فرقة بانوراما البرشا لمسرح الشارع: العلاج النفسي بالدراما

1588
عدد القراءات

2018-12-04

أحبت يوستينا سمير المسرح مُنذ طفولتها، وكلَّلت تلك المحبة بالتحاقها بمسرح الكنيسة في مدينتها بمحافظة المنيا، ثم انتقلت بعد بضعة أعوام إلى مسرح خاص في مدينتها، تدربت فيه على مسرح الشارع لمدة عام، ثم قررت بعد تلك الرحلة أن تواجه مساوئ مجتمعها المحافظ بالمسرح.
مسرح الشارع

اقرأ أيضاً: فرقة العاشقين: العائلة التي حكت قصة الوطن والنضال في أغانيها

أسست يوستينا أول فريق لمسرح الشارع بمحافظه المنيا، بعد أحداث "الربيع العربي" 2011، لمناقشة قضايا المرأة والطفل في قريتها، تشرح يوستينا سبب اختيارها للمسرح كوسيلة للمقاومة: "اخترت المسرح لأنه فن بسيط، يصل للناس بسهولة، إلى جانب أنّ الأهالي في القرى يحبون المسرح.

أسست يوستينا أول فريق لمسرح الشارع بمحافظه المنيا بعد أحداث الربيع العربي 2011، لمناقشة قضايا المرأة والطفل في قريتها

مسرح الشارع، من التجارب الفنية التي انتشرت في مصر بداية التسعينيات من القرن العشرين؛ لمواجهة عجز الامكانات، وأيضاً غياب الجمهور عن المسرح، فكان الانتقال بالعروض إلى الشارع تخطياً للصورة التقليدية للمسرح في ذلك الوقت، وهي نفس الأسباب التي دفعت يوستينا لتقديم عروضها المسرحية في شوارع قريتها، وعن ذلك تحكي يوستينا في تصريح لـ "حفريات": "في فريق بانوراما البرشا كان حلمنا أن يكون غير مقيد بأي سلطة، وأن يصل للناس بسهولة،  وخاصةً أنّ أهل القرى بسطاء، وصعب اقناعهم بدفع ثمن تذكرة، وحضور عرض؛ بسبب الظروف المعيشية، لكن من السهل أن نذهب نحن إليهم".

تسرد يوستينا إحدى الجمل التي علقت في ذهنها لفتاة من إحدى عروض مسرح الشارع:"أنا نفسي أحب وأتحب، بس إزاي وأنا في قرية بتمنعني من كده وتحرمني من أبسط حقوقي، هتحاكموا مين؟، حاكموا القرية اللي أنا فيها" تقول يوستينيا:"دايما بفتكر الجملة دي؛ اتقالت في عرض "محاكمة القرية"، كان عرض عن مشاكل الفتيات بطريقة صريحة ومختلفة، وده كان بداية تفكيرنا في مسرح الشارع اللي اخترنا من خلاله نتكلم عن قضايا صعب إننا نتكلم عنها في القرية".

فريق البرشا فى أحد العروض

فرقة بانوراما البرشا

البرشا، قرية تقع على أطراف جبال صحراوية، في شمال محافظة المنيا، تعداد سكانها تجاوز 26 ألف شخص، وفي منزل بسيط داخل القرية، في الطابق الثاني منه، غرفة صغيرة، هي مقر تدريبات الفرقة، التي تجاوز عدد أعضائها منذ تأسيسها عام 2011  مائة عضو، 50% منهم أعمارهم أقل من 13 عاماً.

مسرح الشارع من التجارب الفنية التي انتشرت في مصر بداية التسعينيات لمواجهة عجز الامكانات وأيضا غياب الجمهور عن المسرح

فرقة مسرح بانوراما البرشا ليست مجرد فرقة مسرحية، لكنها سبيل فتيات وشباب القرية لأن يغيروا من ذواتهم إلى الأفضل، ربما أصبح علاجاً؛ في الطب النفسي يستخدم المسرح كعلاج أو ما يطلق عليه السايكو دراما، وهو مصطلح يطلق على نوع من أنواع العلاج النفسي، الذي يجمع بين الدراما كنوع من أنواع الفنون وعلم النفس، تقوم على مساعدة الشخص أن يخرج مشاعره وانفعالاته خلال أداء أدوار تمثيلية لها علاقة بالمواقف التي يعايشها حاضراً، أو عايشها في الماضي، أو من الممكن أن يعايشها في المستقبل. ربما لا يتعامل أطفال قرية البرشا مع فرقتهم بهذا المعنى، هم فقط يحبون المسرح كوسيلة للفضفضة، وتساعدهم فى العروض بالتدريب يوستينا سمير كوسيلة لمناقشة قضايا مجتمعية تهم القرية بطريقة غير مكلفة، لكن السايكو دراما في طبيعتها تستخدم لعلاج الصدمات العاطفية للأطفال الذين تعرضوا للعنف أو لمواقف شبيهة. فالهدف من السايكودراما هو إيجاد حلول للمشاكل عن طريق مساعدة الشخص في فهم مشاعره عبر تجسيد الواقع بشكل تمثيلي في محاولة  لإخراج الشخص من عزلته النفسية.

اقرأ أيضاً: متى تخرج الأعمال الفنية من صندوق الصور السطحية للمتدينين؟

عقبات كثيرة واجهتها يوستينا في بداية مشروعها؛ فـ "أهل القرية لم يتقبلوا الفكرة في البداية، لكن بعد فترة من العمل بدأوا بتقبلها". لكنّ "المضايقات كانت كتيرة، وبطرق مختلفة، منها إبعاد الفتيات عن الفريق، والتحرش بالممثلين، والسخرية بجميع أشكالها". وعن العقبات المادية فقد كان من السهل تجاوزها عن طريق التشبيك مع المشاريع الثقافية المختلفة مستغلين اقتصاديات المشاركة كدعم لمشروعهم.

عرض لفريق البرشا

مسرح بانوراما البرشا يتميز بوجوده داخل قرى المنيا. وعن سر اختيار القرية مسرحاً للعمل تقول يوستينا:"اخترنا القرى باعتبارها أكثر الأماكن المهمشة، وصاحبة المشاكل الأكثر، إلى جانب حرمان أهلها من ألوان الترفيه على العكس من المدن أو العاصمة".

تجربة فنية ملهمة

محمد عبد الفتاح ممثل وقاص ومخرج مسرحي مصري، ولد في عام 1980، كما شارك كممثل في عدد من الأفلام، منها: (عين شمس، رسائل البحر، الشتا اللي فات، ديكور).

يوستينا سمير مدربة الفرقة فى يمين الصورة

أسس فرقة حالة المسرحية بعد تخرجه في الجامعة، والتي قدمت عروضها في الشارع، بعد نجاح عرضها الأول، بدأت الفرقة تقديم عروضها لعرض أفكارها حول قضايا ومشاكل المجتمع المصري من خلال عروض مسرحية، يتفاعل معها وتكون بمثابة نقطه ضوء جديدة في المشهد الفني في مصر.

اقرأ أيضاً: فانوس المسرح ينطفئ: نادر عمران أسعدَ الناس ورحل وحيداً

ومن ضمن الورش التدريبية التي قدمها عبد الفتاح كانت ورشة لتدريب فرقة مسرح بانوراما البرشا، وعن تلك التجربة يقول عبد الفتاح لـ"حفريات": "في محافظة المنيا دائماً ما تكون التجارب الفنية ملهمة لتجارب جديدة، وأعتقد أنّ الجيزويت في المنيا لها دور كبير في ذلك، لما تقدمه من دعم فني لجميع المشاريع الثقافية". مضيفاً:"مسرح بانورما البرشا قد يكون إطار عمله محدوداً لتمركزه في بعض قرى المنيا، غير أنّ تأثيره مهم جداً".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح الطفل نواف أيقونة الحرب السورية؟

2019-07-17

يستلهم الأدب عادة الواقع الذي نعيشه، ليبدأ في سرده وتوثيقه، كمحاولة لفهم ما الذي حدث، وأيضاً حتى تعرف الأجيال المقبلة ما حدث، من هذا الأدب ما يعرف بـ "أدب الحرب"، تلك الكتابات التي خرجت من رحم المعارك والحروب، تحكي عن الناس والحياة والأماكن في ظلّ تلك المواجهات، من تلك الروايات رواية "نواف – حكاية طفل سوري"، الصادرة مؤخراً في القاهرة، عن مركز القاهرة للدراسات الكردية، من تأليف الكاتب والصحفي اللبناني، فادي عاكوم.

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية عبر أكثر من مكان

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية، عبر أكثر من مكان، بدأت الرحلة برغبة الأب في التوجه من دمشق، مقرّ إقامته، إلى مدينة الرقة؛ ليزور عائلته، لكنّه في الطريق فوجئ بالعديد من الحواجز الأمنية التي تستوقفهم، وتسأل بصرامة شديدة عن وجهتهم، ما دفعهم لقضاء العديد من الساعات الطويلة في الطريق، بسبب تلك الحواجز، ليكتشف الأب أثناء الطريق أنّ مواجهات ومناوشات مسلحة تحدث الآن بين النظام الحاكم وتنظيم داعش، إلى جوار العديد من التنظيمات المسلحة الأخرى.
يستطيع الأب أن ينهي رحلته إلى الرقة، لكن بعد العديد من العقبات والمصاعب، التي انتهت بوفاة والدته، السيدة المريضة التي لم تتحمل أهوال الرحلة فماتت في الطريق، وعندما وصلت الأسرة إلى الرقة تحولت زيارتهم العائلية إلى مأتم، بدفن الأم والصلاة عليها.
رواية "نواف – حكاية طفل سوري"

نواف... بطل الرحلة
بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي؛ هو الطفل نواف، صاحب العشرة أعوام، ذلك الطفل الذي كبر عمره يوماً بعد يوم؛ من هول ما شاهده، فطفل في ذلك العمر، رأى وفاة جدته، وشاهد مواجهات مسلحة، بين العديد من التنظيمات المقاتلة، من المؤكد أنّه لن يظلّ طفلاً صغيراً، وزاد من تلك العقبات قرار الأب بالعودة إلى دمشق منفرداً؛ كي يحضر المال اللازم الذي سيساعدهم على الفرار من سوريا نهائياً، عاد الأب إلى دمشق في سرية تامة، ولم يخبر سوى الابن، نواف؛ لأنّه توسم فيه رجلاً كبيراً عركته الحياة بعدما شاهده في رحلته من دمشق إلى الرقة، وفور خروج الأب من الرقة أحكم تنظيم داعش سيطرته على المدينة، وأعلنها ولاية تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام.

اقرأ أيضاً: "أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية
الرواية تضمّ جانباً تسجيلياً وتوثيقياً لما اقترفه تنظيم داعش في الأماكن التي أحكم سيطرته عليها، وكيف أنّه طبق أحكام الشريعة فيما يخص الحدود على الفور بمجرد سيطرته على الرقة، وتحريمه العديد من ملذات الحياة؛ بدعوى أنّها من المحرمات التي تضعف القلوب، وتشير أيضاً إلى الأفكار شديدة التطرف التي تمتع بها تنظيم داعش، وكيف أنّ الدواعش لم يكونوا متهاونين أبداً في أيّ ردّ فعل على أيّ تجاوز من سكان المدينة، بعواقب قد تصل إلى حدّ الإعدام.
الكاتب والصحفي اللبناني فادي عاكوم

سوريا في ظل حكم التنظيم
بعد سفر والد نواف إلى دمشق من أجل إحضار المال، قرر العودة سريعاً إلى الرقة، لاصطحاب الأسرة في رحلة جديدة، لكنها خارج سوريا بالكامل هذه المرة، غير أنّه قبض عليه على مشارف الرقة، وللصدفة عثر رجال التنظيم على علبة سجائر وبعض الأموال في حوزته، فظنوه عميلاً للنظام الحاكم في سوريا، ليقرروا صلبه وسط المدينة ليشاهد الناس عقوبة من يتعاون مع النظام الحاكم.

بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي هو الطفل نوف الذي كبر عمره من هول ما شاهد

قتل والد نواف أمام عيني طفله، الذي لم يصبح صغيراً، وظلّ معلقاً لأيام ثلاثة على صليب خشبي كي يشاهده الناس، ثم أفرج التنظيم عن جثته كي تدفنها الأسرة، بشرط ألا يصلوا عليه؛ لأنّه كافر ملحد، من وجهة نظرهم.
استقبلت الأم الخبر بقلب حزين، وعقل قرر استكمال ما بدأه الأب، فالرجل الذي دفع حياته ثمناً لنجاة أسرته يجب أن يتحقق حلمه حتى بعد الوفاة، هنا تبدأ الأم رحلة جديدة للهرب من سوريا بصحبة طفليها، وفي تلك الرحلة يرصد المؤلف الأوضاع السورية في ظلّ الحرب، وكيف انتشر سماسرة تهريب الأشخاص من الداخل السوري إلى أوروبا، وكيف أنّ تنظيم داعش نفسه كان يغضّ الطرف عن عمليات التهريب تلك في مقابل الأموال التي يحصل عليها من المهربين.

 الحدود التركية السورية

على حدود تركيا
وصلت الأسرة إلى الحدود التركية، غير أنّ المهرب قد خدعهم عندما أخبرهم أنّ حرس الحدود التركي لن يتعرض لهم؛ بعد أن وجدوا أنفسهم تحت النيران التركية، التي حصدت أرواحهم، ومع بداية الضرب سقطت والدة نواف قتيلة، الدهشة التي عاشها نواف، ذو العاشرة، أفقدته توازنه، ثم ما لبثت سريعاً أن أضافت إلى عمره العديد من الأعوام، التي أهّلته لأن يكون رجلاً يحكم التصرف، فقام بمساعدة البعض بدفن أمه، ثم قرر أن يكمل الرحلة بمصاحبة أخيه، آخر من تبقى من العائلة، الرحلة التي بدأها الأب، وحاولت جاهدة أن تنهيها الأم، رحلة الوقوع تحت أسر مشهد الحرب السورية، التي حصدت أرواح الجميع دون أن تفرق، مشهد تنظيم الدولة الإسلامية الذي أحضر أفكاراً انتهت منذ مئات السنين، كي يطبقها اليوم في العصر الحديث.

أيقونة الحرب السورية
يقرر نواف أن يكمل الرحلة، بعد أن صار رجلاً، مصطحباً أخاه الصغير، غير أنّه ونتيجة انتقاله فقد أخاه الصغير أيضاً برصاص التنظيمات المقاتلة، وفي تلك اللحظة أصبحت الحياة غير مفهومة بالنسبة إلى الطفل نواف، فقد الجميع، والده، ووالدته، وأخاه، ومن قبلهم جميعاً جدته، ولم يتبقَّ سوى نواف، وحيداً في ذلك العالم الذي لا يرحم.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون.. والثورة السورية
نواف نستطيع أن نعتبره أيقونة الحرب السورية التي صنعها الراوي بامتياز، سارداً في خلفية الرحلة مصاعب الحياة التي خلفتها الحرب، وكيف أنّ الجميع انقسم على نفسه لتمتلئ سوريا بالتنظيمات العديدة المتناحرة، وكيف أنّ شمل العائلة قد تمزق، كما تمزق الوطن، وكيف أنّ جميع الأحباء رحلوا، ليتركوا الطفل نواف وحيداً في ذلك العالم، ليقرر الطفل مواجهة ذلك العالم بقلب غير واهن، وعقل زادته المحنة أعواماً على أعوامه الحقيقية.

للمشاركة:

لماذا يعتبر المثقفون أغنية التكنو شعبي سرطاناً فنياً؟

2019-07-10

انشغل الشارع العام المصري، بصراع نشأ بين اثنين من مؤدي أغانٍ تُعرف بـ "المهرجان"، صراع هاجمه المثقفون، باعتبار أنّ طرفيه أشبه بتجار المخدرات، كما زعموا، غير أنّ سؤالاً طرح نفسه، حول ملايين المتابعين لتلك النوعية من الغناء!

إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة عندما قدّم المطرب الشعبي جمال السبكي أغنية "هنروح المولد"

انتشرت أغنية المهرجان، أو أغاني التكنو شعبي، في مصر، عقب أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وأصبح صخبها هو المسيطر، على مدار الأعوام العشرة الأخيرة، وظلّ أيّ مثقف محبّ للغناء الكلاسيكي عدوّاً لأغنية المهرجان، بيد أنّ صنّاع تلك النوعية من الغناء تمددت سيطرتهم لتخرج ألحانهم بعيداً عن أسوار القرى الفقيرة التي احتضنت حفلاتهم في البداية، لتقتحم مناطق الأثرياء.
التطور السريع الحاصل لأغنية التكنو شعبي سببه الرئيس محاولة سكان القرى والأحياء الشعبية خلق بديلٍ لأفراحهم، أكثر بهجة، وأقلّ تكلفة.
إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة؛ عندما قدم المطرب الشعبي، جمال السبكي، أغنية "هنروح المولد"، على أنغام موسيقى السمر، بمصاحبة الأورج الكهربائي، وهي موسيقى شعبية انتشرت في أفراح المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة.

أصبح صخبها هو المسيطر على مدار الأعوام العشرة الأخيرة
صاحب انتشار تلك الأغاني الشعبية آلة الـ "دي جي"، في أفراح الريف والأماكن الفقيرة.
و"دي جي"، اختصار لكلمة "دِيْسْكْ جُوكِيْ"(Disc Jockey)، ويقصد بها مقدّم الأغاني المسجلة؛ أي الشخص الذي يتولى اختيار وتقديم الأغاني والألحان المسجلة مسبقاً للجمهور.

اقرأ أيضاً: هذا ما تفعله الموسيقى الحزينة بمرضى الاكتئاب
تحوّل صاحب الـ "دي جي" إلى دور الـ "نبطشي" الذي يشجع الجمهور، لكن هذه المرة لمشاركة الشباب الرقص وإضفاء حالة من البهجة أثناء الغناء، يصدر بعض الجمل التشجيعية بمصاحبة موسيقى السمر التي تلاعب فيها باستخدام برامج الريمكسات، لتصبح أقرب إلى الموسيقى الصاخبة التي اشتهرت بها موسيقى الهيب هوب، والروك، والراب، والميتال.
الحديث عن تطور أغاني الأماكن الشعبية في مصر يجب أن يسبقه الحديث عن أغانٍ قريبة الشبه، ظهرت في أمريكا قبل ثمانية عقود.
الموسيقى الشعبية الأمريكية
انتشرت موسيقى "الهيل بيلي"، أو الموسيقى الريفية، في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وكان أغلب الموسيقين عمالاً في مصانع النسيج أو مناجم الفحم، ومزارعين وعمالاً في السكة الحديدية، ورعاة بقر، ونجارين، وسائقي عربات شحن، وعمالاً عاديين، وحلاقين.

اقرأ أيضاً: مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق
أيضاً كان للزنوج في أمريكا أغانيهم الشعبية، والتي تسمى "البلوز"، وهي أغانٍ خاصة بالريف والأماكن الفقيرة يغنيها أصحابها ليرقصوا عليها، ويحترفها عمال وفلاحون.
في الأربعينيات بدأت ملامح موسيقى شعبية أخرى تظهر في أمريكا، عبارة عن مزيج بين موسيقى "الهيل بيلي" التي يغنيها فقراء البيض، وموسيقى "البلوز" التي يغنيها فقراء السود في أمريكا، أطلق عليها موسيقى "الروك"، موسيقى تعتمد على ثلاث آلات رئيسة: الجيتار الكهربائي، والبيس جيتار، والدرامز.

الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"
عام 1970؛ ظهرت موسيقى الـ "هيب هوب"، التي اعتُبرت حركة ثقافية للأمريكيين الأفارقة، والتي نشأت ردّ فعل لما تعرضوا له من العنصرية، ولإظهار ثقافة وفنّ مستقلّ خاصّ بهم، وكنوع من التعبير عن أنفسهم، وعن المشاكل؛ من الفقر، والبطالة، والعنصرية، والظلم.

صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة

وكان ضمن فوائد تطوير ثقافة الـ "هيب هوب" إشغال الشباب السود في أمريكا في الرقص والغناء، بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات.
الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"، والتي كانت في بدايتها عبارة عن شخص يصعد إلى المسرح ليصدر عبارات تشجيعية للجمهور أثناء العزف، ثم تطورت إلى أغنية الراب بشكلها الحالي، صاحب الهيب هوب أيضاً رسم "الجرافيتي" على الجدران، العلاقة بين الكتابة على الجدران وثقافة الهيب هوب نشأت حين كان أوائل فناني الكتابة على الجدران عناصر في فرق الهيب هوب، والتي كانت في مناطق فيها عناصر أخرى من الهيب هوب، فأصبحت كلّ مجموعه تطور أشكالها الفنية، وكانت الكتابة على الجدران تستخدم كنوع من التعبير من قبل النشطاء السياسيين، وصاحب الهيب هوب رقص البريك دانس، كلّ ذلك إلى جانب  الـ "دي جي"، ومعظم هذه الأغنيات الشعبية كانت تهاجَم في أمريكا؛ باعتبارها تدعو إلى العنف والفاحشة لكن ما حدث بعد أعوام؛ أنّها أصبحت الأشهر في العالم.
التكنو شعبي
صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة، ورغم إعجاب المجتمع المصري بأغاني الراب في الغرب، أو أغاني الراي في شمال إفريقيا، إلا أنّ هجوماً شرساً يقوده المثقفون، يقع في الغالب على أغنية التكنو شعبي المصرية.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
ورغم أنّ ظهور أغنية التكنو شعبي في القاهرة بدأت ملامحه عام 2009، غير أنّ انتشارها الكبير حدث بعد أحداث الربيع العربي، وتبنَّت بعض فرق المهرجانات إصدار أغنيات سياسية لرصد المشهد العام، كان أشهرها مهرجان قدمه السادات وفيفتي، بعنوان "أنا نفسي بس في رئيس"، لدعم مرشّح اليسار المصري في الانتخابات الرئاسية عام 2012.
وأصبح الخطّ السياسي، إلى جانب انتقاد الأوضاع الاجتماعية، محطّ اهتمام فرقة السادات وفيفتي، إلى جانب رصد الوضع الاجتماعي العام، وهو محلّ اهتمام أغنية التكنو شعبي في العام، ربما كان ذلك من أسباب زيادة جمهورهم في ظلّ أوضاع سياسية متأججة منذ أعوام.

 

انحطاط الذوق العام
أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، زين نصار، يرى أنّ "أغاني المهرجان نوع من السرطان الغنائي"، ويوضح في تصريح لـ "حفريات": "أغاني المهرجانات شديدة الضرر بالناس والمجتمع، وتضرّ بالذوق العام، إلى جانب استخدامها ألفاظ منحطة".
من جانب آخر، يرفض مؤسس باند "ملكوت"، العازف شادي رباب فكرة الذوق الفاسد، ويقول لـ "حفريات": المجال عبارة عن ساحة، ومن يستطيع الحصول على محبة الجمهور فأهلاً به"، ويستكمل رباب: "أوكا وأورتيجا، مثلاً، حصل مشروعهما الغنائي على جائزة عالمية في الموسيقى، باعتبار أنّهما مؤسسا ذلك النوع من الموسيقى الجديدة التي لم تكن معروفة".

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
في سياق مختلف، يتساءل أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، الشاعر شوكت المصري، عن ظاهرة أغنية المهرجان: "هل صعود أغنية المهرجان بدأ كردّ فعل على سيطرة رؤوس الأموال على الإنتاج الفني في أعوام ما بعد التسعينيات وحتى قيام أحداث يناير؟".
ويضيف المصري: "نجاح أغنية المهرجان في اجتذاب أعداد كبيرة من الجمهور يرجع إلى عدة أسباب، منها عدم وجود دعم فنّي حقيقي، والتقصير في الدعاية والتسويق للمنتج المتميز، وسيطرة شركات الإنتاج".

للمشاركة:

في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين

2019-07-08

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد، فهو المدرس والكاتب والمفكر والمسؤول السياسي المناضلُ والعاشق، لذا فإن ذكرى اغتياله السابعة والأربعين التي تحل اليوم، تظل رمزيةً؛ لأنها لم تستطع إنهاء حياة الفلسطيني الأول في مسيرة أدب المقاومة.

اقرأ أيضاً: غسان كنفاني: رواية لم تكتمل
سيرة غسان حافلة بمثل ما هي سيرةٌ فلسطين، حيث الحب والوطن والحياة والموت، بللت جميعها قلمه ليكتب بحبرٍ امتزج بمشاعر وأفكار الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع بحق قضيةٍ لا تموت، يدافع عنها صاحب المقولة الشهيرة "شيء مضحك أن يضع الإنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة، ثم تبقى المسافة بينه وبين إنسانيته معطلة تماماً".

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد

الطريق الوعر
بالكاد وُجدَ في هذه الحياة يوم التاسع من نيسان (إبريل) 1936، حيث كاد يموت مختنقاً أثناء ولادة أمه له. لكن غسان المولود في عكا؛ نجا مؤقتاً، ليختبر ألم الوجود لاحقاً. فالطفل الذي ما إن كبر حتى دخل مدرسة (الفرير) في مدينة يافا الفلسطينية، ما لبث أن خرج منها بعد سنواتٍ قليلة على دراسته الابتدائية، حيث أسهم "قرار تقسيم فلسطين، واعتداءات الصهاينة على مدينة يافا، ومن ثم عكا في 1947 ولاحقاً في 1948" إلى تهجير عائلة غسان مع عائلاتٍ فلسطينيةٍ عديدة نحو لبنان أولاً، ومن ثم إلى سوريا، وفقاً لكتاب "اليوميات: مختارات من دفتر غسان كنفاني" الصادرة عن دار "راية" في 2018.

كتب كنفاني القصة القصيرة لأنه كان يعرف مصير الحكايات التي لا نكتبها: إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا

هكذا، بدأ كنفاني طريقه وعراً؛ لأنه منذ البدايةِ أبعده عن الوطن، لاجئاً، وربما مشرداً، وباحثاً مع عائلته عن حياةٍ أخرى مؤقتة، فغالباً ما بحث الفلسطينيون في بداية الاحتلال الصهيوني عن حيواتٍ لا تدوم بعيداً عن الوطن. وبالفعل لم يبتعد غسان في دمشق عن فلسطين، فبعد إنهائه دراسته الثانوية هناك، ومن ثم مرحلة الدراسة الجامعية، حيث درس اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق، كان بحلول العام 1955 منضماً إلى "حركة القوميين العرب" وذلك بعيْد انتقاله للتدريس في دولة الكويت، إذ كان في ذلك الوقت قارئاً نهماً يمهل الكتابة إلى حين. لكن لم تطل به المدة حتى بدأ عمله في "صحيفة الحرية كمحرر، ثم انتقل إلى صحيفة (المحرر) ليصبح كاتب مقالاتٍ تلفت الانتباه، بعد ذلك، اختار غسان طريق القصة القصيرة، فكتب في الكويت أولى قصصه: القميص المسروق". بحسب الموقع الرسمي لكنفاني على شبكة الإنترنت.
سيرة الشجر والفكرة والناس
شهرته ككاتبٍ رافقته منذ البداية، فأخذ يكتب قصصه تباعاً، ورغم أنّه لم يستلهم شيئاً خارج إطار فلسطين، إلا أنّه كان، برأي العديدين، أول كاتبٍ فلسطيني، ومن أوائل الكتاب العرب، الذين جعلوا من قضاياهم وحقوقهم مسألةً عالميةً في الأدب، بعيداً عن الخطابة والالتزام السطحي، فتشهد قصصه "سيرة الشجر والمدينة والقرية والفكرة والناس على مختلف طبقاتهم الاجتماعية وثقافتهم، كما أنه يتعامل مع الإنسان زمنياً في مختلف مراحله، ولا يسقط الوعي إسقاطاً، كنفاني يتعامل مع الوعي الذي يعطيه إياه الإنسان ويمنحه إياه الزمان والمكان والأم البسيطة والرجل المثقف، والخائن القذر، والحزبي الغارق في الالتزام ..." بحسب ما تراه الكاتبة منار حسن فتح الباب، في دراستها عن أدب غسان وأسلوبه الروائي، ونشرت عن "هيئة قصور الثقافة المصرية" في 2003.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق قد لا يعرفها الكثيرون عن غسان كنفاني
ولا يمكن بأي حال، اختزال تجربة كنفاني الروائية والقصصية على شدة تنوعها وعمقها وجمالها الأدبي والوجودي والإنساني، فصاحب "أرض البرتقال الحزين"، و"ستة نسور وطفل"، و"كعك على الرصيف"، كان كونيَ التفكير بحسب ما يقوله أصدقاؤه، ويريد أن يكتب كل الحكايات، خصوصاً عن فلسطين، لأنه، كما رأى الروائي إبراهيم نصر الله في ذكرى غسان السادسة والأربعين العام الماضي، "الحكاية التي لا نكتبها، حكايتنا التي لا نكتبها، أتعرف ماذا يكون مصيرها؟ اسمح لي يا غسان، أن أسألك، أسألك من قلبي، فأمامك يمكن أن أصرخ أو أجنّ وألا أحسّ بإحراج، لأنني أحدِّثك أنتَ، لأنك منا؟ هل تعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا!".

من أعمال كنفاني

الموت يزور رجلاً لا يموت
بالترافق مع مسيرته الروائية والأدبية والفكرية، أخذت توجهات كنفاني النضالية تتضح بصورةٍ أكبر في نهاية الستينيات، فلم يكتف بالكتابة، إذ أصبح "عضواً غير منتظم في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن بيروت نسج علاقاتٍ واسعة مع الثوريين العالميين وليس الفلسطينيين والعرب فقط، كما تصدر العديد من الأحداث السياسية كناطقٍ إعلاميٍ حول العمليات المتعلقة باختطاف الطائرات من قبل الجبهة الشعبية من أجل المطالبة بتحرير أسرى فلسطينيين سواء في الأردن عام 1970، وحادثة الطائرات هناك، أو في قلب (إسرائيل) قبل ذلك، في حادثة اختطاف طائرة إلعال في 1968 واتهم غسان بالتخطيط لتلك الأخيرة" وفقاً لمجلة الآداب اللبنانية في عددٍ عن غسان صدر عام 1973.

شكل غسان كنفاني خطراً على الرواية الصهيونية عن فلسطين من كل نواحيها وكان لا بد للعدو أن يسلب حياته

شكل الكاتب إذاً، حياةً حافلةً حوله، سياسياً وأدبياً، وإنسانياً بالطبع، فهو من عشق الكاتبة الشهيرة غادة السمان، وتبادل معها رسائل حبٍ خالدة تعد من أجمل ما كتب حول الحب في القرن العشرين، وهو الزوج الذي تزوج لاحقاً من الدنماركية آني هوفر، وبقي مخلصاً في علاقاته للحب مهما كانت نتائجه، بل إنّ المرأة طالما تمتعت في أعماله "بشخصيةٍ صلبةٍ ومميزة مهما كان دورها" وفقاً للموقع الرسمي للكاتب.
لقد كتب غسان في صحفٍ عديدة، وتنوعت مقالاته، وله أكثر من ثمانية عشر كتاباً وعدة مسرحياتٍ وروايات وكتاباتٍ ساخرة باسمٍ مستعار، اشتهر منها الكثير كروايات "أم سعد" و"ما تبقى لكم" و"عائد إلى حيفا" ومجموعات قصصية مثل "القميص المسروق" و"موت سرير رقم 12" وكذلك مسرحيته المعروفة "القبعة والنبي". ولعل موت كنفاني، لم يكن مقروناً بأن الموت يجهل أنه يهاجم رجلاً لا يموت، بل يكمن في أنه كان، وفقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، رجلاً "موجوداً في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق... رجلاً كان يشبه الوطن، والوطن يشبهه". ولذلك، شكل اغتياله من قبل الموساد الصهيوني من خلال تفجير سيارته في بيروت عام 1972، محاولةً صهيونية لسلب حياة غسان كنفاني، الذي شكل خطراً على الرواية الصهيونية بجميع أبعادها، فهو المحرض على الحب قبل كل شيء، وهو الرجل الذي لم يترك للأعداء فرصةً للاستيلاء على أية حكايةٍ عن فلسطين.

للمشاركة:



لماذا حظرت البرتغال دخول الإيرانيين إلى أراضيها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

حظرت دولة البرتغال دخول الإيرانيين، بشكل مؤقّت، إلى أراضيها منذ أيام، لأسباب أمنية لم يُكشف النقاب عنها.

وقال وزير خارجية البرتغال، أوجوستو سانتوس سيلفا، أمس، في تصريح نقلته وكالة "رويترز": إنّ بلاده علقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين "لأسباب أمنية"، مضيفاً أنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بالعلاقات بين البلدين".

وردّاً على سؤال من عضو في البرلمان، قال سانتوس سيلفا، في الاجتماع الذي بثّه التلفزيون: "نعم، علّقنا ذلك لأسباب أمنية، سأقدّم توضيحاً لاحقاً، لكن ليس علانية".

وزير خارجية البرتغال يعلن أنّ بلاده علّقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين لأسباب أمنية

وأضاف: "البرتغال لا تتهاون في مسألة الدخول إلى أراضيها"، دون أن يذكر متى تمّ اتخاذ القرار.

وقال عضو البرلمان، جواو جونكالفيس بيريرا: "تلقينا معلومات بأنّ إصدار التأشيرات للإيرانيين معلّق منذ أسبوعين أو ثلاثة، وأردنا فقط تأكيد ذلك".

ولم يذكر مصدر تلك المعلومات، أو ما إذا كان مواطنون إيرانيون قد شكّوا في الوضع.

وقال الوزير سانتوس سيلفا، في ردّ على أسئلة الصحفيين بعد الاجتماع: إنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بطبيعة علاقات البرتغال الثنائية مع طهران".

ونقلت وكالة الأنباء البرتغالية، عن الوزير قوله: إنّه "تعليق مؤقّت، ونأمل استئناف إصدار التأشيرات قريباً جداً".

وعام 2018؛ شهدت العلاقات بين طهران وعواصم أوروبية كبرى توتراً على خلفية التمويل والتخطيط لهجمات إرهابية ضدّ معارضين في داخل تلك البلدان.

وأعلنت فرنسا، في نهاية حزيران (يونيو)، إحباط مخطط لتفجير مؤتمر سنوي حاشد يقام في العاصمة باريس، ويضم الآلاف من المعارضين الرافضين لسياسات طهران، إقليمياً ودولياً، فضلاً عن شخصيات دولية بارزة.

واتّهمت باريس، في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورط في تنفيذ المخطط الذي جرى إحباطه، في الوقت الذي جمّدت فيه لاحقاً أصول إدارة الأمن الداخلي في دائرة الاستخبارات بالسفارة الإيرانية.

وفي منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2018؛ أعلنت الدنمارك استدعاء سفيرها في إيران، كما توعّدت طهران بفرض عقوبات، نتيجة التخطيط لهجوم إرهابي ضدّ معارض إيراني يقيم على أراضيها، متهمة وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورّط في المخطط الإرهابي.

 

للمشاركة:

ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:



حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مختار الدبابي

لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.

والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.

وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.

وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.

وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.

وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.

وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.

والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.

وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.

ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.

يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.

لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.

أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.

فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

العراق.. "عاصوف" الصحوة الدينية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

رشيد الخيّون

عرضت فضائية (إم. بي. سي)، مسلسل «العاصوف»، بجزئين، الأول ما يخص الحياة قُبيل الصَّحوة الدِّينية بالمملكة العربية السعودية، والثّاني ما يخص زمن «الصَّحوة الدِّينية»، التي محت العلاقات الاجتماعية الطَّبيعية النَّامية آنذاك، لتحولها إلى تشدد أخذ يطغى على أجواء المدرسة والشَّارع، عبر الوعد بنظام ديني والوعيد بعذاب الآخرة.
كان الممثل ناصر القصبي، يُفكر منذ فترة بمثل هذا العمل، الذي يُسجل لتلك الحقبة، حتى سنح الظَّرف بتحقيق عمله، ولشدة أثر الصَّحوة سمَّي العمل بـ«العاصوف»، ومعناه الرِّيح الشَّديدة. فكانت الأفكار الصَّحوية تعصف في العقول، «عاصوف» شمل المنطقة ككلِّ، اعتمد على حوادث كبرى في(1979): الثَّورة الإيرانية التي بثت الرُّوح في الإسلام السِّياسي صاحب الصَّحوة، وحادثة جهيمان العتيبي(أعدم 1980)، بتلفيق مهدي منتظر تمت مبايعته داخل الحرم، ثم ختمت تلك السَّنة بالحرب الدِّينية الأفغانية، التي منها تفرعت الجماعات المتطرفة شرقاً وغرباً.
كان شيوخ وشباب الصَّحوة يُحددون نوع الملابس، ويفرضون ما يُسمع في الكاسيت والرَّاديو وما يُشاهد في التلفزيون، والثّقل الأكبر وقع على المرأة. مَن يُشاهد المسلسل المذكور بجزئيه خلال رمضان(2018) و(2019)، يدرك شدة انفلات القوى الدِّينية على المجتمع. كانت الظَّروف لا تسمح بالمجابهة، ومَن واجهه الصَّحوة عرض نفسه للمخاطر، فالزَّمن زمنهم، وهذا ما عبر عنه المتصدي ضدهم آنذاك غازي القُصيبي(ت2010) في بيت أسمعه لأحد أزلامها: «يا أَيُّها الرَجُلُ المُرخي عِمامَتَهُ/هَذا زَمانُكَ إِنّي قَد مَضى زَمَني»(البيت لجرير)، وهو أبلغ تعبير عن المرحلة واحتكارها مِن قِبل الصَّحويين.
كان الوضع بالمنطقة، يسير لصالح ثقافة الإسلام السِّياسي، فحدث تغيير كبير على أفكار وممارسات النَّاس. أخذت الثّقة تنعدم داخل الأسر، والعلاقات بين الأخوات والإخوان تُحدد بالفتاوى والوصايا. هذا ما بدأ يدب بالعراق من أواسط السبعينيات، حتى توج بالحملة الإيمانية في السنوات الأولى مِن عَقد التسعينيات، فحصل «الصَّحويون» عبرها على شرعيتهم، وأخذ رموزهم يشتمون الفلسفة والفلاسفة ورجال التَّنوير علانية مِن على المنابر، ويفتون بجواز الغش في الامتحانات المدرسية غير الدينية، ويهاجمون غير المحجبات مِن النِّساء، بعد أن بدأ «الإخوان» ومعممو الدَّعوة بالإفتاء لحجاب طالبات الجامعة، كأبرز مظهر مِن مظاهر الصَّحوة.
بدأت الصحوة الدينية داخل العراق، بنشاط «الإخوان المسلمين» (تأسسوا بالأربعينيات) و«الدعوة الإسلامية» (تأسست1959)، في الجامعات والمدارس والمحلات العامة، بشكل سري حينها، فما أن يُكسب «إخواني» أو دعوي مِن داخل الأُسرة إلا ويضع شروطه على أسرته، معتبراً التدين المعتاد جاهلية، على هدي سيد قطب (أعدم1966)، الذي تثقف بكتبه الشِّيعة والسُّنة مِن الأحزاب الدِّينية. مع الإلحاح في فرض الحِجاب على الزَّوجات والأخوات وبنات العم، وزواجهنَّ مِن «صحويين»، إلى منع جهاز التلفزيون في الدَّار، كذلك لا يُسمع في السيارة غير المواعظ وأدبيات عاشوراء.
أخذ النَّاس يضطربون في علاقاتهم، حتى أخذ التدين «الصَّحوي» يغرس الكراهية عبر الطَّعام والمعاشرة، مثل القول بـ«نجاسة» الإنسان، وعدم الترحيب بغير المسلم، والنَّظر إلى بناء الكنيسة بأنه ضد الإسلام. أخذ النَّاس يلتفتون إلى التمييز طائفياً بينهم البين. ظهر في بدايات الصَّحوة التعامل بالبنك الإسلامي، فشاع كتاب «البنك اللاربوي»، الذي مجرد تغيير في أسماء الفائدة لتصبح حلالاً، على اعتبار أن البنوك الرَّسمية ربوية.
أخذت تطغى الأسماء والكُنى الدِّينية على الآباء والمواليد. تحولت الأعراس، بين أُسر القوى الدِّينية، إلى جلسات صامتة، لا فرق فيها بين تقاليد العرس والمآتم. جاء التفكير بالمواكب الحُسينية الجامعية، كدعوة مظهرها تنقية طقوس عاشوراء، وباطنها أجواء لممارسة العمل الحزبي. كذلك نشطت الزيارات المشتركة إلى الأضرحة، خارج المعتاد، والسَّفرات الدينية، على شكل معسكرات، مع إعفاء اللحُى للشباب والحِجاب للشابات. كانت السُّلطة السَّابقة توجت تلك الصَّحوة بحملتها الإيمانية، وأما اللاحقة فجعلتها رسمية، وصار للفساد في ظلها ألف وجه.
كانت القوى الدِّينية تضغط اجتماعياً، ويُكلف كلّ منتمٍ القيام بدوره في أسرته، وبين أصدقائه، والبداية بالدَّعوة إلى التَّدين، ثم التوجه إلى الكسب الحزبي. انتقاد كلّ شيء اجتماعي ليس على أسلوبهم. أخذ المجتمع يُصبغ بصبغة العسكرة الدِّينية، كنوع الحِجاب الواحد، غير الحجاب التقليدي مثل العباءة العراقية المعروفة، والتَّركيز على عبارة التَّحية، ومنها يميزون بين المتدين وغير المتدين.
أما أهم ما وصلت القوى الدِّينية بصحوتها، فهو رخص الحياة، «في سبيل الله والدِّين»، والحقيقة كانت في سبيل الجماعة، بعد إغراء الشَّباب بنيل «الشَّهادة». كم مِن ضحية صحوتهم وضحية النِّظام سمي بـ«الشَّهيد السّعيد»!
للجواهري(ت1997)، ما يُغني عن التصريح بالأماني، في الخلاص مِن عبث هذه الصَّحوة على الدِّين والوطن: «لنا فِيك يا نشء العراق رغائبُ/ أيسعفُ فيها دهرُنا أم يمانعُ»(الثورة العراقية). غير أن النشء الذي نخاطبه تبدأ معه ثقافة الصَّحوة أو تشويه العقل مِن الطُّفولة، فأي رغائب لنَّا فيه؟!
أقول مَن مِن الفنانين سيُبادر إلى عمل لـ«عاصوف» عراقي، فإذا كانت الصَّحوة التي كشف عنها «عاصوف» الفنان السعودي القصبي بدأت بالزَّوال، إلا أن «عاصوف» الصَّحوة الدِّينية ببلاد الرافدين، جنوباً وشمالاً، مازال يهب بشدة، بقوة شرسة لديها المال والسلاح والسلطة أيضاً، يصعبُ ترقيع فتوقها في الثَّقافة الدِّينية والدُّنيوية، وكل جماعة تنفث سمومها، عبر فضائيات وصحف وأمكنة عبادة!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية