"رحلة حياة" لمحمود زقزوق.. دعوة للتأمل في واقع الشأن الديني المصري

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
3224
عدد القراءات

2018-12-10

أصدر وزير الأوقاف المصري السابق، محمود زقزوق، سيرته الذاتية "رحلة حياة... ذكريات وحقائق وتجارب حياتية"، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، العام 2018، ليقدّم شهادته على مراحل تاريخية مهمّة من تاريخ مصر.

وما يلاحظ في السيرة الذاتية؛ أنّه رغم عمله بالسياسة، فقد تعمّد زقزوق تغييب شهادته حول المسائل السياسية، وألّا يمسّ ما هو سياسي، إلا بما يتعلّق بعمله وزيراً للأوقاف المصرية مثل؛ قيامه بضمّ ستين ألف مسجد إلى وزارة الأوقاف، وكذلك آلاف الزوايا، وموافقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الإيجابية على هذا، ومدى تقدير زقزوق للرئيس مبارك، وقد قام زقزوق في مذكراته ببيان مشروعاته، التي قام بها في وزارة الأوقاف، وهي عديدة.

اقرأ أيضاً: الأزهر يرد على "صدام الحضارات" بندوة عن تكامل الإسلام مع الغرب

ما يهمنا في هذه الشهادة؛ ليس روح التسامح البادية في سمات زقزوق الشخصية، ولا طابعه الإنساني النبيل، لكن ما يهمنا؛ شهادة زقزوق على الأزهر من الداخل، وموقفه من قضية التجديد، وموقفه من السلفيين.

يرى زقزوق أنّ التجديد في الفكر الإسلامي ليس بدعة، وليس خروجاً على تعاليم الدين، إنّما هو في مصلحة الأمة ومصلحة الدين نفسه، وذلك لأنّ الحياة بطبيعتها في حركة دائمة ومتجددة، وحياة الإنسان بالذات تخضع لهذا القانون؛ ذلك لأنّ حياة الإنسان في تجدّد مستمر وتطور في العلوم والمعارف، والثورة العلمية والتكنولوجية، ولهذا كانت الحاجة إلى تجديد الفكر الديني حتى يساير تطورات الحياة.

قدمّ زقزوق رؤيته لضرورة التقريب بين السنّة والشيعة ويشيد بجهود محمد مصطفى المراغي ومحمود شلتوت وغيرهم من أعلام الأزهر

وينتقد زقزوق من يرفض التجديد في الفكر الإسلامي، معتقداً أنّ التجديد ما هو إلا مؤامرة خبيثة ضدّ الإسلام، في حين أنّ المجددين الحقيقيين في الإسلام لم يتطرق أي منهم إلى التفريط بثوابت الإسلام، لكنّ الرافضين للتجديد، الذين علا صوتهم في أروقة الأزهر، ما يزالون يعزفون هذا اللحن، ويعدّون أنفسهم حراس الدين، وتلك هي المأساة والانتكاسة التي يواجهها الفكر الإسلامي من أبناء الأزهر، الذين كان ينتظر منهم النهوض بهذا الفكر من أجل مصلحة الأمة، لكنّ هذا الفهم السقيم هو الغالب في الأزهر للأسف الشديد، والجمود الفكري هو الموقف الثابت لهؤلاء الرافضين للتجديد في أيّة صورة من الصور، وهم يتهمون دعاة التجديد بالتخوين؛ لذلك فإنّ دعاة الجمود يرون أنّ القدماء قد جاؤوا بكلّ شيء، ولم نعد في حاجة إلى المزيد، ولذا رأى زقزوق أنّ دعاة تجديد الفكر الإسلامي لا تتاح لهم الفرصة، وتوصد أمامهم الأبواب، فلا يريد المسيطرون على قلعة الجمود أن يكون لغيرهم صوت مسموع، فهم وحدهم الحراس على التراث، وعلى الإسلام، وعلى الفكر الإسلامي ونقائه، كما يزعمون.

يقول زقزوق: إنّ "التجديد في الفكر الإسلامي شيء، وثوابت الإسلام شيء آخر"؛ لذلك اقترح زقزوق ضرورة إعادة النظر في فهمنا لعدد من القضايا مثل: قضية الخلافة، وقضية النسخ في القرآن الكريم، والمعاملات المالية المستحدثة، ومفهوم الجهاد، فنحن في حاجة إلى الاجتهاد في هذه القضايا بما يوافق ظروفنا الراهنة.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد الغرب من الأزهر؟

ويدعو زقزوق إلى ضرورة التعايش والسلام بين الأديان، فيرى أنّ الإسلام جاء ليتمم الأديان السابقة، كما أنّ الإسلام أبلغنا بأنّ كلّ أمة كان لها نذير، وأنّ الرسول آمن بكل الرسل السابقين، ويقول: "هناك ثلاثة مبادئ، إذا اجتمعت لدي أتباع دين من الأديان، خاصة الأديان الكبرى، فكلّها مقبولة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة (62)]

ويقول زقزوق: "كنت، منذ طفولتي، وما أزال، لا أجد تناقضاً بين أذان المؤذّن وجرس الكنيسة؛ حيث إنّ كلّاً منهما دعوة إلى الصلاة، فكل دين يدعو أتباعه إلى الصلاة بطريقة مختلفة".

يدعو زقزوق إلى ضرورة التعايش والسلام بين الأديان فيرى أنّ الإسلام جاء ليتمم الأديان السابقة

وقدمّ زقزوق رؤيته لضرورة التقريب بين السنّة والشيعة، ويشيد بجهود محمد مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وغيرهم من أعلام الأزهر، ويرى زقزوق أنّ الخلاف المذهبي بين السنّة والشيعة ليس خلافاً دينياً في المقام الأول؛ إنما هو خلاف سياسي حول قضية الإمامة، ويرى أنننا إذا كنا نؤيد الحوار مع أصحاب الأديان الأخرى، فمن باب أولى ينبغي علينا أن نتحاور فيما بيننا نحن المسلمين، ولا شكّ في أنّ هذا الخلاف هو الشقّ الذي يغذّيه الغرب لتفكيك العالم الإسلامي الآن.

وتناول محمود زقزوق، على استحياء، موقفه من الجماعات الإسلامية في مذكراته، فأبرز ذلك في خلاف دبّ بينه وبين مسؤول شعبة الإخوان المسلمين، أثناء احتفال القرية بثورة يوليو عام 1952.

اقرأ أيضاً: هل يستطيع الأزهر تجديد الخطاب الديني؟

وقد حذّر زقزوق في مذكّراته من المدّ السلفي على الأزهر؛ لأنّهم يخططون للاستيلاء على الأزهر، جامعاً وجامعة، وقد بدؤوا بالسيطرة على كلية الدعوة في جامعة الأزهر، وأصابوا بعض النجاحات، وعندما بدأ التفكير في إنشاء مقر جديد لكلية الدعوة في مدينة نصر، انهالت عليهم التبرعات على نحو غير مسبوق من أنصارهم في المملكة العربية السعودية، وفي زمن قياسي لا يتعدى ستة شهور، أقيمت كلية الدعوة شامخة وشاهدة على صعود نجم السلفيين في الأزهر.

وفي أثناء حكم الإخوان أصدر طلاب السلفية بياناً يشتمل على تحذير طلاب الأزهر غير السلفيين في أربع صفحات، يشيرون فيه إلى أنّ العقيدة الأشعرية كفرية، ويطالبون طلاب الأزهر بالإقلاع عنها، وأنّهم سوف يواصلون نشر الدعوة السلفية بكل الوسائل، وأنهم يدعون الصوفية من البراءة من الشرك واعتناق المذهب السلفي، ويرون أنّ السلفيين وحدهم هم الفرقة الناجية، والصوفية والإباضية والشيعة كفّار.

يرى زقزوق أنّ التجديد في الفكر الإسلامي ليس بدعة، وليس خروجاً على تعاليم الدين، إنّما هو في مصلحة الأمة ومصلحة الدين نفسه

كما جاء في البيان: إنّ الأرض ثابتة لا تدور، وليست كروية، وإن الألعاب الرياضية حرام، وتعدّد الزوجات واجب، وإعادة الرقّ ضرورة لعلاج الفقر والعزوبية، ويشير بيان السلفيين في الأزهر إلى أنّ الديمقراطية كفر، وأنّ الليبراليين والعلمانيين كفار، وأنّ تكوين الأحزاب السياسية السلفية وحدها مرخّص لها بذلك، لمصلحة الدين، ويقول زقزوق محذراً: إنّ الأزهر كان دائماً عصياً على أيّ اختراق له من خارجه، وكان عصياً على محاولات جذبه لأيّة تيارات من هنا أو هناك، لكنّ خطورة ما يدبر له هذه المرة، لا تأتِ من خارجه؛ إنما من داخله، ولا يقتصر الأمر على ما ينشره الطلاب السلفيون في الأزهر، من بيانات أو دعايات، إنما هناك، فضلاً عن ذلك، أعضاء من هيئة التدريس قد تشبّعوا بالفكر السلفي، وهم حريصون على إشاعته ونشره بين الطلاب، فهل يفطن الأزهر إلى ما يراد به في مستقبل الأيام؟

إنّ ما خطّته يد وزير الأوقاف زقزوق، عن سيرته الذاتية، فيه الكثير مما يستحقّ أن نقف أمامه لنتأمل في واقع الشأن الديني في المجال العام المصري.

اقرأ المزيد...

الوسوم: