ماذا تعرف عن المشروع الإصلاحي للشيخ الأزهري محمود الشلتوت؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
3186
عدد القراءات

2018-11-14

تتحقّق مصداقية الإصلاحيين متى كانوا قادرين على تجاوز الطروحات المستهلكة والإجابات الجاهزة، التي تقفز على معطيات التاريخ وتتجاهل الواقع؛ فالإصلاحي هو القادر على طرح الأسئلة المؤجّلة، والتفكير بصوت مقروء، يشارك العامة والخاصة المسكوت عنه من قضايا إصلاح الفكر الديني، إيماناً منه بحقّ الجميع في المعرفة، فلا أمل في الخروج من تلك الهوّة الحضارية والانخراط في العصر، والإصغاء إلى استفهاماته وتحدياته بوصاية نُخبوية؛ بل بمشاركة مجتمعية تستعيد الفريضة الغائبة، فريضة التفكير والتساؤل، حتى يكون التقييم والمراجعة والتغيير الذي تحتاجه أيّة أمة تريد أن تصنع حضارة، وأن تعود مرّة أخرى إلى التاريخ.

اقرأ أيضاً: همجيو الخلافة إذ يحلمون ببعث حضارة المسلمين

ومن هؤلاء الإصلاحيين؛ الشيخ محمود شلتوت، الذي أكّد دوماً أنّه باحث، وأنّ طرحه لا يعدو عن كونه رأياً واجتهاداً، ومحاولة للفهم، لا تزعم الوصول إلى الحقيقة، التي تظلّ نسبية، نختلف حولها اختلافاً مشروعاً، ونسعى لمقاربتها بالقدر الممكن علمياً وإنسانياً.

لم يتوقّف الشيخ الأزهري عن تلك الآلية القادرة دائماً على تصحيح الأخطاء والتقدّم نحو مزيد من الاجتهاد بما يجعل الإصلاح فعلاً مستمراً

ولأنّنا، على حدّ تعبير علي شريعتي: "لا نرى الفكرة إلا إذا كانت صادرة عن كتلة"؛ فالواقع أنّنا إذا لم نجد الكتلة صنعناها، فنجعل أفكار الكاتب حزمة واحدة، تميل به إلى كتلة اليمين أو اليسار، الحقّ أو الباطل، الخير أو الشرّ، تلك الإثنوية التي تغتال الإصلاح في مهده؛ فأدرج الشيخ شلتوت في كتلة "المنحرفين" عن صحيح الإسلام، عند أتباع الوهابية، الذين صنّفوه ضمن طائفة "العصرانية"، التي يرونها تعظّم العقل البشري على حساب النصوص الشرعية، سيما السنّة، وصنّفه محمد عمارة ضمن كتلة "الإحياء والتجديد"، التي ترفض الجمود والتقليد، وتدعو إلى التجديد والإصلاح؛ انطلاقاً من الوسطية والعقلانية المؤمنة، وصنّفه آخرون ضمن دعاة النهضة بمفهومها العام.

الشيخ الأزهري محمود الشلتوت (1893م - 1963م)

وخروجاً على منطق الكتلة المحيط بنا؛ الذي يمثّل الاستسلام له إحدى إشكالياتنا الثقافية، ودون الدخول في معارك التصنيف الفكريّ، التي جعلت ابن تيمية يعيش بيننا سلفياً محافظاً زمناً، ثم يُبعث الآن من جديد وسطياً إصلاحياً، نكتفي بالإشارة إلى أنّ الجيل الذي ينتمي إليه الشيخ؛ هو الجيل الثالث من إصلاحيّي الأزهر، الذين دعوا إلى ضرورة إصلاح الفكر الديني.

اقرأ أيضاً: أثر الفلسفة في تجديد الفكر الديني

فكما كان رفاعة الطهطاوي، والشيخ حسن العطّار، ومرتضى الزبيدي؛ من أهم ممثلي الجيل الأول، وكان الشيخ محمد عبده، وعبد اللّه النديم، وعبد الرحمن الكواكبي، وعبدالعزيز جاويش؛ من أهم ممثلي الجيل الثاني، كان الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبدالرازق، من أهم ممثلي الجيل الإصلاحي الثالث.

كان السؤال البحثي عند الشيخ شلتوت ثورة على الجمود والتقليد، بما ينطوي عليه من فراغ فكري

ارتبط الشيخ شلتوت بصداقات قوية ووشائج فكرية عميقة، بتلامذة الإمام محمد عبده؛ فهو أحد نبهاء مدرسة الإمام، رغم أنهما لم يلتقيا، فالتقى بمن حضروا دروسه وتتلمذوا على يديه، ورأوا عن قربٍ الجروح النفسية التي أصابته من ضراوة معارك الإصلاح، ولم يكن التلميذ أفضل حالاً من أستاذه، الذي عاصر هو الآخر الركود الفكري في أبشع صوره، على حدّ تعبير شلتوت، حتى "امتنع كثير من العلماء عن إبداء رأيهم في كثير من المسائل، التي هي محلّ خلاف، ضنا بسمعتهم الدينية، فوقف العلم، وحُرمت العقول لذّة البحث، وحيل بين الأمة وما ينفعها في حياتها العملية والعلمية".

فالأستاذ والتلميذ عاشا حقبة واحدة؛ تحدّث عنها شلتوت في الذكرى الثلاثين لرحيل الإمام محمد عبده، بقوله: "كانت بيئة الشيخ عبده هي البيئة الأزهرية التي تكوّنت في أواخر القرن الثالث عشر من الهجرة، وكان طابعها الركود الفكري، والتعصب المذهبي، والتقديس للآراء والأفهام، والسموّ بها عن النّقد، ومحاربة كلّ رأي جديد، وقد وصل الأمر بهذه البيئة إلى أن أوجبت التقليد في دين الله، وحرّمت الاشتغال بالعلوم العقلية والرياضية، وقاومت مَن حاول الخروج عليها في ذلك زماناً طويلاً".

اقرأ أيضاً: محمد إقبال: تجديد الفكر الديني وتأويل الكون روحياً

لم يكن الشيخ محمود شلتوت من الذين يكتفون بالتأمل الوعظي للنصوص؛ فالتحديات التي تُواجه الفكر الديني تفرض أسئلة أكثر تعقيداً من الإجابات الجاهزة، التي عادة ما يردّدها الوعّاظ، ولا يكتفي بها الباحثون؛ فتناول الشيخ القضايا كباحث يتخذ من آراء القدامى والمحدثين فروضاً بحثية تحتاج إلى الاختبار والمناقشة، فكان السؤال البحثي عند الشيخ محمود شلتوت ثورة على الجمود والتقليد، بما ينطوي عليه من فراغ فكري، فلا أمل للانعتاق من المأزق الحضاري الذي تردّينا فيه، دون تجديد وإصلاح حقيقيَّين، يبدآن بمساءلة الفكر الديني، على غرار أسئلة الشيخ الأزهري محمود شلتوت:

الجيل الذي ينتمي إليه الشيخ شلتوت هو الجيل الثالث من إصلاحيّي الأزهر، الذين دعوا لضرورة إصلاح الفكر الديني

ما هو الحدّ الفاصل بين العقيدة واللاعقيدة؟ هل العقل هو السبيل إلى ثبوت العقيدة أم الأدلة النقلية؟ وإن صحّ أنّ الأدلة النقلية تثبت بها العقيدة فأيّ أدلة نقلية؟ هل المسائل الخلافية التي تزدحم بها ما يطلق عليها "كتب العقيدة" من كتب المتكلّمين يصلح أن نُطلق عليها مسائل في العقيدة؟ كيف نعرف أصول الدّين التي يجب الإيمان بها؟ هل اختلاف أهل الحديث (أهل السنّة) وأهل التوحيد والعدل (المعتزلة) يستلزم أنّ أحدهما على صواب والآخر على خطأ في مسألة الخلاف؟ ما الذي خلّفه التعصب المذهبي؟ كيف خلق الإنسان حراً في فعله، مختاراً، غير مقهور ولا مجبور؟ وكيف لا تتعارض حرية الإنسان في حياته وقدرته على الاختيار مع القضاء والقدر؟

هل يُمكن أن يتحقق الإجماع؟ ما حجم الجناية التي مارسها البعض على العقل بحرمانه من لذّة البحث باسم الإجماع؟ هل العمل الذي تلقته الكافة عن الكافة مما لا شبهة في ثبوته عن صاحب الشرع هو الصورة الوحيدة التي يُمكن أن نُطلق عليها إجماع؟ ما تفسير ظاهرة شيوع القول بالإجماع بعبارات من قبيل: "وهذا موضع إجماع العلماء رغم استحالة تحققه؟

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج

هل في الإسلام لأحد اختصاص بحقّ التفسير والفهم يتميّز به عن غيره من المسلمين؟ ما وظيفة القاضي والحاكم والمفتي في الإسلام؟ هل الفتوى ملزِمة؟ هل يقبل الدين الإسلامي ألقاباً مثل: "شيخ الإسلام"، و"الملا"؟ من أين أتي اختلاف الباحثين في الرأي التشريعي؟ وكيف لا توجد سبيل للاتفاق؟ وكيف نجعل هذا الاختلاف مثمراً؟

هل عرف العرب كلمة السنّة قبل الإسلام؟ وهل تتفق السنّة في وصايا الرسول الكريم وصدر الإسلام مع السنّة في مفهوم الأصوليين؟

هل كلّ ما أثِر عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- شريعة من الله تعالى لها صفة الدّوام إلى يوم الدين؟ هل يُعقل أن يمنح الأنبياء حقّ الاجتهاد في بدايات التاريخ الإنساني، ويُحرم منه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- في مرحلة النضج الإنساني؟ هل بعض الأحكام الصادرة عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- ليس لها صفة التشريع فهي تصرّف سياسي دنيوي (زمني) بمقتضى ولاية الأمر يجوز مخالفته؟ هل الأحكام الصادرة عن الرسول الكريم في فضّ المنازعات بين المتخاصمين لها صفة التشريع العام؟ هل ما رُوي عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- فيما يتعلق باللباس والأزياء يدخل في باب التشريع؟

هل عرف العرب كلمة "السنّة" قبل الإسلام؟ هل تتفق السنّة في وصايا الرسول الكريم وصدر الإسلام مع السنّة في مفهوم الأصوليين أم أنّ لها دلالة أخرى مختلفة؟ هل استعمال الفقهاء لمصطلح السنّة يتفق مع استعمال الأصوليين؟ ما الفروق بين القرآن والسنّة وما الأثر التشريعي الناتج عن هذه الفروق؟ هل السنّة في جميع أقسامها صالحة للتشريع؟ وهل ما يصلح منه للتشريع يحمل أحكاماً عامة تُلزم المسلمين في كل زمان ومكان أم يندرج بعضه في دائرة الخاص؟ كيف أثّرت الأسلوبية العربية في اختلاف العلماء حول دلالة سنّة الأحكام؟

اقرأ أيضاً: علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً

كيف أسّس عمر -رضي الله عنه- فقه المصلحة؟ كيف تعلّم عمر أنّ القرآن الكريم يُعلّل الأحكام بالمصالح، ويربط بينهما وجوداً وعدماً وبقاءً وانتهاءً؟ كيف تُشارك الأمّة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، في جانب من الرسالة وهو جانب الفهم والبيان والدعوة والإرشاد؟ كيف كان فقه عمر أبعد ما يكون عن هذا النوع الذي أودعه الناس بطون الكتب، ولا من هذا النوع الذي تجلت فيه روح العصبية الحادة، ولوته الاتجاهات الطائفية، والنزعات المذهبية؟ كيف كان فقه عمر أبعد ما يكون عن هذا النوع الذي جافى الحياة الواقعية في كثير من صوره ومسائله، أو ذاك النوع الغامض الذي التوت مسالكه، وتعقّدت أساليب؟

حاول الشيخ محمود شلتوت أن يُوقظ الفكر الإسلامي من سباته العميق فلازمت الشيخ عبر مسيرته حالة من التساؤل المستمرّ والمراجعة الدائمة

هل دم المرأة يعادل دم الرجل؟ وكيف أنّ المرأة تساوي الرجل في الشهادة؟ وما تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾؟ كيف يمنح الإسلام المرأة أهلية التصرف في سائر العقود المدنية، ثم هو -في الوقت نفسه- يحرمها في أكثر المذاهب الإسلامية من مباشرة حقّ الزواج لنفسها ولغيرها؟ هل الإسلام يرى المرأة مخلوقاً يُقاد بفكر الرجل ورأيه؟ هل المرأة مسؤولة عن نفسها مسؤولية مستقلة عن مسؤولية الرجل؟ هل شرّع الإسلام الكسب للنساء كالرجال، وأنه ليس للرجل أن يسلب المرأة من العمل الذي خلقت له؟ كيف أنّ المهر ليس ثمناً أو مقابلة شيء في المرأة كما يظنّ كثير من الناس؟ كيف قرّر الإسلام للمرأة حقّ الملكية الصحيحة الخالصة من رقابة الزوج وهيمنته؟ كيف جعل الله تعالى درجة للرجال على النساء بعد تساويهما في الحقوق والواجبات؟ وهل هي درجة لا تعدو أن تكون درجة إشراف ورعاية؟

اقرأ أيضاً: انفتاح الأزهر على الفن.. تحرك جريء نحو الإصلاح الديني

بهذه الأسئلة، وغيرها، حاول الشيخ محمود شلتوت أن يُوقظ الفكر الإسلامي من سباته العميق، فلازمت الشيخ عبر مسيرته حالة من "التساؤل المستمرّ"، و"المراجعة الدائمة"، فلم يتوقّف عن تلك الآلية القادرة دائماً على تصحيح الأخطاء، والتقدّم نحو مزيد من الاجتهاد، بما يجعل الإصلاح فعلاً مستمراً لا يتوقف، يبدأ من الحاضر والراهن، وينطلق إلى الماضي والتراث، ثمّ يرتد إلى الحاضر مرة أخرى، في حركة لا تهدأ ولا يقرّ لها قرار، إنها حركة الوجود والمعرفة التي تؤكد الحياة وتنفي سكون الموت.

اقرأ المزيد...

الوسوم: