فرانز فانون للعرب: المستبد المحلي يترقب في آخر نفق الثورة

5368
عدد القراءات

2018-12-05

قبل ستين عاماً، قرر طبيب نفسي أسود من جزر المارتينيك التمرد على "المشدات الحديدية للرأسمالية" عبر الانضمام إلى الثورة الجزائرية والانخراط في النضال الفكري والمسلح ضد الإمبريالية الأوروبية. ونظراً لتكوينه النظري العالي وحماسته النضالية المُتقدة، اقترن اسمه بكفاح الشعوب المضطهدة من "معذبي في الأرض" وبصراع العالم الثالث ضد مستغليه وأسياده القدامى.

وقبل خطوة من الانضمام إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، كان فانون معروفاً على المستوى الفرنسي منذ أن ظهر كتابه "بشرة سوداء أقنعة بيضاء" (1952) والذي بوأه مكانة مرموقة في أوساط اليسار الفرنسي، إلا أنّ انخراطه في تجربة نضالية حية حوّلت فكره من الانشغال بمشكلات العنصرية إلى محاولته الجسورة في تحطيم "الفالق الاستعماري" مصدر كل المظالم الصغيرة.

تكوين مُركّب

فانون ينحدر من سلالة العبيد المجلوبين من إفريقيا إلى المارتينيك، عاش حياة رغيدة في طفولته معزولة عن العالم، وتعلم في مدارس الجمهورية الفرنسية ولُقّن مبادئ الإنسانية العالمية، وحفظ عن ظهر قلب ملاحم نابليون وأمجاد التاريخ الفرنسي، إلا أنّ فضوله قاده للاطلاع على تاريخ النخاسة وتهجير السود وتهميشهم المنظم ومعاناتهم الدائمة.

اقرأ أيضاً: "عبقرية اللغة" نصوص تشتبك بالأرض والثقافة والسياسة والتاريخ

تعرف على الجزائر لأول مرة، كما يشير عبد القادر بن عرّاب في كتابه فرانز فانون رجل القطيعة، خلال متابعة دروسه العسكرية في بجاية عام 1944. وخدم فرنسا ببسالة خلال الحرب العالمية الثانية التي خرج منها جريحاً ومُنح ميدالية تكريماً لدوره في الحرب وعاد إلى المارتينيك.

بوصفه محارباً، حصل على منحة دراسية بكلية الطب في ليون، وهناك واجه العنصرية لأول مرة في حياته وتعرف على تضاريس المحيط العدواني ضد الإنسان الملوّن، فراح يهتم بأعمال إيمانويل مونيي وجون لاكروا ليصبح واعياً بطبيعة العبودية في الجزيرة التي نشأ فيها، ولتسقط من رأسه إلى الأبد محفوظات الأخوة الإنسانية والمساواة بين البشر وكل قيم العلمانية الفرنسية.

حاجج فانون بأنّ تجاهل الفلاحين من العملية الثورية يعني استبعاد الطبقة الثورية

المناضل الجزائري محمد الميلي يروي في كتابه فرانز فانون والثورة الجزائرية أنه حين التحق فانون بهيئة تحرير بجريدة "المقاومة الجزائرية" كان المحررون يشعرون بالضآلة عندما يتحدث عن المبادئ الكبرى للثورة، أو عندما يعرض قسطاً بسيطاً من ثقافته الرفيعة، وكان السؤال الذي شغل بال الثوريين الجزائريين كيف لشاب أن يكون أخصائياً في علم النفس، وحاصلاً على إجازة في الفلسفة، ولديه هذا الكم الهائل من المعرفة وهو لا يزال في مقتبل حياته؟

بعين الماضي نظر فانون إلى الناصرية ورجال السلطة فيها وبعين الحاضر نظر إلى مستقبل البلدان الماضية في طريق التحرر

بالفعل، كان فانون أثناء دراسته بكلية الطب ينهل من فلسفة ميرلو بونتي ولينين وكارل ماركس وهايدغر وبالطبع فرويد، وفكر كثيراً في إتمام دراساته الفلسفية إلا أنه قرر في النهاية أن يعمل في ميدان عملي متماس مع الحياة اليومية، خاصة في بلد تفعل فيه الظاهرة الاستعمارية فعلها في قهر المستعمرين واستعبادهم، فذهب إلى الجزائر ليعمل بمستشفى الأمراض العقلية في البليدة.

هناك أشرف على قسم يضم 150 مريضاً أوروبياً و200 جزائري وحاول تطبيق أساليب العلاج الاجتماعي، كما تدرب عليها على المرضى جميعاً، فوجد أن الأوروبيين وحدهم يستجيبون لها على عكس الجزائريين الذين تختلف بيئتهم الاجتماعية عن نظرائهم من الأوروبيين اختلافاً أساسياً، وأثناء بحثه عن طبيعة وأسباب ذلك الاختلاف اكتشف فانون أنه يعود إلى الوضع الاستعماري الذين يجعل من المستحيل حل المشكلات الناتجة عنه في إطار علومه ووسائله، فكان انضمامه للثورة الجزائرية.

الذهاب إلى الحرب

بعد انضمامه للثورة، تابع فانون نشاطه الفكري على صعيد مزدوج: مواصلة دراسته للحالات النفسية التي تقع ضمن نطاق اختصاصه، وتوسيع ثقافته السياسية وتعميقها، إلا أنه سرعان ما تفرغ كلياً للعمل في صحافة الثورة ضمن هيئة تحرير "المجاهد" في وقتٍ كانت فرنسا تتأهب لتحويل الجزائر إلى معسكر اعتقال كبير من خلال إقامة الخطوط المكهربة وزرع الألغام على حدودها الشرقية والغربية، وخلال اجتماعات هيئة التحرير انخرط فانون في النقاشات الدائرة حول الوحدة العربية ودور الإسلام في حركة التحرير وطبيعة الثورة التي يعد قوامها من الفلاحين وليس البروليتاريا، فكان، كما يُسجل الميلي، يكثر من إلقاء الأسئلة حول ما لا يعرفه من دقائق الحياة الاجتماعية في الجزائر ويتابع كل ما يُقال بعناية ظاهرة.

غلاف كتاب "فرانز فانون والثورة الجزائرية"

أفادت هذه المرحلة فانون على المستوى النظري والسياسي؛ فعلى عكس الشائع عن تأثير فانون الحاسم في مسيرة الثورة الجزائرية، كانت هذه الثورة صاحبة الفضل الأكبر في تطوير فكره ودفعه في منحنى ثوري لم يعرفه من قبل، وهو ما سمح له بأن يؤثر فيها بعد أن استوعب مبادئها وهضم أفكارها ودرس، بدقته المعهودة، الواقع الاجتماعي الذي أُنجرت ضمن شروطه.

اقرأ أيضاً: "هوية فرنسا" لفرنان بروديل: كيف يُكتب التاريخ؟

وبتأثير حرب التحرير الجزائرية، انتقل فانون من التمرد الفردي على "القيم البيضاء" و"الزنوجة" وماضيها، في آن، كما يتجسد في كتابه بشرة سوداء، إلى الإدانة الكاملة للاستعمار ومن ثَمّ الانخراط في أممية جديدة على مستوى العالم الثالث بعد أن أتاحت له جبهة التحرير اتصالات جديدة مع العالم الخارجي وكلّفته بالتواصل مع حركات التحرير الإفريقية وجعلته متحدثاً دبلوماسيا باسمها.

صهرت الثورة الجزائرية فانون وصار اسمه علماً على العنف الثوري: عنفها الذي عصف بالاستعمار الفرنسي

أتيح له في ظل هذه الوضعية أن يتلمس عن قرب تلك المعطيات التي مكّنت الثورة الجزائرية من أن ترتفع فوق ظرفها المحلي إلى مستوى التجربة التي يغمر إشعاعها محيط العالم الثالث كاملاً، وسرعان ما أدرك فانون، كما يقول الميلي، الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الجزائرية وتقديمها للعالم الثالث كي يستفيد منها في صراعه ضد الاستعمار، وكانت الملاحظات التي أوردها في معذبو الأرض بصدد التحرر الوطني ثمرة لهذا الاحتكاك المباشر.

فإذا كان الاستعمار الفرنسي للجزائر مختلفاً عن أي تجربة استعمارية أخرى في عنفه وجذريته ومحاولته محو الشخصية الوطنية الجزائرية والقضاء على أي جيب من جيوب المقاومة؛ فإن الثورة الجزائرية دُفعت بطريق رد الفعل إلى أقصى درجات الراديكالية في طريق استرجاع الحقوق عن طريق الكفاح المسلح، وفي خضمها قطع فانون مع ماضيه الفرنسي، تماماً، على المستوى السياسي إلى درجة أنه دعا سارتر لـ"تطهير نفسه من الفرنسة" وتردكلت أفكاره، التي هي مزيج من الماركسية والوجودية وعلم النفس، لتصبح على مستوى جذرية الثورة الجزائرية؛ لتتحقق فيه مقولة رومان رولان: "قيمة ثورةٍ ما تظهر من خلال قيمة الرجال الذين تصهرهم". صهرت الثورة فانون وصار اسمه علماً على العنف الثوري: عنفها الذي عصف بالاستعمار الفرنسي.

ثورة التحرير الجزائرية

التقليد كمحرك للمقاومة

في تحليله لطبيعة العنصرية، كما جاء في كتابه من أجل ثورة إفريقيا، ذهب فانون إلى اعتبارها قمعاً منظماً يمارسه شعبٌ ضد آخر ضمن سياق استعماري يفرض ضرورة إخضاع "السكان الأصليين" بواسطة التخريب المتواصل لأنماط معيشتهم وإفقارهم والحط من القيم الثقافية التي يتعرفون فيها على أنفسهم، دون القضاء على ثقافتهم نهائياً بل جعلها في حالة احتضار مستمر، مما يضطرها للانغلاق على نفسها فتتحجر تحت الضغط الاستعماري. ومن ثَمّ سيكون من سوء النية لوم "الأهالي" على جمودهم الثقافي؛ فمن غير الممكن للإنسان أن يتطور في إطار آخر غير إطار ثقافة تعترف به ويعترف بها.

اقرأ أيضاً: ثورة التحرير الجزائرية: نحن ثرنا فحياة أو ممات

وبالتحاقه بصفوف الثورة وتعرفه على الدور الذي لعبته الثقافة الوطنية الجزائرية في تدشين الثورة، تطور موقف فانون نحو الدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية بوصفها أولاً: استعصاء على سياسات الاندماج الاستعماري، بتعبيره "إنّ الانغماس في الماضي هو شرط الحرية"، وثانياً: محرك الثورة الأساسي ضد المحتل. وكان موقفه هذا سبب اتهامه من قبل المعهد العالمي للعمال في الأكاديمية السوفيتية بـ "الانحراف عن تعاليم الماركسية - اللينينية لتأثره بثقافة الجزائر الإسلامية".

وضمن هذا السياق، مجّد فانون شخصية المرأة الجزائرية التقليدية وهو موقف يتفق فيه مع مثيله الإيراني علي شريعتي (وبينهما مراسلات حول دور الثقافة الإسلامية في التحرر الوطني) في إدانة عملية التثاقف مع الغرب وتبني قيمه أثناء الوضعية الاستعمارية؛ فشريعتي في كتابه العودة إلى الذات اعتبر أنّ أيديولوجيا تحرير المرأة، تهدف بالأساس إلى فتح سوق للكماليات الرأسمالية التي تتعلق بمنتجات الموضة والسيطرة على المجتمعات من خاصرتها، وبلغته اللاذعة انتقد النخبة الإيرانية التي تنكرت للقيم التقليدية، وبالحماسة نفسها دافع عن "الشادور" (الزي الإيراني التقليدي) فيما اعتبر فانون في الثورة الجزائرية في عامها الخامس أنّ تحويل المرأة الجزائرية وربحها إلى جانب القيم الغربية وانتزاعها من وضعها التقليدي، يعني السيطرة على الرجل وتحطيم الثقافة الجزائرية بفاعلية. وتمادى فانون في المسألة إلى حد القول إنّ كل حجاب يسقط وكل جسم يتحرر من "الحايك" (الزي الجزائري التقليدي) وكل وجه امرأة يتعرض للأنظار يعبر سلبياً عن أنّ الجزائر بدأت تتنكر لنفسها وتقبل باغتصاب المحتل.

في سوسيولوجيا ثورة ذهب فانون إلى فكرة قريبة من هذه، وهي أنّ الدول الرأسمالية لا تحمل للشعوب المستعمرة الثقافة والذوق الجمالي بدافع الحضارة، لكنها تريد أن تغرس عند كل مستعمّر عقلية تتبع الأوروبي فتدفعه إلى شرب الخمر إضعافاً لبدنه وإرادته حتى تتمكن من استغلاله بسهولة.

تعرف فانون على الجزائر لأول مرة كما يشير عبدالقادر بن عرّاب خلال متابعة دروسه العسكرية في بجاية عام 1944

أما تعاطفه مع فلاحي الثورة الجزائرية، كما تجلى في معذبو الأرض فيعود، بدرجة قليلة، إلى تأثير إيمي سيزير المبكر عليه في مسألة التعلق بحياة الفلاحين وقيمهم باعتبارهما "فلكوراً ناجياً من اكتساح الثقافة الغربية" كما كان لخلو حياة الفلاحين الجزائريين من كل مظاهر الحياة الأوروبية سبباً أكبر في انجذابه إليهم بحكم عدائه لمظاهر التأثير الغربي بالجملة، أما السبب الأهم في تشكّل هذا التعاطف لدى فانون فيعود إلى أنّ الثورة الجزائرية تطورت وتمركزت منذ البداية في الريف ضداً من إستراتيجية الأحزاب التي تعتمد على المدن حصرياً في إحداث التغيير السياسي المنشود، وإذ ذاك كان الفلاحون مادة الثورة وأساسها.

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة للصراع بين السلطات الجزائرية والأحمدية

من درس الجزائر توصل فانون إلى خطأ النظرية الكلاسيكية للثورة في العالم المستعمَر بتجاهلها لطبقة الفلاحين من الصراع؛ كان ماركس يصفهم بـ "أكياس البطاطا" وماركسية القرن العشرين تؤمن فقط بثورة الطبقة العامة، والحزب الشيوعي الفرنسي كان يرى مستقبل الجزائر كمقاطعة من فرنسا الاشتراكية، وحسب ديفيد كوت مؤلف السيرة الفكرية لفانون، فإنّ القائد الفيتنامي الشهير نجوين نغي وجّه انتقاداً لاذعاً لفانون لمساندته ثورة فلاحين، وعلق على ذلك قائلاً: لن يكتسب الفلاحون وعياً ثورياً لأنهم يفتقدون التكوين العلمي الضروري الذين مكنهم من التنظيم والتعبئة.

حاجج فانون بأنّ تجاهل الفلاحين من العملية الثورية يعني ببساطة استبعاد الطبقة الثورية الوحيدة التي لا تخشى أن تخسر شيئاً بالثورة، بل تطمع أن تكسب بالثورة كل شيء، وفيما يشبه الانقلاب على مفهوم الماركسية للثورة همّش فانون طبقة العمال (التي لا وجود لها واقعياً في المستعمرات) في خطاطته الثورية، وأحل محلها الفلاحين الذين يعيشون على هامش الحياة الحديثة، منغلقين على كل تأثير استعماري؛ فـ"الفلاح الجائع هو المستغل الذي يكتشف أنّ العنف وحده هو الوسيلة المجدية لتحرره".

اقرأ أيضاً: فتوحات أم استعمار؟!

لكن الفلاح لا يثور وحده بل لابد من إعداده للثورة، وهي مهمة منوطة بالأقلية الثورية داخل أحزاب المدن والتي تعجز عن التأقلم مع المسارات السياسية التي يخطها الاستعمار للأحزاب "الشرعية" فتلجأ إلى الريف فيحتضنها الفلاحون ويخفون كوادرها عن عيون الشرطة ويقدمون لهم يد العون المادي والمعنوي، وإذا أُضيف هذا العون إلى خبرتهم السياسية وأفكارهم التي أُنضجت في المدن، يكون لدينا ثوار قادرون على فكفكة الاستعمار. وإستراتيجية فانون هذه لم تكن سوى تصوير دقيق لانشقاق الجناح الثوري من الطبقة السياسية الجزائرية، انفجار 1954، الذي افتتح تاريخاً جديداً تماماً للجزائر واجتذب فقراء المدن والمنبوذين والمجرمين (الذين صهرتهم الثورة فيصيرون "أشاوس") إلى معركة التحرير.

القومية كقيد على التحرر

سردية فانون المضادة للنظام الاستعماري تجسد رداً على الادعاء أوروبا الثقافي بأنها المرشد الأمين لغير الأوروبيين، ويلخص فانون هذا الرد في مقولته الشهيرة "لا نريد الالتحاق بركب أحد" (في تلميح إلى أيديولوجيا اللحاق بركب الحضارة) وهو الرد الذي يقع في صلب القومية المناهضة للإمبريالية والمنغرسة في الدولة المستقلة حديثاً، لكن الدولة القومية الجديدة لا يحكمها أنبياء الثورة ولا المتمردين الرومانتكيين بل من قبل السياسيين أصحاب النزعة العملية، كما يحاجج بارثا تشارجي وينقل عنه إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية؛ لذا كان على فانون أن يبين مزالق هذه القومية؛ كيلا يحل المستبد المحلي محل المستعمر الأجنبي.

انتقل فانون من التمرد الفردي على "القيم البيضاء" إلى الإدانة الكاملة للاستعمار

ويمثل معذبو الأرض في المجمل محاولة فانون الطموحة في تجاوز ثنائية الاستعمار/القومية في لحظة رؤيوية، كما يقول إدوارد سعيد، تتخطى النقيضين نحو التحرر في اتجاه يهدف لتجسير الهوة الفجوة بين المستعمِر الأبيض والمستعمَر العربي عبر العنف الذي يتغلب على "تشيئ" الرجل الأبيض كذات فاعلة و"تشيئ" غير الأبيض كمفعول به؛ فلا يمكن أن يحدث التغيير إلا حين يقرر المحلي أن على الاستعمار أن ينتهي، وعند هذه النقطة يدخل العنف كـ"قوة مطهرة".

انخراط فانون في تجربة نضالية حية حوّلت فكره من الانشغال بمشكلات العنصرية إلى محاولته الجسورة في تحطيم "الفالق الاستعماري"

فيما يمثل فصل "مزالق الشعور القومي" تحذير فانون، الذي ذهب مع ضجيج الاستقلال، من أنّ النخبة القومية ستتحول بشكل أو بآخر إلى وكيلة للاستعمار الجديد، وهنا سيكتشف الرجل العربي العادي أنه أثناء مشاركته في تحطيم القمع الاستعماري كان يساهم، دون وعي، في بناء نظام آخر من الاستغلال والقهر، له وجه مألوف هذه المرة: وجه عربي جداً.

بعين الماضي نظر فانون إلى مصر الناصرية ورجال السلطة فيها يحوزون امتيازات الأسياد القدامى، وبعين الحاضر نظر إلى مستقبل بقية البلدان الماضية في طريق التحرر، وفي الوقت المناسب، والمكان الخاطئ، صرّح بأنّ "القومية اقتفت أثر الإمبريالية ومضت على طريقها" وبدلاً من أن تزول الإمبريالية تعززت هيمنتها وكانت أكثر فاعلية هذه المرة؛ فلنجاح التمويه على الشعب لم تكن هناك مقاومة تذكر، وبسلاسة أُعيد تنصيب التراتبيات الطبقية والانقسامات العرقية التي خلقتها الإمبريالية وخلفتها برعاية العرب أنفسهم. كان الأفق الذي حاول فانون اجتراحه: "الانتقال من الوعي القومي إلى الوعي السياسي والاجتماعي" الذي تبتلعه القومية باستمرار؛ فلم يبقَ من صرخته سوى أصداء خافتة لا يتعدى تأثيرها الأربعين صفحة التي يضمها فصل "مزالق الشعور القومي" من الطبعة القديمة التي لم تتغير هيئتها حتى مع إعادة نشر معذبو الأرض مع زوابع الثورات العربية الجديدة الماضية إلى مزالق بعضها قديم وآخر مستجد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق

2019-11-06

يهتمّ العلم الاجتماعي دائماً بعمليات إنتاج وإعادة إنتاج الهوية عن طريق التلقين والتنشئة الاجتماعية، التي تنهض بأدائها أجهزة الدولة الأيديولوجية (بتعبير المنظر الفرنسي الأبرز لوي ألتوسير)، من مدرسة ومسجد وكنيسة وقانون وصحافة، إلا أنّ هذا الاهتمام لن يكون كافياً في حالتنا العربية التي لم تصل في كلّ الأحيان إلى إنتاج هوية جماعية تعلو على الهويات الفرعية المعطاة سلفاً (القبيلة والطائفة والمنطقة)، حتى تصبح إعادة إنتاج الهوية الوطنية عن طريق الخطاب السياسي والإعلامي ممكنة.
البنية التحتية للوطنية
ما تحتاجه لحظتنا السياسية العاصفة هذه؛ هو التركيز على البنية التحتية للسياسة الوطنية؛ فلا تنهض بين المجتمعات روابط "سياسية" (عن طريق الصهر والدمج الاجتماعي) ترتفع على علاقات الانتماء الطبيعي، إلا إذا قامت بينها مصالح مادية تجعل كلّ جماعة تتعرّف إلى نفسها داخل الكلّ الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للمرء، كما يقول عبد الإله بلقزيز، في "الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"؛ أن يتخلى عن روابطه "الموروثة" لصالح نسق اجتماعي أعلى، إلا إذا استفاد من مصالح مادية منفصلة عن البنى الطبيعية، وترتبط هذه العملية من "الارتقاء السياسي" بإستراتيجية الدولة للدمج الاجتماعي.

الصراع المذهبي أصبح المحرك الأبرز للسياسة العراقية والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية

في كتابه "السلطة السياسية"؛ يربط جان وليام لابيار التقدّم الحقيقي لأيّ مجتمع بالسلطة السياسية التي تحرّكه، أو تقف حاجزاً دونه؛ فالسلطة هي التي تدير المجتمع المدني بأكمله، وتتدبر تنظيم العلاقات بين الجماعات المتباينة التي تؤلّفه بشكل يكفل لها البقاء مندمجة بالمجموع الكلي (النظام).
ما يمكن البناء عليه في طرح لابيار؛ أنّ صناعة الوعي الوطني ليست مسألة أيديولوجية يجري الترويج لها في الإعلام والأفلام والكتب المدرسية؛ بل هي وظيفة سياسية بامتياز؛ فمن دون إنتاج مصالح عامة تربط الأفراد ببعضهم لا يمكن أن تمنحهم الخطابات السياسية شعوراً جماعياً بالانتماء إلى شيء أعلى من واقعهم المحدود بحدود الطائفة أو القبيلة.
وليس في هذا تقليلاً من أهمية الأيديولوجيا؛ بل تأكيد على أنّه ما لم تكن هناك مصلحة اجتماعية عامة تبرّر الانتماء المشترك، فلن يكون للأيديولوجيا سوى "صدى منافق" لدى أصحاب الامتيازات الذين يجارون الجماهير في الانتماء لوطن مفترض، في مقابل أصحاب المطالب الذين سيذهبون إلى من يلبّي حاجتهم، وإن كان طائفياً، يتلاعب بمصير البلد من أجل موقع سياسي متبوع بامتيازات اقتصادية.
ومن دون فهم الوطنية كمعضلة سياسية تجد ركيزتها الأساس في الاقتصاد، فليس من الممكن خلق جماعة سياسية موحدة، ولا مجال سياسي عقلاني، تُدار فيه التناقضات الاجتماعية، وستكون الديمقراطية، في سياق كهذا، عبارة عن تدوير السلطة بين "تشكيلة متنوعة من الفاسدين" وهكذا حالها في العراق.

غلاف  كتاب "السلطة السياسية" لجان وليام لابيار

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
فبإمكان العراقيين أن ينتخبوا ممثليهم السياسيين بسلاسة، لكن، مع ذلك، لا يمكنهم تغيير حقيقة انقسامهم (قبل السياسي)، ولا واقعهم الحياتي المتدنّي، وليس ذلك لأنّ العراقيين "جُبلوا على التفرق والتشرذم"، كما تذهب الأطروحات الاستشراقية التي تختزلهم في مقولة شبيهة للحجاج بن يوسف الثقفي! ولا لأنّ العراق بلد فقير الموارد؛ فهو يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (حتى مع استثناء احتياطات إقليم كردستان).
فالوطنية تتلاشى إذا ما تخلّت الدولة عن وظيفتها السياسية (التوحيد القومي لمكوناتها، لا ترسيخ الانقسام والاستثمار فيه كما تفعل النخب السياسية العراقية) أو انسحبت من وظيفتها الاجتماعية: خلق البنى التحتية، نشر التعليم، توفير الطبابة، توفير الوظائف، حماية حقوق العاملين والمساواة بينهم على أساس الكفاءة وليس الانتماء الطائفي أو العرقي، أو الولاء السياسي لحزبٍ ما في السلطة، أو لمرجعية عقائدية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وليس تلاشي الوطنية سوى الترجمة السياسية لغياب المؤسسات السياسية المستقرة والمعبّرة عن القرار الوطني المستقل (لا الإملاءات الخارجية)، وهذا لا يكون إلا بالمشاركة السليمة لكافة مكونات المجتمع في إدارة الدولة.
العراقيون (في مواجهة حكم القنّاصة) يحصدون، الآن وهنا، الثمرة المرّة لتفكّك دولتهم؛ هذا التفكك من الطبيعي أن يُسقط آلة الدولة في حجر الطائفة الأكبر (الشيعة)، كرغبة متوقّعة في الاستئثار بالسلطة لصالحها، إلا أنّ جماهيرها بعد أن يرونها حازت سلطة الدولة لا يحصدون امتيازات تُذكر، ولا يرون تغييراً لواقعهم للأفضل، بل يرون تغييراً في صور اللصوص وأسمائهم، ومن ثم يشعلون ثورتهم الخاصة على ممثليهم، وهي الثورة التي سرعان ما تجذب بقية مكونات المجتمع التي ترى في الطائفية محض غطاءٍ للنهب: في ساعة الحقيقة تدرك جماهير الطوائف أنّها خاسرة، سواء كانت السلطة بيد طائفتهم أو بيد الآخرين، وهنا يبدأ الوعي الوطني بالتشكّل، من الأسفل هذه المرة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
وهناك وجه آخر أكثر مرارة لتفكّك الدولة، يعرفه العراقيون الذين اعتصموا في ساحة التحرير معرفة دموية، هو أنّه يشجع القوى الإقليمية على الاستثمار فيه عبر خلق ميليشيات تتنازع السيطرة على سلطة الدولة ومواردها وتسخيرها لصالح الراعي الإقليمي لها، أما ما الذي أوصلنا إلى هنا؛ فهو مسيرة تاريخية لتشكّل الدولة والأمة تحتاج إلى ضوء جديد يبرزها، ويجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا وكيف يتمكن الماضي من صياغة الحاضر والتأثير عليه؟

ليس كياناً مصطنعاً
يتطلّب فهم تشكل الهوية الوطنية العراقية تتبع التسلسل التاريخي لنموّها وازدهارها وانهيارها، ثم إعادة تشكّلها من أسفل، كما هو حاصل في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ومن ثمّ يجب تحدي السرديات المبسطة التي ترى في العراق كياناً مفتّتاً، جوهرياً وأزلياً، أو السرديات التي ترى فيه بلداً حديثاً ابتُليَ بتشكيلة متباينة من الطائفيين المجانين الذين يسيطرون على السلطة والثروة سواء لمصلحتهم الخاصة أو لمصالح قوى إقليمية نافذة (إيران)، أو دولية عظمى (أمريكا).
هناك ضرورة لإيضاح أنّ ما قد تبدو حقائق ثابتة في الواقع العراقي من قبيل الانقسام الطائفي/العرقي، هي في العمق ابتداع ذو طبيعة سياسية واجتماعية حديثة (حتى مع جذورها التاريخية)؛ خُلق واستُخدم لأغراض سياسية بحتة.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وقبل كلّ شيء؛ إذا كان النظام السياسي العراقي (في محطاته كافة) فشل في خلق دولة وطنية، فالعراق حتى اللحظة (وفي ذروة انقسامه) ليس دولة قومية فاشلة، لسبب بسيط؛ أنّ هناك أمة تشكّلت، بكل اختلالات التشكّل، وقادرة على إعادة لحم نسيجها المبعثر؛ والذين يهتفون الآن بعراقيتهم في الساحات والميادين ضدّ النخب الطائفية يبرهنون على ذلك ببلاغة صاعقة.
يحدّد أنطوني سميث، في كتابه "الأصل العرقي للأمم"، سمات محدّدة للدولة القومية، هي: ثقافة مشتركة، أسطورة مشتركة تتعلق بالأصل (السلالة)، تاريخ مشترك، شعور قوي بعاطفة ولاء للجماعة، الارتباط بقطعة محددة من الأرض، حقوق مواطنة متساوية، تماسك اقتصادي، لغة مشتركة.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وعلى ضوء هذه السمات؛ يمكننا مقاربة واقع الدولة في العراق؛ فباستثناء (حقوق المواطنة المتساوية، والتماسك الاقتصادي) يمتلك سمات الأمة الموحّدة، وإن كان هذا الاستثناء كفيلاً بوضع الدولة على خطوط أزمة الانقسامات الطائفية/العرقية.
ما تؤكّده الاحتجاجات الملحمية الحالية (في وجه حكومة القناصة)؛ أنّ الطائفية تمثّل سياسة دولة أكثر بقدر كبير من كونها انعكاساً لانقسام اجتماعي متأصّل ثقافياً، وأنّ هناك رغبة جماعية لتجاوز هذا الاستثناء، سواء فيما يتعلق بالمطالبة باقتصاد منتج (وليس ريعياً)، وتجاوز الطائفية (سنّة شيعة وطنّا ما نبيعه)، وإلغاء المحاصصة الطائفية.
ما يفعله المنتفضون في ساحات العراق، بوعي في حدود خطابهم، هو خلق هوية وطنية جماعة عابرة للطوائف وطامحة للتوحيد القومي، وبما أنّ خروجهم كان ضدّ سوء توزيع الريع النفطي أساساً، وهو لا يكون إلا سيئاً، فإنّهم يضعون نهاية محتمة لهذه السياسة التي دمّرت بلدهم؛ إذ إنّ أكبر تحدٍّ للوحدة الوطنية في العراق ليس الشكل الثقافي أو السياسي للطائفية؛ بل أساسها الاقتصادي، وهو توزيع الريع، ولم تكن عملية التوزيع متساوية أو شاملة للجميع منذ الثمانينيات، ولا حتى موزعة على نحو مطرد على كافة مكونات الطيف العراقي، وبالتالي كانت سياسة التوزيع الزبائني للامتيازات والمنافع تحدّ من الاندماج القومي.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
وفي العمق؛ فإنّ اعتماد "الريع النفطي" (الذي يهتف ضدّه المحتجون) يضع الدولة تحت رحمة الأسواق الدولية، وما إن تبرز أيّة ضغوط سياسية (من نوع محاباة السنّة حتى لا يقعوا تحت إغراء الجماعات الجهادية مجدداً)، أو تقلبات في أسعار النفط حتى تصاب القدرة التوزيعية للدولة بالوهن، وتقلّص قدرة السلطة على المناورة وتنطلق التوترات الاجتماعية، ومن حسن حظّ العراق أنّ التوترات جاءت ضدّ الدولة، ولم تكن بين مكونات الأمة.
 لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته

ميراث تاريخي لعراق جديد
لا شكّ في أنّ الدولة في العراق ظاهرة حديثة العهد بالعالم، وتفتقد إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة، لكنّه يتشابه في ذلك مع أغلب الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين، وقد يكون العراق أقدم من أغلبها، وأسبقها جميعاً في الحصول على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
ليست الحداثة التاريخية، إذاً، هي مشكلة العراق، بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً؛ هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها وتعلو فوقه دائماً، منذ أيام الدعم العسكري البريطاني في الجيش والإدارة، وبفضل ريوع النفط والمساعدات الأجنبية، وصولاً إلى الدعم والرعاية الإيرانية/ الأمريكية لشركاء السلطة.

الحداثة التاريخية ليست مشكلة العراق بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها

وإذا كان لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم؛ بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته، إلا أنّ هذه المكونات ليست مفتتة بالكامل، والـ 84 عاماً التي عاشها العراقيون معاً (منذ بزوغ العراق الحديث (1921) وحتى الاحتلال (2003)، لا يمكن طيّها تحت حطام انقساماتهم؛ فالزمن هو العامل الأكثر حسماً في خلق الشعور بالوحدة الوطنية ووحدة المصير.
العراق، كما أثبتت تجربة مسعود البارازاني الفاشلة في الانفصال، لا يمكن تقسيمه، عرقياً أو مذهبياً، ومكوناته الثلاثة: شيعة، سنّة، أكراد، متداخلون مناطقياً (رغم كلّ محاولات التطييف والعرقنة) أولاً، ومنقسمون على أنفسهم بما لا يسمح بتشكل أمة منفصلة، وحتى الأكراد الذين يتميزون بطابع عرقي أكثر تميزاً وتبايناً يظهرون، على المستوى الشعبي، رغبة مستمرة في البقاء ضمن الدولة القومية العراقية.
إنّ فهم مسألة الهوية الوطنية العراقية هو أمر حاسم إذا ما كانت هناك إرادة لفهم عوامل استقرار الدولة أو تفككها، فالصراع المذهبي/ العرقي أصبح، منذ عقود، المحرك الأبرز للسياسة العراقية، والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية السنّية التي تطلبت اصطناع ميليشيات شيعية لدحرها، وفي الحالتين كان المجتمع هو الضحية؛ إذ اتّضح أنّ جزءاً وازناً ونشطاً من هذه الميليشيات لا يدين بالولاء للدولة العراقية بل لإيران، وتحوّل إلى جماعة ضغط سياسية/ عسكرية على الدولة، لتمرير المصالح الإيرانية في الداخل: تفريغ التداعيات السلبية لحصارها من قبل الولايات المتحدة في السوق العراقية، عبر سياسات تهريب السلع والبضائع وصفقات الإعمار والأعمال المصرفية، وهو ما أوصل اقتصاد بلد كبير غني بالموارد إلى حدود الشلل، وهو ما اضطر الجماهير إلى الخروج للشارع، وأملى عليهم شعار "إيران برّا"، وهو يجسد خلاصة الوعي الوطني منذ تأسيس العراق.

للمشاركة:

كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟

2019-10-31

خلال حياته الزاخرة بالكتب والمحاضرات والأفكار، لم يكد نجم المفكّرين العرب في القرن العشرين، طه حسين (1889-1973)، يترك باباً موصداً في اللغة أو التاريخ أو الأدب العربي، إلا وطرقه، مصرّاً على دخوله من وجهة نظرٍ خاصة، مقلقاً حراس التأويل النائمين في غياهب الماضي، ومثيراً عاصفةً من الجدل لم تنته بموته.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
ولا يمكن في ذكراه السادسة والأربعين، التي حلّت مؤخراً، إلا أن يتمّ استحضار طه حسين، الذي ترك أسئلة عالقة وإجاباتٍ قابلةٍ للنقاش، على أرضيةٍ عربية لم تحسم كثيراً من توجهاتها الفكرية والتاريخية والمستقبلية بعد، في مساحاتٍ عديدة، خاضها حسين بخطواتٍ ثابتة، بينما علِق كثيرون بعده في مستنقعات طائفية أو أصولية أو مدرسيةٍ تاريخية، ولم يحاولوا الفكاك منها، فما الذي بقي اليوم من أسئلته واشتباكاته وإرثه؟

الأعمى يرسم الطريق
قصة عمى طه حسين، التي ضمّنها سيرته في كتابه "الأيام"، مشهورة؛ فمن المعروف، وفق الكتاب، أنّه ما كاد يبلغ الخامسة من عمرهِ حتى أصابه "الرمد"، ليفقد الطفل المولود في محافظة المنيا في الصعيد الأوسط من مصر، بصره إلى الأبد، ولم يمنعه ذلك، في المقابل، من دخول الأزهر في سنّ الثالثة عشر، ليدرس فيه مدة من الزمن، ثم يتجه للانتساب إلى الجامعة المصرية، التي فتحت أبوابها في 1908، وكانت بوابته ليغادر مصر؛ حيث أوفدته، في 1917، إلى جامعة "مونبلييه" الفرنسية، ليدرس هناك التاريخ الحديث وعلم النفس واللغة الفرنسية وآدابها.

تمرّد طه حسين على التعليم في الأزهر مبكراً، ووصفه بأنّه لا يقدّم علماً أو تجديداً

لكنّ الشاب الذي أريد له أن يكون أكاديمياً مصرياً وعربياً آخر، يحمل اطلاعاته على علوم وثقافات العالم من نافذة فرنسا، تمرّد، وبدأ يخوض معاركه المبكرة، معترضاً على أساليب التدريس في جامعة الأزهر، مقارنةً بالجامعات الغربية، مما كاد أن يحرمه من منحته الدراسية، لولا تدخّل الباشا مصطفى كامل، الذي أعاده ليدرس في جامعة باريس هذه المرة؛ حيث درس علوم الاجتماع والتاريخ الأوروبي القديم، ثم قدم أطروحته في الدكتوراه في فكر ابن خلدون.

وبعد عودته إلى مصر، في 1919، بدأ يعمل أستاذاً للأدب والتاريخ الغربي في الجامعة المصرية، ثم تمّ تعيينه عميداً للآدب في كلية الآداب في الجماعة، عام 1928، لكنّ سيرته سبّبت له العديد من المشاكل، إضافةً إلى تمرده وتنصله من المناصب التي عيِّن فيها أصلاً، ما جعل تقاعده عن التعليم والعمل يأتي مبكراً، قبيل منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.

شكّلت مؤلَّفات طه حسين نقداً عميقاً للمنهج والموروث في التعليم والفكر العربيَّين

وخلال تلك الفترة، كان طه حسين يرسم معالم شخصيته، كناقد ومؤرخ ومفكر، يعتمد منطق الشكّ الديكارتي، ويتّخذ منهجاً نقدياً، يجعل من الأكاديمي والباحث، شخصاً جريئاً ومختلفاً عن صورته التقليدية، وبدأ مسيرته هذه بقوله: إنّه "وجد الأزهر يمثّل سجناً للأفكار والتجديد، وإنّ العلم يغيب فيه"، وذهب أبعد من هذا قائلاً، في كتابه "الأيام"؛ إنّه لم يستفد ممّا تعلّمه من الأزهر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
أخذ طه حسين، الأعمى بصراً، والمتقد علماً، يرسم طريقاً مميزة وخاصة، يرى فيها الكاتب والأديب المصري المعروف شريف صالح "ثورةً أكاديميةً من طه، ميّزته عن رفاق دربه، مثل شوقي ضيف أو العقاد أو المازني، وجعلته الأكثر انشغالاً وحضوراً في الفضاء العام؛ لأنّه لم يقدّم صورة منعزلة للأكاديمي، ولم يفصل الثقافة عن السياسة ولا عن الدين"، وجعل الأكاديمية تتجاوز أروقة الجامعة، لتقتحم أروقة الواقع.

كيف نرى بعيونه اليوم؟
إن أفضل تعريف محتملٍ لطه حسين، عدا عن لقبه الشهير "عميد الأدب العربي"، هو تلك الصفة التي يطلقها الكاتب شريف صالح عليه، وهي "المتعدّد في واحد"، ويوضح صالح، في تصريحه لـ "حفريات": "عند استدعاء طه حسين، الاسم والمشروع، في ذكراه، ألمس علاقته وتأثيره مع محيطه الأوسع من الناطقين بالعربية؛ ففي بعض الأحيان كان طه هو "الواحد" المتمرد، قابس النار، في مواجهة "الكل: الحكومة والأزهر والمجتمع، كما حدث إبان أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي أدّت إلى فصله من الجامعة المصرية، وفي أحيان أخرى؛ كان طه هو "الكلّ"؛ أي ممثل السلطة ووزيرها، و"عميد الأدب"، وممثل الثقافة بمختلف أفرعها".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
لكنّ هذا كلّه لم يمنع روح التمرد في حسين، الذي كان، وفق مقولة صالح؛ "يمثّل المثقف العضوي لغرامشي بالفعل، من خلال إيمانه بدوره في التغيير باشتباكه مع السلطة والمؤسسات والدولة، حتى إنّه كان يمكن اعتباره يسارياً أصيلاً حين أطلق دعوته ليكون التعليم في مصر كالماء والهواء، خلال عصر الباشوات الذين كانوا يهابون هذه المقولة، التي يمكن أن تحرمهم رفاهيتهم بحرمانهم من (طبقة الخدم والجهلة) التي كانوا يحكمونها".
وفي كلّ هذا؛ تبقى روح التمرد مرافقةً للمفكر الذي تجرأ وانتقد مصادر الشعر الجاهلي، حتى إنّه انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين خلال أول عقدين من القرن العشرين، وكان يعدّ حزب أقلية، في مواجهة حزب الوفد، حزب الأكثرية، الذي وجد هو ومفكرون عديدون اختلفوا مع طه حسين، انتماءه السياسي مفتاحاً لمهاجمته في معظم الأحيان.

لا يمكن ببساطةٍ اتهام حسين بالهدم خلال مواجهته النقدية والإصلاحية مع الأزهر

ولم يكتفِ حسين بانتقاد سياسات التعليم في مصر، بل انتقد مصادرها، وقصّته مع كتابه "في الشعر الجاهلي" عصيةٌ على النسيان؛ إذ مُنع الكتاب، لأنّ طه حسين اعتبر الشعر الجاهلي منحولاً باختصار، أي أنّه "كتب بعد الإسلام" ودلّل على ذلك بأنّه كتب بلغة القرآن الكريم، التي وحّدت العرب لغوياً، ولم يكتب ذلك الشعر بلغات أخرى كانت منتشرةً في الجزيرة العربية قبل انتشار لغة القرآن الكريم، كما أنّ المنهج التاريخي المادي مثلاً، لم يقد، برأي حسين، إلى أيّ دليل على أّنّ الشعر الجاهلي يعبّر عن روح عصره في تلك الأثناء.
وقد واجه هجوماً شديداً، بعد كتابه هذا، أوصله إلى المحاكمة، وساق إليه تهماً عديدة، منها الخروج عن الدين؛ لأنّه انتقد المرحلة الجاهلية والمكّية أدبياً، وبنى تصوراً عنها غير التصوّر الديني؛ إذ عدّت هذه مسألة خطيرة في نظر كثيرين، أيضاً اتُّهم بالتأثّر بالغرب، وتكرار مقولات المستشرقين الغربيين وأفكارهم.
وبسؤاله عن هذه التهم، وإذا ما كان يمكن استخلاص شخصية حسين من بينها، ورأيه في طه حسين الذي قرّر تنقيح التراثَين: العربي والإسلامي، ممجداً اللغة العربية، ومستقصياً "السيرة النبوية"، وأزمة الحكم والدولة الإسلامية، كما يليق بوعي (أصولي)، وإن كان ناقداً حصيفاً، علّق شريف صالح بالقول: 

تكمن خطورة طه حسين في نقده الثقافة العربية البائسة في عصره التي أدخلها مباشرةً إلى العصر الحديث وواجه مؤسساتها

"في مواقفه وكتبه، لم يكن "واحداً" أبداً، ولم تكن مسيرة الثمانين عاماً على متصل واحد؛ بل اشتبكت فيها ذواته هو نفسه: الأزهري والأصولي بالفرنسي والليبرالي، واليساري، والمتمرد بالسلطوي، والأكاديمي والصحفي بالسياسي والأديب والمؤرخ، كان "متعدداً" بامتياز، بما يقتضيه ذلك من مراجعات وتناقضات، وهو ما يظهر عبر تغيير "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي"، أو حرصه على أداء مناسك الحجّ لدحض تهمة الكفر".
ويبدو أنّه، من بين هذه المتناقضات والتغيرات، تظهر صورة طه حسين اليوم، متماسكة وقوية، وذلك بسبب راهنية أفكاره حتى اللحظة، خصوصاً في منهجه النقدي القوي، الذي واجه من خلاله المؤسسة التعليمية العربية والمصرية، كما واجه في مصادرها التاريخية والتراثية، منتقداً إياها بجرأة، وفي هذا السياق، يختم صالح قائلاً: "خطورة طه حسين ومركزيته في الثقافة العربية، أنّه ظهر في لحظة فراغ تاريخية هائلة، كانت الثقافة العربية حينها تجترّ ملخصات بائسة موروثة عن القرون الوسطى، فجاء ودشّن لها وأدخلها سريعاً إلى العصر الحديث، وواجه المؤسسات كفرد".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
قلّة من المثقفين العرب، من لعبوا مثل تلك الأدوار المركزية الخطيرة، التي وإن تناقضت، كانت رهاناً على التقدم وإعلاء قيم الاستنارة، حتى في معالجتها للنصّ الديني، ورغم التناقضات وبعض اتهامات (الانتهازية) الوظيفية، التي رافقت مسيرة طه حسين، إلا أنّه كان واضحاً ومباشراً، في ضرورة جعل التعليم ابن الحاجة والحاضر الحاليَّين، وابن العالمية والإنسانية لا المحلية فقط، حتى يسهم في تطور البلاد والشعوب العربية، كما أنّه دافع عن دوره وحقّه كمثقف وناقد وأكاديمي، في نقد النصوص الأدبية والتاريخية العربية، التي رفعها البعض هي ومصادرها إلى مرتبة القداسة، رغم أنّها من تدوين البشر، من أجل بناء ذاكرة لغوية وثقافية معاصرة، تشتبك مع العرب في سياقاتهم الفكرية والاجتماعية الحالية.
لمس حسين الجرح المفتوح حتى اليوم، في فترةٍ مبكرة من فجر بلادنا العربية، وأسئلته ما تزال في بعضها حارةً، تقود إلى إمكانية رؤيتها من جديد اليوم، باستعارة عيونه، التي تطلعت إلى مجد العرب ومستقبلهم، رغم أطروحاته التي اتفق معها كثيرون، واختلف معها آخرون.

للمشاركة:



هل تهدّئ مبررات روحاني غضب الشعب الإيراني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

وصف الرئيس الإيراني، حسن روحاني، المحتجين على رفع أسعار الوقود بـ "مثيري الفوضى والشغب"، مشدّداً على أنّه لن يسمح لهم بزعزعة الأمن في المجتمع، وذلك مع اشتعال الاحتجاجات في إيران بسبب رفع أسعار الوقود.

وقال روحاني: "هناك فرق بين الاحتجاج والشغب، الاحتجاج حقّ لجميع المواطنين وبإمكانهم أن يبدوا احتجاجهم، حتى لو كان لديهم موقف حادّ إزاء الحكومة فإنّنا نتقبل ذلك برحابة صدر، لكننا لن نسمح بزعزعة الأمن في المجتمع".

الرئيس الإيراني يدافع عن رفع أسعار الوقود ويصف المحتجين بـ "مثيري الفوضى والشغب"

وأضاف روحاني: "مثيرو الشغب والفوضى الذين ارتكبوا الأعمال التخريبية والهجمات على البنوك والمستشفيات ومراكز الشرطة والإذاعة والتلفزيون، في بعض مدن البلاد، هم فئة قليلة جداً، والغالبية الساحقة من الشعب لا تواكبهم"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن"، عن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا".

وأشار روحاني إلى الضغوط التي تواجهها إيران بسبب الحظر الاقتصادي، وقال: "هناك 3 سبل فقط لهذا الأمر؛ إما اللجوء إلى زيادة الضرائب على الشعب واستخدام العائدات الناجمة عن ذلك لتسديد النفقات، أو المبادرة إلى زيادة صادرتنا النفطية وتوظيف عائدات ذلك لتسديد النفقات، أو العمل على خفض الدعم الحكومي وتوظيف ذلك لدعم الشرائح الضعيفة".

وأضاف: "مبيعات النفط تواجه قيوداً، وحتى إن لم تكن هناك قيود على صادرات النفط فإنّ عائدات النفط لا تخصص لمثل هذه النفقات"، وتابع بالقول: "لم يكن ممكناً رفع حجم الضرائب؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية للمجتمع، وضرورة أن تتوازن عملية جباية الضرائب من المواطنين وتتناسب مع إمكانياتهم".

روحاني: القرار رفع أسعار البنزين متَّفق عليه من قبل رؤساء السلطات الثلاث وحظي بموافقة خامنئي

وأوضح روحاني؛ "القرار الذي اتُّخذ بشأن رفع أسعار البنزين، هو قرار متفق عليه من قبل المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي الذي يضمّ رؤساء السلطات الثلاث، وحظي بموافقة وتأييد قائد الثورة الإسلامية (علي خامنئي)، والذي يهدف لدعم الشرائح الضعيفة والمتوسطة".

وقال روحاني إنّه أوعز إلى منظمة التخطيط والميزانية ببدء دفع مساعدات معيشية، بداية من اليوم الإثنين، وذلك من عوائد زيادة أسعار الوقود.

واندلعت الاحتجاجات في عدة مدن في جميع أنحاء إيران، يوم الجمعة الماضي، بعد أن أعلنت شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOPDC)، في وقت متأخر من يوم الخميس؛ أنّ أسعار الوقود سترتفع بنسبة 50%.

 

للمشاركة:

وزارة الدفاع الجزائرية تخاطب مواطنيها.. ماذا جاء في بيانها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية بياناً خاطبت فيه المواطنين، بالتزامن مع بدء حملة الانتخابات الرئاسية، اليوم.

وأكد البيان؛ أنّ "القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي أعطت التعليمات الكافية والتوجيهات الضرورية لكل القوات والمصالح الأمنية المعنية لتوفير الشروط الملائمة لتمكين الشعب الجزائري من المشاركة القوية والفعالة في الحملة الانتخابية، وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل، بكلّ حرية وشفافية".

الجيش يعطي التوجيهات لتمكين الجزائريين من المشاركة في الحملة الانتخابية وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل بحرية

وقالت الوزارة: إنّ "التعليمات المقدمة لوحداتها تهدف إلى تمكين المواطنين والمترشحين من التحرك والتعبير في جوّ يسوده الاطمئنان والأمن عبر مختلف أرجاء الوطن عشية انطلاق الحملة الانتخابية".

ودعت الوزارة "المواطنين الغيورين على وطنهم إلى المساهمة النشيطة، إلى جانب قوات الجيش ومختلف مصالح الأمن التي هي مجندة ليل نهار وبيقظة كبيرة، والوقوف صفاً واحداً لإنجاح هذا الموعد المصيري في حياة ومستقبل البلاد ورفع التحدي الذي يعزز مكانة وسمعة الجزائر".

هذا وتنطلق، اليوم، الحملة الدعائية للمترشحين الخمسة، وسط انقسام في الشارع حيال الانتخابات الرئاسية المرتقبة، في 12 كانون الأول (ديسمبر)، حيث تستمر الاحتجاجات الشعبية الرافضة لها كلّ يوم جمعة.

ويطالب المتظاهرون بتأجيل الانتخابات واستبعاد كلّ شخص كانت له علاقة بنظام بوتفليقة السابق، من ضمن بعض الشخصيات السياسية التي ما تزال على رأس عملها؛ مثل رئيس البرلمان وقائد الجيش.

 

للمشاركة:

الحكومة الصينية تكسب مليار دولار من جثث السجناء.. كيف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

كشفت دراسة علمية طبية حديثة استخدام الصين أساليب ممنهجة للتستر على عمليات قتل سجناء سياسيين وسرقة أعضاء من جثثهم، خاصة من أقلية الإيغور المسلمة.

واتّهمت الدراسة الصين بالتزوير في بيانات المتبرعين بالأعضاء، مشيرة إلى أنّ البيانات الرسمية تكشف "عملية خداع وتضليل بارعة، حيث تظهر عمليات نقل الأعضاء القسرية وكأنها عمليات تمت عن طريق متبرعين"، وفق ما نقلت شبكة "الحرة".

الصين تتلاعب في بيانات المتبرعين بالأعضاء البشرية للتستّر على عمليات قتل سجناء وسرقة أعضائهم

وقامت الدراسة التي أعدتها ونشرتها مجلة "بي إم سي"، المتخصصة في أخلاقيات مهنة الطب، في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، على مقارنة الإحصائيات الرسمية بالعدد المقدر لعمليات زراعة الأعضاء.

وأجرى الباحثون الدراسة على خمس مناطق، من مجمل 28 منطقة، أتيحت فيها المعلومات لدراسة الحالة، بين عامَي 2010 إلى 2018.

وقالت الدراسة؛ إنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية من السجناء تدرّ على الدولة مليار دولار، مضيفة أنّ هذه العمليات ما تزال مستمرة، رغم ادّعاء السلطات إصلاح تجارة الأعضاء القسرية.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت إصلاح نظام نقل الأعضاء، بدءاً من كانون الأول (يناير) 2015؛ حيث أصبح الحصول على الأعضاء البشرية من خلال المانحين المتطوعين في المستشفيات، وذلك بعد أن كانت تشتري الأعضاء من السجون والأجهزة الأمنية.

وتقول الدراسة: إنّ "الإصلاحات في الواقع كانت بمثابة قناع للاستمرار في استخدام الجهات المانحة غير الطوعية".

الدراسة أثبتت أنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية تدرّ على الدولة مليار دولار

وبذلك، تؤكّد الدراسة ما خلصت إليه نتائج تحقيقات أجرتها محكمة الصين المستقلة في لندن، وعرضتها أمام مجلس الأمم المتحدة في جنيف، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ونفتها السلطات الصينية.

ومحكمة الصين هيئة مستقلة مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان في الصين، يرأسها جيفري نيس، المدعي العام السابق لدى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة، بما كان يعرف بيوغوسلافيا السابقة.

واستمعت المحكمة لعدة شهادات وإثباتات قدمها محققون في شؤون حقوق الإنسان وخبراء وشهود عيان من أقلية الإيغور المسلمة، وكذا أقلية فالون.

وأكدت المحكمة في بيان "وجود دلائل قطعية الثبوت بضلوع بكين، طوال عشرين عاماً، في استخراج أعضاء من أجساد المنتمين إلى تلك الأقليات والمتاجرة بها".

 

 

للمشاركة:



ماذا بقي لإيران في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

حسين الشيخ

لم يكن هذا السؤال مشروعاً ومسموحاً به قبل نحو عقدين من الزمن في ذهنية العراقيين شعباً وحكومة وتحديداً قبيل دخول القوات الأمريكية العراق عام 2003 واحتلالها كامل أراضيه، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل البلاد.

الوضع اليوم مختلف كثيراً لأن واشنطن وطهران تحالفتا على صدام حسين ونجحتا في إسقاط حكمه، ليقتسم البلدان النفوذ على الأراضي العراقية وإن لم يكن الأمر علانية ولكنه أمر ذاقت البلاد مرارته على مر السنوات الماضية، من خلال استغلال كل طرف رجالاته ونفوذه لدفع ثمن فاتورة الحرب التي لا شك كلفت الكثير خاصة الجانب الأمريكي.

منذ دخول القوات الأمريكية العراق برزت إيران على المشهد من خلال رجالات ينتمون للعراق هوية ويتبعون لإيران ولاءً، واستطاعت من خلال هؤلاء تشكيل أحزاب الغطاء فيها سياسي والبنية الداخلية قائمة على المليشياوية والتطرف وحب الانتقام، وهذا ما قامت تجاه أبناء المحافظات الغربية وبدعم من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، الذي صنف العراقيين عام 2012 بين من يقف مع "الحسين" قاصداً تياره ومن يساند "يزيد" في إشارة إلى خصومه السياسيين.

في واقع الأمر تمثل حقبتا نوري المالكي في رئاسة الحكومة، التي بدأتا عام 2006 إلى 2014، الأرض الأكثر خصوبة لتنامي النفوذ الإيراني وإرساء دعائم هذا النفوذ في الأرض العراقية، بما يحقق مصلحة إيران في الإبقاء على رئة تستطيع من خلاله التنفس عقب العقوبات الأمريكية والغربية عليها، وعدم توصل الطرفين لاتفاق ناجع تدخل به إيران منظومة الدول السوية غير المثيرة للمشاكل والنعرات الطائفية سواء في إقليمها القريب أو حتى على الصعيد الدولي.

عملت إيران ليل نهار لخلق حالة مجتمعية عراقية تخدم مصالحها من خلال دعم حلفائها من الذين يدينون لها بالولاء مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة ومنظمة بدر والصدريين مع تذبب موقفهم، لنتخرط في الحياة السياسية وتجميع الأحزاب والشخصيات الشيعية، والعمل على وحدة صفها وعدم ضياع أصواتها في الانتخابات التي تعاقبت على البلاد بعد سقوط النظام السابق، لا لينعم العراق بمستقبل أفضل بل لتبقى إيران مهيمنة على نفط البلاد ومقدراته من تجارة وزراعة وغيرها، وليبقى هذا البلد العربي ساحة تستطيع من خلالها إيران الضغط على خصومها الدوليين عبر رعايتها مليشيات متطرفة تحركها وفق ما تريد التي تريد بما يهدد ليس مصلحة واشنطن فحسب بل المنطقة برمتها.

هذا الوضع الذي كانت تعيشه إيران خلال السنوات الماضية لن تتمكن من الاستمرار به في الوقت الراهن أو حتى في المستقبل القريب على الأقل لعدة أسباب نذكر منها ثلاثة:

السبب الأول يكمن في رفض العراقيين إيران والتظاهر ضد نفوذها، وهي نقطة مهمة جداً إذ يدرك الساسة الإيرانيون جيداً في ذهنيتهم قوة الشعب العراقي وشدة انتمائه لعروبته وعدم رضوخه وقبوله الذل والمهانة، لذلك بات الصوت مرتفعاً ضد شخصيات كانت في الوقت القريب من المحرم المسّاس بها من شدة الذعر الذي رافق ذكرها كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الأكثر شهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يقف الأمر عنده بل وصل إلى المرشد علي خامنئي، ولعلها المرة الأولى التي تُحرق فيها صوره وبشكل في أكثر من منطقة عراقية، دلالة على ضيق ذرع العراقيين بالإيرانيين وسطوتهم.

الثاني يتمثل بعدم قدرة الساسة العراقيين جميعاً بمن فيهم المحابون إيران والذين كانوا يدورون في فلكها على مجاراة الضغوط التي تتعرض لها طهران من الغرب، لذلك بات هؤلاء يبحثون عن نجاتهم أكثر من مصلحة إيران، خاصة أن محكمة الشعب العراقي تلاحقهم واحدا تلو الآخر، واضعة أسماءهم بقائمة المطلوبين للمحاسبة القضائية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تبني الدول العربية سياسة جديدة تجاه العراق، والعمل على مساعدته للعودة إلى حاضنته العربية، لذلك باتت العلاقات السعودية العراقية أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، إذ تعمل الرياض جاهدة من أجل عدم السماح لإيران باستغلال العراق البلد العربي، مدعومة بقرار وتأييد عربي من مصر والإمارات ودول عربية أخرى.

ليس من المبالغة القول إن نفوذ إيران في العراق بات من الماضي ولم يبق الشيء الكثير باستثناء بعض المليشيات ورجال دين معممين بعصائب ممزوجة برائحة دم أبرياء من العراقيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في زمن هكذا عصابات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

عمرو التهامي
مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ولد حسن مالك لأب مسجون بتهمة الانضمام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وربة منزل تتولى مسؤولية سبعة أبناء آخرين، في حي المنيل القاهري.

ومع بلوغ حسن عامه الثاني عشر، اختار له والده الخارج من السجن لتوه مساراً مُشابها له، عبر إلزامه بقراءة قصص حياة قيادات الجماعة وكُتب مؤسسها حسن البنا، وحضور «اجتماعات الأشبال» في مسجد قريب من منزل العائلة، إلى أن صار عضواً منتسباً داخل التنظيم.

لكن على خلاف الوالد الذي كان «فرداً عاديا في التنظيم، مُتفقاً مع أفكارهم، ولا دور مُحدداً له»، كما قال مالك في تحقيقات النيابة، تحول الابن إلى لاعب أساسي في مسيرة الجماعة التي بنى ذراعها المالية مع شاب آخر التقاه في جامعة الإسكندرية وقدم نفسه له باعتباره «المسؤول عن المحاضرات التربوية والعمل الطلابي». كان اسم ذلك الشاب خيرت الشاطر الذي أصبح فيما بعد الرجل الأقوى في الجماعة.

بعد سنوات من هذا اللقاء، وتحديداً في العام 1985، تقاطعت رغبة الشاطر بدخول عالم المال مع قرار مالك ترك العمل في مصنع والده للغزل والنسيج في مدينة شبرا الخيمة العمالية وبدء نشاطه التجاري الخاص. أثمرت شراكة الرجلين سريعاً عن تأسيس أربع شركات، هي «الفجر» لتجارة الخيوط و«سلسبيل» لبيع البرمجيات وأجهزة الكومبيوتر، و«رواج» للتجارة العامة والاستيراد، و«المستقبل» لتجارة السلع المعمرة، كما تشير عقود عثرت عليها قوات الأمن خلال تفتيش منزل مالك.

هذه الشراكة شبه السرية اعتبرت الغطاء لتدوير أموال «الإخوان»، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، رغم تأكيد الرجلين أن أنشطتهما المالية لا تخص الجماعة. ويعزو عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، غلبة «النشاط التجاري» على استثمارات قادة «الإخوان»، إلى «وعي التنظيم بخطورة الاستثمار في الأصول الثابتة، تحسباً لمصادرتها أو سهولة تتبعها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار في الأنشطة التجارية ذات رأس المال النقدي أو المتوزع على بضائع في أنشطة متنوعة «كان الخيار الآمن لهم».

كان الاستثناء الوحيد من هذا التوجه العام هو الاستثمار في قطاع التعليم عبر تأسيس مدارس خاصة مملوكة لقيادات من الجماعة، «كترجمة لأيديولوجية التنظيم المتصلة بالجانب التربوي والدعوي للنشء»، وفقاً لعادلي.

مع توسع أنشطة الرجلين الاستثمارية وبلوغ أرباحها «مستويات كبيرة»، اعتبر الشاطر نفسه «الأحق والأكفأ» بإدارة أموال التنظيم، بديلاً للقيادي نبيل مُقبل، المسؤول السابق عن أموال الجماعة، كما يقول عضو سابق في «الإخوان» عمل مع مقبل لسنوات قبل أن ينشق عن الجماعة.

اتفق الشاطر ومالك على فصل استثماراتهما الخاصة عن أموال التنظيم التي «أدخلاها في قطاعات استثمارية بنسبة أقل بكثير من استثماراتهما الخاصة»، وفقاً لموظف سابق عمل في مكتب الشاطر الخاص بعد الثورة في 2011.

وتتفق تقديرات الموظف السابق في مكتب الشاطر مع شهادات ثلاثة أعضاء في التنظيم، أحدهم لا يزال فاعلاً، في الذهاب إلى أن استثمارات الجماعة «ليست كبيرة» في المؤسسات التي شملتها إجراءات لجنة حصر وإدارة أموال «الإخوان» التي شكلتها الدولة المصرية في 2014.

وتخالف الرواية السابقة ما ذكره مالك الذي نفى أن تكون للتنظيم أي أنشطة تجارية «على حد علمي»، وفقاً لتعبيره. ويشير مالك إلى أن شراكته مع الرجل الذي أصبح الممسك بخيوط التنظيم خلال سنوات من علاقتهما، كانت دافعاً للكثيرين للتعامل معه كقيادي تنظيمي. وقال: «أنا لم أقرأ حتى لائحة الإخوان المسلمين أو اختصاصات مرشد الجماعة، وكل الناس تصورتني قائداً لمجرد أنني شريك الشاطر».

وبعد الثورة في 2011. توسعت صلاحيات الشاطر، نائب المرشد، عقب الإفراج عنه من محبسه، وأدار من خلال مكتبه في شرق القاهرة، الكثير من المهام التنظيمية ثم أصبح لاعباً أساسيا في حكم البلاد، عقب وصول الجماعة للحكم في 2012.

ويلقي موظف عمل في مكتب الشاطر عقب الثورة الضوء على بعض الإشارات لنفوذه الواسع، إذ تصفه بـ«الأخطبوط». وتوضح: «كان متداخلا في كل الأمور، سواء في البيزنس أو الأمور الداخلية للتنظيم. كان يحرك الجميع لأنهم يخافونه». ومبعث هذا الخوف «بطش» الشاطر المعهود عنه تجاه «أي شخص يغضبه أو ينازعه صلاحياته»، وفقاً للموظف السابق في مكتبه.

امتدت هذه السطوة خلال فترة حُكم الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ يقول مساعد سابق في إحدى الوزارات الاستثمارية لـ«الشرق الأوسط» إن «الوفود الأجنبية كانت دائماً تلتقي الشاطر قبل لقاء الوزير المُختص، وهو ما كان يستدعي استغراب الوزير غير السياسي الذي كان يغيب عنه دور الرجل»، على حد قولها.

«حدة وتحكمات الرجل» أدت بمرور الوقت إلى تبدل العلاقة بينه وبين مالك إلى «خلاف دائم»، انعكس على العلاقات الأسرية وصلات أبناء الرجلين ببعضهما البعض، كما يقول مصدر آخر عمل مع مالك وعلى صلة مصاهرة بعائلته.

لكن عادلي يُفسر هذا الخلاف من منظور آخر له صلة بتباين الخلفية الاجتماعية للرجلين، والمسار الذي سلكه كل منهما للصعود. ويشرح قائلاً: «الشاطر رجل تنظيمي قطبي (نسبة إلى التيار المتشدد الذي يتبع أفكار سيد قطب) انتهى به التنظيم إلى لعب دور اقتصادي، خلافاً لمالك الذي كان تاجراً في الأساس هو وعائلته وانتهى به المطاف للانتماء إلى الإخوان من دون الانخراط في تفاصيلهم».

وأقر مالك بهذا الخلاف خلال تحقيقات النيابة العامة، مشيراً إلى أنه بدأ عقب صعود الشاطر إلى منصب نائب المرشد في 2006. ثم انفصال شراكة الرجلين عقب خلافات كان محورها الرئيسي تجاهل الشاطر رأي مالك بإبعاد الاجتماعات التنظيمية عن مقار الشركات المملوكة لهما، ما أدى إلى «انقطاع» علاقتهما، وإنهاء الشراكة بينهما بحلول 2011.

لاحقاً، عادت العلاقة بين الرجلين في تنسيق المهام بينهما، بعدما تنازل نائب المرشد عن «القليل» من سطوته النافذة. ويقول مصدر قريب من الرجلين مقيم خارج مصر إن «الشاطر كان مضطراً للتعامل مع مالك، لأن الأخير كان معروفاً وسط النخبة المالية في مصر التي تفضل التعامل معه كوجه مقبول ولديه حضور».

هذا التفضيل يظهر في مُراسلات رجال أعمال مصريين لمالك بهدف تسوية مشاكلهم مع النظام الحاكم آنذاك، كحال رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى الذي راسل مالك من محبسه على ذمة قضية جنائية، بخطاب منسوب إليه عثرت عليه قوات الأمن خلال القبض على مالك. وأبدى مصطفى في الخطاب استعداداً للتنازل عن جزء من أمواله نظير الخروج من محبسه. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصطفى الذي أفرج عنه لاحقاً بعفو صحي، لكن لم يتسن الحصول على رد رسمي منه حول نسبة هذا الخطاب له.

وتعززت مهام مالك، عقب صعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في يونيو (حزيران) 2012. بعدما أسس جمعية «تواصل» بهدف التنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة آنذاك، وجمعية «ابدأ» التي ضمت أكثر من ألف رجل أعمال وانطلقت في أغسطس (آب) 2011 بهدف «مساندة النظام وتحقيق المصالح الخاصة»، كما جاء في بيان تأسيسها.

مع صعود التنظيم إلى الحكم، بدأ مالك وعدد آخر من قادة التنظيم الاستثمار في قطاعات استراتيجية ذات أصول ثابتة كالحديد والإسمنت. ويقول عادلي: «كانت هناك محاولات لـ«الإخوان» للتحول من النشاط التجاري إلى القطاعات الاقتصادية الكبيرة، لكن قصر مُدة الحكم لم يسعفهم».

ظهرت جهود مالك سريعاً في تشكيل نخبة مالية جديدة ترافق الرئيس السابق محمد مرسي في زياراته الخارجية، ضمت بين أسمائها وجوهاً جديدة على عالم المال من المنتمين للتنظيم وآخرين محسوبين على نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

اضطلاعه بهذه المهام يظهر في نوعية المضبوطات داخل منزله، أثناء القبض عليه. وبين الملفات المضبوطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ملف بعنوان «الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة في مصر حتى عام 2050»، وآخر بعنوان «بيع أعمال القطاع العام - رؤية إسلامية»، ومُذكرة بعنوان «قراءة في الموقف الاقتصادي: هل يستطيع الدعم الخليجي إنقاذ الاقتصاد المصري؟».

غير أن مهام مالك تلك لم تستمر طويلاً، بعدما أطيح حكم الجماعة في 3 يوليو (تموز) 2013. وأعلن تجميد أنشطة جمعية «ابدأ» بعد استقالة أعضائها كافة من رجال الأعمال.

تبعت إطاحة الجماعة سلسلة حملات أمنية طالت قادة الصف الأول في التنظيم، ومنهم شريكه الشاطر، بينما ظل مالك حراً في منزله بالقاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ساعياً إلى التواصل مع المسؤولين لتجنب مسار السجن كحال المئات من قادة التنظيم.

كان واحد من هؤلاء المسؤولين هو اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، الذي ذهب مالك للقائه بمقر الوزارة، فاستقبله ممثل لإبراهيم أبلغه بانشغال الوزير «في اجتماع هام»، قائلاً إن الوزير سيطلبه إذا أراد، وفقاً لمالك.

بعد هذا اللقاء انقطعت صلات مالك بالمسؤولين، وانحصرت صلاته مع ثلاثة من قادة «الإخوان» خارج السجن آنذاك، هم الوزير السابق محمد علي بشر قبل القبض عليه، وحلمي الجزار عقب إخلاء سبيله، ورجل الأعمال الراحل أسامة خليل.

كان الجانب الأكبر من هذه اللقاءات يتطرق لتبادل وجهات النظر في الكثير من قضايا التنظيم وخيار العنف الذي انخرط فيه عدد كبير من شباب التنظيم، بشهادة مالك ونجله الذي راسله حول هذا الأمر من مقر محبسه، وأقر مالك بصحة المراسلات.

«ملاحظات على مشروع الخطة الجديدة للجماعة»، هي واحدة من هذه الأوراق التي تسلمها مالك من بشر الذي كان يلتقيه بشكل دائم، قبل القبض عليه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بتهمة «التخابر مع دولة أجنبية»، فيما عكست خلفية خليل الاقتصادية نوعية الأوراق التي أمد بها مالك، مثل «واجبات الأفراد في التصعيد الثوري الاقتصادي».

وخلال هذه الفترة، صدرت بحق مالك وقادة الجماعة قرارات التحفظ على أموال التنظيم وممتلكاته، بعدما أصدر مجلس الوزراء المصري في أكتوبر 2013، القرار رقم 1141 لسنة 2013، بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال التنظيم وقادته.

تبع ذلك صدور العشرات من قرارات التحفظ، من جانب اللجنة، على ممتلكات قادة الجماعة بملايين الجنيهات، قبل أن تتوسع صلاحيات اللجنة في يونيو 2014. عبر قرار وزاري من رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب الذي حولها بموجب هذا القرار إلى لجنة دائمة.

وتضُم قائمة أملاك «الإخوان» التي شملتها قرارات التحفظ وضمتها السلطات لاحقاً إلى الخزانة العامة للدولة في 11 سبتمبر (أيلول) 2018. نحو أموال 1589 عنصراً من المنتمين والداعمين لتنظيم «الإخوان» و118 شركة متنوعة النشاط و1133 جمعية أهلية و104 مدارس و69 مستشفى و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، حسب تقدير اللجنة.

كان تشكيل هذه اللجنة، وقبلها حملات القبض المستمرة على قادة الجماعة المعروفين من أصحاب رؤوس الأموال، دافعاً لبناء «شبكة جديدة من الاستثمارات في دول خارج مصر، على رأسها دول شرق أفريقيا وجنوبها»، حسبما يشير مستثمر مقرب من الجماعة. ويُضيف أن «حجم بيزنس الجماعة زاد داخل هذه الدول، لسهولة الحصول على جنسياتها وتمتع قادة التنظيم بعلاقات جيدة مع مسؤولين بارزين فيها».

وترسم أوراق قضية «الإضرار بالاقتصاد القومي» صورة أعم وأشمل للوسائل التي لجأ إليها رجال المال في التنظيم للتعامل مع قرارات مصادرة ممتلكاتهم، وتحديداً في طرق نقل الأموال إلى خارج البلاد خلال هذه الفترة.

فمع توسع قرارات المصادرة والقبض على قادة التنظيم، ظهرت أسماء أقل شهرة من مالك والشاطر في مجال المال، وتبلورت أدوارها في نقل الأموال للخارج، تجنباً للتعامل من خلال البنوك والبُعد عن الرصد الأمني.

على رأس هؤلاء رجل الأعمال الهارب محمد صلاح محمود الذي يملك شركة تعمل في استيراد وتصدير المفروشات، وهو لعب «دوراً كبيراً في استخدام شركته لنقل ملايين الجنيهات لحسابه أو لحساب شركات أخرى مملوكة لقادة في التنظيم»، بحسب شهادات وملفات قضائية.

لا تتوافر معلومات عن الرجل الصادر بحقه حُكم من محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه ضمن قائمة الإرهابيين لثلاث سنوات، في 29 أغسطس 2017. عدا كون أنه رجل أعمال «مُحب» للتنظيم، قدم تبرعات من فترة لأخرى، وفقاً لمصدر في «الإخوان».

وبمساعدة ثلاثة من أمناء الشرطة (مساعدي الضباط) في ميناء القاهرة الجوي، مقابل 10 آلاف جنيه للمرة الواحدة لكل منهم، نجح صلاح في نقل نحو مليار جنيه تقريباً (أكثر من 130 مليون دولار بأسعار الصرف آنذاك)، عبر ثلاثة عاملين في شركته تناوبوا على السفر للخارج لنقل نحو 50 إلى 100 ألف دولار أسبوعياً.

«ما الطريقة التي كانت تتم من خلالها نقل الأموال؟»، يجيب مصطفى همام (31 عاماً)، أحد هؤلاء العاملين واسمه مدرج في قوائم الإرهابيين، خلال التحقيقات معه: «تم الاتفاق مع أفراد الميناء الثلاثة على تسلم واحد منهم المبالغ المالية المراد تمريرها داخل أظرف كبيرة الحجم وإدخالها عبر الدائرة الجمركية من دون تفتيش، وتسليمها لواحد منا بعد ذلك، عقب إنهاء إجراءات السفر».

وتمثلت الطريقة الأخرى في تسهيل السفر باستخدام صالة كبار الزوار، وقيام أحد عناصر الشرطة الثلاثة بتمرير حقائب الأموال على جهاز الكشف على الحقائب بالأشعة الخاصة، من دون الإشارة لمحتوياتها، وفقاً له.

بدأ نقل هذه الأموال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى الصين ودول عربية وتركيا، عبر عاملين في شركة الاستيراد والتصدير، ليصل إجمالي المبلغ الذي انتقل خلال تلك الفترة إلى نحو مليار جنيه، وفقاً لهمام.

ويُقر همام الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه في المطار في 8 يناير (كانون الثاني) 2016، حين كان في طريقه إلى الأردن، وبحوزته عملات أجنبية بما يعادل نحو مليون و650 ألف دولار، بنقل هذه الأموال مع عاملين في الشركة خلال استجوابه أمام جهات التحقيق، قائلاً: «تلخيصاً لموضوعي، أنا أعمل في تهريب العملة فقط لا غير في إطار الأعمال التجارية وأعمال الصرافة، ولا علاقة لي بأي جماعات».

ويؤكد المصدر «الإخواني» أن «القطاع الأكبر من رجال المال داخل التنظيم استخدم طرقاً تقليدية لتهريب الأموال، بينما رجال المال المنخرطون في استثمارات بمليارات نجحوا في ذلك بطرق أكثر تطوراً من فكرة نقل الأموال السائلة».

وكان تحقيق صحافي محلي نشر في أغسطس 2015. كشف أن رجل الأعمال صفوان ثابت، وهو أحد قادة الجماعة الماليين الصادر بحقهم قرار تحفظ وحفيد مرشد «الإخوان» السابق مأمون الهضيبي، نجح في نقل ملكية شركته إلى شركة أخرى تقع في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي شهير، كوسيلة لحماية ممتلكاته من خلال الامتيازات التي تتيحها هذه الجزر لأصحاب الشركات من «امتيازات ضريبية وسرية تامة، إضافة إلى سهولة التأسيس».

وسبقت هذه المحاولات مساعٍ بطرق أخرى من جانب قادة التنظيم المنخرطين في عالم الأعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، وتحديداً قبل وقوع مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم الجماعة ببضعة شهور، بالتزامن مع انتشار دعوات حركة «تمرد» لسحب الثقة من مرسي.

ويقول مستشار قانوني لشركة مملوكة لرجل أعمال منتمٍ إلى «الإخوان»، إن «قادة التنظيم المنخرطين في النشاط التجاري لجأوا إلى التعاقد مع خبراء في القطاع البنكي لنقل أموالهم إلى الخارج، وتعيين ممثلين قانونين غير محسوبين على الجماعة لإدارة شركاتهم، وتمثيلهم في المنازعات القضائية».

هذا التفاوت في طرق نقل أموال قادة «الإخوان» إلى الخارج «مرتبط بتباين قدرات كل واحد منهم وصلاته، وحجم البيزنس»، كما يقول عادلي الذي يعزو تفضيل قادة التنظيم نقل أموالهم إلى دول أفريقية إلى ثلاثة أسباب، أولها أن «هذه الدول فيها مساحة أكبر للتهرب من القيود المرتبطة بتمويل الإرهاب، خصوصاً للمستثمرين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي حول العالم»، فضلاً عن أن أفريقيا «مساحة تقليدية لتوطين الأنشطة غير الرسمية وغير القانونية، والمراقبة فيها محدودة». والسبب الأخير هو «سهولة إقامة علاقات وثيقة مع مسؤولين في هذه الدول».

لكن هل تنجح مصادرة ممتلكات «الإخوان المسلمين» في كتابة نهاية التنظيم؟ يجيب عادلي قائلاً: «قياساً على تجارب سابقة، سيكون أثر هذه الإجراءات وقتياً وليس ممتداً على المدى البعيد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية