الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف

6432
عدد القراءات

2018-12-13

ترجمة: علي نوار


قبل ما يقرب من عام؛ انفجرت عربة مفخخة تحمل طنّين من المتفجرات، في قلب العاصمة الصومالية، مقديشيو، لتودي بحياة 600 شخص؛ ويصبح هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى، الذي يصل لثلاثة أضعاف ضحايا هجمات 11 آذار (مارس) 2004 في مدريد، وهجمات بالي، و10 أضعاف ضحايا هجمات 7 تموز (يوليو) 2005 الإرهابية.

هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى

تقدّم هذه الاعتداءات لمحة عن تصاعد وتيرة العنف الذي يشهده، ليس الصومال فحسب؛ بل القارة الإفريقية بالكامل. فقد شهد العام الماضي مقتل 10 آلاف شخص، جرّاء هجمات جهادية، ورغم أنّ الرقم بعيد للغاية عن ذلك الذي شهده عام 2015، بمصرع 18 ألف شخص، إلّا أنّ الظاهرة لا تتوقّف عن التمدّد: فخلال الفترة بين عامي 2010 و2017، ارتفع عدد الدول التي توجد بها منظمات جهادية إلى الضعف، بينما قفزت معدلات الهجمات بنسبة 300%.
ويقول سرخيو ألتونا، الباحث في برنامج الإرهاب العالمي بمعهد "إلكانو" الملكي الإسباني: "رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا، ولديه وجود في دول كثيرة، كان الاعتقاد السائد دائماً أنّها لن تتعرّض لهذا النوع من التهديد، وظهرت بؤر جهادية جديدة في كلّ من؛ موريتانيا، وكينيا، وبوركينا فاسو، بقوة كبيرة، أما النيجر التي كان هناك وجود بسيط للجهاديين في المنطقة الجنوبية الشرقية منها، فقد أصبحت هذه المنطقة شديدة الخطورة".

أبو بكر شيكاو، في فيديو عام 2016. (رويترز)
وبحسب التقرير السنوي حول الإرهاب؛ الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية، والذي نشر في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ فإنّه "على الرغم من تكثيف الدول الإفريقية لجهودها الهادفة لوضع حلول لمكافحة الإرهاب في المنطقة، إلّا أنّها ما تزال تقاتل من أجل احتواء توسّع الجماعات الإرهابية، التي نفذّت بالفعل هجمات وأعمال أخرى في 2017"، وبينما كان العالم منشغلاً بالعراق وسوريا، ويحتفل بالقضاء على آخر معاقل تنظيم داعش، كانت الحركات الجهادية تنتشر في أنحاء إفريقيا كالسرطان.

اقرأ أيضاً: الأعداد التقديرية للمقاتلين في الخلايا التابعة لداعش في إفريقيا
قال ألتونا لصحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية: "هناك أسباب مختلفة؛  منها غياب الفرص التعليمية والاقتصادية، إضافة إلى الحكم غير الرشيد حيث إنّ الكثير من هذه الدول تحكمها أنظمة استبدادية؛ إذ يحدث تركيز شديدة للسلطة، فسلطة الدولة لا تتجاوز المدن الحضرية الكبرى، ويتلاشى خارجها، ما يسهم في السعي نحو انضمام جزء من الشعب، محدود، لكنّه واضح، إلى هذا النوع من الجماعات الإرهابية".
خلافات عائلية في بوكو حرام
تعدّ الأحداث التي أحاطت بجماعة (بوكو حرام) مؤخراً خريطة واضحة لكيفية تطور الحركات الجهادية في قارة إفريقيا، فقد تأسّست الجماعة عام 2002، في مدينة مايدوجوري النيجيرية، على يد رجل دين ذي شعبية جارفة؛ هو محمد يوسف وكانت جماعة دينية في البداية، قبل أن تتّجه نحو الأصولية، وتبدأ في استخدام العنف ضدّ هؤلاء الذين رفضوا تبني تأويلها المفرط في التطرّف للإسلام، وبعد إعدام يوسف على الملأ من جانب الشرطة النيجيرية، عام 2009، دخل أتباعه في مرحلة دموية أفرزت فظائع وحشية وضعت الجماعة تحت أنظار المجتمع الدولي.

اقرأ أيضاً: نيجيريا تخفق في هزيمة بوكو حرام .. وهذه هي الأسباب
واشتهر أبو بكر شيكاو، خليفة يوسف، بالمذابح الجماعية في شمال نيجيريا والدول المجاورة، واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم، واتجه للتفكير في الانضمام إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بل ووصل الأمر لدرجة إرسال بعض أعضاء "بوكو حرام" إلى الجزائر، من أجل الحصول على التدريب، بيد أنّ هذه المبادرة لم تثمر، وفي 2015؛ أعلن شيكاو الولاء لتنظيم داعش، وغيّر اسم جماعته إلى ولاية غرب إفريقيا، التابعة لـداعش، إلا أنّ قيادات الأخير انتبهوا سريعاً إلى أنّ النيجيري لم يكن يسعى سوى إلى بثّ الإرهاب بغرض الإرهاب، لا السيطرة على الأراضي.

سرخيو ألتونا: رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا

لذلك، قرّر تنظيم داعش، في 2016 تعيين قيادي آخر لتمثيل بوكو حرام في هذه المنطقة من إفريقيا، ووقع الاختيار على "أبو مصعب البرناوي" ابن محمد يوسف، ما أدّى لوجود حركتين؛ الأولى هي (ولاية غرب إفريقيا) بزعامة البرناوي؛ الذي يعتقد أنّ تحت إمرته ثلاثة آلاف و500 مقاتل، ما يجعلها أكبر فصيل تابع لـداعش، على مستوى العالم، وقد أصبح فرعاً رسمياً من التنظيم الجهادي في شمال غرب القارة، بينما يطلق الجميع على الحركة التي يقودها شيكاو، والذي ما يزال تحت قيادته ألف و500 رجل، الاسم القديم (بوكو حرام)، ورغم اتجاه الأخيرة للعنف العشوائي واسع النطاق، إلا أنّ (ولاية غرب إفريقيا) استفاد بصورة كبيرة من خبرة الجهاديين المخضرمين من دول أخرى، الذين درّبوا عناصره على تكتيكات مثل زرع القنابل منزلية الصنع على الطرقات.
ونظراً إلى موقعها الإستراتيجي؛ تعدّ نيجيريا أكثر مناطق النزاع سخونة على مستوى القارة، ويؤكّد جنرال سابق، كان قائداً للقوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)؛ أنّه "إذا سقطت نيجيريا، فإنّ هذا من شأنه أن يخلق ثقباً هائلاً، قد يبتلع ستّ أو سبع دول أخرى"، في تصريحات أوردتها صحيفة "إيكونوميست"، لكنّ نيجيريا ليست البؤرة الوحيدة التي تبعث على القلق.

اشتهر شيكاو بالمذابح الجماعية بشمال نيجيريا والدول المجاورة واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم

ويتابع الخبراء، بقلق، كيفية اتجاه الكثير من هذه الجماعات نحو عقد تحالفات جهادية، تكبر بمرور الوقت، وبشكل مستمر، كما حدث على سبيل المثال في الصحراء الكبرى؛ حيث ظهرت بنهاية الشتاء الماضي، ما يطلق عليه اسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ عن طريق اندماج عدة حركات سلفية جهادية هي "أنصار الدين" الطوارقية، و"جبهة تحرير ماسينا"، و"المرابطون"، التي ولدت بدورها إثر الاتحاد بين "جماعة التوحيد والجهاد، غرب إفريقيا، وفرع القاعدة في المغرب الإسلامي بالصحراء الكبرى، ورغم أنّ التركيبة الداخلية في هذا الاندماج موضع تساؤلات، إلا أنّ تنظيم القاعدة يعدّه فرعاً له في الساحل، بعد مبايعة أيمن الظواهري، خليفة مؤسس وزعيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، خاصة أنّ التنظيم الجديد يسيطر على مساحات لا بأس بها من الأراضي.

هيمنة "الشباب"
هناك سيناريوهات أخرى قائمة، من بينها التفتّت؛ وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، في حالة مصر؛ حيث أدّى ظهور فرع لتنظيم داعش، إلى أن تُطل عدة حركات، مختلفة ومتقاتلة فيما بينها، برأسها، خلافاً لما هو حادث في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تتوارى الجماعات حديثة العهد أمام هيمنة جماعة "الشباب".

اقرأ أيضاً: وزير مغربي يكشف عدد إرهابيي داعش والقاعدة في إفريقيا
وأورد التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية ما يلي: "نجحت جماعة الشباب في الاحتفاظ بقاعدة انطلاق آمنة، فضلاً عن عمليات التجنيد والسيطرة على الموارد والهيمنة الفعلية على مناطق شاسعة من الصومال؛ حيث تتحرّك بحريّة تامّة"، لكنّ العامل الأكثر مدعاة للقلق هو امتداد الجماعة إلى دول الجوار، مثل: أوغندا وكينيا، وبلدان أخرى إلى الجنوب من الصومال، ويذكر تقرير "المجموعة العالمية للأزمة"، حول هذه المنظمة: أنّه "رغم خسارتها أراضيَ في الصومال وتراجع قدرتها على التجنيد في كينيا، تحت وطأة ضغط السلطات، إلّا أنّ "الشباب" أدركت كيف تتأقلم، عن طريق إيجاد مناطق عمليات جديدة، علاوة على إجراء اتصالات مع عسكريين في جنوب تنزانيا وشمال موزمبيق"، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هناك علاقة بين "الشباب"، وظهور حركة جديدة في موزمبيق، تحمل اسم "أنصار السنّة" أو "سنة سواحيلي" التي تقارع سلطات موزمبيق حيث لا وجود يذكر للمسلمين.

اقرأ أيضاً: القاعدة تهدد باستهداف المصالح الغربية في إفريقيا
ويقارن الجنرال، مارك هيكس، قائد القوات الخاصة الأمريكية في إفريقيا، الوضع الراهن بصعود حركة طالبان بأفغانستان، خلال حقبة التسعينيات؛ حيث قال: "ما يزال في طور البدء، ويمكن التعامل معه مقابل ثمن غير فادح من حيث الدماء والأموال"، وذلك أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة "إيكونوميست"، وأوضح خلالها؛ أنّ الوضع قد لا يستمر على الأرجح بهذه الحالة لوقت طويل، وقد أعدّت "أفريكوم" بالفعل، تقريراً في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، حلّلت فيه ما الذي قد يحدث إذا امتدّ نفوذ هذه الجماعات إلى ليبيا، وإقليم الساحل، وبحيرة تشاد، أو حتى إن اتّجهت لإبرام التحالفات فيما بينها.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذّر: داعش يتمركز في إفريقيا
ويتكهّن التحليل بالسيناريوهات المتوقّعة، إذا نشأ تحالف بين الجماعات الجهادية ونجح في السيطرة على الشرق الليبي، الغني بآبار البترول على نحو شبيه بما فعله "تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق" واستفادوا من هذه العائدات في تمويل هجمات إرهابية. ويؤكّد التقرير أن "تنظيم الدولة الإسلامية وأفرعه التابعة له قد يكون بوسعهم وقتها البدء في التخطيط وتنفيذ هجمات واسعة النطاق والتأثير ضد أهداف غربية في شمال أفريقيا وأوروبا".

اقرأ أيضاً: هل هرب الإرهابي أبو بكر البغدادي إلى إفريقيا؟
كما درس التقرير التحالفات المحتملة بين (داعش) وفروع تنظيم القاعدة المختلفة، سواء في ليبيا أو منطقة المغرب العربي، وهو ما يعني السماح لهذه الجماعات بالتغلغل في دول مثل الجزائر ومالي وتونس، وأوضحت دراسة "أفريكوم"؛ أنّه "في غضون خمسة أعوام ستكون هذه الجماعات قد فرضت سيطرتها على الأراضي الواقعة في شمال مالي، وصولاً إلى تومبوكتو، وستقيم علاقات تعاون وثيق مع الجماعات المتمرّدة في مالي، بينما ترسي نظاماً للحكم في الأراضي التي تخضع لنفوذها"، ولفت التقرير الانتباه إلى مدى خطورة توحيد جماعتي بوكو حرام وولاية غرب إفريقيا، موضحاً أنّ "الأراضي التي تخضع لسيطرتهما في نيجيريا، قد تتحوّل في غضون عامين إلى مقصد للجهاديين، ونقطة تجمّع للمقاتلين الأجانب والإقليميين من أجل الحصول على التدريب والتلقين".
أعضاء في موكب الشباب بعد الانتهاء من تدريبهم ، في مقديشو ، في أكتوبر 2010. (رويترز)

إمكانية التحالف
رغم أنّ هذا التحليل يفترض السيناريوهات الأسوأ، لكن خبراء، مثل ألتونا، لا يعتقدون أنّ فرضية التعاون بين الجماعات الإرهابية غير مستبعدة على الإطلاق؛ حيث يرى أنّه "حدث ذلك بالفعل في بعض المناطق، مثل بنغازي، حيث تعاون "مجلس شورى الثوار"؛ الموالي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، مع فرع تنظيم داعش "ولاية برقة"، أثناء الحصار الذي فرضه المشير خليفة حفتر على المدينة، شهدت بعض البلدان انقسامات ثم إعادة توحيد، التعاون هو احتمال قائم، لا اعتقد أنّ الأمور ستتحوّل إلى تحالف بين ليلة وضحاها، لكن بمرور الوقت، فهذا ممكن بالتأكيد".
وأضاف "خاصة أنّ عدداً كبيراً من زعماء فصائل داعش في إفريقيا، سبق لهم الانخراط من قبل في صفوف تنظيم القاعدة، لذا فإنّهم يحظون بصلات وعلاقات، وينعكس ذلك حالياً في صورة عدم تقاتل هذه الجماعات فيما بينها، ومن الواضح بشدّة أنّ ثمة علاقات بينها".

تعدّ نيجيريا نظراً إلى موقعها الإستراتيجي أكثر مناطق النزاع سخونة وخطورة على مستوى القارة كلها

بيد أنّ بعض المراقبين يرون أنّ توقّعات "أفريكوم"، ربما لا تعدو سوى كونها محاولة من أجل جمع الأموال، في الوقت الذي تفكّر فيه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتقليص موازنة وقوام القوات الأمريكية المنتشرة في القارة، علاوة على أنّ بعض النشطاء الأفارقة يؤكّدون أنّ تواجد القوات الأجنبية لا يسهم في تسوية المشكلة، بل تعقيدها وزيادتها سوءاً.
ويبرز ألتونا "لا يمكن إنكار أنّه بدون عملية "سرفال"، التي استمرت باسم عملية "برخان"، التي تقرّر بموجبها نشر آلاف العسكريين الفرنسيين في الأراضي المالية، قبل أن ينضمّ إليهم عسكريون من دول أخرى، لكان الشطر الشمالي من مالي قد سقط، وامتدت سيطرة الجهاديين إلى مناطق، ربما قد لا تكون ذات كثافات سكانية عالية، لكنّها مترامية الأطراف، والأهمّ من كل ذلك؛ هو الحيلولة دون تحوّل المنطقة إلى نقطة تجمع خطرة للمقاتلين"، مشدداً في الوقت ذاته أنّ "التواجد الغربي، وما يثيره من الشعور بالاعتماد على الغرب، وليس روح التعاون، يعيد إلى الأذهان فكرة الكولونيالية الجديدة والتدخل الأجنبي، وهذا واضح للغاية بالنسبة إليّ".

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا
ويستطرد الخبير قائلاً: "لكن إفريقيا كبيرة جداً، وكذلك منطقة الساحل، الوجود الغربي ليس متماثلاً بالضبط، فالعمل الذي يقوم به ليس نفسه في جميع الدول، وكذلك النتائج ليست ذاتها، إلا أنّني، في المقابل، أعتقد أنّه يتعيّن على الغرب تغيير فكرة المساعدة التي يقدّمها؛ حيث يولي مزيداً من الاهتمام والتعاون في مجال الأمن، وتمكين السلطات والشعوب المحلية، وليس مجرّد انتشار لتنفيذ مهمات نوعية فحسب"، مشيراً أيضاً إلى مدى تعقيد الوضع على الساحة الإفريقية بتأكيده "كما أنّه صحيح في بعض الدول، حيث لا يكفي العمل الذي تقوم به قوات الأمن المحلية منفردة في احتواء التهديد على جميع أراضي البلاد".


المصدر: مقال للصحفي دانييل إيرارتي، نشر في صحيفة "الكونفدنثيال" الإسبانية، بتاريخ 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

2019-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم. ومنذ محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016، تواصلت أنقرة مع الإنتربول 1,252 مرّة، من أجل تسلُّم أو تقديم معلومات عن مواطنين أتراك يعيشون في ألمانيا.
وكُشِف عن هذه المعلومات في أعقاب تحقيقٍ برلمانيّ قام به حزب اليسار الاشتراكيّ.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وينقسم هذا الرّقم، وفق تحليلات "دويتشه فيله"، إلى 1,168 إشعار أحمر - طلبات إلقاء القبض على مواطن تركيّ وتسليمه إلى تركيا - و84 إشعاراً أزرق، أو طلبات جمع معلومات حول هويّة الشّخص أو موقعه أو أنشطته.
ويعدّ هذا الرّقم المرتفع بشكل غير مألوف مصدر قلق عميق للنّائب عن حزب اليسار أندريه هونكو، الّذي يعتقد أنّ "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم. ويقول إنّ الهدف الوحيد للإنتربول يتمثّل في مكافحة الجريمة، وإطاره القانونيّ يحظر التّحقيقات الّتي تُجرى على أُسس سياسيّة.

 "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم

انتهاك دستور الإنتربول

تنصّ المادّة (3) من دستور الإنتربول على أنّه "ممنوع منعاً باتًّا على المنظّمة القيام بأيّ تدخّل أو أنشطة ذات طابع سياسيّ أو عسكريّ أو دينيّ أو عرقيّ".
ومع ذلك، فإنّ الإنتربول يُدرك تماماً خطر إمكانيّة إساءة استخدام الإشعارات الحمراء لأسباب سياسيّة من قِبل الدّول الأعضاء. ولهذا السّبب، في عام 2018، أنشأت المنظّمة "فرقة العمل المعنيّة بالإشعارات والانتشار"، والّتي تتألّف من سبعة خبراء قانونيّين من سلوفاكيا وكرواتيا وأوكرانيا والسّويد وألمانيا.

الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم

وتتمثّل مهمّتهم في التّدقيق في مذكّرات التّوقيف الفرديّة الّتي يبلغ عددها 80,000 والّتي قُدّمت إلى الإنتربول وتحديد ما إذا كان أيّ منها ينتهك المادّة (3). وفي العام الماضي، أعلنت الحكومة الألمانيّة أنّ الإنتربول وجد بالفعل 130 حالة تنتهك هذه المادّة وتعود إلى كانون الثّاني (يناير) 2014.
لكن هونكو يريد من الإنتربول أن يفعل أكثر من مجرّد مراجعة كافّة الإشعارات الحمراء؛ إنّه يدعو المنظّمة إلى فحص الإشعارات الزّرقاء أيضاً، والّتي تطلب السّلطات عبرها جمع معلومات حول مكان وجود الشّخص وأنشطته. ويقول إنّ أنقرة قد أساءت استخدام هذا الخيار الثّاني من أجل تعقّب واختطاف المعارضين الأتراك في الخارج.

أنقرة تتعقّب معارضيها

لقد أُلقي القبض بشكل متكّرر على ألمان من أصل تركيّ في الخارج بناء على أوامر اعتقال دوليّة نيابةً عن تركيا. والعديد من هذه الحالات تصدّرت عناوين الصّحف في الأعوام الأخيرة.

نائب وزير الداخلية التركي: الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة منها 462 استهدفت مؤيّدي فتح الله غولن

ومن بين هؤلاء كان عصمت كيليج (54 عاماً)، الّذي حصل على حقّ الّلجوء السّياسيّ في ألمانيا منذ أكثر من 20 عاماً ويعيش الآن في دويسبورغ. وجرى اعتقاله في سلوفينيا في تمّوز (يوليو) بناءً على طلب تركيّ، لكن الإنتربول قرّر أنّ اعتقاله غير قانونيّ في أيلول (سبتمبر). وفي هذه الأثناء، احتُجِز كيليج حتّى منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر).
وكان "مكتب الشّرطة الجنائيّة الفيدراليّة" في ألمانيا قد تلقّى مذكّرة التّوقيف الدّوليّة الخاصّة بكيليج في صيف عام 2013، لكنّه فشل في إبلاغه أو تحذيره بخطر الاعتقال في الخارج.
وقضيّة الرّوائيّ الّذي يتّخذ من كولونيا مقرّاً له، دوغان أخانلي، مُشابِهة. ففي عام 2017، أُلقي القبض عليه في إسبانيا بناءً على طلب تركيّ. وبالرّغم من أنّ أخانلي يحمل الجنسيّة الألمانيّة، فإنّه قد مُنع من مغادرة إسبانيا لمدّة شهرين.

أنقرة تتّهم الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة

يوم الإثنين، قال نائب وزير الدّاخليّة التّركيّ، إسماعيل كاتاكلي، إنّ الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة، منها 462 استهدفت مؤيّدي رجل الدّين فتح الله غولن، الّذي يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، والّذي ترى أنقرة أنّه العقل المدبّر للانقلاب الفاشل في عام 2016. وهناك 115 مذكّرة اعتقال جرى رفضها وكانت تستهدف أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ، الّذي يشنّ حرب عصابات داخل تركيا منذ الثّمانينيات.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
ووفقاً لكاتاكلي، لم يعترض الإنتربول، على كلّ حال، على 66 مذكّرة اعتقال تستهدف مقاتلي داعش. وقال أيضاً إنّه لا تزال هناك 784 مذكّرة اعتقال دوليّة عالقة تخصّ أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ.
وتعتبر الحكومة التّركيّة داعش وحركة غولن وحزب العمّال الكردستانيّ منظّمات إرهابيّة. ومن جانبه، اتّهم كاتاكلي الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة عن طريق معاملة هذه الجماعات بشكل مختلف، ممّا يسهّل محاكمة البعض وليس الآخرين.


إلماس توبغو، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/turkey-using-interpol-to-track-down-dissidents/a-5...

للمشاركة:

لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:



تهدئة في غزة.. وهذه شروط الجهاد الإسلامي للقبول بوقف إطلاق النار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

أعلنت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وإسرائيل وقف العمليات العسكرية عبر حدود قطاع غزة اليوم في أعقاب مساع بذلتها مصر والأمم المتحدة لإنهاء أسوأ موجة من الاشتباكات منذ شهور لكن الوضع بدا هشاً إذ اختلف الطرفان على شروط التهدئة، وفق ما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء.

وأكد الناطق باسم الجهاد الإسلامي، مصعب البريم، الالتزام بما تم الاتفاق عليه مع مصر بخصوص وقف إطلاق النار، مضيفاً أنّ هناك إجماعاً على استمرار التهدئة الحالية.

وفي وقت سابق من صباح اليوم، الخميس، قالت مصادر مصرية مسؤولة إنه تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة، بدأ فجر الخميس برعاية مصرية.

هدوء حذر

وساد الهدوء الحذر أجواء قطاع غزة، الخميس، بعد مرور أكثر من يوميْن دامييْن جراء الهجمات التي شنّتها طائرات حربية إسرائيلية على أهداف بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

رداً على اغتيال أبو العطا انطلقت عشرات الصواريخ باتجاه المدن الإسرائيلية في عملية أطلقت عليها سرايا القدس "صيحة الفجر"

وأكّد البريم في تصريح لوكالة "الأناضول" أنّ التوافق على وقف إطلاق النار تم تنفيذه وفقاً "لشروط المقاومة الفلسطينية والتي مثّلتها وقادتها حركة الجهاد الاسلامي".

وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد قالت، ليلة الأربعاء، إنها وضعت شروطاً محددة "للقبول بوقف إطلاق النار مع إسرائيل".

ومن بين الشروط، التي كشفت عنها وسائل إعلام، وقف إسرائيل للاغتيالات، ووقف استهداف مسيرات العودة الأسبوعية قرب حدود قطاع غزة، والتزام إسرائيل بتفاهمات كسر الحصار عن غزة.

ولم تعلق إسرائيل، رسمياً، على أنباء وقف إطلاق النار، لكنّ الجيش الإسرائيلي أعلن عن تخفيف القيود المفروض على تحرك السكان، في المناطق التي تعرضت لقصف صاروخي فلسطيني.

إسرائيل: من سيؤذينا، سنؤذيه

وقال مصدر سياسي إسرائيلي، لصحيفة معاريف: "الأفعال على الأرض ستحدد. إسرائيل لم تقدم شيئاً، من سيؤذينا، سنؤذيه، لا يوجد تغيير في السياسة".

من بين شروط وقف إطلاق النار، التي كشفت عنها وسائل إعلام وقف إسرائيل للاغتيالات ووقف استهداف مسيرات العودة

وشنّ الجيش الإسرائيلي، فجر الثلاثاء، عملية عسكرية على قطاع غزة، بدأها باغتيال بهاء أبو العطا، القيادي بسرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، وزوجته.

وتسببت هذه العملية باستشهاد 34 فلسطينياً، وإصابة 110 آخرين بجراح مختلفة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. ومن بين الشهداء، 8 أطفال و3 نساء.

ورداً على عملية الاغتيال، أطلقت فصائل فلسطينية، عشرات الصواريخ، باتجاه المدن الإسرائيلية، في عملية أطلقت عليها سرايا القدس، اسم "صيحة الفجر".

للمشاركة:

داعش ينوي قتل قادة عالميين.. هل من بينهم ترامب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

كشف تنظيم داعش الإرهابي عن دليل لقتل قادة العالم؛ حيث نشرت إحدى القنوات الإعلامية الموالية لـ "داعش"، الأسبوع الجاري، ملصقاً بعنوان "طرق اغتيال القادة"، يشرح ثلاث طرق للإرهابيين المحتملين لإعدام "المسؤولين والقادة العسكريين"، وفقاً لتقرير نشره موقع صحيفة "ديلي ميل" البريطانية.

وحثّ التنظيم الإرهابي، وفق التقرير، "الذئاب المنفردة" على التنكر كصحافيين حتى يتمكنوا من وضع القنابل بالقرب من السياسيين مثل؛ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ويوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية في المؤتمرات الصحافية.

ويقول الملصق، بحسب ما أوردت صحيفة "الشرق الأوسط": "قد يشارك العنصر الذي يرتدي ملابس الصحافي في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات الصحافية التي قد تمكنه من استهداف شخصيات العدو الرئيسية. ويمكنه استخدام الكاميرا أيضاً كجهاز متفجر أو لإخفاء سلاح بداخلها".

يوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية

وعرضت إحدى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بـ"داعش" أمس، صورة مركبة لإرهابي في زي عسكري يقف خلف ترامب بينما يجلس الأخير على ركبتيه وكأنه يستعد للإعدام.

ورغم وفاة زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي في غارة أمريكية بسوريا يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ما زال التنظيم يسعى إلى نشر فكره الإرهابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويوفر الدليل المكون من ثلاثة أجزاء طرقاً أخرى تتضمن استهداف قوافل الشخصيات المهمة.

ويحث التكتيك الثاني على استخدام بنادق قنص متوسطة وطويلة المدى لمهاجمة القوافل من نقاط عالية.

ويقول الملصق: "الذئب المنفرد قد يعطل قوافل القادة أو أماكن التجمع الخاصة بهم بمهاجمتهم باستخدام الرشاشات أو قنابل المولوتوف"، وتابع: "قد يقوم العناصر أيضاً بهذه العمليات باستخدام الأسلحة غير البارودية مثل؛ الشفرات والسكاكين والسيوف أو تنفيذ هذه المهمات من أماكن مرتفعة".

وأخيراً، يشير النص إلى تحديد منطقة محتملة لمهاجمة ومراقبة طريق القافلة لكشف العيوب الأمنية التي قد تسمح للمهاجم أيضاً بدراسة "خطة الانسحاب".

وكانت قنوات "داعش" الإعلامية هي التي حثت في وقت سابق من هذا الشهر أنصارها على إشعال حرائق الغابات في الولايات المتحدة وأوروبا للتسبب في فوضى بيئية، بحسب التقرير.

وشكل مقتل البغدادي ضربة كبيرة للتنظيم الذي فقد أراضيه في سوريا والعراق في سلسلة من الهزائم العسكرية من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وعيّن التنظيم خلفاً للبغدادي بعد أيام من مقتله، ولكن لا يُعرف عنه سوى القليل ولم يتضح كيف سيتأثر هيكل هذه الجماعة الإرهابية بالهزائم المتتالية التي لحقت بها.

للمشاركة:

الإمارات تواصل جهودها الإنسانية في اليمن .. هذا ما قدمته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية المتواصلة لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة 12 طناً من المساعدات الغذائية لأهالي منطقة "بئر علي" بمديرية رضوم في محافظة شبوة اليمنية.

عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية

فقد سيرت "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، الذراع الإنسانية لدولة الإمارات، قافلة إغاثية إلى منطقة بئر علي شملت 150 سلة غذائية جرى توزيعها على الأسر غير القادرة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

من جانبهم، عبر أهالي منطقة "بئر علي" عن شكرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي من شأنها التخفيف من معاناتهم.

جدير بالذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في محافظة شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية بمعدل 1900 طن و480 كيلوغراماً استهدفت حوالي 158 فرداً من الأسر غير القادرة.

للمشاركة:



السقوط المدوي لوكلاء خامنئي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سوسن الشاعر

الحكومات التي تشكلت نتيجة المحاصصة الطائفية أثبتت فشلها في إدارة الدولة ومواردها فشلاً ذريعاً، وإن لم تدرك الأحزاب التي وصلت للسلطة بفضل تحالفها مع وكلاء إيران سواء في لبنان أو العراق أن قطار إيران مسرع في طريق الصدام و الموت فإنهم يرتكبون الخطأ الأكبر في حق أنفسهم كأحزاب سياسية يفترض أنها تمتلك إرثاً سياسياً يؤهلها للتقييم السليم أولاً وترتكب الخطأ الأكبر في حق أوطانها ثانية.

الكل يعلم أن الأحزاب التي في السلطة الآن في لبنان والعراق ما وصلت إليها وما نجحت في الحصول على مقاعدها الرئاسية والنيابية وحقائبها الوزارية إلا بفضل تحالفها مع وكلاء إيران، وصحيح أنه لولا تلك الاتفاقيات الثنائية لم يصلوا لتلك المواقع، إذ تمت الموافقة على أسمائهم والتصديق عليها في إيران حتى سمح الثلث المعطل بتمريرها، ونعلم أنهم يشعرون بالامتنان لوكلاء خامنئي رغم حجم القيود التي وضعوها عليهم، ولكن رغم ذلك كله إلا أن المؤشرات والقراءات الحصيفة تؤكد أن المجتمع الدولي كله الآن في مواجهة إيران حتى أوروبا التي حاولت تأجيل المواجهة تجد نفسها الآن مضطرة لها وهي ترى إيران تخرق الاتفاق النووي دون مراعاة للحرج الأوروبي.

فإن كانت إيران متجهة للصدام مع العالم فإن ذلك سيسري حتماً على وكلائها في المنطقة، لذلك نرى تمسك الأحزاب الموالية لهؤلاء الوكلاء بالسلطة الآن في هذا التوقيت يعد قراراً يفتقد إلى الذكاء السياسي وغير منطقي بعد الاحتجاجات التي اجتاحت لبنان والعراق، إذ وصل الأمر برئيس الجمهورية اللبنانية إلى مطالبة المحتجين بالهجرة إن لم يقبلوا به رئيساً! ووصل الأمر بتمسك الرئيس العراقي بمقعده رغم ارتفاع عدد القتلى إلى 400 !!

الذكاء السياسي يتطلب قراءة المشهد قراءة استشرافية وبنظرة بانورامية تؤكد أن تأخير الضربة القاضية على وكلاء إيران هو لمزيد من التكسب من الحالة لا أكثر ولا أقل، وحين يجف الضرع سينتهي هذا النظام، لذلك من يصر على البقاء على تحالفاته مع وكلاء إيران أما أنه انتحاري أو أنه مقيد بابتزاز ما وغير قادر على المغادرة.

فماذا بعد أن وصف خامنئي الشعبين العراقي واللبناني بالخونة والعملاء وأمر بمواجهتهم بالرصاص، ما الذي يجبر تلك الأحزاب على السير في ذات الاتجاه والبقاء على المركب الإيراني رغم بوادر غرقه؟ وإلى أين سيقود وكلاء إيران القطار اللبناني والعراقي؟

ممكن أن نفهم بقاء وكلاء إيران مقيدين بالمصير الإيراني لدواعٍ عقائدية، ولكن ما الذي يجبر الأحزاب الأخرى على مواجهة شعوبها والتصادم معها وعدم التفكير في المستقبل السياسي لتلك الأحزاب ولمنح الفرصة للصف الثاني منها؟ أي غباء سياسي هذا الذي يجبرك على ربط مصيرك بمن يقف على حافة الهاوية؟!

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

الموت يتجول حاملاً منجله في غزة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سما حسن

مثل كل مرة، تتلقى غزة الضربة في خاصرتها وتنزف، ولكنها تنهض من الرماد مثل العنقاء، كم مرة حدث ذلك؟ لا يمكن أن نعد ولا أن نحصي! فقط يحدث ذلك في غزة وعلى مر التاريخ...
ربما بدأت استوعب الأمر جيداً بأن هناك وطناً واحتلالاً في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كنت اقترب من عامي العاشر وكان أبي مولعاً بمذياع صغير ولكن «فعله كبير»، وكان لا يفارقه وكنا نسمع منه الأخبار، حتى سمعت لأول مرة اسم ياسر عرفات، وسمعت اسم «حركة فتح» وكان ذلك من خلال نشرة أخبار صوت إسرائيل الناطق بالعربية، وفي كل مرة كانت المذيعة تقول «حركة فتح التخريبية»، كان يرد عليها أبي مع النشرة الصباحية في تمام السادسة والنصف صباحاً وهو يتناول إفطاره على عجل ليلحق بطابور الصباح في مدرسته» الله لا يصبح وجهك بخير، الله يخرب راسك»، واعتدنا هذه الشتيمة والتي كان يصحبها شرح مطول ودرس تاريخ لا يمل عن فلسطين وفتح وياسر عرفات.
كبرنا ومر العمر بنا وعشنا انتفاضة الحجارة، وكنت وقتها مراهقة صغيرة وقضيت سنواتها في بيت عائلتي، وعشت انتفاضة الأقصى، وكنت وقتها قد أصبحت أماً وتضاعف خوفي لأني أصبحت مصدر أمان لأطفالي، وقبل ذلك كنت أستمد أمني وأماني من أبي، فهو يسمع الأخبار ويهون الأمور، ويعوذنا بالله من كل شر، ويملأ البيت بالطعام والشراب لكي لا نشعر بحاجة لأي شيء في أيام منع التجول الطويلة، وكان يشعر ببهجة لأننا كنا نأكل خلال تلك الأيام أكثر من الأيام العادية، وكأن بقاءنا دون دوام مدرسي، واجتماعنا طيلة الوقت يفتح شهيتنا للطعام، وحيث لا شيء نفعله غير ذلك ومتابعة المذياع الصغير خاصة أبي، والانصات لمكبرات الصوت التي تعلن عن رفع حظر التجوال أو استمراره.
صرت أماً وكبر أولادي وبناتي وأصبحوا في سن الشباب، وعرف الشيب طريقه لرأسي، ولم نر أنا وهم أيام أمن وأمان، فحياتنا مهددة، وتحولت الأيام والأسابيع لصولات وجولات للموت والحياة، حتى اعتدنا الموت وكأن لا واقع غيره، وعشنا بدونه، وكأن الحياة في غزة أبدية، وكأن أي جنازة تمر لميت مات ميتة طبيعية هي غير المألوف، رغم أن المقابر تحوي من القتلى الذين سقطوا بالرصاص والقذائف الكثير، وربما كانوا الأغلبية بين الصامتين الراقدين الذين انتقلوا لهذا المكان وهم في ربيع عمرهم.
قررت اليوم والموت يحمل منجله حولنا ويطوف في الشوارع والبيوت، ويوقظ النائمين باحثاً عن ضحايا جدد، قررت أن أترك متابعة الأخبار جانباً، أن لا أنتظر هذا السائر بمنجله المرعب وأسلم بقضاء الله، وبأن الموت قد يكون في أي لحظة هادئاً وادعاً إن رحلت ومعك من تحبهم وتخشى عليهم من الحياة بعدك، ولذلك فقد أودعتُ هذه الأمنية في قلبي، ودلفت إلى مطبخي الصغير وصحت بابنتي الصغيرة: رح أعمل اليوم أقراص سبانخ، وهي الأكلة المميزة لهذا الجو الخريفي، فردت ابنتي الصغيرة مستغربة: غريبة يا ماما... في أيام تجدد الحرب بتصيري تقولي ايدي مربطة، وما بتقدري تعملي إشي...
لم أرد، وفي الحقيقة أن يديَّ مربوطتان، وعندما كانت امي رحمها الله تقول: ايديّ مربطة، يعني أن الحزن والألم قد بلغا مبلغهما بها، وربما الحيرة في أمر ما، أم هي مقبلة على قرار مصيري يخص أسرتنا، أو تنتظر خبراً هاماً، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، ونقضي الوقت حولها ولا تدخل المطبخ ولا تعد لنا طعاماً، وربما دفعت لنا بطعام اليوم السابق بعد تسخينه، أو بشطائر محشوة بالجبن وهي تردد: إيدي مربطة...
في الحقيقة ان «إيديّ مربطة» وقد قمت بفرم السبانخ كيفما اتفق ثم وضعته في البراد وتركت كل شيء وعاودت متابعة الأخبار، الموت يحمل منجله ويتنقل في القطاع ما بين الشمال والجنوب وأنا أنتظر، ما أصعب الانتظار وهو أبشع صور الموت في نظري، ولذلك أنا لا أفعل شيئاً، لا أستطيع أن أخبر أحداً خبراً عني وعن غزة... أنا فقط وليس أكثر «إيديّ مربطة»...

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

كيف تستعد ألمانيا لاستقبال دواعشها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

حسام حسن

تستعد أجهزة الأمن الألمانية بشكل مكثف لاستقبال رعاياها المنتمين لـتنظيم داعش، المنتظر ترحيلهم من تركيا إلى برلين، خلال الأيام المقبلة.

وأوضحت أجهزة الأمن أنها تقوم بدراسة كل حالة على حدة، وتضع سيناريوهات التعاطي معها، لدرء خطرها.

ومنذ أيام، أعلنت الحكومة التركية عزمها ترحيل الرعايا الأوروبيين المنتمين لـ"داعش"، والمحتجزين على أراضيها إلى بلادهم الأصلية.

والإثنين الماضي، وعد وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر الألمان بحفاظ الأمن على يقظته الكاملة لرصد أي خطر أمني يمثله عناصر "داعش" المنتظر عودتهم.

وتابع: "على الألمان أن يطمئنوا، فالسلطات تفحص كل حالة على حدة بعناية، وسنفعل كل ما في وسعنا لدرء أي خطر على ألمانيا".

ووفق تقرير لصحيفة بيلد الخاصة، تتوقع السلطات الألمانية استقبال عائلة ألمانية-عراقية، مُرحَّلة من تركيا، الخميس، وفحصت حالة كل فرد في العائلة بشكل استباقي.

وتتكون العائلة من زوجين يحملان الجنسيتين الألمانية والعراقية، و5 أطفال؛ طفلان مولودان في العراق، وطفلان في ألمانيا، وطفل آخر مولود في معسكر الاعتقال بتركيا.

وتعتبر السلطات الألمانية الزوجين "متشددين"، ولم ينضما لـ"داعش" في سوريا، حيث وصلا إلى تركيا في يناير/كانون الثاني الماضي، وألقت أنقرة القبض عليهما في مارس، وبقيا قيد الاعتقال منذ ذلك التاريخ.

ونقلت "بيلد" عن مصادر أمنية ألمانية لم تسمها أن "الزوجين العراقيين رفضا الحصول على مساعدة قانونية من القنصلية الألمانية خلال اعتقالهما في تركيا."

وأضافت المصادر: "لن تقوم السلطات الألمانية باعتقالهما بعد وصولهما المنتظر اليوم، لعدم وجود أي دليل على علاقتهما بـداعش".

وتختلف حالة هذه العائلة عن حالة امرأتين ألمانيتين، من المقرر أن تصلا برلين، الجمعة، بعد أن قررت تركيا ترحيلهما.

ووفق الصحيفة، فإن السيدتين هربتا قبل أشهر من معسكر اعتقال تابع لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا إلى تركيا، لكن ألقي القبض عليهما، بسبب عضويتهما في تنظيم "داعش".

ونقلت الصحيفة عن مصادر في مكتب الادعاء العام في ألمانيا أن الأخير "يحقق حاليا في ملفات السيدتين، على خلفية اتهامهما بالانضمام لتنظيم داعش الإرهابي".

ورغم ذلك، لن تتعرض السيدتان للاعتقال عند وصولهما إلى برلين، وستكتفي الشرطة بتدابير احترازية، مثل البقاء قيد الاحتجاز المنزلي، وفق المصادر ذاتها التي أضافت: "بالتأكيد سنخضع السيدتين لتحقيقات مكثفة".

وبخلاف هذه الحالات، فإن تركيا تعتقل حاليا 14 بالغا ألمانياً على الأقل لانتمائهم لـ"داعش" في سوريا، بواقع 8 نساء و6 رجال، بالإضافة إلى 15 طفلا.

ومن المنتظر أن تقوم أنقرة بترحيلهم على دفعات خلال الفترة المقبلة، حسب "بيلد".

وذكرت الصحيفة الألمانية استنادا إلى مصادرها أن "1050 ألمانياً سافروا إلى سوريا منذ 2013، انضم أغلبهم لداعش، وقتل ثلثهم في المعارك التي دارت في الأراضي السورية، وعاد الثلث بالفعل لألمانيا، فيما تعتبر السلطات الألمانية عناصر الثلث الأخير إما محتجزين في سوريا والعراق وتركيا وإما مفقودين".

ونقلت الصحيفة عن هانز جورج ماسن، رئيس هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) السابق قوله، إن "الحكومة الألمانية تتحمل المسؤولية الكاملة لهذا الوضع".

وتابع: "كان يمكننا تفادي هذا الوضع في حال قامت الحكومة خلال الفترة الماضية بإدخال تعديلات على قانون الجنسية، وإقرار سحب الجنسية الألمانية من مزدوجي الجنسية المرتبطين بتنظيمات إرهابية، وهو ما طالبنا به كثيرا، لكن الحكومة لم تستجب".

وأردف: "هذا الإهمال في حماية مصالحنا الأمنية تتحمل مسؤوليته الحكومة، وأي إجراءات حاليا لمواجهة هذا الخطر (الدواعش العائدين) ستحمل الأمن أعباء إضافية، وتعرض البلاد لأخطار من الصعب السيطرة عليها".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية