شبح الإضرابات العامة يعود لشوارع إيران..هل يسقط الدكتاتور مرتين؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
4848
عدد القراءات

2018-11-01

يتزايدُ الاحتقانُ في الدّاخل الإيراني بشكل واضحٍ في ظل حالة الانغلاق في المشهد السياسي، واقتراب دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية حيّزَ التنفيذ في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. وتُواصلُ الإضراباتُ العامة التي تقوم بها مجموعات المصالح المختلفة توليدَ حالةٍ من القلق في أوساط المسؤولين الإيرانيين، وهو أمرٌ متوقّع في ضوء المعطيات التاريخية، فقد شَكَّلَتْ الإضرابات العامّة أداةً قوية أدّتْ إلى شلّ الحياة في إيران نهاية عام 1978؛ ما أدّى، نهاية المطاف، إلى سقوط الشاه في يناير 1979.

تشهد إيرانُ هذه الأيام أشكالا متعددة من الإضرابات والاحتجاجات بدءاً بأصحاب المحلات التجارية وليس انتهاءً بسائقي الشاحنات والمدرسين

طرحت المجموعاتُ المعارضةُ الإيرانيةُ خلالَ الأعوام الأخيرة قضية "الشّلل الاقتصادي" على أنها أكثرُ الطرق فاعليةً لإحداث فوضى سياسية داخل إيران، وتمهيدُ الطريق أمام اندلاع ثورة. وتشهد إيرانُ، هذه الأيام، أشكالاً متعددة من الإضرابات والاحتجاجات، بدءاً بأصحاب المحلات التجارية من الأكراد الإيرانيين، ومروراً بطبقة كبار التجار في أرجاء الدولة، وليس انتهاءً بسائقي الشاحنات والمدرسين. وكانَ عددٌ من ناشطي المعارضة البارزين، مثل رجل الأعمال الفرنسي الثّري من أصول إيرانية أمير حسين جهانشاهي استثمروا خلال الفترة 2012-2014، الكثيرَ من الوقت والمال في دعم الإضرابات والاحتجاجات العامة، غير أنّ هذه الجهود أخفقت في زعزعة القبضة الأمنية للنظام. مع ذلك، فقد عادت فكرة القيام بإضراب عامّ، يقودُ إلى تعبئةٍ سياسيةٍ، إلى الواجهة في أوساط مجموعات المعارضة المختلفة، كأفضل طريقة لنقل المعركة إلى أرض النظام. ولعلّ حقيقة وجود الكثير من المجموعات المتضررة اقتصادياً في إيران بشكل قوي، يُعزّز فرصَ نجاح أيةِ جهود للقيام بإضرابات عامة حالياً، وبما قد يُشَكِّلُ تهديداً للنظام السياسي.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية متلاحقة.. هل ينهار الاقتصاد الإيراني؟
في المقابل، يواصلُ تحالفُ "خامنئي-الحرس" عملية تفكيك التّيارات الراديكالية المعارضة. ويبدو أنّ عملياتِ التفكيك، هذه المرّة، تستهدف فصيل الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ فقد أُعلن في طهران عن اغتيال فرشيد هكي؛ وهو خبير اقتصادي، ومحام وناشط بيئي في إيران كان له دور بارز في تحريك احتجاجات على خلفيات بيئية واقتصادية. لكنّ قائد شرطة طهران، حسين رحيمي، صرّح بأنّ تقرير الطّب الشرعي، يؤكد انتحار فرشيد هكي حرقاً. فيما اتّهم القضاء 5 ناشطين بيئيين محتجزين بـالإفساد في الأرض، وهذه تهمة خطرة، غالباً يكون الحكم فيها هو الإعدام.

اقرأ أيضاً: روحاني تحت عصا الحرس الثوري الغليظة
وكان المحامي والناشط فرشيد هكي انتقد النظام خلال ندوة، مندداً بالظروف الاقتصادية في إيران، علماً بأنّه قد نشرَ كتباً حول حقوق الإنسان والسياسات الاقتصادية، وأعلن دعمه لمُدرّسينَ محتجزين. واشتهرت على نطاق واسع في إيران عبارة هكي في مقال نشره مؤخراً: "ليس لدى الشعب الإيراني ما يخسره، سوى قيوده". ويعتبر البعض أنّ هكي محسوبٌ على أنصار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وكتب عبد الرضا داوري، وهو مقرّب من نجاد، على تويتر: "قُتل فرشيد هكي بشكل فظيع، وشُوِهت جثته وأُحرِقت".
على صعيد آخر، أعلنت المحكمةُ العليا حكماً بإعدام "مُفسِدَيْن اقتصاديَّين"، أُدينا بتهريب عملة. وهما "وحيد مظلومين" والذي وصفته وسائل إعلام إيرانية بأنه "أمير القطع الذهبية"، و"محمد إسماعيل قاسمي"، واتُهِما بـإثارة اضطراب في الاقتصاد الإيراني، عبرَ إقامة شبكة غير قانونية لتبادل العملة والذهب. واعتبر الناطق باسم القضاء غلام حسين محسني إيجئي، أنّ المصادقة على إعدام مظلومين وقاسمي هي "تحذير للانتهازيين" الذين يسعون إلى زعزعة الاقتصاد، فيما تتعرّض إيران إلى ضغوط اقتصادية. ويشير بذلك إلى انهيار الرّيال، وتدهورِ الوضع المعيشي، بعدما أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوباتٍ على طهران.

يريد خامنئي الإشراف على وضع أجندة المسار المستقبلي الإستراتيجي بنفسه والسماح لروحاني بالتعامل مع القضايا الثانوية فقط

وتتواصلُ الحربُ السياسيةُ في طهرانَ حول من يتحمّلُ مسؤوليةَ المشاكلِ الكثيرةِ التي تواجهها البلاد. ومن المرجّح أنْ يؤثّر هذا الصراعُ في نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في أيار (مايو) العام 2020، غير أنّ معظمَ هذه الصّراعات لا تتعلقُ بأفكار السياسات؛ حيث لا يوجدُ أيُّ مؤشر على قيام أيّ منَ الأطراف على السّاحة السّياسية الإيرانية بطرحِ أفكارِ سياساتٍ جديدةٍ، ذاتِ مصداقية. بل على العكس، فإنَّ المعركةَ تدورُ فقط حولَ منْ يتحمّلُ مسؤوليةَ انهيارِ اقتصاد الدولة، إلى جانب قضايا أخرى مثل تفشّي الفساد، وسوء الإدارة، وتبنّي أولويات سياسات خاطئة.
وتدار معظم هذه الحرب عبر أصوات وكيلة تابعة لكل من القائد الأعلى خامنئي والرئيس حسن روحاني. وألمحت شخصيات مقربة من خامنئي مرة أخرى إلى فكرة وضع مزيد من صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية في أيدي أشخاص يعملون تحت إمرة خامنئي مباشرة؛ ما يعني سيطرة أقل من جانب مؤسستَيْ الرئاسة، والبرلمان. لكنَّ خامنئي وصف "ازدواجية" الحكومات وعمليات تنازع الصلاحيات بأنها "غير مفيدة" و"ضارة"؛ ما يعني أن خامنئي على الورق يعارض انتزاع السيطرة على السياسات من روحاني، في حين يواصل على أرض الواقع انتزاع أكبر قدر ممكن من السيطرة على عملية صناعة السياسة الكلية في إيران.

اقرأ أيضاً: كيف تتحايل طهران على العقوبات الأمريكية؟
في الواقع، يريد خامنئي الإشراف على وضع أجندة المسار المستقبلي الإستراتيجي بنفسه، ومن ثم السماح لروحاني والمسؤولين المنتخبين بالتعامل مع القضايا الثانوية فقط، وتطبيق خطته الإستراتيجية بأكثر طريقة فاعلة ممكنة. وهذا بالطبع ليس جديداً في النموذج السياسي الإيراني، لكنّ الجديد هو عدم وجود أي نوع من المعارضة من جانب الرئيس؛ إذ تعاني مؤسسة الرئاسة، ومِن خلفها مَن يُسمَّون اليوم بالإصلاحيين، من الانصياع المفرط في مواجهة خامنئي.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

شبح الإضرابات العامة يعود لشوارع إيران..هل يسقط الدكتاتور مرتين؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
4848
عدد القراءات

2018-11-01

يتزايدُ الاحتقانُ في الدّاخل الإيراني بشكل واضحٍ في ظل حالة الانغلاق في المشهد السياسي، واقتراب دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية حيّزَ التنفيذ في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. وتُواصلُ الإضراباتُ العامة التي تقوم بها مجموعات المصالح المختلفة توليدَ حالةٍ من القلق في أوساط المسؤولين الإيرانيين، وهو أمرٌ متوقّع في ضوء المعطيات التاريخية، فقد شَكَّلَتْ الإضرابات العامّة أداةً قوية أدّتْ إلى شلّ الحياة في إيران نهاية عام 1978؛ ما أدّى، نهاية المطاف، إلى سقوط الشاه في يناير 1979.

تشهد إيرانُ هذه الأيام أشكالا متعددة من الإضرابات والاحتجاجات بدءاً بأصحاب المحلات التجارية وليس انتهاءً بسائقي الشاحنات والمدرسين

طرحت المجموعاتُ المعارضةُ الإيرانيةُ خلالَ الأعوام الأخيرة قضية "الشّلل الاقتصادي" على أنها أكثرُ الطرق فاعليةً لإحداث فوضى سياسية داخل إيران، وتمهيدُ الطريق أمام اندلاع ثورة. وتشهد إيرانُ، هذه الأيام، أشكالاً متعددة من الإضرابات والاحتجاجات، بدءاً بأصحاب المحلات التجارية من الأكراد الإيرانيين، ومروراً بطبقة كبار التجار في أرجاء الدولة، وليس انتهاءً بسائقي الشاحنات والمدرسين. وكانَ عددٌ من ناشطي المعارضة البارزين، مثل رجل الأعمال الفرنسي الثّري من أصول إيرانية أمير حسين جهانشاهي استثمروا خلال الفترة 2012-2014، الكثيرَ من الوقت والمال في دعم الإضرابات والاحتجاجات العامة، غير أنّ هذه الجهود أخفقت في زعزعة القبضة الأمنية للنظام. مع ذلك، فقد عادت فكرة القيام بإضراب عامّ، يقودُ إلى تعبئةٍ سياسيةٍ، إلى الواجهة في أوساط مجموعات المعارضة المختلفة، كأفضل طريقة لنقل المعركة إلى أرض النظام. ولعلّ حقيقة وجود الكثير من المجموعات المتضررة اقتصادياً في إيران بشكل قوي، يُعزّز فرصَ نجاح أيةِ جهود للقيام بإضرابات عامة حالياً، وبما قد يُشَكِّلُ تهديداً للنظام السياسي.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية متلاحقة.. هل ينهار الاقتصاد الإيراني؟
في المقابل، يواصلُ تحالفُ "خامنئي-الحرس" عملية تفكيك التّيارات الراديكالية المعارضة. ويبدو أنّ عملياتِ التفكيك، هذه المرّة، تستهدف فصيل الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ فقد أُعلن في طهران عن اغتيال فرشيد هكي؛ وهو خبير اقتصادي، ومحام وناشط بيئي في إيران كان له دور بارز في تحريك احتجاجات على خلفيات بيئية واقتصادية. لكنّ قائد شرطة طهران، حسين رحيمي، صرّح بأنّ تقرير الطّب الشرعي، يؤكد انتحار فرشيد هكي حرقاً. فيما اتّهم القضاء 5 ناشطين بيئيين محتجزين بـالإفساد في الأرض، وهذه تهمة خطرة، غالباً يكون الحكم فيها هو الإعدام.

اقرأ أيضاً: روحاني تحت عصا الحرس الثوري الغليظة
وكان المحامي والناشط فرشيد هكي انتقد النظام خلال ندوة، مندداً بالظروف الاقتصادية في إيران، علماً بأنّه قد نشرَ كتباً حول حقوق الإنسان والسياسات الاقتصادية، وأعلن دعمه لمُدرّسينَ محتجزين. واشتهرت على نطاق واسع في إيران عبارة هكي في مقال نشره مؤخراً: "ليس لدى الشعب الإيراني ما يخسره، سوى قيوده". ويعتبر البعض أنّ هكي محسوبٌ على أنصار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وكتب عبد الرضا داوري، وهو مقرّب من نجاد، على تويتر: "قُتل فرشيد هكي بشكل فظيع، وشُوِهت جثته وأُحرِقت".
على صعيد آخر، أعلنت المحكمةُ العليا حكماً بإعدام "مُفسِدَيْن اقتصاديَّين"، أُدينا بتهريب عملة. وهما "وحيد مظلومين" والذي وصفته وسائل إعلام إيرانية بأنه "أمير القطع الذهبية"، و"محمد إسماعيل قاسمي"، واتُهِما بـإثارة اضطراب في الاقتصاد الإيراني، عبرَ إقامة شبكة غير قانونية لتبادل العملة والذهب. واعتبر الناطق باسم القضاء غلام حسين محسني إيجئي، أنّ المصادقة على إعدام مظلومين وقاسمي هي "تحذير للانتهازيين" الذين يسعون إلى زعزعة الاقتصاد، فيما تتعرّض إيران إلى ضغوط اقتصادية. ويشير بذلك إلى انهيار الرّيال، وتدهورِ الوضع المعيشي، بعدما أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوباتٍ على طهران.

يريد خامنئي الإشراف على وضع أجندة المسار المستقبلي الإستراتيجي بنفسه والسماح لروحاني بالتعامل مع القضايا الثانوية فقط

وتتواصلُ الحربُ السياسيةُ في طهرانَ حول من يتحمّلُ مسؤوليةَ المشاكلِ الكثيرةِ التي تواجهها البلاد. ومن المرجّح أنْ يؤثّر هذا الصراعُ في نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في أيار (مايو) العام 2020، غير أنّ معظمَ هذه الصّراعات لا تتعلقُ بأفكار السياسات؛ حيث لا يوجدُ أيُّ مؤشر على قيام أيّ منَ الأطراف على السّاحة السّياسية الإيرانية بطرحِ أفكارِ سياساتٍ جديدةٍ، ذاتِ مصداقية. بل على العكس، فإنَّ المعركةَ تدورُ فقط حولَ منْ يتحمّلُ مسؤوليةَ انهيارِ اقتصاد الدولة، إلى جانب قضايا أخرى مثل تفشّي الفساد، وسوء الإدارة، وتبنّي أولويات سياسات خاطئة.
وتدار معظم هذه الحرب عبر أصوات وكيلة تابعة لكل من القائد الأعلى خامنئي والرئيس حسن روحاني. وألمحت شخصيات مقربة من خامنئي مرة أخرى إلى فكرة وضع مزيد من صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية في أيدي أشخاص يعملون تحت إمرة خامنئي مباشرة؛ ما يعني سيطرة أقل من جانب مؤسستَيْ الرئاسة، والبرلمان. لكنَّ خامنئي وصف "ازدواجية" الحكومات وعمليات تنازع الصلاحيات بأنها "غير مفيدة" و"ضارة"؛ ما يعني أن خامنئي على الورق يعارض انتزاع السيطرة على السياسات من روحاني، في حين يواصل على أرض الواقع انتزاع أكبر قدر ممكن من السيطرة على عملية صناعة السياسة الكلية في إيران.

اقرأ أيضاً: كيف تتحايل طهران على العقوبات الأمريكية؟
في الواقع، يريد خامنئي الإشراف على وضع أجندة المسار المستقبلي الإستراتيجي بنفسه، ومن ثم السماح لروحاني والمسؤولين المنتخبين بالتعامل مع القضايا الثانوية فقط، وتطبيق خطته الإستراتيجية بأكثر طريقة فاعلة ممكنة. وهذا بالطبع ليس جديداً في النموذج السياسي الإيراني، لكنّ الجديد هو عدم وجود أي نوع من المعارضة من جانب الرئيس؛ إذ تعاني مؤسسة الرئاسة، ومِن خلفها مَن يُسمَّون اليوم بالإصلاحيين، من الانصياع المفرط في مواجهة خامنئي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: