"جند الله تخطيطاً" لسعيد حوى..ديمقراطيّة أم وسيلة للوصول إلى سلطة مطلقة؟

2017-12-20

قراءة في كتاب "جند الله تخطيطاً" لسعيد حوى

يولي الدّاعية السّوري، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، سعيد حوّى، في كتابه ''جند الله، تخطيطاً''، أهمّيةً بالغة، لمسألة التّخطيط الحركي للجماعة، ويعتبر أنّها ''أعظم المهمّات على الإطلاق''، وأنّ التّخطيط يسبق التّنظيم ليأتي بعد ذلك التّنفيذ، وهو يُخرج المسألة، بذلك، من بعدها العفوي، معتبراً أنّ فرض إسلاميّة الدّولة، لا يجب أنْ ينفصل في الأذهان عن مفهوم المعركة والحرب التي لا انتصار فيها من دون استعداد شامل، وكلمةٍ جامعة وأسلوب موحّد. وأنّ ذلك لابدّ أنْ يمرّ عبر إنتاج قواعد تنظيميّة، تلقى القبول والاتّفاق من الجميع، وأنْ يحُلّ الانسجام محلّ ''التناقض'' الذي يَعتبر أنّه سببٌ في إلغاء قوة الإسلام.

الداعية الإخواني سعيد حوى
المبدأ التّنظيمي الذي يؤكّد عليه حوّى، يبدأ بتحديد المجال الضّروري من أجل التحرّك، وهو مجال مفتوح على العالم ولا حدود قطريّة له، ويتحقّق بإيجاد ما يسمّيه ''الهيكل التنظيمي لحركة إسلامية عالمية جامعة''.
ولعلّ دعوة حوّى إلى تنظيم عالمي للإخوان، تتجاوز أوّلاً حصر الإخوان في أتباع حسن البنّا في مصر، وبالتالي التّشريع لهم في بلاد الشّام وغيرها، على اعتبار أنّهم يمثّلون الامتداد التّنظيمي نفسه، كما تتجاوب مع رؤية حسن البنّا الرّامية إلى عدم الاكتفاء بالتحرّك في حدود قطريّة ضيّقة، لذلك فهو يعتبر أنّ تلاميذ البنّا، في كل مكان من العالم، مرشّحون أكثر من غيرهم لأنْ يكونوا النّواة الفطريّة لمتابعة كل الجوانب التي يحتاجها ''التخطيط للإسلام''، ويؤكّد أنّهم منتدبون لهذه المهام أكثر من غيرهم، خاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية. 
ويقسّم حوّى، بناءً على ذلك، الإخوانَ إلى مراتب متفاوتتة القيمة، بدءاً بأدناها وانتهاءً بأعلاها؛ من محبّ مستمع، فعامل، فنقيب، فركن، فداعية، إلى أنْ يصل إلى مرتبة الأستاذ، الذي تتجسّد فيه مهمّة القيادة والقدرة على التّخطيط، ويرى حوّى أنّ هذا التّقسيم يكون مرجعاً لكل أجهزة التّنظيم في كل مكان في العالم، وعلى أساسه تتمّ أسلمة كلّ شيء، في كلّ قُطر من الأقطار الإسلامية، والوصول إلى صيغةٍ توجد بها ''جهة مركزيّة للأمّة الإسلاميّة''، ومن ثمّ تحقيق الدّولة الإسلامية الكبرى التي يرى وجوب أنْ تُحكم بالشّريعة، وأنْ يحكمها الإخوان المسلمون.

التناقض والمغالطة في خطاب حوّى لا ينفكّان يتوسّعان ليطالا عمقه وجوهره ولعلّ القارئ يجد نفسه أمام خطاب مخادع

ويَعتبر حوّى، أنّ كلّ ما هو دون ذلك يكون اجتهاداً خاطئاً، حتى وإنْ صدرَ عن مسلمين، وينعته بالشّذوذ والانحراف، وبالتّالي فهو مرفوض عنده، انطلاقاً من اقتناعه بأنّ الحركة الإسلامية الحديثة يجب أنْ تتحمّل مسؤولية تعميق عقائد أهل السنّة، وتتحمّل واجب الدّفاع عن مذاهبهم الفقهيّة والسّلوكيّة، وأنّ الإخوان المسلمين هم وحدهم المنتدبون لحمل لواء ''الفرقة النّاجية من الثّلاث والسّبعين فرقة'' عملاً بما استقرّ عليه إجماع أهل السنّة والجماعة. والإقرارُ بذلك يستطبن، طبَعاً، أنّ الفِرَقَ الأخرى هي مِنَ الفِرق الضّالة الهالكة المبتدعة، وأنّها تستحقّ دخول النّار بسبب ما أحدثته في دين الله من أقوال شنيعة وبدع عظيمة (...) إلى غير ذلك، من أقوال كثيرة تحفل بها كتب التّراث.
كيف يتسنّى لنا أنْ نفهم حينئذ هذا الخطاب، فهو من جهة يدعو إلى كلمة جامعة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتنظيماتهم، يكون مركزها الإخوان المسلمون المنتدبون لمهمّة جمع المسلمين... ومن جهة أخرى يؤكّد على أسس عقائد أهل السنّة ومبدأ الفرقة النّاجية، والحال أنّ مبدأ الفرقة النّاجية قائم على التّمييز المذهبي والتّفريق بين المسلمين؟ أليست دولة الإخوان بهذا الشّكل دولة الفرقة الناجية والبقية في النّار؟ فهل يمكن الحديث عن دولة المواطنة بعد هذا !!!

الدّيمقراطية لدى سعيد حوّى تنطلق من كونها مجرّد وسيلة للوصول إلى السّلطة والاستئثار بها

هكذا يخسر حوّى أولى دعامات الثّقة مع القارئ، ويسقط في الفرقيّة، وفي تكفير الآخرين، وفي أحسن الأحوال نعتهم بالضّلال والخطأ، فليست كلمة الإخوان جامعة في الحقيقة بقدر ما هي إقصائيّة، وليست أهدافهم جمع المسلمين بقدر ما هي التّقدّم عليهم وزعامتهم، والهيمنة عليهم بالدّين.
ولعل ذلك يتعمّق في تفكير حوّى بشكل أكثر سوءاً وغرابةً حين يخوض في ترتيبات الحكم وآليّات الوصول إليه، فيرى أن انتخاب رأس السّلطة يكون على شاكلة ما قام به عمر بن الخطاب وهو على فراش الموت من حيث أنه أعطى حق اختيار الخليفة لأعلى طبقة من الصّحابة والتّابعين في عصره، وهؤلاء انتخبوا منهم خليفة مدى الحياة، كما يعتبر أن للأمير تسيير الأمور في حدود الشّريعة وعلى ضوء القواعد المتّفق عليها، وعندئذ لا يُعترض عليه إلاّ في حالة ضرر تراه الأكثريّة، أما في حالة تأرجح المصالح وعدم ثبوت الضّرر فالأصل أن يُطاع؛ لأن ''الرّجل عندما يصل إلى السّلطة يصبح هو وليّ الأمر، ولا يُلزَمُ بإجماع العلماء''. ولا يكتفي حوّى بالتّأكيد على إطلاقيّة مسألة الطّاعة، بل إنّه يعتبر أنّ أي اختلاف مع صاحب السّلطة لا يدعو بالضّرورة إلى معارضته أو الخروج عليه، وإن حصل ذلك فإنّ الأمر في نظره معرّض لفساد كبير.

يرى حوى أنّ الدّيمقراطية في العالم الإسلامي هي أن ينتصر الإسلاميّون بأقرب طريق وأقصره!

إن تصوّر وليّ الأمر حينئذ يوقع حوّى في تناقض آخر عجيب؛ إذ كيف يدعو إلى طاعة صاحب السّلطة طاعة مطلقة ''سواءً كان برّاً أو فاجراً'' ويدعو في المقابل إلى الجهاد ضد أصحاب السّلطة المعاصرين له، معتبرا الجهاد فرض عين على كل مسلم، ومؤكّدا أنّه ''إذا تركت الأمة الإسلامية مبدأ الجهاد فقدت إسلامها شيئا فشيئا''، ومُقرّا بأنّ ظروف الأمّة الإسلاميّة الحاليّة تفرض عليها أن تبلور ''نظريّة في الجهاد''، وبأنّ ''الجهاد هو الوسيلة الأساسيّة في الإسلام لإنهاء فتنة المسلم عن دينه ودرء العدوان وإنهاء الردّة''، ومُشيداً بحركات الجهاد في العالم الإسلامي، وأنّها تخوض ''حروبا عادلة'' ضدّ ظلم الحكّام وأصحاب السّلطة ومن يرى أنّهم يتربّصون بالإسلام ويريدون استئصاله، وينتهي فهم حوّى للجهاد إلى ضرورة دعم ''الجهاد المسلّح'' في بعض الأقطار الإسلامية، ولا يرى حرجاً من قتل المسلم لأخيه المسلم دفاعاً عن الإسلام وإعلاءً لرايته، وأنّ المنتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين عليه ''أن يعتاد على الجندية والقتال في سبيل الله'' كما يعتاد على القيادة، فقد يكون في آن واحد جنديّا مقاتلاً وقائداً...

يشترط حوّى أن يكون الدّستور الذي يسنّه المجلس النّيابي إسلامياً خالصاً في أقطار ذات أقلّيات دينية ومذهبيّة وطائفيّة!

ولكن التناقض والمغالطة في خطاب حوّى لا ينفكّان يتوسّعان ليطالا عمقه وجوهره، ولعلّ القارئ يجد نفسه أمام خطاب مخادع ومُخاتل حين يقرأ موقفه من الدّيمقراطية بعد كل ما ذكره من دعوة إلى تفرّد الإخوان المسلمين على اختلاف تقسيماتهم ومراتبهم بالمجتمع، وتحكّمهم في جميع مفاصله الحيوية، وبعد دعوته إلى ما يناقض الوحدة القُطرية للدّول في سبيل تحقيق تنظيم إسلاميّ عالميّ ذي نواة مركزيّة أشبه بنظام دولة الخلافة تكون الشّريعة عماده والقرآن دستوره، وبعد دعوته إلى بيعة وليّ الأمر وتمكينه من السّلطة مدى الحياة، ودعمه بالطّاعة المطلقة حتّى وإن كان فاسداً، وبعد تلوّن خطابه حول الجهاد بسمة الظّرفية والانتقائية، فإن سعيد حوّى في كتابه هذا يدعو إلى الدّيمقراطية بل ويمتدحها، ويرى أنّها النّظام الأمثل الذي يمكن أن يستوعب عمل الإسلاميين...
كتاب سعيد حوى: جند الله تخطيطاً

فعن أي ديمقراطية يتحدّث حوّى؟
يبدو جليّا أن فهم الدّيمقراطية لدى سعيد حوّى ينطلق من كونها مجرّد وسيلة للوصول إلى السّلطة والاستئثار بها، وأنّها ليست أبداً مساراً سياسياً متكاملاً ولا نهائياً، فهي ''ديمقراطيّة الاستعمال الواحد'' تنتهي بانتهاء الغاية منها، أي بصعود الإسلاميين إلى سدّة الحكم وبقائهم فيه، وإزاحتهم لكلّ مخالف أو معارض لهم، واستناداً إلى ذلك يرى أن الدّيمقراطية في العالم الإسلامي يجب أن يكون مآلها أن ينتصر الإسلاميّون بأقرب طريق وأقصره، هذا الطّريق المختصر يمرّ عبر آلية الانتخاب التي تضمن للإخوان المسلمين حضوراً كثيفاً في السّلطة يوازي حجم حضورهم في المجتمع، لذلك فهو يعتبر أنّ المطالبة بمزيد من الدّيمقراطية هي ''الطّريق العمليّ لانتصار المسلمين على أرض الإسلام''، وينبّه الإخوانَ المسلمين حتى لا يغفلوا عن الإيجابيات التي تقدّمها لهم الدّيمقراطية، على اعتبار أنّه حيثما كانت أكثريّة فهي التي تحكم، ومبادئها هي التي تسود، وحيثما تكون أكثريّة إسلاميّة في قُطر فإنّ مآل ذلك أنْ ينتصر الإخوان، وإذا كانوا أقلّية فإنّ الدّيمقراطية في كثير من الأحوال تكون لصالحهم. وقد ثمّن في بيان ذلك سعيَ حسن البنّا والهضيبي إلى المشاركة في الحياة النّيابية في مصر ووصفهما بالحكيمَين. 

كفّرَ  حوّى من لا يرى قيمةً لأنْ تدخل مادة ''دينُ الدّولة الإسلام'' في الدّستور

الانتخاب يوصل إلى المجالس النّيابية، حيثُ يتّسع المجال باتجاه فرض تسلّط الإخوان ودستورهم، وبالتّالي يخوّل لهم مزيد السّيطرة على المجتمع والتّحكّم في مساحات الحرّية التي لا تتماشى مع مبادئهم، فتنقلب الدّيمقراطية إلى نقيضها، ويتحوّل الدّستور إلى مجرّد آلية خانقة لروح المجتمع؛ فما معنى أن يشترط سعيد حوّى أن يكون الدّستور الذي يسنّه المجلس النّيابي على مقاس إسلاميّ خالص في أقطار ذات أقلّيات دينية ومذهبيّة وطائفيّة؟ ثمّ ما معنى أن يواجِه بالرّفض كلّ نصّ من الدّستور يتناقض مع أحكام الإسلام أو يقيّدها؟ وهل يمكنُ أنْ نُسلّم بأنّ سعيد حوّى الذي وصل به الأمر حدّ تكفير من لا يرى قيمةً لأنْ تدخل مادة ''دينُ الدّولة الإسلام'' في الدّستور، يمكن أنْ يتعايش بشكل سلمي يضمن الحدّ الأدنى من المواطنة، مع ما تفرزه صناديق الاقتراع من قوى سياسية مخالفة في الرّؤى والمناهج أو حتى في المعتقد؟
لا تبدو الإجابة، عن هذه التّساؤلات وغيرها، عسيرةً حتماً على القارئ، خاصّة إذا ما نظرنا إلى موقف حوّى من مسألة الحرّيات، فقد أعلن صراحة عن تعجّبه ممّا يرتبط بالمنطق الدّيمقراطي من ''حرّية شخصيّة فضفاضة'' لا تتماشى مع شخصيّة الإنسان المسلم المنضبط وفق أحكام النّص وقوالب الفقه التي لا تجد أدنى حرج في أنْ تتدخّل في أكثر تفاصيل الإنسان ذاتيّة. بل إنّه لا يرى في ما يدعو إليه أنصار الدّيمقراطية في مجتمع مسلم، من حرّيات نفعاً للإسلام والمسلمين، ويؤكّد أنّ أولئك ''الديمقراطيّين في العالم الإسلامي لا يفهمون الحرّية الشّخصيّة إلاّ في حدود الفساد والإفساد''، ويعتبر أنّ مواقفهم من حرّية المرأة مثلاً، قد أخلّت بشروط الزّوجة الصّالحة التي تكفلها لها تعاليم الإسلام، تلك التّعاليم التي يرى أنّها لا تتعارض مع الحرّية ولكنّها تضبطها.

يعتبر حوّى أنّ حرّية المرأة قد أخلّت بشروط الزّوجة الصّالحة التي تكفلها لها تعاليم الإسلام

وإذا كان من سمات الدّيمقراطية الإخوانيّة الموعودة في خطاب سعيد حوّى، أنّها ترفض الحرّية الغير مقيّدة بضوابط نصّية وفقهية، فلا عجب حينئذ أنْ يكون خطاب الإسلاميّين في مجتمعاتنا الحديثة يعاني من ذات الفصام وانعدام الفهم، لكل ما جاءت به الحداثة في مستوياتها المتعدّدة فكريّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، ما جعلهم يتخبّطون في متاهات لا نهائيّة، قائمة على خلط مفاهيم تراثيّة بأخرى حداثيّة، وخلط مفاهيم إسلاميّة بأخرى غربيّة بشكل انتقائيّ فاضح، لا تستوي معه بعض المفاهيم الكبرى، إلاّ على شكل مسوخ فاقدة للرّوح، فلا معنى لما يطالب به حوّى من حرّية مقيدة في بلاد المسلمين وما يمتدحه في ذات الحين من حرية دينية في ''بلاد الكفّار''، وهو القائل: ''إن الحرّية الدّينية وغيرها التي تتاح للإنسان في بلاد الغرب إذا أحسن استثمارها فإنّها أجود مناخ في العالم لإيجاد التّخطيط الإسلامي المطلوب على كلّ مستوى''. لكأنّ الإسلاميّين في حاجة دائما إلى ما يتوفّر لدى الغرب من مناخ حرّية حتى يقيّدوا مناخ الحرية داخل أوطانهم.

الإسلاميون في حاجة دائما إلى ما يتوفّر لدى الغرب من مناخ حرّية حتى يقيّدوا مناخ الحرية داخل أوطانهم

لا يمكن أنْ نمرّ على ذلك دون أنْ نصفه بالانتهازيّة الواضحة، التي لا تبدو غريبة عن خطاب حوّى في مسائل أخرى كثيرة يعج بها كتابه؛ نذكر من بينها ما يُضمره ويخفيه ولكن خطابه يفضحه، كأن يعتبر مثلاً أن بعض الأنظمة الحاكمة في عصره لا يُطلب معها الجهاد بالسّيف وإنّما الدّعوة الصّالحة والنّصح، اتّقاءً لبطشها به على الأرجح، أو خوفاً من سطوتها على الإسلاميين، أو كأن يؤكّد على أعضاء حركة الإخوان المسلمين أن تكون لهم صداقاتهم بأصحاب الأموال، وأن يعملوا على استمالتهم حتى يتيسّر التّمويل والإنفاق على التّنظيم، فالتخطيط يحتاج إلى الأموال حاجته إلى الرّجال. كما نذكر من بين أدلّة تلك الانتهازية ما يُصّرح به كأنْ يؤكّد على أنّ ''مصلحة الإسلام قد تتفق في لحظة ما مع مصلحة جهة أخرى قد تكون كافرة'' وأنّ على المسلم دائما أنْ ''يشمّ رياح الآخرين''، ويحاول أنْ يستفيد من وجهتها فيما يخدم الإسلام والمسلمين. إنّ هذا المنطق الانتهازي ذاته متواصلٌ لدى حركة الإخوان إلى درجة أنّه يكاد يكون متأصّلا في مناهجهم السّلوكية والتّربوية والسّياسية والدّينية على السّواء بدءاً من لحظة التّأسيس وصولاً إلى ما هم عليه اليوم، مروراً بأجيال عريضة من الرّواد وبتاريخ طويل من الأحداث، ولم يتغيّر في أدبيّاتهم ولا في دعوتهم، ومن خلاله يمكن أنْ نفهم كيف ارتبط الإخوان ببعض الأنظمة السّياسية دون غيرها، وكيف استفادوا من بعض الجهات التي تُغدق عليهم الأموال، والأهم من كلّ ذلك أنّنا يمكن أنْ نفهم استناداً إلى منطق الانتهازية، كيف شرّع الإخوان المسلمون في زمن قريب للتدخّل العسكريّ الغربيّ من أجل إسقاط أنظمة دول مسلمة.
هكذا كانت عودة سعيد حوّى في كتابه ''جند الله، تخطيطاً'' إلى مُناخات الاختلاف الأوّل في التّاريخ الإسلامي ليبني عليها مشروعاً سياسياً إخوانياً متواصلاً مع أفكار حسن البنّا وممجّدا لها، ولم يتطلّب منه الأمر حتى مجرّد المراجعة لما يتضمّنه ذلك من تناقض واختلال ومغالطة، كما لم يرْقَ إلى ذهنه أنّ الدّيمقراطية لا تعني مجرّد الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، وأنّها لا يمكن أن تُختزل في مجرّد آليات شكليّة كالانتخاب والمجالس التّشريعية، وأنّ من أوْكدِ شروط الدّيمقراطية والمواطنة الحديثة ألاّ يتميّز طرف عن بقية الأطراف الأخرى بالأحقّية السّياسية المطلقة بناءً على نزعته الدّينية الخاصّة.
لم يكن سعيد حوّى في النّهاية جاهلاً بكل ذلك فحسب، بل ومستثمراً في الأفكار الإقصائيّة نفسها التي غذّت عصوراً من التّطاحن بين المسلمين والتّقاتل على امتلاك السّلطة، وقد سالتْ في سبيل ذلك دماء كثيرة لا تكاد تجفّ إلى يومنا هذا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: