"حشرات آلية" تقود الحرب الإلكترونية القادمة

1140
عدد القراءات

2018-11-26

محمد اليعقوبي

لم يعُد الحديث عن “الحرب الإلكترونية” حكرا على أفلام الخيال العلمي وألعاب الكمبيوتر، بل أصبحت واقعا يخيف حتى أقوى الدول في العالم اليوم.

وخلال السنوات القليلة الماضية استعمل مسمى "الحرب الإلكترونية" للتدليل على أحداث كبيرة وقعت بالفعل، من بينها الهجمات الإلكترونية التي استهدفت محرك البحث غوغل وقد قامت بها الصين، وحجب الشبكة في البرازيل، ومهاجمة النظام الذي يتحكم بالبرنامج النووي الإيراني والمسمّى "ستكسنت".

لكن تلك الأعمال العدائية في الفضاء الإلكتروني كانت محدودة المفعول وقصيرة المدى، ولم يصل فيها الأمر إلى حد القتل باستعمال الأسلحة، أما المخاوف الحالية فأبعد من مجرد هجمات في الفضاء السيبراني، وخاصة في ظل تصاعد وتيرة الاضطرابات والصراعات المسلّحة في العالم، يصاحب ذلك اهتمام أقل بالجهود الدبلوماسية، فيما تشهد النفقات العسكرية ارتفاعا ملحوظا.

ويمكن أن يقودنا هذا إلى مقارنة التوتر الدولي السائد حاليا والتنافس الأيديولوجي والعسكري مع ما حدث في الاتحاد السوفييتي سابقا والغرب منذ الخمسينات إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي، حينما نشب ما سمي بـ"سباق التسلح النووي".

وبالرغم من أن هذه المقارنة قد تكون مضلّلة، فإن السعي الدولي الحالي نحو التسلّح والاستثمار في تقنيات الطائرات المسيّرة دون طيار وقاذفات القنابل بعيدة المدى، إضافة إلى الأسلحة التي تستخدم أشعة ليزر والمدافع الإلكترومغناطيسية جميعها مؤشرات على أن دول العالم أمام مواجهة حتمية دافعها الغطرسة والتوسع في النفوذ.

لكن المعركة القادمة وطبيعة الأسلحة التي ستستخدم فيها ستكون أكثر إثارة للرعب، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار التطور الحاصل في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي من المرجّح أن يصل فيه الأمر إلى حد تصنيع أسلحة قابلة للبرمجة كليا وذاتيا، ورخيصة، وأيضا متناهية في الصغر.

لكن في الوقت الحالي تمثّل أجهزة الكمبيوتر أكبر تهديد للأمن العالمي، مع قدرة بعض الدول على امتلاك جواسيس إلكترونيين بإمكانهم قيادة حروب سيبرانية والسيطرة على البنية التحتية، مثل الطاقة وإمدادات المياه والمصانع والمطارات والبنوك، ما من شأنه أن يؤدي إلى شلل في الحياة العامة للدول المستهدفة.

ومن المؤكد أن هجمات القراصنة مدمرة، ومع انخفاض ميزانيات الدفاع بالنسبة لبعض الدول، فمن غير المستبعد أن يكون التهديد الإلكتروني شديد الخطورة.

وتبدو قدرات روسيا في الحرب الإلكترونية والمعلوماتية أكثر وضوحا، بل وتطرح الكثير من التحديات، ما جعلها محور مناقشات وسائل الإعلام وقد اتهمها العديد من المتخصصين في الأمن العالمي بخوض ما أسموه بـ”الحرب المختلطة”، وهي خليط من السلام والحرب.

وفي العام الماضي اتهمت الحكومة البريطانية وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (جي.آر.يو) بالوقوف وراء أربع هجمات إلكترونية كبرى استهدفت شركات في روسيا وأوكرانيا والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وشبكة تلفزيونية صغيرة في المملكة المتحدة.

وفي السابق، نسب باحثون أمنيون في شركات خاصة بعض تلك الهجمات الإلكترونية إلى روسيا، كما سبق ونسبت بريطانيا بعض الهجمات الإلكترونية الأخرى إلى روسيا.

وتزامنت هذه الاتهامات مع إصدار البيت الأبيض لتقرير يحذّر فيه من القرصنة الإلكترونية التي كلفت الولايات المتحدة بين 57 و109 مليار دولار عام 2016.

وأشار البيت الأبيض إلى أن عمليات القرصنة قد استهدفت مؤسسات خاصة وعامة، ومنها قطاع الخدمة وانتهاك البيانات وسرقة الحقوق الفكرية.

وعبّر البيت الأبيض عن مخاوفه من نشاطات قرصنة إلكترونية تقوم بها بعض الدول، كما نبّه إلى خطورة بعض الهجمات، التي يمكن أن تستهدف البنية التحتية الحساسة كالطرق السريعة وشبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات والسدود وشبكة إنتاج الأغذية، وقد يمتد تأثير هذه الهجمات خارج نطاق الجهة المستهدفة بشكل مباشر.

غير أن روسيا لا تعتبر الدولة الوحيدة التي اتُهمت بشنّ هجمات إلكترونية، فقد ألقت المملكة المتحدة باللوم أيضا على عناصر مرتبطة بكوريا الشمالية في هجوم واناكراي الإلكتروني في ديسمبر 2017، كما حملت الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والدنمارك واليابان العناصر نفسها بالوقوف وراء الهجوم.

في شهر مارس الماضي ألقت بريطانيا باللوم على شركة “معهد مانبا” التي تتخذ من إيران مقرا لها في هجمات استهدفت الجامعات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جامعات في المملكة المتحدة.

كما اتهمت شركة أميركية متخصصة في الأمن الإلكتروني مجموعات موجودة في الصين وترتبط بالدولة الصينية باختراق مراكز أبحاث بريطانية في العام الماضي.

لكن لا يبدو أن “الحرب الإلكترونية” ستقتصر على الهجمات الإلكترونية في الفضاء السيبراني، فهنالك قلق متزايد من إمكانية صناعة أسلحة وروبوتات قادرة على التكاثر وتطوير نفسها ذاتيا، أو تطوير ذكائها الاصطناعي بمفردها، وفي حال تم ذلك، فإن الحرب القادمة ستكون خارجة عن نطاق السيطرة، بل وأخطر من أسلحة الدمار الشامل التقليدية، وربما أكثر فتكا من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على مدينة هيروشيما اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية، في السادس من أغسطس 1945، وبقيت آثارها المدمرة إلى يومنا هذا.

ومؤخرا نشر الدكتور ألكسندر كوت من مختبر أبحاث الجيش الأميركي تقريرا حول السيناريوهات المستقبلية لـ”إنترنت الأشياء القتالية في البيئات شديدة الاضطراب” متوقّعا فيه مجموعة واسعة من الأنظمة والأسلحة الذكية التي ستفوق حدود القدرات البشرية.

ويمكن أن تعتمد الدول وفقا لكوت في الحرب القادمة على المعدّات العسكرية الموجودة حاليا كأجهزة الاستشعار الأرضية غير المراقبة والصواريخ الموجهة والطائرات دون طيار، ولكن من المرجّح أيضا أن تلعب الروبوتات الإلكترونية الصغيرة والشبيهة بالحشرات الدور الأبرز والأهمّ في ساحة المعركة.

ويشير صاحب التقرير إلى أن “البعض من هذه الروبوتات ستطير، والبعض الآخر سيسير أو يزحف”، مشددا على أن وظائفها ستكون متنوعة، ففي المجال السيبراني على سبيل المثال، يتخيّل كوت إمكانية تطوير كائنات ذكية ذاتية التحكم ستزحف على الشبكات لحماية الاتصالات أو الدفاع عن الأنظمة الإلكترونية من الهجمات السيبرانية، في حين ستقوم أخرى بنوع من “الخداع الإعلامي أو الكهرومغناطيسي أو التمويه”، فيما “سيعمل البعض منها كمحللين للوضع ومستشارين للبشر أو للمخلوقات الآلية”، بالإضافة إلى ذلك، قد تتخذ الروبوتات الإلكترونية أيضا وظائف أكثر حزما، مثل الهجوم وقرصنة الأنظمة المعلوماتية للعدو.

ولا يستبعد مؤلف التقرير أن تتغلّب الكائنات الاصطناعية الذكية على فارق المكان، خاصة إذا ما تم ربطها بالشبكة العنكبوتية لتدعم الحرب الإلكترونية وتكون طرفا محوريا في المعركة في كل مكان من العالم.

ويبدو أن كوت محقّا، إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى اعتمادنا على الإنترنت والآلات في كافة نواحي حياتنا اليومية.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: