سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية

2292
عدد القراءات

2018-11-27

لا يستطيع مؤرخ الجهود الفكرية والفلسفية في الأردن أن يمرّ عن الدكتور سحبان خليفات، أو ألا يتوقف طويلاً أمام منجزه، فالراحل الذي غيّبه الموت عام 2012 يعد ألمع المفكرين والمشتغلين بالفلسفة في ذلك البلد الذي لا يَعرف الكثيرون أعلامَه في هذا الحقل. ومن أبرز إسهاماته محاولته ردّ منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟

وُلد سحبان محمود خليفات يوم 8/11/1943 في مدينة السلط، وحصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الفلسفية والاجتماعية من جامعة دمشق عام 1966، وشهادة الماجستير في الدراسات الفلسفية والنفسية من جامعة القاهرة عام 1972، وشهادة الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة نفسها عام 1978، ليمضي بعد ذلك في رحلة البحث والتأليف في الجامعة الأردنية حتى النزع الأخير من حياته.

اقرأ أيضاً: محمود السمرة يستودع المدى إيقاعه الأخير

ولفرط تمسكه بالعمل الأكاديمي، ظل خليفات عاكفاً ومواظباً على الدرس والتأليف حتى في أكثر لحظاته صعوبة، وكان يدرّس طلبة الدكتواره والدراسات العليا في الجامعة الأردنية، وهو على سرير المرض في مستشفى الجامعة الأردنية.

كان يدرّس طلبة الدكتواره والدراسات العليا في الجامعة الأردنية

ومن مؤلفات خليفات:

1- مقالات يحيى بن عدي الفلسفية

2- رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية: دراسة ونصوص

3- الديموقراطية في الأردن: سياقها الدولي وشروطها الموضوعية

4- ابن هندو، سيرته، آراؤه الفلسفية، مؤلفاته: دراسة ونصوص

5- منھج التحليل اللغوي- المنطقي في الفكر العربي الإسلامي: النظرية والتطبيق.

وأفاد ابنه "وائل" بأنّ آخر ما خطه أبوه كان كتاباً عن أبي العلاء المعري، صدر بعد رحيله، وربما أنّ هناك مخطوطات أخرى لم يقيّض للراحل إتمامها.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن سيرة المفكر الفلسطيني هشام شرابي

درس خليفات ودرّس الفلسفة العربية والغربية، وقدّم إسهامات مهمة في فلسفة الأخلاق، ففي مقال له بعنوان "فلسفة سارتر في الأخلاق والسياسة"، يرى خليفات أنّ "الفرد الخلقي عند سارتر هو الذي يلتزم تماماً بما يختاره، بغض النظر عن هذا الذي يلتزم به، ما دام قد اختاره بإرادته. وتكشف هذه الحقيقة الطابع النظري للأخلاق السارترية، إذ يتساوى – وفق مبادئها – القاتل الملتزم والقديس، ما دام كلاهما مخلصاً لما اختار وأراد ".

الديموقراطية في الأردن: سياقها الدولي وشروطها الموضوعية

بعيداً عن النمطية

وفي مثل هذا المناخ البعيد عن النمطية، شرع خليفات يفكّر ويتساجل مع أعلام الفكر والفلسفة، ويقرأ بعينه النقدية مشاريعهم وأطاريحهم الفكرية. فهو عندما يتحدث عن "اللغة والواقع بين هيغل وهيدجر" يرى أنّ هيغل يعدّ الممثل الحقيقي للمعقولية الفلسفية التي تنشد في اللغة أكمل صورة من صور تحقيق التكافؤ بين الفكر والوجود، ويرتبط تصوره الميتافيزيقي للغة بمذهب المثالية المطلقة، الذي يرى في تعقلنا للفكر تعقلاً في الوقت نفسه للوجود. ذلك أنّ المطلق إنما يتعقل ذاته عبر مقولاتنا، بل هو يلتقي بذاته عبر المقولات التي يترجم عنها في التصورات الكلية.

لفرط تمسكه بالعمل الأكاديمي، ظل خليفات عاكفاً ومواظباً على الدرس والتأليف حتى وهو على سرير المرض في المستشفى

أما هيدجر، في نظر خليفات، فيدرس علاقة اللغة بالكينونة، فالأخيرة تستعصي على اللغة العادية، لكن الشعر، وهو أكثر أنماط اللغة شفافية، قادر على رفع اللثام عن الكينونة، فيتاح للكائن أن يظهر. يقول: لقد سمّى الشاعر الآلهة وجميع الأشياء في كينونتها، أي في البدء، ولم تكن هذه التسمية إعطاء اسم لشيء كان معروفاً من قبل، بل تعريفاً للشيء بما هو عليه، فيصبح عندئذ موجوداً من حيث صار معروفاً. ليست اللغة في الأصل علامات، بل إشارات تشير عن بعد، ورموزاً تكشف عن شيء كان (مستوراً ومختبئاً) ألا وهو ماهيات الأشياء.

لذا فإنّ اللغة الأصلية الأولى هي الشعر، بمعناه في اللغة اليونانية، "أي الفعل والخلق. ومن هنا يجب علينا ألا نتصور ماهية الشعر من خلال ماهية اللغة، فالشعر هو التسمية للكينونة ولماهيات الأشياء جميعاً. إنه ضرب من الكلام يرفع النقاب في البدء عن كل شيء، فيحمل الكل إلى الوجود".

اقرأ أيضاً: محمد طُمّليه في ذكراه العاشرة: لسان عذب وساخط مصاب بالسرطان

كان خليفات معتداً بثقافته العربية الإسلامية، وكان يحث على ألا نتحاور مع (الآخر) من منطلق أنه أعلى أو أننا أدنى؛ فالشعور بالدونيّة يجب أن يوضع له حد، فإذا كانت هناك دونية بيننا وبين الغرب في عالم الاقتصاد أو السياسة، فليس بيننا وبينه دونية في عالم الثقافة؛ فنحن أعرق ثقافة منه.

رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية: دراسة ونصوص

المنهج وليس المعلومات

ويتابع: أنا أعلم أنهم اكتشفوا الذرة، ولكني أريد أن أقول إنّ المهم - واسأل في هذا أيّ عالم شئت - هو المنهج وليس المعلومات، فجميع المناهج التي عرفتها البشرية هي اختراع عربي، فالمنهج الرياضي من اختراع علماء العرب والمسلمين ومنهج التحليل اللغوي المنطقي من اختراع علماء أصول الفقه. إذا كان العرب قد أبدعوا كل هذه المناهج فنحن لنا أصالة، ولا يجوز أن نقف موقفاً دونياً من هذا السبق.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية

وكان للراحل هوس في البحث والتنقيب عن أصول المفاهيم، ومرجعياتها اللغوية، ففي معجم "لسان العرب" ترد كلمة "فردوس" فيقول لك المعجم، إنها "أعجمية" فماذا تظن؟!.. إنها فارسية!! الحقيقة أنّ وصف كل كلمة أعجمية إنما يعني شيئاً واحداً فقط وهو أننا لا نعرف معناها، فنقول أعجمية في المعاجم، فاستغلها قوم فقالوا: إنّ لغة العرب من عندنا من فارس.

اقرأ أيضاً: أحمد بهاء الدين: ذاكرة مصر المنسية

خذ كلمة "فردوس" أخذ الغرب منها كلمة (براديس)، فهي كلمة عربية، وجل لغة العجم (الفرس) عربي من الصميم. ولعل هذه الأعجمية المدّعاة وجهل المفسرين بحقيقتها، أي اللغة الأصلية للكلمة "الأعجمية" هو جزء مما أعنيه بعدم إتقانهم للثقافة اللغوية اللازمة.

ويذكر مثالاً بسيطاً يدعم رأيه: إننا نقول في نهاية الفاتحة: آمين، وفي المسيحية يقولون آمن، وهي مشتقة من آمون، الإله آمون، آمون لفظه الصحيح آمن، وآمن في المصرية القديمة معناها الواحد الخفي، ونحن نقول: الله واحد: "قل هو الله أحد" ونقول: "لا تدركه الأبصار" وقس على ذلك.

لو أنّ علماء التفسير يتقنون المصرية القديمة

ولو أنّ علماء التفسير اليوم يتقنون المصرية القديمة، ويتقنون الأكدية، والحميرية والفينيقية، كما يقول خليفات، لعاد القرآن الكريم، والله تعالى، غضاً كما أُنزل على الرسول، عليه السلام، من قبل. لكنهم كلما صادفوا كلمة قالوا أعجمية، فضاع المعنى، أو فسروها تفسيراً شكلياً لا يلمس شغاف العقل والقلب، أو يقنع أحداً في هذا العصر.

أطلّ خليفات بالفلسفة على الأدب فقرأ أبا العلاء المعري، ونظر إلى الفلسفة السياسية فكتب في الديمقراطية في العالم العربي

ويروي خليفات أنه في القرون الأولى من الهجرة، يخرج جابر بن حيان من باب منزله في الكوفة إلى المسجد، فيسأله بعض الفضوليين: ماذا تفعل يا جابر في بيتك؟!! ... لقد قال كلمة لو قالها أحد اليوم لفرقوا بينه وبين زوجته، وأجبروه على ذلك، وعدّوه زنديقاً، فماذا قال جابر؟! قال: أحاول صناعة إنسان على المقاييس الإلهية! هذه الأمة الواثقة من نفسها، ومن دينها، لا تخاف، لقد انطلقت وأعطت. "ولكن حين جفت عصارة العقل من ساق الحضارة وفروعها، تدهور حالنا، ودمرت الثقافة. استعمرنا الإنجليز فأسمعونا قصصاً يضحكون بها علينا، وكأننا هنود حمر أو زنوج، قالوا لنا إنّ إسحاق نيوتن جلس ليشرب الشاي الساعة الخامسة، كالعادة الإنجليزية، فتأخرت زوجته قليلاً بالشاي، فسقطت تفاحة فاكتشف قوانين الجاذبية الثلاثة!! لندقق، فنجد أنه سرق هذه القوانين حرفياً وبالترتيب.. ترتيب القوانين والكلمات من كتب ابن سينا وابن الخازن وأبي البركات البغدادي، وأخذ من أبي البركات البغدادي أيضاً الصيغة الرياضية للتسارع في السقوط، ثم يُقال لنا: (حين شرب الشاي)!!! "

اقرأ أيضاً: فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب

ويتابع خليفات: "ثم يأتون إلى اسكوتلندي اسمه جيمس واط، وضع إبريق الشاي على النار الساعة الخامسة (لاحظوا كل السرقات تقع الساعة الخامسة!!) فجاءت صاحبته، فأخذهما الحديث فدفع البخار الغطاء إلى الخارج، فانتبه، فاكتشف قوة البخار وقد سرق الفكرة من مخطوط إسلامي".

ويعرف طلبة الدكتور سحبان خليفات هذه الصفة فيه، مع أنها تثير الغرابة أحياناً، لكنه كان يتقصى هذه الأفكار ويشبعها بحثاً وسؤالاً.

 

جملة من المناقب

وكان الراحل يشتمل على جملة من المناقب، التي أبرزها، في نظر أستاذ الفلسفة الدكتور أحمد ماضي، بِرّه بأهله ومدينته السلط "بالرغم من انشغالاته الفكرية والبحثية". ولاحظ ماضي في سياق آخر أنّ عدداً من المؤلفات والبحوث والدراسات الفلسفية والفكرية التي أعدها الدكتور خليفات "لم تحظ بالاهتمام الكافي"، داعياً إلى ضرورة عقد ندوة علمية يعد لها إعداداً مناسباً يقوّم فيها تلك الأعمال الثرية.

اقرأ أيضاً: حمد الجاسر: أول طالب سعودي في كلية الآداب بالقاهرة

ويعتبر أستاذ الفلسفة الدكتور سلمان البدور، أنّ أهم إنجازات المفكر الراحل خليفات هو كتابه المتعلق بالتحليل اللغوي في الفكر العربي الإسلامي، الذي يعتبر "زبدة إنتاجه من حيث اهتمامه باللغة واهتمامه بالأخلاق"، في حين رأى الدكتور هشام غصيب، أنّ خليفات وظف معرفته بفلسفة التحليل اللغوي في بناء هيكل الكتاب ليثبت أنّ المسلمين كانوا رواداً في هذا المجال.

وأشار إلى أنّ خليفات أطل بالفلسفة على الأدب؛ فقرأ أبا العلاء المعري، ونظر إلى الفلسفة السياسية فكتب في الديمقراطية في العالم العربي، وقبل مرحلة الربيع العربي، مشيراً إلى دراسته وتحقيقه لفلسفة الفارابي، من خلال كتابه "على سبيل تحصيل السعادة".

اقرأ أيضاً: تيسير السبول: سار مع الوهم وانتحر بعد هزيمة العروبة

البدور ذكر، أيضاً، أنّ الراحل جمع ودرس رسائل يحيى بن عدي، الفيلسوف، ولملم أطراف فلسفته في دراسة جادة ومفيدة، لافتاً إلى أنه درس أيضاً أبا الحسن العامري وشذراته الفلسفية، وصاغ من هذه الشذرات فلسفة، ما اعتبر دراسة مهمة، حيث وقع اختياره على كتاب ابن هندو الذي حققه.

واستعرض البدور الصفات التي كان يتحلى بها خليفات أثناء وجوده في الجامعة الأردنية، فهو كما قال "كان معلماً للمعارف والقيم والأخلاق"، ما جعله مدرسة فكرية يعتد بها، سماتها اللطف والحكمة واتساع الأفق.

كان خليفات، كما يؤكد البدور، "صاحب حضور محسوس في قسم الفلسفة والجامعة والمجتمع، وظل مستعداً دائماً للدفاع عن وجهة نظره وعلى نحو منطقي، وقد منح الجامعة الأردنية كل وقته، ولم يفكر بمغادرتها يوماً على الرغم من الإغراءات والفرص التي أتيحت له".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-16

رغم واقع الدولة الإيرانية الراهن، الذي يتّسم بالجمود والثبات، في ظلّ حكم الجمهورية الإسلامية، ونظام الوليّ الفقيه الذي يُطبق بمخالبه على التنوع في المجتمع، ويفرض العديد من السياسيات والرؤى الضيقة التي تغلق مسام التجديد، فيترك انطباعاً مشوهاً ومنقبضاً، في أعقاب كلّ حديث حول الدولة الفارسية وتاريخها.. رغم كل ذلك فثمة تاريخ آخر موازٍ، يسبق لحظة سقوط العمامة الغليظة على عقل الدولة، يحفل بالعديد من المنجزات الإصلاحية، في السياسة، والاقتصاد، والفنّ، والصحافة؛ حيث لعبت شخصيات مؤثرة عدة أدوار بهدف التحديث والتطوير، ونقل مجمل الخبرات المتقدمة وتطبيقها، إضافة إلى تنظيم العلاقة مع العالم، الذي يعدّ منذ أربعين عاماً، بمثابة سؤال أزمة في طهران.
بواكير التحديث
بزغ اسم الميرزا تقي خان، الملقب "أبو الإصلاحات"، والمعروف باسم "أمير كبير"، مع عهد الدولة القاجارية، والأخيرة، تعدّ إحدى أكثر فترات التاريخ السياسي الإيراني حساسية وأهمية؛ إذ جاءت في أعقاب سقوط وهزيمة الدولة الصفوية، في العقد الثالث، من القرن الثامن عشر الميلادي، ونشوء عدة حكومات محلية مستقلة، حتى عادت الوحدة مع تدشين "آفا محمد خان" الدولة القاجارية.

كان من بين الأمور التي سعى كبير لتنفيذها، فيما يتّصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير في مراسم العزاء

وقد شهدت تلك الفترة بواكير التحديث، والاستفادة من كلّ الطاقات الموجودة في المجتمع، دون تمييز طائفي أو صنع حواجز مذهبية، وما يرافقهما من وقائع فساد وظلم. كما حصل المسلمون، والمسيحيون، واليهود، والزرادشتيون، وغيرهم من الطوائف الدينية والقومية والإثنية، على حقوقهم الدينية والمواطنية والمدنية.
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية، كما لعب أدواراً سياسية وإصلاحية متفاوتة؛ كان من بينها، وصوله لمقعد رئيس الوزراء، الذي بقي فيه لمدة ثلاثة أعوام، استحدث خلالها مؤسسات جديدة، ووضع جملة من القوانين، وأسّس لمجموعة من القيم المنضبطة في الإدارة ونظام العمل، بهدف منع الفساد المالي الإداري، في بلاط الشاه، ومن ثم، تطوير مؤسسات الدولة، كما عقد اتفاقيات مهمة مع الدول الغربية؛ إذ يعدّ أول من عقد اتفاقية تجارة وملاحة مع الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
ومن بين الأمور التي وضع قواعدها بشفافية وانضباط صارمَيْن؛ تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة؛ بداية من الملك، وحتى أصغر عامل، كما أنشأ أول هيئة للبريد، والعديد من المستشفيات والمصحات الطبية، ويضاف إلى ذلك؛ اهتمامه بتحديث المؤسسة العسكرية، وتطوير الجيش، خاصة أنّها تعرضت لهزيمة فادحة في عهد الدولة السابقة (الصفوية).
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية

مسارات التحديث
لذا؛ اتفق مع النمسا على تولّي أمر تطوير وتحديث الجيش، من حيث التدريبات لأفراده، ومده الجيش بالسلاح، وبعدها تمكّن من عقد عدة اتفاقيات أخرى مع بريطانيا وروسيا.
يعدّ أمير كبير من بين جيل تأثر بالمساحات الجديدة التي اكتشفها الغرب، خلال القرن قبل الماضي، في العلم والسياسة والفنّ، كما يوضح الباحث الإيراني، عدنان زماني، في دراسة منشورة عن رجل الإصلاحات في عهد الدولة القاجارية؛ حيث تطلّع عبر البعثات العلمية، وزيارة المدن الأوروبية، ومشاهدة الجامعات الغربية، أن ينهل مما أنتجته من معرفة جديدة، فقد عاش في تبريز، شمال غرب طهران، في بلاط ولي العهد، عباس ميرزا، والذي كان يحفل بوجود مجموعة من الخبراء الأوروبيين، وانتقل للعمل معهم في إسطنبول، كسفير لدى الدولة العثمانية، لمدة أربعة أعوام، واطّلع على مؤلفات جمال الدين الأفغاني، وآرائه الإصلاحية، التي اشتق منها عناصر عديدة وحاول تطبيقها في الإصلاح والتحديث داخل إيران.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وعليه؛ قام بتأسيس "دار الفنون"، للمرة الأولى في تاريخ إيران، عام 1851؛ حيث تعدّ المدرسة الأولى في إيران، التي تخالف واقع التعليم الديني السائد، حتى ذلك الوقت، وبالتالي، حررت المجتمع من إطار المدارس الدينية المنتشرة، وكان التعليم فيها ينقسم إلى كليات الطبّ والتشريح، والهندسة، واللغة الأجنبية، كما استقدم معلمين لهذه التخصصات، من فرنسا والنمسا، والعديد من الدول الأوروبية، ويذكر أنّه انضمّ لصفوف الدراسة، في المرحلة الأولى، نحو 114 طالباً، واصل جميعهم بعد ذلك دراستهم وتعليمهم في أوروبا، عبر البعثات التعليمية التي توافرت لهم.
كيف تؤسس دولة حديثة؟
وبينما يعدّ ميرزا فراهاني أحد حلقات التحديث الإيراني، الذي بدأ منذ العقد الثالث للقرن التاسع عشر، فقد ساعده اطلاعه على الإصلاحات في الدول الخاضعة للاستعمار العثماني، ومعها إصلاحات محمد علي في مصر، ومتابعته لها بشغف، وتحديثه للجيش، أن ينطلق منها لبناء دولة قوية، لها مؤسساتها وأجهزتها الإدارية، لذا وضع تحديث الجيش في مركز أولوياته، ثم تبع ذلك بناء المؤسسات العلمية والتعليمية والطبية، ودعمها بالبعثات التعليمية الأولى، وبذلك يكون وضع أسس النهضة للدولة، بما جاء في تجربة سلفه في مصر نفسها.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
ومثلما راجت الصحافة، وانتشرت بصورة قوية ومؤثرة، في التجربة المصرية، اهتم ميرزا بالصحافة، وإصدار المطبوعات المختلفة، وأسّس "أمير كبير" الجريدة الرسمية لإيران، المعروفة باسم: "روزنامه رسمي إيران"، بيد أنّ تغييرات جرت بعد ذلك، في الاسم والمضمون والشكل الخاص بالجريدة؛ حيث تبدلت إلى "وقايع اتفاقيه"، إلى أن تمّ الاستقرار على اسم "روزنامه دولت عليه إيران"، قدمت تلك الصحيفة العديد من الترجمات المهمة للمقالات العلمية، وكانت تصدر بثلاث لغات؛ الفارسية والعربية والإنجليزية.
أصدر قراراً بإلغاء التطبير المنتشر في مراسم العزاء

غضب رجال الدين
جلبت الإصلاحات التي قام بها أمير كبير، ومحاولاته التحديثية، خاصة في التعليم، خصومة رجال الدين، ونقدهم له ومحاربتهم إياه؛ لما تسببت فيه خطواته التقدمية من تهميش لدورهم، وتقليص لنفوذهم؛ حيث كان يهاجم العديد من الطقوس الدينية المغلوطة، والممارسات التي كان يعدّها بمثابة "خرافات وشعوذة"، إلى أن انتهى به الحال مقتولاً في مدينة كاشان، جنوب طهران، بعد أيام ليست بكثيرة على عزله من منصبه.

من القضايا التي وضع كبير قواعدها بشفافية وانضباط صارمين تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة

وكان من بين الأمور التي سعى لتنفيذها، فيما يتصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير، المنتشر في مراسم العزاء، كما ألغى وزارة "دار الشرع"، والأخيرة كانت تمارس نوعاً من التعسف والاضطهاد على غير المسلمين، بينما أعطى الأقليات الدينية مزيداً من الحقوق المواطنية والمدنية، وألغى اللجوء للأضرحة الدينية، وتصدى للعديد من الجماعات الدينية المتطرفة.
لم تكن محاربته لطبقة رجال الدين، وهيمنتهم على المجتمع وأفراده، هي السبيل الوحيد لتأليب هذه الطبقة ضدّه، الأمر الذي تسبّب في عزله من منصبه واغتياله، بيد أنّ أمير كبير سعى لتقليص نفوذ الأجانب المسيطرين بقوة على الشؤون الداخلية الإيرانية، وعزل العديد من الولاة المتهمين بالفساد والولاء للأجانب، وبالتالي، عمد إلى تنويع العلاقات مع الغرب؛ ليحدّ من نفوذ البريطانيين والروس الذين كانوا يتقاسمون الوضع المحلي الإيراني، وتوجّه إلى أطراف دولية أخرى، من بينها النمسا والولايات المتحدة، وهو ما يوضحه السفير البريطاني لدى طهران، فيليب هوفمن، في رسالة وجهها إلى وزير خارجية بلاده، آنذاك، وقال فيها: "توجهات أمير كبير ضدّ الروس، لا تعني أنّه من المؤيدين لنا، لكنّ هدفه الرئيس تقليص نفوذ الروس والبريطانيين في إيران والعمل على تنفير الناس منا ومن الروس معاً".

للمشاركة:

كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-03

"الربّ وحده يستطيع تنحيتي من العرش"؛ بتلك الكلمات الأخيرة ذيّل الراحل عن عمر ناهز 95 عاماً، روبرت موغابي، مسيرته المتناقضة بين مناضل من أجل التحرر الوطني إلى ديكتاتور انفرد بالسلطة طيلة أربعين عاماً، لا صوت يعلو فوق صوته، حتى تمّت إزاحته عن السلطة، عام 2017، بعد أن تجاوزّ التسعين من عمره.
لكن ما الذي حوّل موغابي من بطل حرَّر بلاده من الاحتلال إلى دكتاتور؟
نظرة على زيمبابوي
زيمبابوي، أو روديسيا الجنوبية، كما سمّاها الاحتلال البريطاني، على اسم سيسيل رودس، المؤسس الفعلي للإمبراطورية البريطانية، والذي يعدّ أحد أهمّ الشخصيّات في التوسع البريطاني في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث حصل على حقوق المعادن عام 1888، ووفق كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"، للمؤرخ العسكري الأمريكي، بايرون فارويل؛ فإنّ سيسيل حصل على حقوق حصرية، وقّعت إثرها الملكة فيكتوريا، عام 1889، ميثاقاً يمنح رودس ثروة معادن جنوب أفريقيا كاملة، فيما استخدمها سيسيل لإرسال مستوطنين بيض إلى الأراضي الأفريقية، وأنشؤوا منظّمة مسلحة من قبل الحكومة الإنجليزية، سمّيت "BSAP"، وقادت حرباً مع السكان الأصليين من السود.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وفي عام 1899؛ تمّ إنشاء المجلس التشريعي مع أقلية من المقاعد المنتخبة، وكان المنوط بها تمرير التدابير الحكومية عن طريق كتلة ممثلة لصالح شركة جنوب أفريقيا البريطانية"BSAC" ، التي أنشأها رودس؛ حيث كانت أغلبية الناخبين من المستوطنين البيض وزادت نسبة المقاعد المنتخبة مع مرور الوقت، وبحلول عام 1918، كانت الغالبية تؤيّد حكم ""BSAC، لكن سرعان ما تغير هذا التأييد مع تطور البلاد وزيادة الاستقرار.

 كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ أصدرت المحاكم البريطانية مرسوماً مفاده أنّ الأراضي التي لا تملكها جهات أو أشخاص ملكية خاصية، تصبح ملكاً للتاج البريطاني، بدلاً منBSAC" "، وكان هذا القرار بمثابة دفعة كبيرة لحملة الحكم الذاتي، واحتفظت ردويسيا الجنوبية بحقّ التصويت للبيض والسود الذين يمتلكون رأس مال لا يقلّ عن 150 جنيه استرليني، أو لديهم دخل سنوي لا يقل عن 100 جنيه إسترليني، ويخضع الناخبون لاختبار اللغة الإنجليزية، وظلّت تلك الشروط حتى عام 1951؛ إذ تمّ رفع المؤهلات المالية، وبسبب طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهر اقتصاد البلاد، وعليه؛ فإنّ الفترة ما بين 1953 و1958، حاولت الحكومة فيها العمل على إصلاحات ليبرالية لزيادة رفاهية السكان السود، خشية التمرد، وذلك عن طريق زيادة فرص تعليم السود، وتقديم السكن والرعاية الصحية، بعد تلك الفترة استمرت الأقلية البيضاء في تحجيم سلطة الأغلبية السوداء، بينما استمر نضال السود لإحباط حكم البيض، حتى تنصيب إيان دوغلاس سميث رئيساً للوزراء، مع استقلال روديسيا غير المشروط من قبل السود، واستمرّ هذا السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد، عام 1980؛ إذ تمكّنت الأغلبية السوداء من حكم زيمبابوي.

استمرّ السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد عام 1980

فارس التحرير الوطني
تبدو شخصية موغابي أكثر تعقيداً بتتبع مسيرته الحياتية، لا سيما بعد توليه السلطة في أعقاب الاستقلال، فالمملكة المتحدة، التي منحته لقب "فارس" تكريماً لنضاله ضدّ الاستعمار، لم تكفّ عن تشويه صورته كديكتاتور أغرق بلاده الواعدة هائلة الثروة، فالصبي الذي نشأ في كنف أمه، بعد أن هجرها والده، وهو لم يتجاوز الثلاثة أعوام، احتضنته المدارس التبشيرية الكاثولوكية، وتفوّق دراسياً، حتى ارتاد جامعة "فورت هير" في جنوب أفريقيا، وبعد التخرّج، تمّ تعيينه معلماً في غانا، ومع قدوم الستينيات، بزخمها في حركات التحرر الوطني، التي اجتذبت موغابي، الذي تلقّى تعليماً جيداً، رحل إلى بلاده عام 1960، ليبدأ عمله السياسي، الذي استهله بالسجن لعشرة أعوام؛ إثر خطاباته التي دعا فيها إلى تدمير المملكة المتحدة، وإنهاء حكمها للبلاد.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة
بعد خروجه من السجن؛ هرب إلى موزمبيق المجاورة، ومن هناك قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"، والذين انشقّوا عن الاتحاد الشعبي الإفريقي لزيمبابوي "زابو"، بقيادة جابوا نكومو، وخاضوا حرباً طويلة ضدّ حكومة إيان سميث، خلّفت 27 ألف قتيل.

قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"

وعام 1979؛ جلب اتفاق لانكستر هاوس، الذي انعقد في لندن، الاستقلال لزيمبابوي، ليعود موغابي إلى وطنه بطلاً متوّجاً، ومعلناً سياسة المصالحة مع البيض، وطلب مساعدتهم في إعادة بناء البلاد، وفي خطابه المشهور بعد الاستقلال، غازلهم بقوله: "إذا حاربتك بالأمس كعدو، فقد أصبحت اليوم صديقاً، وإذا كرهتني بالأمس، فلا يمكنك اليوم تجنّب الحبّ الذي يربطني بك"، وفي بداية حكمه قاد حكومة ائتلافية مع نكومو، لكن سرعان ما أطاحه موغابي، عام 1982، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بحكمه، وعليه فقد تمرّدت قوات نكومو المسلحة، وقادت حرباً أهلية قتل فيها الآلاف من المدنيين، بحسب صحيفة "التايم الأيرلندية"؛ التي نعت نكومو بعد وفاته، عام 1999، واصفة إياه بـ "رجلنا العزيز الكبير"، بينما سحقت قوات موغابي المدربة من كوريا الشمالية تمرد أتباع نكومو، الذين خلّفوا 20 ألف قتيل من المدنيين، في الوقت نفسه؛ قرّر موغابي الاهتمام بالصحة والتعليم، لتصبح زيمبابوي في الثمانينيات من الدول الأفريقية الأكثر صحة، والأفضل تعليماً، في وقت قياسي.

نكومو

الطريق إلى الهاوية
عام 1987؛ عقدت المصالحة بين زانو وزابو، وفي الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، تمّ توقيع اتفاقية الوحدة من قبل الزعيمين، وانضم زابو إلى زانو ليصبح اسمه "زانو بي إف"، وهو ما جعل المعارضة السياسية تتنامى في أيام موغابي، وما جعلها في تصاعد كانت سياسات توزيع الأراضي وتسوية الإرث الاستعماري، الذي بدأها موغابي في التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الصدد تحدث مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، الدكتور أحمد أمل، لـ "حفريات" قائلاً: "لا شكّ في أنّ موغابي كان بطلاً للتحرير، بلا منازع، سوى نكومو، وقد صنع معجزة اقتصادية فيما يخصّ العملية التعليمية والرعاية الصحية التي انتهج فيها نهجاً سوفييتياً بامتياز، لكن بالنظر إلى تسوية الأراضي فقد قاد موغابي حملة عنصرية ضدّ البيض؛ باعتبار أنّ السود صارت لهم اليد العليا، هذه الازدواجية في المعايير خلقت له معارضة تنامت مع زوال الديكتاتوريات المجاوزة في أوغندا، وغيرها من دول الجوار، وتحالفت المعارضة مع بريطانيا في محاولة لإسقاط حكمه، خاصة بعد اتهامه من قبل القوى الدولية؛ بأنّه شيوعي، وذلك لأنّ محرّكه الفعلي للنضال ضدّ الاستعمار كان شيوع الأفكار الماركسية في الستينيات".

صحفية عن موغابي: تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ على الهدايا التي منحت له

ويستطرد قائلاً: "كثيراً ما نفى موغابي ماركسيّته، لكنّ سياساته الإصلاحية كانت تثبتها، وعلى مستوى إعادة توزيع الثروة والأرض؛ فإنّ هذه العملية أطلقت العديد من الأسئلة حول الهوية والجنسية، وكان النقد الموجَّه إلى الرئيس وقتها هو ازدواجية الإمبريالية والتعصب الاستبدادي غير المقبول للمعارضة آنذاك؛ حيث كانت القوات المسلحة درعاً أساسياً لبقائه في السلطة، لكن ما جعل حكمه يتهاوى كان مشروع خلافة زوجته غريس لرئاسة الجمهورية، كان هذا القشّة التي قصمت عرش موغابي إلى الأبد"، وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بعد وفاة موغابي، يستعرض الصحفي الأمريكي ومدير مكتب "الغارديان" بواشنطن مسيرة موغابي الذي قسّمه إلى شخصين، أحدهما بطلاً للتحرير ولأفريقيا برمّتها، أمّا الآخر؛ فهو ديكتاتور غامض وقاسٍ، لكنّه في غاية الذكاء، يعرف الهدف ويصيبه سريعاً، ومن خلال مقابلة أجراها سميث مع وزير مالية موغابي، سيمبا ماكوني، فإنّ موغابي بالنسبة إليه كان موغابي السابق "بطلاً للتحرير"، ثمّ ديكتاتوراً متكالباً على السلطة، واستعرض ماكوني في المقابلة جانباً من شخصية موغابي، قائلاً: "رجل قويّ وغامض، ذكي ومرح، ويحاول بشتى الطرق أن يخفي نقاط ضعفه".

عشاء مع موغابي
في كتابها "عشاء مع موغابي"، تسبر الصحفية الجنوب أفريقية، هيدي هولاند، أغوار الرئيس الغامض، التي سردت سيرة ثلاثين عاماً من حياته، ولا يخلو كتابها من التناقضات التي اتّسمت بها شخصيته؛ ففي بداية الكتاب فصول كاملة تسرد سيرة الرجل المحارب الذي حرر بلاده بروح قتالية نادرة الوجود، وباستكمال السيرة، خاصة مع بداية التسعينيات، نجد أنفسنا أمام شخصية أخرى، غاية في القسوة وحبّ السلطة، الذي دفعه لسحق المعارضة على مرأى ومسمع من العالم، وتصفه بقولها: "رجل تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة، لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ بنعمة على الهدايا التي منحت له من بلاده".

كتاب "عشاء مع موغابي"

بينما تتوازى سيرة موغابي مع مانديلا؛ فإنّ الأخير أجرى مقابلة مع الصحفي الجنوب أفريقي، إليستر سباركس، في مطلع الألفية؛ إذ يصفه مانديلا: "كان النجم، ثم أشرقت الشمس"، ويوضح سباركس الكره الشديد الذي كنّه مانديلا لموغابي الذي كان ينافسه على قيادة أفريقيا، إلّا أنّ مانديلا سرعان ما تنازل عن السلطة قبل أن تشرق عليه الشمس، كما موغابي.
وبحلول عام 2008؛ تمّ تجريد موغابي من لقبه الفخريّ، وتعرض لعقوبات دولية كانت بريطانيا خلفها بلا منازع، بينما ظلّ، حتى نهاية حياته، يردّد جملته الأكثر شهرة: "لن تكون زيمبابوي مستعمرة مرة أخرى".

للمشاركة:

سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني

2019-09-24

سليمان بشير ديان، فيلسوف سنغالي مرموق في العالم، ولد في سانت لويس عام 1955، ودرس في السوربون، على يد لويس ألتوسير وجاك دريدا، كما درس في هارفرد، وتخصص في فلسفة الرياضيات والمنطق، مع اهتمام واسع بالإسلاميات والفلسفة السياسية والآداب الأفريقية وأسئلة الهوية، ويُعدّ أحد أهم سفراء الفلسفة الأفريقية في الولايات المتحدة، وبدرجة أقلّ في الساحة الأوروبية، بمقتضى المركزية الغربية المهيمنة في المجال الثقافي الأوروبي مقارنة مع نظيره الأمريكي.

درس سليمان بشير ديان مفيد لأقلام المنطقة العربية التي تشتغل في الحقل الفلسفي حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة

عام 1982؛ رجع ديان إلى وطنه الأصلي، وقام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار؛ حيث أصبح نائب عميد كلية العلوم الإنسانية، وجاءت ذروة اعتراف السلطات السنغالية بمكان بشير ديان، عندما قام الرئيس السابق عبده ضيوف، بتعيينه مستشاره التعليمي والثقافي؛ حيث شغل المنصب طيلة ستة أعوام، بين 1993 و1999.
وتعرّف القراء العرب إلى بشير ديان خلال العقدين الأخيرين على الخصوص، من خلال الحوارات والمقالات التي تنشر له في منابر بحثية أو إعلامية أوروبية، خاصة المنابر الفرنسية، وما تزال الذاكرة تحتفظ بمضامين أحد الأعداد الخاصة لمجلة "لونوفيل أوبرسرفاتور" (المراقب الجديد) الفرنسية، وصدر في غضون 2004؛ حيث كان بشير ديان من بين أهم 25 مفكراً عالمياً.
قام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار

النزعة الثقافية الغربية
صحيح أنّه لا يمكن الفصل في طبيعة أهم حكماء العالم حينها واليوم، إضافة إلى أنّ الحكمة هنا مرهونة بطبيعة مرجعية مُعدّي مثل هذه الملفات، دون الحديث عن النزعة الثقافية الغربية في إصدار هذه الأحكام والمواقف، عبر هذه الملفات، ومع ذلك، كان اسم الرجل حاضراً، وهذا أمر ليس هيناً قط، أخذاً بعين الاعتبار المُحددات سالفة الذكر.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان.. الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام
رغم أنّ سليمان بشير ديان يُطالب فرنسا دوماً بأن تعترف صراحة بتاريخها الاستعماري؛ فإنّه حاضر بين الفينة والأخرى في المنابر الفكرية هناك، خاصة في مجلة "فلسفة" و"المجلة الأدبية"، ولكن؛ لأنّه يرى أنّ دول جنوب الصحراء أكثر تقدماً من الناحية الديمقراطية من الدول العربية، فإنّ حضوره متواضع في المشهد الفكري العربي؛ حيث إنّنا نادراً ما نعاين حضوره في بعض ملتقيات المنطقة، باستثناء انفتاح المؤسسات المغاربية عليه خلال الأعوام الأخيرة؛ حيث شارك مؤخراً في بعض المؤتمرات التي نظمت بالمغرب، منها مشاركته في ندوة احتضنها "صالون جدل" بالرباط، في 20 أيار (مايو) 2015، أو مشاركته في أشغال منتدى "سانت لويس"، الذي احتضنته مدينة الصويرة، في 2 و3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، والحديث عن مدينة تلقب بعاصمة التسامح في شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
من أقواله الشهيرة: "من الخطأ الاعتقاد أنّ الفلسفة اختراع أوروبي أوجدته المعجزة اليونانية، وبيان ذلك؛ أنّ الممارسة الفلسفية غُرست في جسد الإنسان انطلاقاً من اللحظة التي دفن فيها موتاه، وتساءل حول معنى الحياة، وزيّن الأضرحة بالأعمال الفنية، ثم إنّ جميع الثقافات، بما فيها الثقافات الشفوية، لها حظها من هذه القدرة الفلسفية الخالصة، والتي تخولها اتخاذ المسافة من تراثها وإخضاعه للنقد".
انتقل إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي

موضوع الشكّ عند الغزالي
يُعدّ ديان من أعضاء الجيل الأخير الذي درس على يد كبار الفلاسفة الفرنسيين، وإن كان افتتح أعماله البحثية بالاشتغال على موضوع الشكّ عند الغزالي، فقد انتقل لاحقاً إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي، قبل صدور كتابه "التفلسف الإسلامي" الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وتُرجم، وما يزال، لعدد من اللغات؛ حيث خلُص البروفيسور في جامعة كولومبيا الأمريكية، إلى أنّ "الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام، وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها، ولا عن أي دين بعينه"، متوقفاً في مقدمة الكتاب عند عالميّة الفلسفة وأهميتها، لمواصلة الكفاح من أجل تنوير التعليم ضدّ روح الانغلاق والتعصب الديني الذي يؤدي إليه، مضيفاً أيضاً أنّ "الفكر النقدي يقع في صميم النصوص القرآنية، التي تدعو إلى التأمّل؛ حيث إنّ النص القرآني، في كثير من الأحيان، يشير إلى أنّ بعض مقاطعه غير بيّنة وجليّة بتاتاً، بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون الالتزام بمضمونها الحرفي، وبأنّها تحضّ على التفكّر، كلَّ أولئك الذين يعرفون كيف يتفكّرون".

 تقاطعت بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
وهذا رأي يُفسر تقاطع بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون؛ حيث يؤكد ديان أنّ دخول روح الانغلاق على المدونة الفقهية الإسلامية، تمّ منذ بداية الإسلام، موازاة مع دخول روح الانفتاح، بما يُفسر تلك المعارك الفكرية والسياسية والدينية التاريخية لتحقيق المصالحة بين الإيمان‏‏ والعقل، أو بين الدين‏‏ والفلسفة، وبالتالي، فنحن نخوض معركة مستمرة منذ أكثر من ألف عام؛ إنّها معركة المعارك، وهل هناك دول عربية إسلامية حققت تقدماً نوعياً في هذه المعارك الحضارية؟ لا توجد إجابات مفصلية عند بشر ديان، لكنّه يُقر، في آن، بأنّ هناك بعض الدول العربية التي طرقت باب النهضة والإسلام العقلاني المستنير، وخصّ بالذكر تونس والمغرب ومصر والإمارات والأردن، ومن القواسم المشتركة بين هذه الدول؛ أنّها أخذت مسافة نهائية من التيار الديني الحرفي الذي حاول التأثير على مخيال شعوب المنطقة طيلة العقود الماضية، وليس صدفة أنّ هذا التيار يكره التصوف كرهاً شديداً، وليس صدفة أيضاً؛ أنّ التيار ذاته، أعلن الحرب على التصوف، وعلى الفلسفة أيضاً؛ لأنّهما -في رأيه- مجرد زندقة تُبعد عن الدين.
بشير ديان إلى العربية
بخصوص اشتغاله على محمد إقبال، وجبت الإشارة إلى المبادرة التي قام بها الباحث والمترجم فريد الزاهي، والذي أصدر مؤخراً عن دار "توبقال" المغربية، عملاً مترجماً لبشير ديان، بعنوان "برغسون ما بعد الكولونيالي: الفلسفة الحيوية لدى ليبورلد سيدار سنغور ومحمد إقبال" (جاء الكتاب في 87 صفحة).

ديان: الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها ولا عن أي دين بعينه

أصل هذا الاشتغال المزدوج على أعمال برغسون وإقبال، مردّه محادثة بين هنري برغسون (1859-1941)، ومحمد إقبال (1877-1938)؛ فابتداءً من هذا اللقاء ولِد التفكير في الوقت؛ حيث يتوقف ديان عند عدة قواسم مشتركة بين الرجليْن، ومنها؛ طبيعة اشتغالهما على سؤال الأخلاق، ففي كتابه "مصدرا الدين والأخلاق"، يُفرّق برغسون بين الأخلاق المفتوحة، والأخلاق المنغلقة، وبين الدين الحيوي، والدين الساكن والجامد، واعتماداً على هذا هو يفرّق بين نموذجين من المجتمع، واتضح أنّ محمد إقبال لم يختلف كثيراً عن هنري برغسون في هذا المجال، فبالنسبة إليه؛ المتصوف ليس ذاك الذي يغرق في التأمل مهملاً العالم من حوله، وليس ذاك الذي يتحصّن في برجه العاجي ليذوب ذوباناً كلياً في حبّ الله، وعجائب الكون، وإنما هو ذاك الذي يشعر بمسؤولية إزاء مجتمع أصابه التفسخ، ونخره الفساد، وهيمن عليه الاستبداد، لينتفي كلّ شكل من أشكال الحرية، سواء كانت فردية أم جماعية.

 الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
ومحمد إقبال، للتذكير، شاعر ومفكر هندي، توفّي في 1938، ويُعدّ "الأب الروحي" لباكستان، واشتهر بالدعوة إلى إعادة بناء الفكر الديني الإسلامي، عبر تأسيس علم كوني غير ثابت بل دينامي: "العالم الذي خلقه الله تُرك دون إتمام، وعلى الإنسان أن يتم الخلق"، ومن مؤشرات المحافظة الدينية التي أصابت المنطقة العربية والعالم الإسلامي، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، نقرأ هذه الإشارة التي جاءت في أحدث أعمال عبد الله العروي؛ أي في كتابه "نقد المفاهيم"؛ حيث رأى أنّه لو أعيد اليوم نشر ما صدر عن محمد إقبال منذ حوالي قرن من الزمان، بحضور إقبال نفسه، لكان تفاعل الرأي العام الباكستاني مختلفاً اليوم، هذا إن لم يصل الأمر إلى المطالبة بمحاكمته.
تجديد الخطاب الديني
وما دام موضوع تجديد الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان، أو قل تحديث الخطاب الإسلامي، يرى ديان؛ أنّ العودة إلى فكر محمد إقبال ضرورية لتحقيق مثل هذا الهدف، وبيان ذلك؛ أنّ الاجتهاد عند إقبال يكاد يكون له معنى برغسوني؛ أي معنى الخلق والابتكار من أجل التجديد ومن أجل الحيوية والديناميكية.
درس سليمان بشير ديان مفيد كثيراً لأقلام المنطقة العربية، خاصّة الأقلام التي تشتغل في الحقل الفلسفي، حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة التي انخرطت فيها بمقتضى الدفاع عن هذا الاسم أو غيره، والانفتاح على آفاق إنسانية رحبة، ما دام بشير ديان، ينتصر لخطاب معرفي وأخلاقي يروم الوصل بين الشرق والغرب، ويُغذي أفق المشترك الإنساني، إضافة إلى تميزه بأخلاق التواضع والسماحة.

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية