لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟

ترجمة: علي نوار


بعد مصرع مواطن ألمانيّ من أصول كوبية، على يد من يُعتقد أنّهما لاجئان؛ الأول سوري والآخر عراقي؛ شهدت مدينة "شمنيتس" الواقعة في ولاية ساكسونيا، شرق البلاد، طوال الأسابيع الماضية، أعمالَ عنف وتظاهرات عديدة، تقودها جماعات من اليمين المتشدّد (وهو ما تكرر في الأيام الأخيرة، على خلفية واقعة مماثلة في مدينة كوتن بولاية ساكسونيا أنهالت)، وعادت أعمال الشغب لتتصدّر واجهات الصحافة الألمانية والعالمية، والتي أبرزت ظاهرة النازيّين الجدد في تلك المنطقة من ألمانيا، والحقيقة أنّ هذا التيار الفكري، رغم تجريمه بموجب الدستور، إلا أنّه لطالما كان حاضراً، لكنْ؛ بوصول حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليمينيّ المتشدّد، إلى داخل البرلمان، اكتسب هذا التيار ثقلاً وثقة، وبات أكثر وضوحاً. ويحدث هذا الأمر في جميع أنحاء ألمانيا، لكنّه يتّضح بجلاء في الشطر الشّرقي من البلاد.

إذا أصبحت ألمانيا الشرقية دولة مستقلة مرة أخرى في يومنا هذا فستكون الأكثر شيخوخة في أوروبا بعد الفاتيكان

ولعلّ "شمنيتس" خير انعكاس لما تشهده أوروبا والولايات المتحدة، وستفضي أيّة دراسة فاحصة لهذا التساؤل: كيف لدولة على هذا القدر من الثراء، مثل ألمانيا، أن يوجد فيها أناس يحملون هذا القدر من الكراهية؟ يوصلنا هذا السؤال المبدئي إلى تساؤلات أخرى أكثر أكاديمية؛ لماذا يوجد نازيون جدد في ألمانيا الشرقية السّابقة، أكثر من الشطر الغربي لألمانيا، رغم أنّ القوام الأكبر من اللاجئين يتواجدون في الغرب أكثر من الشرق بدرجة كبيرة؟ هل لأنّ الشرق الألماني أفقر، أم لأنّ مواطنيه أكثر عنفاً وعداءً للأجانب؟ أو بعبارة أخرى: هل هي مشكلة ناجمة عن غياب المساواة مثلما يرى فريق لا بأس به من خبراء الاقتصاد، أم أنّه ملف يلمس مسألة الهوية كما يؤكّد قطاع كبير من الخبراء السياسيين والاجتماعيين؟

اقرأ أيضاً: ألمانيا تلاحق لاجئي الكنائس

لماذا يوجد نازيون جدد في ألمانيا الشرقية السّابقة، أكثر من الشطر الغربي لألمانيا؟

تدلّ كافة المؤشرات على أنّ الأسباب متعدّدة، وتتعلّق، في المقام الأول، بغياب المساواة والهوية على حدّ سواء، وقد فكّرنا، أنا وزميلي فدريكو شتاينبرج، في خمسة عوامل قد تكون أسباباً تفسّر رفض العولمة والنظام الليبرالي (غياب المساواة ومعاداة الأجانب وثورة التقنيات وأزمة دولة الرفاه ونزع الشرعية عن النخب)، وقد عكست "شمنيتس" كلّ هذه العوامل بوضوح خلال الأحداث التي شهدتها، ويجدر القول بدايةً: إنّ التاريخَ له دور كبير؛ فظاهرة اليمين المتشدّد الذي يتّسم بالعنف في ألمانيا الشرقية لا يمكن تأويلها بمعزل عن فهم الأحداث التي تلت سقوط جدار برلين، وإعادة توحيد شطري ألمانيا، حيث كان يُنظر إلى هذه الوقائع التاريخية باعتبارها إيجابية (وقد كانت كذلك)، لكنّها تتضمّن تبعات سلبية لا يُعترف بها.

أدّت الصدمة إلى أنْ يتحوّل العنف إلى جزء من هوية الشرق الألماني ويتّجه هذا العنف نحو المهاجرين عادة

وتكشف الكاتبة يانا هنسل، وهي من مواليد مدينة لايبزيج، من خلال عمل رائع حول اليمين المتشدّد في شرق ألمانيا؛ أنّ إعادة توحيد شطرَي البلاد كانَ كارثة طبيعية من العنف المتشدد، وهو ما تفصح عنه الأرقام بجلاء؛ فلم تعانِ أيّة دولة في شرق أوروبا من الكساد الاقتصادي بعد عام 1989، مثلما حدث لجمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية البائدة)، باستثناء البوسنة والهرسك، التي شهدت حرباً طاحنة، وكان لها معدلات مماثلة. وحتى عام 1993، ومن إجمالي 16 مليون نسمة من تعداد جمهورية ألمانيا الديمقراطية، نزح نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يوازي 10% من السكّان، إلى ألمانيا الفيدرالية (الغربية)، رحل الأكثر شباباً، بينما تراجع الأقل تأهيلاً أو جرأة، والأكبر سنّاً، إلى الوراء، وما تزال نتائج ما حدث وقتها تلقي بظلالها إلى اليوم، فإذا أصبحت ألمانيا الشرقية دولة مستقلة مرة أخرى في يومنا هذا، فستكون الأكثر شيخوخة في أوروبا، بعد الفاتيكان.

اقرأ أيضاً: الاستخبارات الألمانية : تنظيم داعش مازال يمثل خطراً قائماً

أدّت الصدمة إلى أنْ يتحوّل العنف إلى جزء من هوية الشرق الألماني، ويتّجه هذا العنف نحو المهاجرين عادة، ويدفع "الآخر" الثمن، وإذا كان الطرف الآخر هو الأضعف؛ فإنّ الفاتورة تكون أضعافاً مضاعفة، هذا ما تكشف عنه الأعوام الـ 20 الأخيرة؛ ففي عام 1992 أقدمت مجموعات النازيين الجدد على إحراق مراكز لجوء في روستوك، بينما كان الجيران يهلّلون من النوافذ، في صورة تبعث على الخجل.

شهدت حقبة التسعينيات فصولاً عدّة، مما قد يطلق عليه مصطلح "صيد المهاجرين"، وقد تكشّف في عام 2011 وجود حركة تحمل اسم (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض)، وهي منظّمة إرهابية قومية اشتراكية، ينسب إليها مقتل 9 مهاجرين على الأقل، كما اكتسبت حركة (بجيدا)، المعادية للإسلام، زخماً ملحوظاً في الأعوام القليلة الماضية، وقد نشأت في دريسدن، بولاية ساكسونيا أيضاً.

اقرأ أيضاً: ألمانيا ترحّل أحد المدانين بهجمات 11 سبتمبر إلى المغرب

الكثير من الخبراء يعتقدون أنّ العنف كان مقبولاً من جانب مؤسسات الدّول، حيث لم تُدنْهُ، مثلها مثل السلطات في ألمانيا الشرقية، مقارنة بالغرب الألماني، ولعلّ هذا يقدم تفسيراً لحالة الارتجال وغضّ الطرف من قبل شرطة ساكسونيا، عندما كان الأمر يتعلّق في البداية بمجرد تجنّب، ثم لاحقاً تحييد عنف مجموعات النازيين الجدد في "شمنيتس" الكثير من هذه المجموعات على صلة بمثيري الشغب في عالم كرة القدم (هوليجانز)، المعروفين جيداً لدى أجهزة الأمن المحلية.

اقرأ أيضاً: أزمة المسلمين في ألمانيا وأزمة ألمانيا مع المسلمين

إلّا أنّ كلّ ذلك لا يعني ذهاب جهود إعادة التوحيد سدىً؛ فقد تحقّقت تنميةٌ هائلةٌ في شرق ألمانيا، لكنّها لم تبلغ بعدُ مستوياتِ الغرب نفسَها؛ حيث إنّ دخل الفرد في الجزء الشرقي من ألمانيا أقل بمقدار الثلث من نظيره في الشطر الغربي، بينما تزيد البطالة بدرجتين في الشرق (6.8%) مقارنة بــ (4.8%) في الغرب، وقد لا يبدو الفارق ضخماً، لكنّ له وقعٌ كبير بشكل عام. ففي "شمنيتس" على وجه الخصوص، تتجاوز معدلات البطالة 7%. وهذا ما يدفع بعض مواطني شرق ألمانيا إلى الشعور بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية، لا سيّما حين يحصلون على خدمات حكومية أقل. ويسود الشّعور عامةً بأنّ النشاط الاقتصادي والثروة متركّزان في الغرب، وعلى سبيل المثال؛ لا يوجد مقرٌّ لأيّ شركة تدخل في البورصة الألمانية بأيّ من مدن الشرق. يولّد كلّ ذلك مشاعرَ من الإحباط والسخط، ويصل الأمر في بعض الحالات إلى الكراهية والحقد، التي يتمّ تفريغها في وجه المهاجر؛ لذا فإنّ الاستنتاج ممّا سبق؛ هو أنّ غياب المساواة وأزمة دولة الرفاه يفسّر الظاهرة التي نحن بصددها إلى حدّ بعيد.

استطلاعات الرأي: حزب "بديل لأجل ألمانيا" سيحصل على 27% من أصوات الناخبين

هناك عامل آخر يسهم في تعزيز المشكلة؛ ألا وهو الثورة التقنية، الإبداع والتنمية والتطوير التي تشهدها مدن الغرب (رغم أنّ الوضع لا ينطبق عليها جميعاً؛ فبريمين، على سبيل المثال، معدّل البطالة فيها يقارب نسبة الـ 10%)، وهذا ما يزيد الشعور بأنّ هناك ألمان من الدرجة الأولى، وآخرون من الدرجة الثانية، وهو الأمر المرتبط بإسقاط شرعية النخب، فالكثيرون من أبناء الشرق الألماني، يرون أنّهم لا صوت لهم، وأنّ النخب الألمانية لا تمثّلهم؛ فالسّاسة والمثقفون يفدون غالباً من الغرب، فضلاً عن كونهم أكثر عالمية وليبرالية بالنسبة إلى مواطني الشرق، علاوة على تبنيهم لخطاب أبويّ الطابع، ومن هنا يأتي وصف (لوجنبريسه)، أو (الصحافة الكاذبة)؛ الذي يطلقه النّازيون الجدد على الصحافة الوطنية التي يتهمونها بأنّها أبواق دعاية للنخب الليبرالية، وتخفي عن المواطنين الجوانب السلبية للهجرة على الشعب الألماني، يطالع الكثير من المواطنين في الشرق (وأيضاً في الغرب)، عبر صفحات الجرائد المحلية أنباءً بين الحين والآخر عن أجنبيّ ارتكب جريمة، ونظراً إلى أنّهم لا يجدون أيّ أثر لهذه الوقائع في الصّحافة الوطنية، فإنّ حجة النازيين الجدد تنطلي عليهم.

يكفي النظر لولاية ساكسونيا على الخارطة لإدراك أنّ سكانها ما يزالون يشعرون بأنّهم حائط الصدّ الأمامي لاحتواء أيّ غزو إسلامي

لكنّ العامل الهويّاتي له وزنٌ معادل، أو ربّما أثقل من العوامل السّالف ذكرها (رغم أنّها تتداخل وتؤثر في بعضها)، فما نراه في شرق ألمانيا ليس مختلفاً كلياً عمّا نلاحظه في دول أخرى مثل المجر وبولندا (وفي الكثير من المقاطعات بالولايات المتحدة وأوروبا؛ حيث يحصدُ اليمين المتشدد مزيداً من الأصوات)، وتشير استطلاعات الرأي، في الوقت الحالي، إلى أنّ حزب "بديل لأجل ألمانيا" سيحصل على 27% من أصوات الناخبين، ليتفوّق على حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحيّ" في ساكسونيا، بقيادة مايكل كرتشمر، وهناك مؤشّرات تفيد بأنّ ذلك الحزب يحظى بدعم كبير بين العاملين في الشرطة والموظفين الحكوميين، ويفكّر بعضهم حتى أنّ حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" لم يكن ليبرالياً لهذه الدرجة.

اقرأ أيضاً: ألمانيا واليمين المتطرف

الجغرافيا والتاريخ لهما كلمتهما هناك أيضاً، يكفي فقط النظر لموقع ولاية ساكسونيا على الخارطة، لإدراك أنّ الكثير من سكان الولاية ما يزالون يشعرون بأنّهم حائط الصدّ الأمامي لاحتواء أيّ غزو إسلامي، التفكير على هذا النحو ربما يصنّف صاحبه على أنّه معادٍ للأجانب ومتخلف (وهو كذلك بالطبع)، لكنّ الواقع المؤلم يقول إنّ اليمين المتشدّد يكتسب مزيداً من السّطوة في كلّ مرة يكتب أو يقال فيها ذلك.

 


المصدر: مقال لميجل أوتيرو إجليسياس، الباحث في معهد إلكانو الملكي الإسباني للدراسات الدولية والإستراتيجية، بتاريخ 12 أيلول (سبتمبر) 2018.

الأقسام: