الطريق إلى التسامح.. هكذا قصّ فولتير حكاية كشفت سوءات التعصب الديني

16066
عدد القراءات

2018-12-12

التسامح غاية مطلوبة كي يتمّ الوصول إليها يجب اجتثاث كلّ مسببات التعصب الديني؛ فإذا كانت التنشئة الاجتماعية هي التي تنتج مواطناً متسامحاً، أو تنتج مواطناً متعصباً، والبيئة المجتمعية هي التي تقوم برعاية التطرف أو رعاية التسامح، والأفكار الحاكمة التي تشيع في المجتمع هي التي تفرض نمطها على الجماهير؛ فنشر التسامح يحتاج إلى اقتلاع جذور ومسببات التعصب الديني والتطرف من المجتمع، وإحداث القطيعة المعرفية مع أيّة فكرة أو قيمة تساعد على التعصب والتطرف، ودعم أفكار التسامح وتقبّل الآخر.

اقرأ أيضاً: الأزمات السياسية وعودة التطرف

إنّ التعصّب مذموم ومهلك ومدمّر للمجتمعات؛ لأنه يمزق النسيج الوطني، والتسامح والتقبل يجعلان المجتمعات أكثر صلابة وأكثر قدرة على تحمّل الصعاب؛ فالتجربة الإنسانية واحدة، ولا حدود لها، وعلينا أن نتعلم منها، والتاريخ خير شاهد ودليل على صدق التجربة الإنسانية مع التعصب، وأول دليل نجده في قصتين؛ الأولى في فرنسا عام 1762، والأخرى في القاهرة عام 2012.

تلك الواقعة أيقظت المجتمع من التعصب الديني ليدرك حجم المأساة المنتظرة إذا بقي المتعصبون يجوبون الشوارع

القصة الأولى: يحكيها فولتير في رسالة التسامح؛ ففي مدينة تولوز الفرنسية، تحديداً في آذار (مارس) العام 1762؛ قتل مواطن فرنسي بطريقة همجية وتعصبية، في واحدة من أبرز الوقائع القميئة التي تندى لها الإنسانية، فقد كشفت هذه الواقعة سوءات التعصب الديني.

وفي تفاصيل الحكاية؛ كان جان كالاس مواطناً فرنسياً يمارس مهنة التجارة في مدينة تولوز، لنحو أربعين عاماً، وقد أجمع كلّ الذين عاشوا معه على أنّه كان أباً صالحاً، وقد كان يدين بالمسيحية البروتستانتية، هو وزوجته وأبناؤه، لكنّ ابنه الأكبر (مارك) قرّر العودة إلى الكاثوليكية، وأن يصبح اسمه (أنطوان)، وقد كان مارك مولعاً بالأدب، وعُرف عنه أنّه شاب مضطرب الذهن، ميّال إلى الاكتئاب، وأنّه حادّ الطباع، حاول أن يمارس التجارة فلم يفلح فيها، وخسر خسارة مالية كبيرة، ثمّ قرّر أن يكون محامياً، لكنّه فشل في الانضمام إلى سلك المحامين، لفشله المستمر في النجاح والحصول على شهادة بممارسة المحاماة، أو ما يثبت كاثوليكيته.

اتّجه هذا الابن إلى لعب القمار، فخسر كلّ نقوده، وأسرّ لأحد أصدقائه أنّه قرّر إنهاء حياته، وقد كانت تعتصره لحظات الفشل حينها.

اقرأ أيضاً: فضاء بلا سلطة.. هل يمكنه مواجهة التطرف؟

في إحدى الليالي، وإثر عودته من مدينة بوردو؛ زار أحد أصدقاء مارك (لافيس)، وهو شاب يبلغ من العمر التاسعة عشر، ابن محام مشهور، كان معروفاً بدماثة الخلق، وقد تناول طعام العشاء ليلتئذ على مائدة أسرة كالاس، بصحبة الأب والأم ومارك (أنطوان)، و(بيير) ثاني أبناء جان كالاس، وبعد العشاء؛ انتقل الجميع إلى غرفة الجلوس، عدا مارك الذي توارى عن الأنظار، وحين استأذن الفتى لافيس بالانصراف، رافقه بيير كالاس على الدرج، ففوجئ الجميع بمارك مشنوقاً أمام باب مخزن أبيه.

كان مارك يرتدي قميصه الداخلي، وسترته موضوعة على طاولة المتجر، ولم تكن على قميصه آثار تدلّ على تعرّضه لأيّ شدّ أو عراك، وكان شعره مسرّحاً، وجسده خالياً من أيّ أثر لجرح أو حتى كدمة، هنا صرخ جان، وهرعت إليه الأم، فما إن رأت ابنها البكر مشنوقاً، حتى صرخت صرخة سمعها الجيران.

انتصر الهوس الديني المسيطر على العقول والأرواح، فظنّ المتطرفون الهائجون أنهم يدافعون عن الدين

سارع لافيس وبيير وكالاس إلى طلب الأطباء ورجال الشرطة، وفيما هم مشغولون بقتيلهم، تجتاحهم حالة اضطراب لا توصف، احتشد أهل تولوز حول البيت، وقد كانوا معروفين بأنّهم سريعو الغضب، متعصّبون للكاثوليكية، ينظرون إلى إخوانهم التولوزيين من البروتستانت على أنهم مسوخ بشرية، وبأنهم يقيمون احتفالاً كبيراً كلّ عام احتفاءً بذكرى مجزرة اقترفها السكان قبل قرنين من الزمن، راح ضحيتها أربعة آلاف من أبناء تولوز؛ أي إنّ مجتمعهم كان يثمّن شأن الانتقام الديني، ويدعم التعصّب، ويعدّه قيمة عليا.

صاح أحد المتعصبين من عوام الناس، معلناً أنّ جان كالاس هو مَن شنق ابنه مارك (أنطوان)، وتعالت الأصوات تردّد هذا الاتهام، وفي لمح البصر، اجتمعت المدينة كلّها على أنّ كالاس قتل ابنه البكر وفلذة كبده؛ لأنّه أراد أن يعود إلى الكاثوليكية!

تفلتت العواطف في تولوز تلك الليلة؛ مدفوعة بتعصّب ديني يجنح العقل عن الصواب، ويحيد عن طريق الحقّ؛ فبعد الاتهام، كان لا بدّ من سرد حكايات تلهب خيال العامّة، لتشتعل نار الثأر الدّيني المقدس، بعد أن نسجت العقول الغاضبة الجامحة حكاية منحولة تماماً، تقول إنّ البروتستانت في مقاطعة اللانغدوك عقدوا اجتماعاً موسّعاً عشية ذلك اليوم، واتفقوا على قتل الابن البكر، عقاباً له على عودته للكاثوليكية، واختاروا جلاداً يقوم بتنفيذ تلك المهمة، فوقع اختيارهم على لافيس، وهذا الأخير قدم سريعاً من مدينة بوردو، بعد تلقيه خبر انتخابه جلاداً، ليتعاون جان كالاس وزوجته وابنهما بيير على شنق ابنهم البكر مارك (أنطوان)؟!

اقرأ أيضاً: هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟

طارت هذه الشائعة بسرعة البرق إلى جميع أنحاء تولوز، ووصلت إلى القاضي دافيد، الذي حرّكته الحميّة بسرعة، مخالفاً القواعد والأصول القانونية، فزجّ جميع أفراد أسرة كالاس، ومعهم لافيس، وكذلك الخادمة، في السجن، ومن المفارقات العجيبة؛ أنّ الخادمة كانت كاثوليكية متدينة، ورغم ذلك صحبت الأسرة فترة طويلة من الزمن، فهي التي تولّت تربية مارك (أنطوان).

غلبت العاطفة الحمقاء الحكمة، وخشي العقلاء من البوح بما تخفيه صدورهم ضدّ هذه الإجراءات التعسفية، وزاد الأمر تعصباً؛ إصرار المتشدّدين على دفن مارك (أنطوان) في حفل مهيب في كنيسة القديس اصطفان، رغم معارضة راعي هذه الكنيسة؛ لأنّ الميّت كان على مذهب كالفني، كما أنّه من المحتمل أن يكون منتحراً، وإن صحّ ذلك فيجب أن تُجرّ جثته في شوارع المدينة لا أن تقدَّس!

التعصّب مذموم ومهلك ومدمّر للمجتمعات؛ فهو يمزق النسيج الوطني، والتسامح يجعل المجتمعات أكثر صلابة وقدرة على تحمّل الصعاب

لقد حلّ التعصب الأحمق محلّ الدليل، في قضية كان من المستحيل إيجاد دليل مادّي واحد فيها ضدّ أسرة كالاس؛ إذ كان يجتمع 13 قاضياً يومياً لإنهاء هذه الدعوى، وأصرّ 6 من القضاة على الحكم على جان كالاس وابنه ولافيس بالموت تحت التعذيب، وتحطيم عظام الأطراف، وأن تصعد زوجته إلى المحرقة. في حين طالب سبعة قضاة آخرين بالتحقيق معهم فيما جرى، للتأكّد من الاتهام الجماعي، وقاضٍ واحد منهم فقط كان على يقين من براءة المتهمين، واستحالة الجريمة، فدافع عنهم وعارض التشدّد والتعصّب والقسوة.

بعد مقاومة قصيرة؛ انتصر الهوس الديني المسيطر على العقول والأرواح، فظنّ المتطرفون الهائجون والمؤججون نار التعصب، أنهم يدافعون عن الدين، فتمّ التصديق على حكم الإعدام بحق جان كالاس المسنّ، الذي تجاوز الثامنة والستين من عمره، الذي كان شبه عاجز بسبب تورم ساقيه.

اقرأ أيضاً: حين يتحول التطرف الديني إلى معول لهدم التراث الإنساني

لقد زلزلت هذه القضية المجتمع الإنساني في فرنسا، وأدرك الجميع خطورة التعصب الديني وخطورة الأخويات الدينية (الجماعات)، التي تنشر التقوى، وإلى جوارها التعصب والتطرف، تجثّ الناس عن لاحمة المسيح، وتمارس الإرهاب الديني على الآخرين، وأنّ بقاء تسلط رجل الدين وتعسّف رجال الحكم سيكون دماراً على المجتمع، وأدركوا أنّه لا أمل لهم في حياة سليمة وصحيحة وصحية إلا بنبذ العنف والإرهاب والتطرف، وأنّ أوّل خطوة هي نبذ التعصب الديني.

تلك الواقعة، إذاً، رغم كمّ الظلم الذي حملته؛ إلا أنّها جعلت المجتمع يستفيق من التمادي في التعصب الديني، وأن يدرك حجم المأساة المنتظرة، إذا بقي المتعصبون يجوبون الشوراع ليبثّوا أفكارهم، وينثروا بذور تعصّبهم وتطرّفهم وإرهابهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: