عبدالجبار الرفاعي وسؤال التوفيق بين العلمانية والإيمان

3504
عدد القراءات

2018-11-27

إنّ إطلاق حالة من حالات التجديد في الفكر الإسلامي، تعترضه مشكلات كثيرة، ربّما أهمّها تلك التي يقف خلفها داء وبيل أصاب مجتمعاتنا منذ وقت طويل، ألا وهو "التصنيف"، وإطلاق التهم دون تحرير حقيقة كلّ تهمة أو معناها؛ فهل هي تهمة تستحق الإنكار والتملص، أم أنّها محض اختيار إنساني مشروع يقع ضمن دائرة العفو الواسعة التي اعتدى عليها المنحازون إلى الموروث القديم والجديد ممن لا يقبلون أي تجديد، فضلاً عن سلطان الأذواق  والأغراض الشخصية للبعض.

اقرأ أيضاً: حسين المرصفي.. أوّل أزهري أشار إلى العلمانية

وقد أثار المفكر العراقي البارز، الدكتور عبد الجبار الرفاعي، حديثاً في هذا السياق على صفحته في "فيسبوك"؛ رداً على نشر أحد أصدقائه مقطعاً من حوار موجود في كتاب الدكتور الرفاعي "الدين والظمأ الأنطولوجي"، أثار المقطع بعض الأسئلة الملتبسة، وما أكثر تلك الأسئلة في ثقافتنا وواقعنا، بحسب تعبيره.

الكلمات لا تخلو من أحكام، لذلك تتطلب براعة وخبرة في تعاطيها واستعمالها كي لا يتبدّد أو يتشوّه معناها

كتب الرفاعي رسالة رقيقة، بدأها بشكر صديقه على نشر المقطع، لكنّه وجّه رجاء له، ولكلّ صديق، ألا ينشر له كلمات منزوعة من سياقها؛ لأنّ ذلك يسبّب التباساً في الفهم، يصبح فيه الإنسان كما لو كان يقرأ الآية هكذا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ويبتر مقطعها الآخر: ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾.

يقول الكاتب في المقطع المنشور، الذي قوبل بتعقيبات نشرت عليه حول مصطلح العلمانية، أظهرت المفكر محاصراً بمثل تلك السلوكيات، التي يبدو أنها تثقل ضميره وعقله في النهاية:

"أنا أعرف العلمانية جيداً، وأحترم خيارات كلّ إنسان ومعتقداته، مهما كانت، وأعرف نشأة العلمانية، وكلّ التفاصيل عنها، ما لم يعرفه البعض ممن يتحدث ويكتب عنها؛ لأنّني بدأت أقرأ عنها وأهتم بدراستها منذ أكثر من 40 عاماً، ممّا يؤسف له أنّه يتمّ تفريغ بعض المصطلحات والمفاهيم من معانيها في مجتمعاتنا، بعد سلخها عن الفضاء الذي ولدت وتطورت فيه، ويجري استثمارها بشكل غريب، تتعرض فيه تلك المصطلحات والمفاهيم إلى تشويه، عن جهل أو عمد، وبعد تشويهها يصير استعمالها بحقّ شخص وتوصيفه بها قدحاً واتهاماً، ومما يؤسف له أن أضحى مصطلح (العلمانية) ضحية هذا الضرب من الاستعمال المبتذل المتعسف، وغالباً ما يتورط البعض بذلك، بلا تبصّر ومطالعات صبورة".

أورد الكاتب سؤالين وردا ضمن كتابه:

الأول: هل تتفق مع من يقدّم طرحاً علمانياً للدين من داخل الدين، أو ما يسمى بـ "العلمانية المؤمنة"؟ وهل تقبل هذا التوصيف لك؟

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني"، يشي بجمع مفهومين متنافرين، لا ينتميان إلى سياق واحد

وقد أجاب عنه بقوله: "من مشكلاتنا الفكرية هذا الخلط العشوائي؛ إذ يختلط العقل مع اللاعقل، العاطفة مع اللاعاطفة، الدين مع اللادين، الثقافة مع اللاثقافة، الاقتصاد مع اللااقتصاد، الدولة مع اللادولة، والسياسة مع اللاسياسة، وهكذا. يؤسفني أننا نخلط كلّ شيء بكلّ شيء، هذا خلط شاع في مرحلة ماضية؛ بل هي موضة تفشّت في بعض الأدبيات الإسلامية منذ منتصف القرن الماضي، وما تزال بقايا صداها تتردّد في مصطلح "علمانية مؤمنة"، وهو تعبير يستخدمه بعض الأصدقاء، أو "يسار إسلامي".

أرفض توصيف "علماني" لي، ذلك أنّه يشي بحكم قدحي، الناس مرضى بالتصنيف ووضع اللافتات، فلا أقبل أن أصنف نفسي تبعاً لهذه الخلطة الهجينة، مثل: يسار إسلامي، يمين إسلامي، ليبرالي إسلامي، ديمقراطي إسلامي، اشتراكي إسلامي، علماني إسلامي، علماني مؤمن.

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

يؤسفني أنّه يتفشّى فهم تبسيطي لدى بعض المراهقين، ممن يتشبهون بالمثقفين، يتلخص في: امتناع اجتماع الايمان مع العقل؛ أي أن تكون مؤمناً، في مفهومهم، فأنت غير عاقل، أن تكون عاقلاً فأنت غير مؤمن؛ أما أن يجتمع فيك العقل والإيمان، مثل: ابن سينا وابن رشد وابن عربي، وديكارت وكانط وكيركيگورد، فهذا تهافت.

كررت أكثر من مرة: أنا مسلم مؤمن، متيّم بحبّ الله والإنسان والعالم، أؤمن بالله ونبيه وكتابه الكريم، وما جاء به النبيّ ﷺ، وأؤدّي الصلاة والفرائض، طبقاً لما نصّت عليه الشريعة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

أمضيت حياتي في دراسة وتدريس علوم الدين ومعارفه، لا أحتاج إلى من يعلمني ما الإسلام، وما هي رسالته، لست ناطقاً باسم الله، ولا باسم أحد، أحترم معتقدات الآخر، متمنياً أن يحترمني الآخر، كلّ ما أكتبه أشدّد فيه على بيان مفهوم الدين، وأدعو لبناء تدين يثري الحياة الروحية والأخلاقية ويرسخ القيم الجمالية.

لكلّ شخص تجربته الروحية الخاصة التي تغذيها الطقوس المشتركة في الديانة التي ينتمي إليها

يؤذيني من يجرح الضمير الديني للآخر، ومن يزدري الدين، ويتهكّم على الإسلام، ويسخر من التديّن والحياة الروحية الأخلاقية، كما يؤذيني من يتّهم كلّ مفكّر حرّ يعبّر عن فهم مختلف للدين وقراءة غير تراثية للنصوص الدينية.

الكلمات ليست بريئة أو محايدة؛ الكلمات لا تخلو من أحكام، لذلك تتطلب براعة وخبرة في تعاطيها واستعمالها كي لا يتبدّد أو يتشوّه معناها.

الكلمات مشبعة برؤية للعالم، مشتقة من أنساق بيئتها، ونمط الفضاء اللغوي الخاص بها، إنها مرآة للثقافة التي تنتمي إليها، الكلمات حساسة، الكلمات معبأة بطاقتها الخاصة للمعنى، نهدر المعنى ونبدده لو عبثنا بمواضعاتها واستعملناها خارج سياقاتها، وحاولنا تبذير المعنى في تركيبها مع كلمات لا تنتمي إلى مجالها التداولي، واستعملناها في عبارات وجمل لا تشبهها.

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني"، يشي بجمع مفهومين متنافرين، لا ينتميان إلى سياق واحد؛ فالعلمانية كما تستعمل قدحياً اليوم بإسراف في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، تنصرف في فهمهم إلى شبكة مفاهيم ومواقف مناهضة للدين، أن يوصف بها شخص فهو يعني أنه "غير مؤمن"؛ بل هي شتيمة تطلق على كلّ من لا يتبنى رؤاهم ومواقفهم، ولعلّها تؤشّر في مضمون تلك الأدبيات إلى الحكم بإخراج المسلم الموصوف بها من الملة".

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

أما السؤال الثاني الذي بدا كاشفاً أيضاً: لماذا لا يصحّ أن يكون أحدنا علمانياً مؤمناً؛ فهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم؟

وجاءت إجابة الرفاعي عنه كالآتي: "أنت حدّدت إيمانه بقولك: "هو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم"، ومعنى ذلك، أنه ليس مخيّراً في تبنّي أيّة صيغة للعبادة والطقس الذي يوصله إلى الله تعالى؛ ففي كلّ رسالة هناك تقليد خاص للطقس والعبادة، مشتق منها، ومتّسق مع نمط الإيمان والاعتقاد الخاص بها، كما أشرت إلى ذلك من قبل.

اقرأ أيضاً: هل يتعارض الإسلام مع العلمانية؟

وبتعبير أوضح: مثلما أنّ للإيمان والتجارب الدينية أنماطاً، وهذه الأنماط تتنوع وتتعدد بتعدد الرسالات والأديان، فإن الطقوس والعبادات تتنوع تبعاً لها، مع احترامي لأتباع الأديان، لكلّ دين تقليدُه العبادي وصلاته وطقسه الخاص في وصال الحق، الذي يُنهَل منه نمطُ إيمان أتباعه، فلا يصحّ أن تكون مسلماً، وبدلاً من الصلاة تؤدّي القدّاس مع المسيحيين، تبعاً لتقليد الطقس الكنسي، أو أن تكون مسيحياً، وبدلاً من القداس في الكنيسة تؤدي الصلاة في المسجد، تبعاً لتقليد العبادة الإسلامي.

اقرأ أيضاً: "السياسة الدينية والدولة العلمانية".. لماذا ظلّ الدين مؤثراً؟

كلّ الأديان تتشابه عباداتها وطقوسها وشعائرها مع عقائدها، محاولات الترقيع والالتقاط في العبادات والطقوس والشعائر تمحو صورة الدين، وتمحق الإيمان المتولد عنه، أما القول: "إنّ لكلّ شخص طقسه الخاص"، فهذه واحدة من الخدع، ذلك أنّ تاريخ الأديان أنبأنا بأنّ ميزة الطقوس الثابتة إنّما هي في اشتراكها بين أتباع الدين الواحد، ولم يصادف أن نجد ديناً أتاح لمعتنقيه أن يختاروا طقوسهم كيفما يشاؤون.

لكلّ شخص تجربته الروحية الخاصة، التي تغذيها الطقوس المشتركة في الديانة التي ينتمي إليها، فصلاة الحلاج والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي، هي صلاة الإسلام ذاتها، غير أنهم تميزوا وتفوّقوا بأنماط تجاربهم الدينية الخصبة الفوارة الملهمة.

اقرأ أيضاً: بين الدين والعلمانية.. تبادل الهيمنة

الإيمان والتجربة الدينية الأصيلة يمكن أن تتحقق في سياق ديانة ذات إطار اعتقادي طقوسي محدد، ذلك أنّها تتطلب أن تستقي على الدوام من التقليد الطقوسي الخاص بها، ولو ركّبنا عليها تقليداً طقوسياً بديلاً، كما لو أنّ مسلماً يمارس تقليداً طقوسياً هندوسياً أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين التكريس الشعائري الطقوسي والمعتقد والتجربة الدينية المنبثقة عنه؛ ذلك أنّ لكلّ معتقد طقساً خاصّاً من جنسه، بمعنى أنّه مشتق من طبيعة رؤيته للعالم ومقولاته الاعتقادية.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟

وهذا ما تدلّل عليه الحياة الدينية لمختلف المجتمعات؛ ففي المجتمعات الغربية، التي تمنح الأشخاص حرية دينية واسعة، لا تسودها ظواهر، مثل: مسلم يصلي في معبد هندوسي، أو هندوسي يؤدي طقسه في المسجد، قلّما نعثر على أشخاص يتخبطون في تجريب الأديان وطقوسها، بغية إرواء ظمئهم الأنطولوجي، وعادة يعيش مثل هؤلاء ضياعاً وتمزقاً وقلقاً واضطراباً، ذلك أنّهم كشارب ماء البحر، كلّما شرب منه اشتد ظمؤه".

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

انتهت كلمات الرجل، لكن لن تنتهي، على الأقل في المدى المنظور، تلك الثقافة التي تجنح للتبسيط والتصنيف وتحاصر التنوير، لكنّ الأمر الجيد، ربما، أنّ محاولات أمثال الرفاعي تصنع على مهل تياراً ستنتظم فيه جهود مبعثرة، لتصوغ ملامح ثقافة جديدة تحتضن التنوير والإبداع الأصيل والحقيقي.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



عبدالجبار الرفاعي وسؤال التوفيق بين العلمانية والإيمان

عدد القراءات

2018-11-27

إنّ إطلاق حالة من حالات التجديد في الفكر الإسلامي، تعترضه مشكلات كثيرة، ربّما أهمّها تلك التي يقف خلفها داء وبيل أصاب مجتمعاتنا منذ وقت طويل، ألا وهو "التصنيف"، وإطلاق التهم دون تحرير حقيقة كلّ تهمة أو معناها؛ فهل هي تهمة تستحق الإنكار والتملص، أم أنّها محض اختيار إنساني مشروع يقع ضمن دائرة العفو الواسعة التي اعتدى عليها المنحازون إلى الموروث القديم والجديد ممن لا يقبلون أي تجديد، فضلاً عن سلطان الأذواق  والأغراض الشخصية للبعض.

اقرأ أيضاً: حسين المرصفي.. أوّل أزهري أشار إلى العلمانية

وقد أثار المفكر العراقي البارز، الدكتور عبد الجبار الرفاعي، حديثاً في هذا السياق على صفحته في "فيسبوك"؛ رداً على نشر أحد أصدقائه مقطعاً من حوار موجود في كتاب الدكتور الرفاعي "الدين والظمأ الأنطولوجي"، أثار المقطع بعض الأسئلة الملتبسة، وما أكثر تلك الأسئلة في ثقافتنا وواقعنا، بحسب تعبيره.

الكلمات لا تخلو من أحكام، لذلك تتطلب براعة وخبرة في تعاطيها واستعمالها كي لا يتبدّد أو يتشوّه معناها

كتب الرفاعي رسالة رقيقة، بدأها بشكر صديقه على نشر المقطع، لكنّه وجّه رجاء له، ولكلّ صديق، ألا ينشر له كلمات منزوعة من سياقها؛ لأنّ ذلك يسبّب التباساً في الفهم، يصبح فيه الإنسان كما لو كان يقرأ الآية هكذا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ويبتر مقطعها الآخر: ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾.

يقول الكاتب في المقطع المنشور، الذي قوبل بتعقيبات نشرت عليه حول مصطلح العلمانية، أظهرت المفكر محاصراً بمثل تلك السلوكيات، التي يبدو أنها تثقل ضميره وعقله في النهاية:

"أنا أعرف العلمانية جيداً، وأحترم خيارات كلّ إنسان ومعتقداته، مهما كانت، وأعرف نشأة العلمانية، وكلّ التفاصيل عنها، ما لم يعرفه البعض ممن يتحدث ويكتب عنها؛ لأنّني بدأت أقرأ عنها وأهتم بدراستها منذ أكثر من 40 عاماً، ممّا يؤسف له أنّه يتمّ تفريغ بعض المصطلحات والمفاهيم من معانيها في مجتمعاتنا، بعد سلخها عن الفضاء الذي ولدت وتطورت فيه، ويجري استثمارها بشكل غريب، تتعرض فيه تلك المصطلحات والمفاهيم إلى تشويه، عن جهل أو عمد، وبعد تشويهها يصير استعمالها بحقّ شخص وتوصيفه بها قدحاً واتهاماً، ومما يؤسف له أن أضحى مصطلح (العلمانية) ضحية هذا الضرب من الاستعمال المبتذل المتعسف، وغالباً ما يتورط البعض بذلك، بلا تبصّر ومطالعات صبورة".

أورد الكاتب سؤالين وردا ضمن كتابه:

الأول: هل تتفق مع من يقدّم طرحاً علمانياً للدين من داخل الدين، أو ما يسمى بـ "العلمانية المؤمنة"؟ وهل تقبل هذا التوصيف لك؟

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني"، يشي بجمع مفهومين متنافرين، لا ينتميان إلى سياق واحد

وقد أجاب عنه بقوله: "من مشكلاتنا الفكرية هذا الخلط العشوائي؛ إذ يختلط العقل مع اللاعقل، العاطفة مع اللاعاطفة، الدين مع اللادين، الثقافة مع اللاثقافة، الاقتصاد مع اللااقتصاد، الدولة مع اللادولة، والسياسة مع اللاسياسة، وهكذا. يؤسفني أننا نخلط كلّ شيء بكلّ شيء، هذا خلط شاع في مرحلة ماضية؛ بل هي موضة تفشّت في بعض الأدبيات الإسلامية منذ منتصف القرن الماضي، وما تزال بقايا صداها تتردّد في مصطلح "علمانية مؤمنة"، وهو تعبير يستخدمه بعض الأصدقاء، أو "يسار إسلامي".

أرفض توصيف "علماني" لي، ذلك أنّه يشي بحكم قدحي، الناس مرضى بالتصنيف ووضع اللافتات، فلا أقبل أن أصنف نفسي تبعاً لهذه الخلطة الهجينة، مثل: يسار إسلامي، يمين إسلامي، ليبرالي إسلامي، ديمقراطي إسلامي، اشتراكي إسلامي، علماني إسلامي، علماني مؤمن.

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

يؤسفني أنّه يتفشّى فهم تبسيطي لدى بعض المراهقين، ممن يتشبهون بالمثقفين، يتلخص في: امتناع اجتماع الايمان مع العقل؛ أي أن تكون مؤمناً، في مفهومهم، فأنت غير عاقل، أن تكون عاقلاً فأنت غير مؤمن؛ أما أن يجتمع فيك العقل والإيمان، مثل: ابن سينا وابن رشد وابن عربي، وديكارت وكانط وكيركيگورد، فهذا تهافت.

كررت أكثر من مرة: أنا مسلم مؤمن، متيّم بحبّ الله والإنسان والعالم، أؤمن بالله ونبيه وكتابه الكريم، وما جاء به النبيّ ﷺ، وأؤدّي الصلاة والفرائض، طبقاً لما نصّت عليه الشريعة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

أمضيت حياتي في دراسة وتدريس علوم الدين ومعارفه، لا أحتاج إلى من يعلمني ما الإسلام، وما هي رسالته، لست ناطقاً باسم الله، ولا باسم أحد، أحترم معتقدات الآخر، متمنياً أن يحترمني الآخر، كلّ ما أكتبه أشدّد فيه على بيان مفهوم الدين، وأدعو لبناء تدين يثري الحياة الروحية والأخلاقية ويرسخ القيم الجمالية.

لكلّ شخص تجربته الروحية الخاصة التي تغذيها الطقوس المشتركة في الديانة التي ينتمي إليها

يؤذيني من يجرح الضمير الديني للآخر، ومن يزدري الدين، ويتهكّم على الإسلام، ويسخر من التديّن والحياة الروحية الأخلاقية، كما يؤذيني من يتّهم كلّ مفكّر حرّ يعبّر عن فهم مختلف للدين وقراءة غير تراثية للنصوص الدينية.

الكلمات ليست بريئة أو محايدة؛ الكلمات لا تخلو من أحكام، لذلك تتطلب براعة وخبرة في تعاطيها واستعمالها كي لا يتبدّد أو يتشوّه معناها.

الكلمات مشبعة برؤية للعالم، مشتقة من أنساق بيئتها، ونمط الفضاء اللغوي الخاص بها، إنها مرآة للثقافة التي تنتمي إليها، الكلمات حساسة، الكلمات معبأة بطاقتها الخاصة للمعنى، نهدر المعنى ونبدده لو عبثنا بمواضعاتها واستعملناها خارج سياقاتها، وحاولنا تبذير المعنى في تركيبها مع كلمات لا تنتمي إلى مجالها التداولي، واستعملناها في عبارات وجمل لا تشبهها.

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟

توصيف "علماني مؤمن" أو "مؤمن علماني"، يشي بجمع مفهومين متنافرين، لا ينتميان إلى سياق واحد؛ فالعلمانية كما تستعمل قدحياً اليوم بإسراف في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، تنصرف في فهمهم إلى شبكة مفاهيم ومواقف مناهضة للدين، أن يوصف بها شخص فهو يعني أنه "غير مؤمن"؛ بل هي شتيمة تطلق على كلّ من لا يتبنى رؤاهم ومواقفهم، ولعلّها تؤشّر في مضمون تلك الأدبيات إلى الحكم بإخراج المسلم الموصوف بها من الملة".

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

أما السؤال الثاني الذي بدا كاشفاً أيضاً: لماذا لا يصحّ أن يكون أحدنا علمانياً مؤمناً؛ فهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم؟

وجاءت إجابة الرفاعي عنه كالآتي: "أنت حدّدت إيمانه بقولك: "هو مؤمن بالله ورسوله وكتابه الكريم"، ومعنى ذلك، أنه ليس مخيّراً في تبنّي أيّة صيغة للعبادة والطقس الذي يوصله إلى الله تعالى؛ ففي كلّ رسالة هناك تقليد خاص للطقس والعبادة، مشتق منها، ومتّسق مع نمط الإيمان والاعتقاد الخاص بها، كما أشرت إلى ذلك من قبل.

اقرأ أيضاً: هل يتعارض الإسلام مع العلمانية؟

وبتعبير أوضح: مثلما أنّ للإيمان والتجارب الدينية أنماطاً، وهذه الأنماط تتنوع وتتعدد بتعدد الرسالات والأديان، فإن الطقوس والعبادات تتنوع تبعاً لها، مع احترامي لأتباع الأديان، لكلّ دين تقليدُه العبادي وصلاته وطقسه الخاص في وصال الحق، الذي يُنهَل منه نمطُ إيمان أتباعه، فلا يصحّ أن تكون مسلماً، وبدلاً من الصلاة تؤدّي القدّاس مع المسيحيين، تبعاً لتقليد الطقس الكنسي، أو أن تكون مسيحياً، وبدلاً من القداس في الكنيسة تؤدي الصلاة في المسجد، تبعاً لتقليد العبادة الإسلامي.

اقرأ أيضاً: "السياسة الدينية والدولة العلمانية".. لماذا ظلّ الدين مؤثراً؟

كلّ الأديان تتشابه عباداتها وطقوسها وشعائرها مع عقائدها، محاولات الترقيع والالتقاط في العبادات والطقوس والشعائر تمحو صورة الدين، وتمحق الإيمان المتولد عنه، أما القول: "إنّ لكلّ شخص طقسه الخاص"، فهذه واحدة من الخدع، ذلك أنّ تاريخ الأديان أنبأنا بأنّ ميزة الطقوس الثابتة إنّما هي في اشتراكها بين أتباع الدين الواحد، ولم يصادف أن نجد ديناً أتاح لمعتنقيه أن يختاروا طقوسهم كيفما يشاؤون.

لكلّ شخص تجربته الروحية الخاصة، التي تغذيها الطقوس المشتركة في الديانة التي ينتمي إليها، فصلاة الحلاج والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي، هي صلاة الإسلام ذاتها، غير أنهم تميزوا وتفوّقوا بأنماط تجاربهم الدينية الخصبة الفوارة الملهمة.

اقرأ أيضاً: بين الدين والعلمانية.. تبادل الهيمنة

الإيمان والتجربة الدينية الأصيلة يمكن أن تتحقق في سياق ديانة ذات إطار اعتقادي طقوسي محدد، ذلك أنّها تتطلب أن تستقي على الدوام من التقليد الطقوسي الخاص بها، ولو ركّبنا عليها تقليداً طقوسياً بديلاً، كما لو أنّ مسلماً يمارس تقليداً طقوسياً هندوسياً أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين التكريس الشعائري الطقوسي والمعتقد والتجربة الدينية المنبثقة عنه؛ ذلك أنّ لكلّ معتقد طقساً خاصّاً من جنسه، بمعنى أنّه مشتق من طبيعة رؤيته للعالم ومقولاته الاعتقادية.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟

وهذا ما تدلّل عليه الحياة الدينية لمختلف المجتمعات؛ ففي المجتمعات الغربية، التي تمنح الأشخاص حرية دينية واسعة، لا تسودها ظواهر، مثل: مسلم يصلي في معبد هندوسي، أو هندوسي يؤدي طقسه في المسجد، قلّما نعثر على أشخاص يتخبطون في تجريب الأديان وطقوسها، بغية إرواء ظمئهم الأنطولوجي، وعادة يعيش مثل هؤلاء ضياعاً وتمزقاً وقلقاً واضطراباً، ذلك أنّهم كشارب ماء البحر، كلّما شرب منه اشتد ظمؤه".

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

انتهت كلمات الرجل، لكن لن تنتهي، على الأقل في المدى المنظور، تلك الثقافة التي تجنح للتبسيط والتصنيف وتحاصر التنوير، لكنّ الأمر الجيد، ربما، أنّ محاولات أمثال الرفاعي تصنع على مهل تياراً ستنتظم فيه جهود مبعثرة، لتصوغ ملامح ثقافة جديدة تحتضن التنوير والإبداع الأصيل والحقيقي.