغة العبارة، لكنّني أعتني بأن تكون الحياة بليغة".

وإلى جانب الحثّ على تبسيط اللغة واعتماد العامية، ونبذ اللغة القديمة المتهالكة، رأى في الأدب العربي الذي انتشر في أوروبا من خلال الأندلس، سبيلاً إلى إحداث الثورة الرومانسية في الأدب الأوروبي، لذلك، ظلّ شغفه وهمّه الأساسي، هو التعريف بأدباء ومثقفي التنوير.

لم يطرق موسى أبواب الفكر للحصول على العلم فقط بل كان يسعى إلى تحويل العلم إلى ثقافة وأن تكون هذه الثقافة جماهرية

أدبه وانشغالاته الفكرية

ولئن كان الأدب، بالنّسبة إليه، أداةً محرضةً على التفاعل مع الحياة، والجدل مع الواقع، وطرح تناقضاته، والكشف عنها، للتخلص من كلّ أشكال الاضطهاد، القومي والديني، الطبقي والاجتماعي والسياسي، فإنّه قد دعا إلى استعادة مكانة الأدب الشعبي، الذي يعبّر عن حسّ الجماهير، وينقل مشاعرها، ويحوّل الهموم الذاتية، إلى إنسانيةٍ وكونيةٍ عالميةٍ، لا تقتصر على فئةٍ أو طبقةٍ وعنصرٍ؛ "فالنزعة الإنسانية هي الشيء الخالد في الأدب، إذا كان ثَمّ خلودٌ في هذا العالم". ومن ثم، عدّ أنّ للمثقف وظيفةً اجتماعيةً، تستهدف التقدم والثورة الوطنية.

موسى: لا أعبأ بأسلوب الكتابة ولا ببلاغة العبارة، لكنّني أعتني بأن تكون الحياة بليغة

وثمّة قاسمٌ مشتركٌ بين كلّ الانشغالات الفكرية والأدبية والعلمية، التي ساهم فيها سلامة موسى، عبر أربعين كتاباً، ويمكن أن يلخصه، كتابه "حرية الفكر وأبطاله في التاريخ"، الذي يعدّ سرديةً مكثفةً لقصة الإنسان الأبدية، مع الجهل والقيد، العلم والحرية؛ حيث تتبع عبر فصولها تشكّل أوّل القيود، التي طوقت مسيرة الحرية، منذ ظهور "التابو"، والدوافع النفسية والدينية والسلطوية، التي تسببت في إعادة خلقه وقبوله والاستجابة الطوعية له، إضافةً إلى تناوبه على حرية الفكر ومشكلاته، في العصور القديمة، والمسيحية، والإسلامية، وحتى العصر الجديث.

لم يطرق موسى أبواب الفكر للحصول على العلم فقط؛ بل كان يسعى إلى تحويل العلم إلى ثقافة، وأن تكون هذه الثقافة جماهرية.

الأقسام: