كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
8478
عدد القراءات

2018-10-24

"عفرين" خمسة حروف، لم يسمع بها العالم قبل العشرين من كانون الثاني (يناير) العام 2018، موعد بدء العملية العسكرية التركية المسماة بـ "غصن الزيتون"، المدعومة بمقاتلين تابعين للمعارضة السورية المُعتدلة، وفق منظور أنقرة وموسكو، منتهيةً في الثامن عشر من آذار (مارس)؛ أي بعد قرابة 58 يوماً من المعارك الدامية، التي أسفرت عن عدد كبير من الضحايا في صفوف المقاتلين الكُرد، ممن لم تسعفهم جسارتهم في مواجهة أسلحة "الناتو".
المنطقة الكردية تلك، تميزت خلال أعوام الحرب الأهلية السورية الثمانية، باحتضانها أكثر من مليون إنسان؛ بين سكان اصليين ونازحين إليها، فبينما كانت الحرب تطحن برحاها مختلف أرجاء البلاد، كانت عفرين تعيش أماناً قلّ نظيره، على مستوى محافظة حلب، والشمال السوري عامة، عقب تشكيل مؤسسات أمنية وعسكرية تابعة لحكومة كُردية محلية سميت بـ "الإدارة الذاتية"، وهو المشروع الذي يتبناه الأكراد في شمال سوريا، في إطار سعيهم لبناء سوريا جديدة لامركزية.

اقرأ أيضاً: "الغوطة وعفرين": أحلام المهجرين بالعودة إلى منازل تهدّمت وجغرافيا سُرقت
المشروع ذاك، تعارضه حكومة أنقرة بشدة، خشية انتقال عدوى ذلك الطموح إلى قرابة عشرين مليون كُردي جنوب شرق تركيا، ليفتح ذلك باباً جديداً للصراع، في منطقة لم تهدأ فيها المحاولات التركية خلال عقود مضت، سعياً لضمها وتنفيذ سياسات التتريك فيها، نتيجة ما تمثله من ثقل كردي.
"عفرين" أو "كُرداغ" في عهد العثمانية
كانت عفرين الحالية الجزء الأكبر مما سمي "جبل الأكراد/ كرداغ"، في عهد الإمبراطورية العثمانية، وتتمتع بإدارة ذاتية، كما كان الحال بالنسبة إلى كردستان الشرقية، وبحسب الزمن والسياق الإداري؛ يظهر بأنّ هذه المنطقة كانت لواءً (سنجقاً) كردياً مستقلاً، تابعاً لـ "كلّس"، التي كانت تخضع، بحسب نظام السناجق (الألوية) الكلاسيكي، لسيادة حلب، وتسمَّى رسمياً "إقليم الأكراد"، وكانت بالنسبة إلى العثمانيين مصدراً لتزويدهم بالضرائب والعساكر من القبائل المحلية، في حملات تجنيد تصل إلى ألف رجل.

باحث: بعد أن أفلحت تركيا في لواء إسكندرون تراخت في دعم حركة المريدين ما أتاح للفرنسيين القضاء على الحركة

وكانت عائلة "جان بولات" الكُردية (جنبلاط في لبنان)، تحكم كلّس لعدة أجيال، قبل أن يصبح علي جانبولات حاكماً لحلب، لكنّه -عام 1607- قام بثورة ضدّ الدولة العثمانية، انتهت بهروبه إلى لبنان، فيما احتفظ لواء (سنجق) "كلّس" بأهميته كمصدر منتظم لتزويد الدولة بالعساكر، حتى أواخر القرن 18، وتم تمثيل أكراد كلّس لدى السلطات العثمانية، كما باقي الاتحادات القبلية من قبل قائد محلي(*1).
وفي هذا السياق؛ يقول الباحث التاريخي الكُردي، المُنحدر من عفرين، هاوار عبد الواحد (اسم مستعار لضرورات أمنية)، في حديثه لـ "حفريات": "كان لقضاء كلّس حكومة ومجلس محلي، وكان التمثيل الشعبي لنواحيها في المجلس يتم وفق المناطق والعشائر والإقطاعيات؛ فناحية جومة وعشائر وإقطاعيات كرداغ كانت تمثل في مجلس القضاء عبر ممثلين لهم ويعينون من قبلهم، وكانوا عادة ممن يجيدون القراءة والكتابة والتحدث باللغة التركية، وكان هؤلاء صلة الوصل بين حكومة كلّس ومجلسها وزعماء العشائر والآغاوات؛ أي إنّ التمثيل السكاني الشعبي لم يكن على أساس قومي أو ديني، بل كان تمثيلاً للمجموعات العشائرية والبيوتات الإقطاعية الحاكمة في كلّ ناحية أو عدة قرى".
تقسيم عفرين إلى شطرين

رسم توضيحي لتقسيم "عفرين/ كرداغ" إلى شطرين؛ شماليّ ضمّ إلى تركيا وجنوبي ضمّ إلى سوريا

تقول المصادر الكردية: إنّ "عفرين"، كانت تشمل أيضاً مناطق مثل: "دشتا حمقية/ سهل العمق" و"جبال(Gewir) / جبال الأمانوس"، امتداداً إلى مدينة "إصلاحية"، وهي مناطق باتت داخل تركيا الحالية، بعد ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا، وتحدّ عفرين شمالاً وغرباً.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب يعرقل "الإخوان المسلمون" توافق السوريين في إدلب
وبعد قيام الجمهورية التركية؛ بدأت سياسات التتريك والتهجير القسري، والتغيير الديموغرافي، في المناطق التابعة لـ "كرداغ"، الواقعة على الجانب التركي من الحدود، ويُلاحظ أنّ جميع القرى التابعة لـ عفرين من قرية "دير بلوط" (قرية تابعة لناحية جنديرس)، إلى قرية "ديكماداش" (قرية تابعة لناحية شران) في الطرف السوري للحدود؛ هي كردية خالصة، أما على الطرف التركي من الحدود، فلم يتبقَّ سوى عدد قليل من القرى الكردية في المنطقة المقابلة لمنطقة "ميدان أكبس"، لغاية قرية "ديكماداش"، بينما المنطقة الممتدة من "قره خان" لغاية قرية "يول جات"، فقد باتت نسبة ٨٠% منها، من الأتراك ومن ملل غير معروفة.

(رسم توضيحي: جميع القرى التابعة لـ عفرين من قرية "دير بلوط" إلى قرية "ديكماداش" في الطرف السوري للحدود هي كُردية خالصة)

رسم توضيحي: في المنطقة المقابلة لقرية "ميدان أكبس" لغاية قرية "ديكماداش"، على الجانب التركي من الحدود، قرى كردية لم يتبقَّ فيها سوى عدد قليل من الأكراد

ويدلّ تضاؤل نسبة الكُرد في المناطق الحدودية المقابلة لعفرين من الجانب التركي، إلى أنّه تمّ محو وتهجير الأكراد من تلك المناطق بطرق مختلفة، عبر الاستيلاء على ممتلكات الآغاوات، أو إجبارهم على البيع، وتشجيع الكُرد، أو إجبارهم، على الرحيل إلى المدن الكبرى، من خلال منح بعض المناصب للوجهاء منهم في أنقرة وإسطنبول، أو عبر توريطهم في أعمال غير شرعية كاستنزاف ثرواتهم في "القمار"، ومن الأمثلة المقدمة في هذا السياق؛ "قرية كوميت" التي تقع على الطرف التركي من الحدود، ويقابلها في الطرف السوري "قرية شديا" التابعة لناحية راجو؛ حيث كانت "كوميت" تتمتع بمكانة عشائرية، ودينية (مزار)، واجتماعية، واقتصادية، (لـعائلة رشا المشهورة، من زعامات عشيرة شيخان الكردية)، لكنّها مهجورة حالياً، وتمّ إنشاء قاعدة عسكرية تركية فيها؛ حيث لا يمكن لأحد أن يزورها، وهناك الكثير من القرى مثلها.

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
وتضيف المصادر الكردية؛ أنّ الزائر لمنطقة كرداغ في الطرف التركي، لا يشعر بأنه في كرداغ، فهناك نسبة قليلة من الأكراد في "قره خان"، وشملت سياسات التتريك أيضاً قضاء إسكندرون وأنطاكيا وريفها، فمثلاً كانت عشائر "الكوجر" الكردية، وقطعان الغنم، تملأ جبال الأمانوس/ (Gewir)، لكنّها الآن ليست كذلك، وتستذكر في هذا السياق مثالاً في عهد الانتداب الفرنسي على سوريا، عندما أصبح "حسين عوني" نائباً في البرلمان السوري، عام ١٩٣٦، عن عفرين/ كرداغ، لكن بعد وضع الحدود، بقيت قريته "كوميت" في الطرف التركي، حتى أنّ بعض أبنائه باتوا أعضاء في البرلمان التركي.
محاولات ضمّ "كرداغ" في الجانب السوري
حاولت تركيا ضمّ منطقة عفرين إليها بطرق وأساليب عدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي؛ حيث ساهمت الدعاية الكمالية ودعاية الوحدة الإسلامية في إثارة الاضطرابات والانشقاقات بين العشائر الكُردية، وعمد الأتراك إلى تنظيم أجهزة سياسية موالية لهم داخل المقاومة الكُردية ضدّ الانتداب الفرنسي، وكانوا يهدفون من وراء ذلك، لضمّ المناطق الكُردية إلى دولتهم التركية، مستغلين العلاقات التاريخية والاقتصادية والقومية القديمة، بين سكان "عفرين/ كرداغ"، والمراكز الإدارية في (كلّس، قره خان، الريحانية)، خاصة أنّ السكان في الطرف التركي أيضاً من الكُرد ويرتبطون ببعضهم على طرفي الحدود بعلاقات القربى.

مواطن كردي: حركة المريدين والإخوان المسلمون يمتلكون التفكير ذاته من خلال الرغبة في استغلال الدين بغية الانتشار بين الناس

وقد أنشئ بغاية ضمّ "عفرين/ كرداغ" إلى تركيا حلقات دعائية تركية، وزّعت عليها المنشورات، وسعت لإظهار الدولة التركية بمظهر الدولة المتمدنة؛ لذلك لم يتردد بعض زعماء العشائر من الانضمام إلى هذه الدعاية، ومطالبتهم، ضمهم إلى تركيا، أمثال (باي محمد) من عائلة شيخ إسماعيل زاده، وعدد آخر من الكُرد الذين خدعوا بسياسة تتريك المنطقة، في ظلّ غياب الحسّ القومي الكُردي، لتظهر إثر ذلك بين أعوام 1930 – 1940 حركة دينية اجتماعية سميت "حركة المريدين"، لمحاربة الاحتلال الفرنسي في المنطقة، معتمدة في ذلك بالدرجة الأساس على الرابطة الدينية(*3).
وبالفعل؛ تطوّرت -عام 1930- داخل "عفرين/ كرداغ" حركة مدفوعة دينياً، ضدَّ المستعمر وملاك الأراضي، قادها (شيخ إبرام) "إبراهيم خليل"، ذو الأصول التركية، الذي درس مع الشيوخ النقشبنديين في حمص ودمشق، واستقرَّ، حوالي العام 1930، في عفرين/ كرداغ؛ حيث كان في البداية تحت حماية عائلة شيخ إسماعيل زاده، وهي واحدة من أكثر العائلات المالكة للأراضي والأكثر تأثيراً في المنطقة.
وخلال فترة قصيرة؛ تحوّل "شيخ إبراهيم"، وأتباعه، بصورة منظّمة، إلى حركة مسلحة على شكلِ أخوة دينية، فالأتباع في دائرة شيخ إبراهيم، كانوا يسمّون "مريدين" (وهي كلمة كُردية تعني الأتباع أو المؤيدين"، مطالبين بالقوّة الدينية والروحية، وانتزاع الملكية من الآغاوات، وإعادة توزيع ممتلكاتهم على الفقراء، إضافة إلى طرد الفرنسيّين خارج سوريا.

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
وطوال الثلاثينيات؛ كسبت الحركة أعداداً كبيرة من المؤيدين، خاصةً بالاتفاق مع الآغا الأكثر قوة في المنطقة، رشيد شيخ إسماعيل زادة، الذي كان يتمّ ذكره محلياً بـ (كور رشيد)، أو "رشيد الأعمى"، وخلال أعوام الحرب، عبرت مجموعات من المريدين الحدود السورية التركية، وكانوا في بعض الحالات يسرقون أو يهرّبون، يقتلون أو ينهبون، وكانوا يحاولون أن يرجعوا لقراهم.

أدوات تركية لمواجهة فرنسا
وطوّرت حركة "المريدين: علاقات شخصية وسياسية بالكتلة الوطنية وحزب القومية السائد أثناء الانتداب، وعندما عاد الوفد السوري الوطني إلى سوريا، من المفاوضات في باريس عام  1936، ووصولهم إلى عفرين على متن قطارِ الشرق السريع، كان في استقبالهم المئات من المريدين بقيادة علي غالب أحد قادات الحركة، ثمّ ازدادت قوة الحركة القومية السورية في مواجهة الفرنسيين، بعد عام 1941، خاصة بعد الانتخابات البرلمانية عام 1943، عندما فاز الوطنيون، وعلى إثرها عادت أعداد كبيرة من المريدين إلى سوريا، مستفيدين من موقف الوطنيين السوريين الإيجابي تجاه الحركة كثورة ضدّ المستعمر(*2).

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
وحول ذلك؛ يقول الباحث هاوار عبد الواحد: "بسبب النزاع على لواء إسكندرون (هاتاي الحالية)، التي اعتبرت حينها ذات وضع خاص ضمن دولة حلب، مع مطالبة تركيا بها، ونوايا تركيا لضمّ منطقة كرداغ (عفرين) لربط مصيرها بلواء إسكندرون، عملت تركيا من أجل تحقيق ذلك عبر مخططين؛ الأول: دعم الحركة التي سميت "الحركة المريدية" لمحاربة الفرنسيين، وذلك خلال كامل عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، وكسب ودّ السكان، خاصة في قرى نواحي راجو وبلبل، مستغلة الشعور الديني لدى السكان الكرد في محاربة (الفرنسيين الكفار)، الذين احتلوا بلاد المسلمين، ومن ناحية أخرى؛ اتصلت ببعض الوجهاء والإقطاعيين في المنطقة، في محاولة لاستمالتهم بغية طلب الانضمام إلى عملية الاستفتاء حول ضمّ لواء إسكندرون إلى تركيا، التي تمت عام 1938، وربما لهذه الغاية أرسلت كميات من القبعات (شبقة) التي أصبحت رمزاً (مدنياً) لتركيا الجديدة حينها، إلى بعض وجهاء جبل الكُرد، لكنها فشلت في مسعاها".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
ويُنظر إلى العقد الرابع من القرن العشرين (1930-1940) في منطقة عفرين، من حيث النشاط الاجتماعي والسياسي والعسكري، باعتباره عقد الحركة المريدية بلا منازع؛ فمن الناحية الاجتماعية: تجاوزت الحركة الكثير من التقاليد والعادات الاجتماعية القديمة في مجالات عدة، كالزواج والمهور والثأر، وأيضاً في التمرد على الروابط العائلية والعشائرية والإقطاعية القديمة وتفكيكها، كما برزت زعامات للحركة من أوساط عامة الشعب نافست الزعامات الكلاسيكية التي كانت تسود المجتمع، وكان من أكثرهم شهرة: "علي غالب، ورشيد حنيف، ورشيد إيبو(*4).

اقرأ أيضاً: أردوغان والقدس: الطريق لا يمر من عفرين
ومن الناحية السياسية؛ حافظت الحركة المريدية على علاقات سياسية وثيقة مع بعض زعماء الحركة الوطنية في سوريا، وفي محافظة حلب خاصة، تلك العلاقات السياسية التي وضِعت لبناتها الأولى من قبل المجاهدين الكرد والعرب، منذ بداية دخول القوات الفرنسية إلى مناطق شرقي البحر المتوسط، كما أنه بمساندة الحركة المريدية، تمّ انتخاب زعيم عشيرة شيخان، حسين عوني، لعضوية البرلمان السوري لدورتين متتاليتين (1932 و1936).
أما من الناحية العسكرية، فقد قامت عناصر من الحركة باغتيال بعض الآغاوات والمعارضين لها، كما نفذت بعض النشاطات المسلحة على المخافر الحدودية للدرك السوري(*4).

مُقايضة "عفرين" بـ لواء الإسكندرون
تنبهت السلطات الفرنسية إلى الدعاية التركية في منطقة عفرين/ كرداغ، أو جبل الكُرد، وعملت في سياق ذلك على استغلال الشعور القومي الكُردي؛ فلجأت إلى زُمر من الآغاوات المناوئين لفرنسا، والمخدوعين بسياسة التتريك، وجمعوا بعض الآغاوات والوجهاء وعرضوا عليهم إقامة حكم ذاتي كُردي، أو ما يشبه دويلة كُردية، ومن جهة أخرى افتتحت المدارس في القرى الرئيسة، واهتمت بتدريس اللغة الفرنسية (في سبيل مواجهة الخطط التركية الرامية إلى ضمّ عفرين)(*3).
إلا أنّ فرنسا قد أوقفت مخططها الكُردي فيما بعد، بسبب انتهاء النزاع بين الفرنسيين والأتراك على مشكلات الحدود، عقب التنازل الفرنسي عن لواء إسكندرون للأتراك، مقابل تخلي الأتراك عن أطماعهم في منطقة عفرين/ كُرداغ أو جبل الكُرد(*3).

اقرأ أيضاً: تناقضات حماس: تأييد الاحتلال التركي لعفرين ومعارضة الاحتلال الإسرائيلي
وعن هذه اللحظة التاريخية يقول عبد الواحد لـ "حفريات": "هكذا بعد أن أفلحت تركيا في لواء إسكندرون، تراخت حينها في دعم حركة المريدين، احتجزت زعيمها الشيخ إبراهيم خليل سووق أوغلو "مواليد بورجا- إزميت 1898" النقشبندي المذهب، ما أتاح للفرنسيين القضاء على الحركة عام 1940، بحملة عسكرية استخدمت فيها الطائرات الحربية في قصف مواقع المريدين وبعض القرى الجبلية".
ويضيف عبد الواحد: "يمكن اعتبار تلك الحركة التي سميت "الحركة المريدية"، نسبة إلى مريدي وأتباع شيخ إبراهيم خليل أفندي، حركة دينية اجتماعية ظاهرها مقاومة "الكفار" ومناهضة مظالم الإقطاعيين، وقد استغل زعيمها شيخ إبراهيم خليل هذين السببين، في استمالة شرائح واسعة من فلاحي وفقراء القرى الجبلية إلى صفوف حركته، بعد أن وعدهم بتوزيع أراضي الإقطاعيين عليهم، كما قام بإلغاء المهور في الزواج، وشكّل محاكم محلية للبتّ في أمور الناس، وقد أفلح في إعلان العصيان المسلّح ضدّ الفرنسيين وبعض إقطاعيي المنطقة، واغتيال بعض رموزهم من آل شيخ إسماعيل زاده، ما اضطر هؤلاء إلى توثيق علاقاتهم مع سلطات الانتداب الفرنسية، وبالتالي قطع كلّ صلاتهم النفسية والعاطفية، وصلات مجتمعاتهم المقربة منهم مع ماضيهم العثماني، وتركتها الدولة التركية الجديدة، وساعدهم في ذلك اهتمام الفرنسيين الملحوظ بأوضاع الناس، وتقديم بعض الخدمات وتأمين الأمن لهم، وبالتالي كسبهم – إلى حدٍّ ما- للتعاون والقبول بالسلطات المحلية الجديدة للانتداب الفرنسي، وقطع صلاتهم مع ماضي الدولة العثمانية".
المريدية والإخوان... التفكير الرجعي ذاته
أما عن أساليب الحركة المريدية، التي حاولت تركيا من خلالها اقتحام المجتمع في عفرين ثلاثينيات القرن الماضي، فيقول المواطن الستيني علي بليلكو، نقلاً عمّا وصل إلى مسمعه من أسلافه: "من حيث المبدأ؛ فإنّ حركة المريدين والإخوان المسلمين يمتلكون التفكير ذاته، من خلال الرغبة في استغلال الدين بغية الانتشار بين الناس، وهي تهدف في الأساس إلى منع الفكر التقدمي، وحثّ الإنسان دائماً على أن يتوجه بفكره للخلف، فيكون رجعياً ومُنوماً، لإشغاله دائماً بأحاديث وروايات وقعت قبل أكثر من ألف عام".

سياسي كردي: ظلت الحدود بين تركيا وسوريا مثار شدّ وجذب وهناك محاولات من تركيا لاقتلاع أراض سوريا وضمها لها

وبخصوص اختلاف حركة المريدين عن الإخوان، يوضح بليلكو لـ"حفريات": "حركة المريدين كانت قد حاولت الانتشار بين الكُرد وحدهم، ضمن منطقة عفرين، بغية ضمها إلى تركيا أو توسيع النفوذ التركي فيها، وبالتالي لم تكن حركة عامة أو شاملة؛ حيث ارتبطت بشخص مُعين مدفوع من أجهزة المخابراتية التركية، لربط عفرين بتركيا جغرافياً، أو فكرياً على الأقل".
ويردف: "سمعنا الكثير من القصص عن حركة المريدين، منها: أنّهم جاؤوا إلى القرى الكردية، وحاولوا إعادة تعليم الأهالي الدين الإسلامي، وهو مُشابه لما يحدث اليوم في عفرين من قبل الفصائل التابعة لتركيا، التي تريد أن تعلم أشخاصاً مسلمين منذ مئات الأعوام الدين الإسلامي من جديد، فرغم وجود كتب القرآن والمساجد في معظم قرى عفرين، يأتي هؤلاء ليعلموا الناس شريعة خاصة بهم".

اقرأ أيضاً: "الإخوان" يحتفلون بتأسيس الجماعة بإسطنبول..ومشعل يشيد بانتصار أردوغان بعفرين
ويعلق بليلكو على ذلك: "تلك التعاليم تختلف بين الجبهة النصرة أو حركة أحرار الشام الإسلامية، أو غيرها من فصائل المعارضة، وهو الأمر ذاته الذي كان يفعله المريدون، الذين كانوا يسعون إلى نشر فكر وتعاليم تمكنهم من السيطرة على الأهالي في عفرين، ويبدو أنّ المخابرات التركية قد استخلصت أنّ الدين هو العامل الأنسب لاختراق الأهالي، والأقرب للناس في المنطقة، وربما لو أنهم كانوا في عهد آخر لاستخدموا أسلوباً آخر لمحاولة اختراق الأهالي وربطهم بتركيا".

مسلح في عفرين يحمل سيفاً بالقرب من أحد أبرز معالم المدينة الكردية شمال سوريا

مُقارنة فصائل المعارضة بـ "المريدية" 
انتهاكات عديدة تمارسها فصائل محسوبة على المعارضة السورية في عفرين، عقب سيطرة تركيا عليها، تتنوع بين عمليات سرقة وخطف وابتزاز واستيلاء على أملاك العائلات الكردية، المهجرة بفعل الحرب التركية الأخيرة على عفرين، ويضيف بليلكو في هذا السياق: "في حين كان التدخين ممنوعاً على الأهالي غير المحسوبين على حركة المريدين، كان المنتمون إلى تلك الحركة يقومون بالتدخين، دون أن يتعرض لهم أحد، إضافة إلى فرضهم الصلاة على جميع الأهالي، وبعد إجبار الأهالي على الالتزام بتعليمات الحركة، كانوا يلجأون في بعض الأوقات إلى معاقبة أيّ شخص بدون أسباب موجبة".

اقرأ أيضاً: ضمّ عفرين إلى أنطاكيا التركية
ويستطرد "بليلكو": "ما يفعله المسلحون في عفرين من عمليات قتل وخطف، لا تمكن مقارنته بأحد، نحن الكُرد معروفون بأننا لا نقبل العبودية لمن يريد التستر تحت عباءة الدين، لأننا في عفرين، بشكل خاص، نمتلك فكراً تقدمياً يحبّذ العلم، ونتقبل الأفكار التي تحمل رؤى تحررية أكثر من باقي الشعوب في المنطقة، وانطلاقاً من ذلك؛ أعتقد أنّ حركة المريدين لم تنتشر ولم تدم، ليس لوجود قوة أخرى قامت بإنهائها، وإنما بسبب عدم وجود من يتقبلها، حيث كانت تمتلك أربعة إلى خمسة مريدين في كل قرية، رغم أنّ الحياة في ذلك الحين، كانت مُنغلقة، ولم تكن وسائل الإعلام والاتصالات متاحة، لكن رغم ذلك لم تتوفر أرضية للفكر المريدي، ما أدّى إلى انحلالها".

اقرأ أيضاً: أزمة الأكراد: هجوم عفرين وأطماع أردوغان
وفي الصدد، يذكر الباحث هاوار عبد الواحد بأنه "كان لشريحة المتعلمين دور مهم في مكافحة التدخلات التركية، السرية والعلنية، في شؤون منطقة عفرين، منذ ثلاثينات القرن الماضي، عبر تشكيل بعض الأندية، مثل "نادي الشبيبة الكردية" (1936)، و"جمعية المثقفين" (1950)، إضافة إلى توارد الأنباء عن الثورات الكردية في كردستان تركيا، والمظالم وحملات الإبادة التركية ضدّ أشقائهم الكرد هناك".

 من مسلحي المعارضة برفقة الجيش التركي أثناء سيطرتهم على نقاط للوحدات الكردية بريف عفرين

فترة الثمانينيات والتسعينيات
وفي فترة الثمانينيات؛ حاول الإخوان المسلمون التوغل في المجتمع الكردي في عفرين، بأساليب عديدة، أبرزها؛ استخدام المال في دعم بعض الشخصيات، لكسبهم وربطهم بالتنظيم وفكر الإخوان المسلمين، ويذكر بعض المراقبين المحليين أنّ عدداً من أبناء المنطقة قد تورطوا في تلك المشروعات، وتمثل ذلك في ظهور الغنى المفاجئ عليهم، من خلال مشروعات تجارية دعمها تنظيم الإخوان، بغية التوغل في أركان المجتمع والسعي إلى التحكم بحركته الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: صحف ألمانية: أردوغان تحالف مع ميليشيات إسلاموية في عفرين
وفي التسعينيات؛ حاولت المخابرات التركية اختراق المجتمع مجدداً، وإثارة البلبلة، عندما كانت المنطقة تشهد نشاطاً ملحوظاً لحزب العمال الكردستاني، فعملت تركيا على ضرب الأمان في المنطقة عبر عملاء لها، الذين نفذوا تفجيرات طالت عدداً من المنشآت الصناعية كمعاصر الزيتون وغيرها، لتلقي قوات الأمن السوري على عدد من هؤلاء، الذين اعترفوا بأنّهم مدفعون من الميت التركي (المخابرات التركية)، لضرب اقتصاد المنطقة وإثارة البلبلة فيها.
لماذا هاجمت تركيا عفرين؟
المهندس قازقلي محمد، وهو سياسي كُردي من عفرين، يعزو في حديثه لـ "حفريات"، أسباب مهاجمة عفرين إلى "الموقع الجيوسياسي والتركيبة الديموغرافية لمنطقة عفرين التي تقع في الخاصرة الشمالية الغربية لسوريا، والمتاخمة للحدود التركية، والقريبة من البحر الأبيض المتوسط، والأهم من كلّ ذلك، موقعها الجغرافي الواقع في أقصى منطقة غربية كردياً".

اقرأ أيضاً: مجازر تركية في عفرين على وقع اتفاقات لشل الأكراد واحتوائهم
ويضيف إلى ذلك أنّ "الأغلبية المطلقة من سكانها كُرد، وتتجاوز نسبة الـ 95 بالمئة من مجموع السكان فيها، وهذا بحسب مصادر تاريخية متعددة منها تركية، إلى جانب امتلاك معظم هؤلاء وعياً قومياً عالياً، وثقافة ديموقراطية ومدنية، بعيداً عن العشائرية والقبلية والتطرف الديني أو المذهبي، علاوة على حبّهم للعلم والمعرفة، وغنى أراضيهم، كسابع أغنى منطقة في العالم؛ من حيث التربة وثروتها المائية وتنوّع تضاريسها، ومناخها المعتدل، كلّ ذلك جعلها محطّ أنظار الكثيرين من الحاقدين، خاصة الدولة التركية، على مدار حكوماتها المتعاقبة، وآخرها حكومة حزب العدالة والتنمية الشوفيني، الممزوج بلبوس إسلاموي".

وحول المطامع التركية التاريخية في عفرين؛ يقول محمد: "بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية التركية، وتقاسم تركتها ما بين الدول المنتصرة في الحرب، ووقوع سوريا الحالية تحت الانتداب الفرنسي، وفق اتفاقية "سايكس بيكو" المسمومة، عام 1916، ظلت الحدود المشتركة بين تركيا و سوريا مثار شدّ وجذب ومدّ وجزر، وكانت هناك محاولات مستمرة من تركيا لاقتلاع أراض سوريا، وضمّها إليها، وعفرين كانت من المناطق المستهدفة، وإحدى تلك المحاولات كانت في الثلاثينيات من القرن الماضي؛ من خلال إنشاء حركة المريدين الدينية الإسلاموية، بزعامة ضابط الاستخبارات التركي إبراهيم خليل سوغول أغلو، وبقيادة استخباراتية بامتياز، إضافة لتعاون بعض الشخصيات الكردية في المنطقة، ومساعدة شخصيات إخوانية إسلامية من الكتلة الوطنية آنذاك، في مدينة حلب، عام 1938، لمقاتلة فرنسا والمتعاونين معها من المقاومين، من أبناء المنطقة، أمثال كورشيد وآخرين، سعياً منها إلى ضمّ عفرين إليها، وإضعاف الكرد، وإفقار المنطقة، وإحداث تغيير ديمغرافي وثقافي عن طريق الدين الإسلامي الحنيف، بشكل مشوّه يعمد لطمس كلّ ما له صلة بالكُرد، لخلق مناخ اجتماعي يتماشى مع سياساتها الخبيثة، ما أجبر فرنسا على إرسال جيش ضخم، برفقة الطيران الحربي، إلى عفرين، والقضاء على تلك الحركة، ليضطر ما يقارب الأربعة آلاف مواطن كُردي حينذاك  للفرار إلى تركيا".

اقرأ أيضاً: "عفرين" تبعثر أوراق أردوغان وتغرق نظامه في الفوضى وإطلاق الاتهامات
ويستنتج محمد بأنّ "كل ما جرى من تغيير ورسم خرائط دولية في المنطقة، إثر اتفاقية "سايكس بيكو"، لم يكن بإرادة شعوب المنطقة، وإنما إرادة دولية، أصبحت معها المنطقة ساحة صراع لمصالح الدول المتنافسة".

 

الجيش التركي في "ساحة الحرية/ آزادي" وسط مدينة عفرين عقب السيطرة عليها في آذار الماضي

الحركات الإسلامية في مواجهة الحقوق الكردية
وعن التماثل بين المريدية والإخوان المسلمين، يقول محمد: "بالمقارنة بين ما تقوم به الدولة التركية الطورانية حالياً في عفرين، باستخدام فصائل عسكرية إسلامية راديكالية، وما قامت به في ثلاثينيات القرن الماضي، باستخدام الحركة المريدية، نجد أنّ الهدف واحد، ألا وهو محاولة ضمّ أراضي دولة أخرى بشكل ينافي القوانين الدولية، باستخدام مجاميع إسلامية، مع تدمير البنية التحتية وتغيير الديمغرافيا والثقافة، وإفقار أهالي المنطقة، وطمس كلّ المعالم التاريخية والثقافية، ووأد هويتها الكُردية السورية".

اقرأ أيضاً: أردوغان يُسخّر المساجد الألمانيّة للترويج لحربه في عفرين
وينوه محمد إلى أنّ "كلّ من يعرف حقيقة أهالي عفرين، ووعيهم القومي العالي، ومدى ارتباطهم بأرضهم وهويتهم الثقافية، لا يمكن أن يتصور أنّ الأتراك والإخوان قد انتصروا، أو يمكن لهم أن ينتصروا، يمكن القول إنّهم انتصروا عسكرياً، لكنّ عفرين ستعود لأهلها، كما كانت، عاجلاً أم آجلاً، لأنّ أهالي عفرين والسوريين والدولة السورية، لن يستكينوا للمحتل، وسيقاومون حتى آخر رمق".

استغلال تركيا للاجئين السوريين لتجنديهم في معركة عفرين

إرادة السوريين والإرادة الدولية
وحول شكل الحلّ المتصوّر في عفرين، يقول السياسي الكردي قازقلي محمد إنه ليس بيد الكُرد وحدهم "لتحرير عفرين من الاحتلال التركي والعصابات المتعاونة معها، إنما يكمن في تضافر جهود الكُرد وعموم السوريين، خاصة الدولة السورية، لمقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة، وعدم الاستكانة للأمر الواقع سواء في الداخل أو الخارج، بغية التأثير على مراكز القرار الدولية، كي تقوم بدورها بالضغط على المحتل الغاشم، ومطالبته بوقف موبقاته، وانسحابه إلى حدوده الدولية".

اقرأ أيضاً: تركيا في عفرين... تعقيد المُعقد
ويعتقد محمد أنّ "الحركة الوطنية الكردية في سوريا مُقصرة، ولم تقم بواجباتها كما هو مطلوب في الدفاع عن قضايا الشعب الكردي، لكن رغم ذلك تبقى الحركة الكردية هي الرافعة الأساسية للقضية الكردية في سوريا، إلى جانب المنظمات، والجمعيات الحقوقية والمدنية والإنسانية، والفعاليات المستقلة الأخرى"، مردفاً: "لزام عليهم إعلان الاستنفار ومضاعفة الجهود فوراً، للقيام بمسؤولياتهم القومية والوطنية، سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً ومادياً، لفضح الانتهاكات التي يتعرض لها أهالي عفرين، وإيصالها إلى المحافل الدولية، ودعم الأهالي في الداخل، وتقديم كل وسائل المقاومة والاستمرار في مواجهة تلك الثقافة المتطرفة، التي ينشرها المتشددون باسم الإسلام، مختتماً بالقول: "مع إدراكنا أنّ كلّ ما يحدث من جرائم في عفرين ليس بخافٍ على المجتمع الدولي، حيث لا يمكن إخراج المحتل من عفرين إلا بالإرادة الدولية ذاتها التي كانت عاملاً أساساً لدخوله".
استنتاج تاريخي
من خلال متابعة تاريخ نشأة تركيا الحديثة من بقايا الدولة العثمانية، يتبين بجلاء سعي الأتراك إلى إعادة إحياء الإمبراطورية التركية (العثمانية) عبر التستر بالدين الإسلامي، وجعله مطية لحكم المنطقة ونهب ثرواتها، وهو ما فتئت تقوم به منذ بدء ما سمي بـ "الربيع العربي"، كما هو الحال في سوريا، ولم تجد المحاولات التركية حدوداً لأطماعها، فوصلت بجهودها إلى دول أخرى، كالعراق والأردن ومصر وليبيا، بغية الإطاحة بالأنظمة القائمة فيها، أو العمل على ترسيخ أنظمة تقودها جماعات إسلام سياسي موالية لها، مُستغلة بذلك طموحات الشعوب المشروعة لتحسين أوضاعها، ويبدو أنّ التيقن من الأهداف التركية، من دعم الجماعات تلك، دفع بكثير من الأطراف إلى مراجعة حساباته، باستثناء دول داعمة للحركات الإسلامية المُسلحة كـ "قطر".

اقرأ أيضاً: مسيحيو عفرين يطالبون تركيا بوقف القصف
ولا يمكن إنكار أنّ هزيمة المشروع العثماني بدأت في سوريا؛ عندما تمكّن النظام السوري بتحالفه مع الروس، من وقف التمدّد التركي جنوباً نحو حلب ودمشق، التي طالما راود حكام تركيا الحاليين، حلم إقامة نظام إخواني فيها، يكون تابعاً لها، ولربما كان سيكون صعباً تخمين عواقب نجاح تركيا في مساعيها تلك، خاصة في ظلّ رغبتها في الدخول على خط المنافسة مع إيران، للسيطرة والتمدد وإقامة مناطق نفوذ إقليمية، على حساب شعوب المنطقة من العرب والكُرد وسائر المكونات.
لم تكن "المريدية" المُدخلة إلى عفرين في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا واحدة من الأمثلة عن الخداع والأساليب التركية المُتقمصة لثوب الدين الإسلامي، لاستغلال أوضاع الشعوب وتطلعاتها، وما "حركة الاخوان المسلمين"، في نظر المتابعين لهذا الملف، سوى وجه آخر للعملة ذاتها في زمن آخر، وإن كانت عفرين ضحيتها الظاهرة اليوم، بعد تسعين عاماً من المحاولة، فإنّ المخطط التركي أوسع، وقائمة الضحايا أشمل، وفشلها الحالي لا يعني موت أطماعها، لكنه قد يعني بحثها عن بوابات أخرى للعودة بمسميات تكون أكثر جذباً لشعوب المنطقة.


مراجع تاريخية:
(*1) من دراسة بعنوان "أكراد سوريا في مرآة مصادر الأرشيف العثماني خلال القرن 18 للميلاد"، لمؤلفها: شتيفان فينتر، ترجمها من الألمانية: د. نضال محمود حاج درويش، منشورة في العدد٦٧-٦٨ من مجلة الحوار.
(*2) من دراسة بعنوان "الحياة اليومية في كرداغ (شمال سوريا) أثناء احتلال التحالف في الحرب العالمية الثانية"، لمؤلفها: Kathrina Lange، ترجمة: ليلان علي، ومنشورة في مجلة الحوار بعددها 69.
(*3) من دراسة بعنوان "الكرد واستقلال سوريا 1939 – 1946"، لمؤلفها: "برهان نجم الدين شرفاني*، منشورة في العدد 70 من مجلة الحوار.
(*4) من دراسة بعنوان "بدايات اليقظة القومية وبوادر النشاط السياسي المرافق في منطقة جبل الكرد"، عفرين (1919-1957)، لمؤلفها: روزاد علي، والمنشورة في مجلة الحوار، بعدد 64 للعام 2011.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإصلاح الزراعي في مصر.. لماذا انحاز الضابط إلى الفلاح؟

2019-07-21

تسارعت في العصر الحديث التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر وترافقت التغيرات الداخلية مع التأثّر بما يجري على المستوى الدولي، وبعدما بلغ الاستغلال الإقطاعيّ والرأسمالي ذروته مع انتصاف القرن العشرين، حدث التحوّل الأهم مع قيام ثورة قادها ضباط قرروا قلب الأوضاع، فكيف ولِم كان ذلك؟

من محمد علي إلى الاحتلال
توجّه محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، لمحاربة نظام الالتزام الإقطاعيّ في بداية عهده (منذ عام 1814 تحديداً)؛ سعياً منه لتقوية الدولة وزيادة حصيلة الضرائب العائدة لخزينتها، إلّا أنّه تراجع عن الإصلاحات وعاد لإقطاع الملكيات الكبيرة للمتنفذين وأفراد أسرته، تحت مسميّات مختلفة (الأبعاديّة، الجفتلك، الوسية)، وفي الأعوام الأخيرة من حكمه، وبعد هزيمة مشروعه للتوسع في الخارج (بعد 1840)، اضطر لاتخاذ خطوات لإعادة بناء وتعزيز سلطته في الداخل، ومن ذلك استحداث نظام باسم "العُهدة"، كان أشبه بالعودة من جديد لنظام الإقطاع.

بفعل تطبيق الإصلاح الزراعي ارتفع نصيب فقراء وصغار الفلاحين من الأراضي الزراعية ليصل إلى 57.1 في المئة

تسارعت التحوّلات مع دخول البلاد، عام 1882، تحت حكم الاحتلال الإنجليزي، مع بدء سياسة تحويل مصر إلى مستعمرة زراعيّة، فتكاثرت الشركات الأجنبيّة التي امتلكت آلاف الفدادين لتنفيذ مشروعاتها، وفي سبيل تحقيق ذلك، كان الحُكم البريطاني قد سارع إلى إقرار قانون للملكيّة الخاصّة للأرض، وإلغاء أنظمة المُلكيّة السابقة، ولكنّ حالة الضعف التي كان الفلاحون قد انتهوا لها بسبب نظام العُهدة أفقدتهم القدرة على التملك ومنافسة الإقطاعيين والمتنفذين، فظهرت سريعاً طبقة من كبار المُلاك، وترسّخت هذه الطبقة وتعززت سيطرتها على الأراضي الزراعيّة عبر العقود اللاحقة، ومع انتصاف القرن العشرين، وعشيّة ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، كان الحال قد انتهى إلى سيطرة فئة محدودة على المساحة الأعظم من الأراضي الزراعية.

تحوّل الفلاح المصري في عهد الاحتلال الإنجليزي إلى عامل مُستَغلّ

عشيّة الثورة... التفاوت يبلغ ذروته
وبحسب سجلات الأراضي الأخيرة في العهد الملكيّ؛ كان عدد صغار الفلاحين، الذين لا تتجاوز مُلكيّة الواحد منهم الخمسة فدادين، قد وصل إلى نحو (2.6) مليون فلّاح، يشكّلون ما نسبته (94.3%) من إجماليّ عدد الملّاك، إلّا أنّ مجموع مُلكيّاتهم من الأراضي لم يكن يتجاوز ما نسبته الـ (35.4%) من إجماليّ الأراضي الزراعيّة في البلاد، في حين أنّ الـ (10,000) ملّاك أصحاب المُلكيّات الأكبر، ونسبتهم لا تتجاوز النصف في المائة (0.5%) من إجمالي الملّاك كانت تصل حيازاتهم (مُلكيّاتهم) إلى (35.0%) من إجمالي الأراضي الزراعية (1.1 مليون فدّان من أصل 6 ملايين فدّان)، أما الـ (1.0%) من الملّاك أصحاب الحيازات الأكبر، فكانت تصل نسبة الأراضي الزراعية التي في مُلكهم إلى 45.0% من إجمالي الأراضي في البلاد!، وفق ما أورد عبدالرزاق الهلالي في كتابه "قصة الأرض والفلاح والإصلاح الزراعي في الوطن العربي".
الثورة تحكم
وبعد قيام ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952 مباشرة، وفي شهر أيلول (سبتمبر) من العام ذاته؛ قام مجلس قيادة الثورة بإصدار قانون الإصلاح الزراعي الأول في البلاد، بموجب هذا القانون؛ تمّ تحديد الملكية الزراعية بمئتي فدان للفرد وأربعمئة للأسرة، وتقرّر نزع ما زاد عن ذلك وتوزيعه على الفلاحين، مقابل دفع التعويض عن الأراضي المنتزعة، وقد أُنشئت جمعيات الإصلاح الزراعي لتتولى عملية استلام الأرض من المُلّاك بعد ترك النسبة التي حددها القانون لهم وتوزيع باقي المساحة على الفلاحين العاملين بالأرض نفسها.

اقرأ أيضاً: ما أبرز تحوّلات مُلكيّة الأرض في مصر قبل ثورة يوليو؟

وبتطبيق أحكام القانون، آلت إلى الدولة مُلكيّة (‏1.2) ‏مليون فدان، خلال الفترة من ‏1952‏ حتى نهاية ‏1957، ودخلت ضمن هذه المساحة أراضٍ قدم أصحابها اعتراضات قضائية لمحاكم الإصلاح الزراعي، والتي قضت بإعادة حوالي ‏200‏ ألف فدان إليهم‏، لعدم قانونية الاستيلاء عليها‏.

قامت هيئة الإصلاح الزراعي، المسؤولة عن إدارة هذه الأراضي والإشراف عليها، بتوزيع حوالي (‏838)‏ ألف فدان في صورة مُلكيّات صغيرة‏، استفاد من ملكيتها (‏368)‏ ألف أسرة، يبلغ عدد أفرادها حوالي مليوني فرد‏، بحسب ما ورد في كتاب "الإصلاح الزراعي والإنماء في الشرق الأوسط"، لدورين وارينز وخيري حمّاد.

أدّى الإصلاح الزراعي إلى إكساب نظام ثورة يوليو شعبية واسعة بين طبقات الفلاحين

وبعد تسعة أعوام، عام 1961، صدر القانون الثاني للإصلاح الزراعي، والذي تقرر بموجبه تخفيض الحدّ الأعلى لملكيّة الفرد إلى مئة فدان، وبموجب هذا القانون آل إلى ملكية الدولة حوالي 214 ألف فدان، وتبعت ذلك حيازة الدولة المزيد من الأراضي، بعد صدور قانون منع تملك الأجانب عام 1963، فبلغ مجموع الأراضي المستولى عليها بعد القانونين (944,487)، وُزّع منها 628,137 فداناً، وانتفعت من هذا التوزيع 231,862 عائلة، قوامها 1,159,310 مواطنين، وفق المصدر السابق.
وبفعل تطبيق الإصلاح الزراعي، ارتفع نصيب فقراء وصغار الفلاحين من الأراضي الزراعية ليصل إلى 57.1 في المئة عام 1965، بعدما كان 35.4 في المائة، بحسب ما ذكر عبدالوهاب الداهري في كتابه "اقتصاديات الإصلاح الزراعي".
مقاومة مضادة
لم يكن تطبيق الإصلاحات مهمَّة سهلة؛ فكانت عائلات الملاك تستعين بمختلف الوسائل للتحايل على إجراءات الإصلاح، فلجأت إلى إخفاء الملكيات عبر التحايل والخداع للاحتفاظ بها، كما استعان بعض الإقطاعيين في القرى بأساليب القوة واستعانوا بالبلطجيّة لقهر الفلاحين، وهنا ظهرت حركات متفرقة للمقاومة من قبل الفلاحين ساهم في دعمها نشطاء من الحركات اليساريّة، وبرزت ثورة الفلاحين في بلدة كمشيش بمحافظة المنوفية، والتي تخللتها سلسلة من المعارك بين الفلاحين والعائلات الإقطاعية في البلدة، انتهت إلى اغتيال صلاح حسين في 30 نيسان (أبريل) 1966. وإثر ذلك؛ تحرّكت الدولة وقامت بتشكيل لجنة خاصة باسم "لجنة تصفية الإقطاع"، برئاسة المشير عبد الحكيم عامر، وكانت مهمتها رصد المخالفات والتحايلات على قانون الإصلاح الزراعي، ما أدى إلى مزيد من الضبط لعملية الإصلاح وزيادة حصيلة الأراضي التي آلت إلى الدولة بغرض إعادة توزيعها.
وعام 1969؛ أقرّ قانون ثالث للإصلاح الزراعي خفض المساحة من جديد إلى حدّ أقصى (50 فداناً للفرد و100 للأسرة).

الرئيس جمال عبد الناصر يوزّع عقود مُلكيّة الأراضي على الفلاحين

إلى جانب التغيّرات الاجتماعيّة والسياسية؛ حمل الإصلاح الزراعي فوائد وأهدافاً اقتصادية عديدة؛ فإضافة إلى تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية ومحو التفاوت في ملكية الأرض والقضاء على صور الاستغلال، كان الإصلاح يهدف للقضاء على رغبة الملاك في أن يحوّلوا ثرواتهم الى أراضٍ وعقارات غير منقولة، وإقناعهم بضخّ أموالهم بالاستثمار بما يعود على مجمل الاقتصاد بالفائدة؛ برفع حجم الناتج المحلي الإجمالي، ورفع معدلات التشغيل، ومعدّلات الأجور.

اقرأ أيضاً: من التجارة إلى الإقطاع... كيف حصلت الانعطافة الكبرى في التاريخ الاقتصادي للمشرق؟
كان الإصلاح الزراعي إجراء ثورياً في التاريخ الاقتصادي للبلاد، وقد استدعى موجة من النقد جاءت بالأساس من قبل المتضررين من طبقة كبار المُلاك؛ فرأوا أنّ نتيجة الإصلاح كانت انخفاض الإنتاج، وذلك بسبب تفتيت الملكية وإنشاء حيازات صغيرة، كانت السبب الأساسي لإعاقة التنمية الزراعية، خلافاً لما كان مرجواً من تعظيم الاستثمار والصناعات الزراعيّة في حال استمرار سيطرة رؤوس الأموال والحيازات الكبيرة، وقد يتفق المشرفون أيضاً في تطبيق قوانين الإصلاح على هذا، ولكن مع التأكيد على أنّ تعظيم الإنتاج لم يكن هو المقصد الأول بالنسبة إلى الثورة، بقدر ما كان المضيّ قدماً نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على التفاوت والاستغلال.

للمشاركة:

أسباب التخبّط الفرنسي في مواجهة الإسلام السياسي

صورة عمار المأمون
صحفي سوري مقيم في باريس
2019-07-21

تتخبّط فرنسا منذ هجمات الباتاكلان، عام 2015، في موقفها من الأعمال الإرهابيّة، سواء عبر إقرار قانون الطوارئ لأكثر من شهر، في مخالفة دستوريّة صارخة، أو افتتاح مراكز "ضدّ الراديكاليّة"، أو قوانين مكافحة الإرهاب، كما تحوّل الموقف من حركات الإسلام السياسي إلى حرب سياسيّة في الانتخابات، وأخرى على الأرض عبر المراكز المختصّة والمحاضرات المختلفة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
هذا الموقف المرتبك لا يقتصر فقط على الكلام العمومي، والعنصري أحياناً، الموجَّه للمسلمين، بل يبلغ أشدّه في الموقف من الأحزاب المنظمة التي تحاول أن تمارس نشاطاً سياسياً، يرى فيه الكثيرون تهديداً لعلمانية الدولة ولادينيّتها.
 الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج

الإسلام السياسي يتسلل إلى البلديات
فوجئ الفرنسيون، سياسيين وناخبين، بنتائج انتخابات البلديات في فرنسا؛ إذ حلّت في المرتبة الرابعة، وبنسبة 7،43%، لوائح تجمّع "أوروبا بخدمة الشعب"، والذي يقف وراءه "تجمّع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا"، وترأّس القائمة نجيب أزرغوي، بوصفه على رأس قائمة منطقة سين ومارين، المرشَّحة للانتخابات الأوروبيّة، ليكون التجمّع السابق، الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى هكذا مكان سياسي في فرنسا، رافعاً شعار "العيش سوية"، ورافضاً "التحييد المنظم للمسلمين في أوروبا".

التخبط الواضح في التعامل مع الإسلام السياسي بفرنسا سببه الرؤية التعميميّة التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين

هذه النتائج، والنشاط السياسي الإسلامي في عدد من المناطق الإدارية في فرنسا، حرّكت الرأي العام والسياسيّين، ويرى بعضهم أنّه يجب منع ترشيح من يقدم برنامجاً يتناقض مع قوانين "الجمهوريّة"؛ كعدم المساواة بين المرأة والرجل، والفصل في المرافق العامة، كالمسابح، ويطالب بأوقات مختلفة للوجبات الرئيسة، فيما يتناسب مع أوقات الصلاة.
من جهته، أعلن وزير العمل العام، جيرالد دارمانين؛ أنّ "المعركة سياسيّة حكماً، ولا يمكن منع المرشحين من ترشيح أنفسهم للانتخابات"، ولا بدّ من تحذير ما أو إشارة إلى هذا الأمر، كما فعل وزير الداخلية كريستوف كاستانير؛ الذي أكّد أنّه يريد "فحص الأدوات القانونية والسياسيّة للوقوف بوجه هذه الظاهرة، رغم صعوبة الأمر"، فتدخّل كهذا يعدّ مشكلة دستوريّة؛ كون أيّة محاولة ستكون مخالفة لقوانين حرية الترشح، والأمر ينسحب على مراقبة محتويات البرنامج الانتخابي، وللعلم؛ لفرنسا تاريخ سابق في أن يكون رجل دين عمدة، أو حتى عضواً في البرلمان.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
الرعب الذي تواجهه فرنسا يتجاوز ذلك، كون الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج، وتعمل على تطبيق أجنداتها في الترويج لشكل سياسي من الحكم الإسلامي، الذي يهدّد قيم الجمهوريّة، هذا الرعب نراه في الأعمال المتخيلة؛ كرواية ميشيل هولونيك "خضوع"، التي يتخيل فيها انتصار مرشّح مسلم متشدّد في الانتخابات الرئاسيّة، والخوف ذاته نراه في النقاشات الفكريّة، كما في لقاء مع مارسيل غوشيت: "الذي يرى أنّ ما يهدّد العلمانية هو الجماعات التي ترفض الديمقراطية، ومبادئها، ونزعتها نحو تكوين جماعات قد تدخل ضمن الجسد السياسيّ وتهدده من الداخل، وخصوصاً في المساحات الريفية والضواحي"، أما أشكال التحزب الجديدة التي أشار إليها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فتشكّل "محاولة انفصال عن الجمهورية".
البلديات الأكثر تصويتاً لتجمع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا

هيئة مختصة لمكافحة الإرهاب
تأسست بأمر رئاسيّ، أول الشهر الماضي، الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب، ويرأسها جان فرانسوا ريكارد، ذو الخبرة في العمل القضائي في شؤون الجماعات الإرهابيّة، ومهمة هذه الهيئة القضائية ستكون النظر في شؤون الإرهابيين الذين ألقت فرنسا القبض عليهم، ممن مارسوا أعمالاً إرهابية سواء داخل البلاد أو خارجها، إلى جانب التحقيق في قضايا الجرائم ضدّ الإنسانيّة، التي ارتكبها مقيمون ولاجئون في فرنسا، سواء كانوا من سوريا أو من راوندا، أو غيرها من الدول التي شهدت حروباً أهلية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أهمّ الأسئلة التي تواجه ريكارد، خصوصاً بعد تلاشي تنظيم داعش، هي الجهاديون؛ إذ يرى أنّ التنظيم خسر معركة، لكنّه لم يخسر الحرب، فما تزال شبكاته المالية قائمة، ومقاتلوه موزّعين في أنحاء العالم، كما يرى أنّ الإرهاب الجهاديّ ليس فقط مشكلة فرنسيّة، بل عالميّة، فهناك أجيال من الأطفال الذين تربّوا على عداوة فرنسا، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار.
هذه الهيئة أيضاً تنظر في أمر المقاتلين الذين عادوا من سوريا والعراق إلى فرنسا، إلى جانب الحركات التي تسعى لنشر الفكر الراديكالي في فرنسا، والتي توظّف الإسلام كأيديولوجيا عدوانيّة صالحة لشنّ الحروب، ليس فقط على "الدول"، بل أيضاً "المواطنين".

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

وفي حديث لـ "حفريات" مع المكتب الصحفي لمحكمة البداية في باريس، أكّد المتحدّث؛ أنّ "فرنسا ملتزمة بالقوانين الدستورية والدولية، وتسعى لمحاكمة مجرمي الحرب، ومرتكبي الأعمال الإرهابية، كمواطنين، وفي ظلّ القانون، أما تهمة الإرهاب فهي لا تقتصر على الجماعات الإسلاميّة؛ بل كلّ من يساهم في زعزعة أمن فرنسا وتهديد مواطنيها، أما المقيمون في فرنسا من مرتكبي جرائم الحرب فالمحكمة ستلتزم بالقانون، وكما هو معروف في الإجراءات التي تتخذ بخصوصهم".
إعادة النظر في العلمانيّة
النائب في البرلمان، جيرارد لارشير، يرى أنّ الحلّ يكمن في إعادة النظر في العلمانيّة نفسها، ومبادئ الجمهورية في سبيل إعادة قراءتها، وخصوصاً أسلوب تطبيق قانون عام 1905، الذي يحدّد بدقة أشكال فصل الدين عن الدولة وكيفية ممارسة الأنشطة الدينية، في حين يرى المؤرخ مارسيل غوشيت؛ أنّ "المشكلة الحقيقة تكمن في أنّ الإسلام لم يدخل في الديمقراطيّة، بالمعنى المؤسساتي، بل الفلسفي والميتافيزيقي؛ بمعنى حرية الأفراد بتنظيم أنفسهم دون أيّة أوامر علويّة أو ربانيّة".

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
ويضيف لاشير: "من الضروري تنفيذ أحكام قانون عام 1905 ضدّ دعاة الجماعات الإسلامية "المقاتلة"، الذين يدّعون أنّهم يبقون على هامش الجمهورية، في الوقت ذاته، لا يمكن إهمال أهمية العمل الثقافي والتعليمي لخلق اتجاه فكري يحترم الديمقراطية".
إجراءات متخبطة
التخبط الواضح في التعامل مع "الإسلام السياسي" في فرنسا سببه الرؤية التعميميّة، التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين، أو ناشطين سياسيين، ليتحوّل الموضوع إلى نوع من الاستفزاز، وخصوصاً بعد التجارب الفاشلة التي قامت بها فرنسا، والتي تلخّص في "مراكز محاربة الراديكاليّة" التي ثبتت عنصريتها، وتحولّها إلى محطّ السخرية، وأحياناً الانتقام، والأمر ذاته في أنظمة الرقابة في المدارس، وتحديد الطلاب الذين تظهر عليهم "علامات الراديكاليّة"، ووصل الأمر إلى إنشاء رقم هاتف يتصل به من يظنّ أنّ هناك "سلفياً" أو "راديكالياً" يعرفه، كي يخبر عنه السلطات المختصة، وهذا ما تحوّل إلى محطّ سخرية لكثيرين.

ثمة خشية من تحوّل ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ لتأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة

آخر هذه الجهود كانت استضافة ماركوس كيربير في عدد من المؤتمرات لتقديم النصح للحكومة الفرنسيّة، والسبب أنّ كيربير، المسؤول في وزارة الداخليّة الألمانية، ينسق مؤتمرات وجلسات حوار مع ألمان ومسلمين، من أجل الحديث بشأن انتشار الفكر الإسلاميّ في ألمانيا، خصوصاً بعد موجات اللجوء التي بلغت أشدّها عام 2015. ويرى ماركوس؛ أنّ "على فرنسا الاستفادة من تجربة ألمانيا التي فتحت حواراً بين مسلمي ألمانيا أنفسهم، لمناقشة طوائفهم المتعددة ومشكلاتهم، لا السياسيّة فقط؛ بل أيضاً الدينيّة، ويترافق ذلك مع دروس دينية في المدارس العامة واختصاصات في اللاهوت الإسلامي في الجامعات، والأهم العمل على أن يكون خطباء الجوامع مولودين ودارسين للدين الإسلامي في ألمانيا.

زار أردوغان مدينة ستراتسبورغ سابقاً وقوبل بالاحتفال الهائل

الخوف من ستراتسبورغ

العامل الآخر الذي يحرّك الخوف الفرنسي من الإسلام السياسي؛ هو ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، والتي يُظنّ أنّها تتحوّل إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ؛ بسبب تأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة، والأهم أنّها تحتضن مسجد "أيوب سلطان"، الذي سيفتح أبوابه عام 2023 بقيمة تبلغ 32 مليون يورو، ليكون واحداً من أكبر المساجد في أوروبا.

صورة متخيلة لمسجد سلطان أيوب في ستراتسبورغ

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي
صحيح أنّ المسجد سيكون كباقي مساجد فرنسا، يضمّ مقاهي ومساحات للطعام وغيرها من الأنشطة، لكنّ التخوف أساسه طبيعة الدعاية التي سيضخّها، والمنظمة الداعمة له، التي تحمل اسم "رؤية المجتمع"؛ والتي تتحدث باسم مجموعة من المنظمات التركية المحافظة، التي ظهر تأثيرها عندما زار أردوغان المدينة سابقاً، وقوبل بالاحتفال الهائل.
الأهمّ؛ أنّ كثيراً من المدارس الخاصة هناك ترفض إعطاء مواعيد للصحفيين، بوصفهم يشوّهون الحقيقة؛ فالمدارس هناك تدّعي أنّها مطابقة للمناهج الوطنيّة، مضافاً إليها دروس التربية الدينيّة المُتهمة بأنّها تبثّ قيماً تعادي العلمانيّة، كما أنّ مدير العلاقات العامة لمكتب العلاقات الفرنسية التركيّة، المبعَد بسبب آرائه المناهضة لقيم العلمانية الفرنسيّة، يعمل في المنظمة، ويرفض أيّ لقاء صحفيّ، خوفاً من تشويه صورته.

للمشاركة:

ماذا لو نجحت السلطة الفلسطينية بإصدار عملة رقمية بديلة عن الشيكل الإسرائيلي؟

2019-07-21

تحاول السلطة الفلسطينية تجاوز القرصنة الإسرائيلية لأموال الضرائب "المقاصة"، بابتداع أساليب جديدة ترى فيها التفافاً على الإجراءات المشددة التي يتخذها الاحتلال الإسرائيلي؛ للحيلولة دون وصول الأموال إليها، ووضعها في مأزق مالي خطير.

طلال عوكل: لا يمكن الانفكاك عن العملة الإسرائيلية في الوقت الراهن لأنّ الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على كافة المعابر والحدود

فقد أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد أشتيه؛ أنّ "السلطة الفلسطينية في صدد استخدام العملات الرقمية، وذلك بهدف تجاوز العراقيل التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي أمام الحكومة في الوقت الحالي، لتكون بديلة للعملة المحلية".
وأكّد رئيس الحكومة الفلسطينية أنّهم "يسعون خلال الفترة المقبلة لأن يكونوا رواد التكنولوجيا في كلّ شيء، حتى لا يستطيع الاحتلال أن يعرقلهم في التنمية، ولا يجد وسيلة لابتزاز الفلسطينيين، ولتجنب مشكلات مرتبطة بفائض الشيكل في السوق المحلية".
ويستخدم الفلسطينيون حالياً الشيكل الإسرائيلي كعملة رسمية في تعاملاتهم كافة، إضافة إلى عملات أخرى؛ كالدينار الأردني، واليورو الأوروبي، والدولار الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ..وقطاع غزة أيضاً يضيق باللاجئين السوريين
وتعتمد الحكومة الفلسطينية بشكل أساسي على أموال المقاصة؛ فهي مصدر الدخل الأبرز لها، وتشكّل نسبتها 63% من إجمالي إيرادات الحكومة، بحسب الأرقام الرسمية.
عملة الشيكل

أداء جيد للعملات الرقمية
وتواصل العملات الرقمية المشفرة بشكل عام، الأداء الجيد لها، منذ نيسان (أبريل) من العام الجاري؛ حيث اتجهت العديد من العملات إلى الصعود في الأسعار، مما جذب الكثير من المستثمرين إلى السوق مرة أخرى، ليشهد أرباحاً كبيرة للعديد من الشركات.

اقرأ أيضاً: الانقسام الفلسطيني.. 12 عاماً على التبعات المنسية
كما أنّ الاهتمام بمجال العملات المشفرة لم يكن على مستوى الحكومات أو الأفراد فقط؛ إذ انتقلت العديد من الشركات إلى فكرة إطلاق العملة الرقمية الخاصة بها، وفي طليعتها "فيسبوك".
فهل تنجح السلطة الفلسطينية في شقّ طريقها نحو العملات الرقمية. وما التبعات الاقتصادية والسياسية للانفكاك عن العملة الإسرائيلية الشيكل. وهل سيكون للسلطة الفلسطينية كيان اقتصادي منفصل. وما ردّة الفعل الإسرائيلية على هذا التوجه؟

اقرأ أيضاً: ورشة البحرين: الفلسطينيون يرفضون الرفاهية الاقتصادية تحت الاحتلال
في سياق الردّ على تلك التساؤلات، يقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، لـ "حفريات": "من الصعب إلغاء، أو الحدّ، من تداول واستخدام الشيكل الإسرائيلي في الأسواق الفلسطينية، فتوجه السلطة الفلسطينية لتدشين عملة رقمية خاصة بها لا يمكن أن يكون جدّياً لهذا الحدّ؛ لأنّ المجتمع غير مهيأ لاستخدام تلك العملة، ومشكلة التداخل الاقتصادي والقرصنة الإسرائيلية لأموال الفلسطينيين لا يمكن حلّها بتلك الطريقة".
 إعلان السلطة الفلسطينية بالتوجه نحو العملات الرقمية

توفير بدائل اقتصادية
ولا يمكن الانفكاك عن العملة الإسرائيلية "الشيكل" في الوقت الراهن؛ لأنّ الاحتلال الإسرائيلي، كما يقول عوكل، يسيطر على كافة المعابر والحدود؛ لذلك لا يوجد مجال للفصل، "لكن هناك مجال لاتخاذ إجراءات تتمثل، بتوفير بدائل اقتصادية، سواء محلية، أو مستوردة من الدول الخارجية، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، واعتماد عملة بحسب عملات أخرى، مثل الدينار الأردني، للتقليل من الاعتماد على الشيكل".

هاني حبيب: لا يمكن الحديث عن إصدار عملة رقمية فلسطينية في الوقت الحالي ما دام الفلسطينيون تحت الاحتلال

وفي حال إصرار السلطة الفلسطينية الانفكاك عن الشيكل الإسرائيلي، وإصدار كيان اقتصادي مستقلّ، "فإنّ ردّة الفعل الإسرائيلية ستكون قويّة، وسيتخذ الاحتلال إجراءات فعالة للتأثير على السلطة الفلسطينية لمواجهة تلك الخطوة، مثل: إغلاق المعابر، وعدم السماح بإدخال المواد الخام، والأموال للبنوك الفلسطينية، وتسريح الأيدي العاملة الفلسطينية في الشركات الإسرائيلية، وغيرها من الخطوات التي من شأنها إضعاف الاقتصاد الفلسطيني".
ومن الخطوات التي يجب اتباعها قبل التحرر الاقتصادي، بحسب عوكل، "التخلص من التنسيق الأمني، وإصدار تعليمات لكافة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية بعدم التعامل مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وعدم التعاطي بمخرجات اتفاقية باريس الاقتصادية بشكل نهائي".

اقرأ أيضاً: محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة
وفي سياق متصل، يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب، لـ "حفريات"، إنّ "السلطة الفلسطينية لا يمكنها الانفكاك الاقتصادي والمالي عن دولة الاحتلال، نظراً لعدم وجود حدود جغرافية حقيقية، وبسبب التوسع الاستيطاني بالضفة الغربية، فلا يمكن الحديث عن أيّة عملة جديدة فلسطينية في الوقت الحالي؛ لأنّ الفلسطينيين تحت احتلال، ويجب التخلص من الاحتلال قبل التخلص من التعاملات الاقتصادية معه".
التحديات
وفي حال تمكّنت السلطة من الانفكاك عن العملة الإسرائيلية، وإصدار عملة رقمية خاصة بها، فإنّها، كما يرجح حبيب، ستواجه "تحديات كبيرة على المستوى الدولي، ولا سيما ردة الفعل الأمريكية، التي من المتوقع أن تلزم الدول المانحة بقطع تمويلها المالي عن السلطة الفلسطينية، إضافة إلى إزالة الغطاء السياسي عن مؤسسات السلطة الفلسطينية المنتشرة في دول العالم، ما يفقدها شرعيتها".

اقرأ أيضاً: ما مصير المصالحة الفلسطينية إذا نفد صبر القاهرة؟
ويصف الخبير الاقتصادي، معين رجب، إعلان السلطة الفلسطينية بالتوجه نحو العملات الرقمية بأنّه "مجرد خطاب إعلامي لإيصال رسالة للاحتلال الإسرائيلي، للتخفيف من حدة الأزمات الاقتصادية، وإعادة النظر في خصم مخصصات الشهداء والجرحى من أموال عائدات الضرائب (المقاصة)".
أزمة مالية تعصف بالحكومة الفلسطينية

انفكاك سياسي بعد الاقتصادي
ويعتقد رجب أنّ "إصدار عملة رقمية خاصة بالفلسطينيين، والانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال الإسرائيلي، لا يمكن أن يتم إلا بعد الانفكاك السياسي، والتحرر من سائر الاتفاقيات والمعاهدات مع الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها اتفاقية باريس الاقتصادية، ومن الصعب تحقيق هذا الأمر في ظلّ استمرار العلاقات، والتداخل الاقتصادي مع الاحتلال".

معين رجب: وجود عملة جديدة يحتاج إلى اقتصاد قوي لديه القدرة على دعمها وإمكانية تداولها في الأسواق المحلية والخارجية

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أنّ "انفكاك السلطة الفلسطينية عن العملة الإسرائيلية "الشيكل" له تداعيات خطيرة على الفلسطينيين؛ إذ يوجد ما يزيد عن 100 ألف عامل فلسطيني يعملون في الأراضي الفلسطينية عام 1948، وفي حال تم الاستفتاء عنهم من قبل الجانب الإسرائيلي، فإنّ السوق الفلسطينية لا تستطيع استيعاب هذا العدد الضخم، خاصة أنّهم يشكّلون 25% من النتاج المحلي الإجمالي".
ويلفت رجب، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ هناك تحديات تواجه إصدار أيّة عملة فلسطينية جديدة، سواء كانت رقمية أو تقليدية، وهي ضعف الاقتصاد الفلسطيني، وتحكم الاحتلال الإسرائيلي بالصادرات والواردات، وعجز الموازنة العامة والديون العالية المتراكمة على الحكومة، وضعف الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أنّ وجود عملة جديدة يحتاج إلى اقتصاد قوي لديه القدرة على دعمها، وإمكانية تداولها في الأسواق المحلية والخارجية.
هل تمتلك السلطة السيادة؟
وتساءل رجب: هل تمتلك السلطة الفلسطينية السيادة الكاملة على المعابر التجارية. وهل تستطيع حماية عملتها الجديدة من المخاطر التي قد تواجهها. وكيف سيتم إقناع المواطنين بالعملة الجديدة؟
يذكر أنّه منذ بداية عام 2019، لم يتسلم موظفو السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، البالغ عددهم 138 ألف موظف، سوى 50% من رواتبهم الشهرية، نظراً للأزمة المالية التي تعصف بالحكومة الفلسطينية، بسبب اقتطاع إسرائيل جزءاً من أموال الضرائب الفلسطينية "المقاصة".

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية