"أبدا لن يشيخوا".. انتصار لمجد الفيلم التسجيلي وللإنسان

584
عدد القراءات

2018-11-21

أمير العمري

عرض فيلم “أبدا لن يشيخوا” They Shall Never Grow Old عرضا عالميا أول في مهرجان لندن السينمائي في شهر أكتوبر الماضي، وبعد ختام المهرجان انطلقت عروضه في دور العرض البريطانية ثم عرضه تلفزيون “بي بي سي” في الحادي عشر من نوفمبر الجاري بمناسبة إحياء ذكرى مرور 100 عام على نهاية الحرب العالمية الأولى.

وكانت الحرب الأولى هي الأكبر من نوعها وقد شاركت فيها أعداد كبيرة من الجنود من بريطانيا وحلفائها، قاتلوا على الجبهة الغربية ضد الجيش الألماني وقتل خلالها نحو مليون جندي من قوات الإمبراطورية البريطانية شملت جنودا من أستراليا وكندا والهند والمستعمرات الأفريقية.

في خضم الحرب، تأسس “متحف الحرب الإمبريالي” في لندن عام 1917، بهدف تسجيل كل ما يتعلق بالحرب، وخاصة توثيق أعداد وأسماء وأماكن دفن الجنود الذين قُتلوا في الحرب، وأرشفة الصور واللقطات السينمائية التي سجلت أحداث ووقائع تلك الحرب الدموية التي عرفت بـ”حرب الخنادق”.

وقد حصل منتجو فيلم “أبدا لن يشيخوا” على 600 ساعة من المواد المصورة من متحف الحرب الإمبريالي و100 ساعة من التسجيلات الصوتية، يروي فيها جنود وضباط سابقون التجارب التي مروا بها في تلك الحرب، من المواد المحفوظة في أرشيف “بي بي سي” كانت قد سُجلت في إطار الإعداد لإنتاج سلسلة إذاعية عن الحرب الأولى عام 1964، وقد أتيحت هذه المواد لمخرج الفيلم، بيتر جاكسون، الذي حقق شهرة كبيرة بعد إخراجه ثلاثية أفلام “سيد الخواتم” Lord of the Rings.

المعجزة التقنية

بيتر جاكسون ليس مخرجا عاديا لأفلام التسلية، بل ومنتج وكاتب وممثل ومهندس صوت وخبير في المؤثرات البصرية والخاصة، وكان جاكسون قد بدأ علاقته بالسينما عندما كان في الثامنة من عمره، بتصوير أفلام الهواة بكاميرا من مقاس 8 مم، وقد أسّس منذ سنوات شركة خاصة لعمل المؤثرات باستخدام أحدث أنظمة التكنولوجيا الرقمية.

ولهذه المعلومات أهمية خاصة، ونحن بصدد ما أنجزه جاكسون في “أبدا لن يشيخوا” ويمكن اعتباره “معجزة تقنية” عندما عكف مع فريقه على فحص كل ما حصل عليه من لقطات وشرائط قديمة مصورة بالتقنية القديمة في زمن الحرب العالمية الأولى (بالأبيض والأسود)، أي نحو 600 ساعة، لكي يستخرج منها

ما يتيح له أن يروي قصة فيلمه في سياق بصري وصوتي ممتع، ومن خلال أسلوب يبتعد عن التسجيلي التعليمي الذي يجتر عادة المعلومات، أو يلجأ إلى الاستعانة بالمحللين والمعلقين والمؤرخين، فالفيلم يعتمد فقط على ذكريات الجنود الذين شاركوا في الحرب من خلال التسجيلات الصوتية، أي دون أن نرى وجوههم في الفيلم.

وتكمن عبقرية الفيلم أولا، في أننا نشاهد لقطات ومشاهد نادرة لم يسبق عرضها من قبل، للكثير من أحداث الحرب في مراحلها الأولى، أي من مرحلة التجنيد والتطوع ثم التدريب ثم الانتقال إلى الجبهة الغربية في فرنسا وبلجيكا، ثم القتال الضاري العنيف في حرب الخنادق الرهيبة في أحراش الفلاندرز، وصولا إلى المواجهة المباشرة مع القوات الألمانية، حتى يتحقق النصر ويعود الجنود إلى بلادهم ليجدوا أن لا أحد يشعر بقسوة التجربة التي مروا بها، حينما كانوا مجرد أطفال يافعين في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من أعمارهم.

هذه المشاهد واللقطات تتركز أساسا على الإنسان، على الوجوه، تقترب من الفرد في إطار المجموعة، تعرض لحظات المرح واللعب وتناول الطعام، بل وحتى قضاء الحاجة في ظروف بالغة الصعوبة.

ورغم التغني بالشجاعة، وإن بطريقة غير مباشرة، والتصوير المباشر للضحايا الذين سقطوا خلال القتال، إلاّ أن المغزى الأساسي الذي يخرج به المشاهد من هذا العمل الكبير، ليس تمجيد بطولات الحرب، بقدر الكشف عن مدى أهوالها وبشاعتها، وفي النهاية يعبر الجنود عن إحساسهم بعبثية الحرب، ويقول بعضهم إنه كان من الأفضل تجنبها بكل الطرق.

الجانب الثاني الجدير بالتوقف أمامه يتعلق بنجاح بيتر جاكسون وفريق عمله، في ترميم واستعادة اللقطات القديمة وعرضها من خلال التقنية الحديثة التي توفرها علوم الكمبيوتر، فبعد نحو عشرين دقيقة من الفيلم، بعد أن نرى مشاهد التطوع والتدريب في لندن، وهي مصورة بالطبع بالأبيض والأسود ومحصورة في الشاشة الضيقة بمقاييسها التي كانت سائدة في تلك الفترة، أي بنسبة 1.33 إلى 1، ننتقل فجأة إلى الشاشة العريضة وتصبح المشاهد التالية بالألوان، بل ونسمع الأصوات التي تحاكي الواقع والتي تم تركيبها بكل دقائقها وتفاصيلها: الصيحات، الضحكات، النكات، نداءات الجنود على بعضهم البعض، إصدار الأوامر العسكرية، الانفجارات، أصوات طلقات المدافع.. كلها تشكل معالم تلك السيمفونية البصرية-السمعية الهائلة.

وقد أمكن كذلك عمل إضافات جعلت حركة تدفق الصورة أكثر طبيعية بعد أن أصبحت تتعاقب طبقا للتدفق المريح للعين الذي اعتدنا عليه حاليا، وليس طبقا للتدفق السريع الذي ينتج عن عرض لقطات الأفلام الصامتة القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من مئة سنة، أي بعد تغيير سرعتها من 13 كادر في الثانية إلى 24 كادر في الثانية، وهي أيضا عملية تقنية معقدة أصبحت ممكنة بفضل برامج وأنظمة الكمبيوتر الحديثة.

ويلعب مونتاج الصوت مع مونتاج الصورة دورا أساسيا في تدفق السرد في الفيلم عن طريق التحكم الدقيق في المقاطع المختارة بعناية فائقة من شهادات الجنود السابقين (الصوتية)، بحيث تتسق مع اللقطات المصورة التي تتعاقب في فصول محددة، وفي الكثير من الأحيان يبدو كما لو أن الذين يروون ذكرياتهم يتحدثون وهم يشاهدون تلك اللقطات ويستعيدون الكثير من ذاكرتهم في ضوء ما يشاهدونه، وهو في حد ذاته إنجاز عبقري يحسب لبيتر جاكسون.

ويستخدم جاكسون في أحيان قليلة الرسوم الملونة بديلا لمشاهد القتال المباشر المحفوفة بالمخاطر، ورغم ذلك هناك الكثير من تلك اللقطات التي تقترب كثيرا من مواقع الاشتباكات المباشرة، ويستخدم الكثير من الملصقات الإعلانية من زمن الحرب: ملصقات الدعاية التي كانت تهدف لدفع الشباب للتطوع في الجيش أو الإعلانات عن أنواع المربى التي كانت تُصنع خصيصا لجنود الجيش.. وغير ذلك.

التسجيلي أمام الخيالي

أنتجت هوليوود عام 1930 فيلما شهيرا عن رواية الكاتب الألماني إريك ماريا ريمارك “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” التي تروي في سياق ساخر مأساة الجنود الألمان الصغار الذين كانوا يخوضون على الجبهة الغربية حربا عبثية.

أما فيلم “أبدا لن يشيخوا” فيروي القصة من الجانب الآخر، حيث يبدو كل شيء صاخبا في الميدان الغربي، وكل شيء مليئا بالخوف، ثم العنف والدمار، فالمبدأ هو: إما أن تقتل أو تُقتل.

صحيح كانت الرغبة في الدفاع عن الوطن الدافع الأول للكثير من الشباب الذين تدفقوا على مراكز التطوع عند إعلان الحرب، لكن هناك من يقولون أيضا إن المغامرة كانت الهدف، وإنه لم يكن لديهم ما يفعلونه في الوطن أصلا في ذلك الوقت، أي أنهم كانوا يرغبون في العثور على عمل، ونستطيع أن نلمح من وجوههم ومن أسنانهم المهشمة وتصرفاتهم، أنهم ينتمون إلى الطبقة العاملة وإلى الطبقات الفقيرة بشكل عام.

وبعد أن تبدأ التدريبات الشاقة يدرك هؤلاء أن الأمر سيتجاوز كثيرا فكرة المغامرة الشيقة، وسيصبح معاناة حقيقية أمام مشاهد الموت ودمار القرى والمباني، ثم مع بدء الاشتباكات العنيفة وتناثر الجثث في كل مكان، يصبح الكابوس أكبر من أن يتحمله الكثيرون.

يمكن اعتبار “أبدا لن يشيخوا” المقابل السينمائي البريطاني للفيلم الأميركي “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” (1930)، ولكن على المستوى التسجيلي يتم استخدام الوثائق المصورة والأصوات الحقيقية للجنود الذين كانوا هناك، ويهدي المخرج بيتر جاكسون فيلمه إلى جده الذي شارك في تلك الحرب وإلى كل الذين شاركوا معه فيها على الجبهة الغربية، لكنه يرى أن فيلمه لا يلخص قصة الحرب، بل يجمع ذكريات الذين شاركوا فيها.

نحن أمام فصائل من قوات المشاة التي تتحمل المواجهات المباشرة الأكثر ضراوة في الحرب وهي التي يتركز عليها اهتمام الفيلم، مدعومة كما نرى أحيانا بالمدفعية، بينما يغيب عن الفيلم دور الطيران والبحرية.

وفي الفيلم مشاهد حية توثيقية لكيفية إعداد الطعام وتوزيعه، وتوزيع الملابس (يقول أحدهم إنه ظل لأربع سنوات يرتدي زيا عسكريا واحدا لا يتغير)، والتدرب على السلاح (السلاح الأساسي كان البندقية لي انفيلد ثم المدافع الرشاشة وكانت إختراعا حديثا)، كما نرى استخدام الخيول والدبابات البدائية الأولى المجنزرة، وحفر الخنادق والتحصن في داخلها، وكيف كانت المياه ترتفع فيها حتى تغطي أجساد الجنود حتى وسطهم، وكيف اضطروا لحفر أماكن في جدران الخنادق للنوم فيها، ثم كيف كانت الفئران تنتشر بشكل وبائي بسبب انتشار الجثث، وكان الجنود يخوضون حربا موازية ضد الفئران، ثم حربا أخرى لمكافحة انتشار القمل، وفي الوقت نفسه مواجهة حرب الغازات السامة التي أطلقها الألمان (في رواية وفيلم “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” تفاصيل مفزعة عن الغازات السامة التي كان يطلقها البريطانيون على الألمان). ونرى كيف كانت الغازات تسبب العمى المؤقت للجنود، وكيف كان يتم التعامل طبيا مع هذه الحالات وغيرها من الإصابات المباشرة، ويروي أحد الجنود أنه أضطر لإطلاق الرصاص على أحد زملائه رأفة به، بعد أن تمزق جسده.

وفي الفيلم أيضا مشاهد بديعة للعلاقة التي تنشأ بين الجنود البريطانيين والجنود الألمان الذين وقعوا في الأسر بعد معركة شرسة من معارك الخنادق، حيث يتقدم الجنود مسلحين بالبنادق فقط ويتجهون جريا لمواجهة الطرف الآخر داخل الخنادق الواقعة على بعد 200 متر وسط سقوط القنابل، مع استخدام السلاح الأبيض لقتل الأعداء.
وبعد قتل أعداد كبيرة من الطرفين في هذه المعركة (يقول أحد الجنود إن العدد بلغ حوالي 2000 جندي من الطرفين) من أجل التقدم مئتي متر، وقع عدد كبير من الألمان في الأسر.

وكان الطرفان يتواصلان معا، ونرى كيف يتبادل الجنود البريطانيون مع نظرائهم الألمان (وهم مثلهم من الشباب اليافع الصغير) النكات والطرائف، ويساعد الألمان في حمل الجرحى من الجنود البريطانيين بكل ترحيب والابتسامة على وجوههم، ولا شك أن هؤلاء “الأطفال” أدركوا أنهم يشتركون جميعهم في حرب عبثية، الجميع فيها خاسرون، وهو المعنى الذي يتردد في نهاية الفيلم.

فيلم “أبدا لن يشيخوا” تجسيد مؤثر لـ”سحر الكاميرا السينمائية”، فعند أقصى حالات الفزع حينما يمكن أن يصاب الجندي في رأسه برصاصة يطلقها قناص من الجانب الآخر، ما أن يرى الجنود الكاميرا أمامهم، إلاّ ويحدقون فيها وتتسع ابتساماتهم ويشير بعضهم بيده إشارات ودية، أو يتضاحك مع زملائه، ويبدو سحر الكاميرا في جميع المواقف، فقد كانت الكاميرا السينمائية وقتها اختراعا جديدا مثيرا.

فيلمنا هذا فيلم عن السينما في علاقتها المباشرة بالإنسان، لذلك يمكن القول أيضا إنه فيلم مناقض لأفلام الدعاية التي تتغنى عادة بالبطولة، ففيه يظهر الإنسان كما هو، في لحظات ضعفه وشعوره بالخوف، وهو يفقد تدريجيا براءته التي كان عليها كما شاهدنا في مشاهد الأبيض والأسود في البداية. إنه في المحصلة النهائية فيلم عن التجربة الأكثر بقاء في ذاكرة الإنسان، وفيلم بيتر جاكسون -أخيرا- هو انتصار لمجد الفيلم التسجيلي وللإنسان.

يجب الإشارة إلى أن بيتر جاكسون استلهم عنوان الفيلم من قصيدة للشاعر لورانس بنيون كتبها أثناء الحرب جاء فيها:

سقطوا وهم يواجهون العدو

سوف لن يشيخوا

نحن الذين سنشيخ

السنون لن تثقل عليهم

ولا السنون ستدينهم.

عن صحيفة "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: