الفيلم الإيراني "اختفاء": الأجيال الجديدة في مواجهة الحرس القديم

2480
عدد القراءات

2018-12-16

لا غرابة أنّ يطرق المخرج الإيراني علي أصغري الموضوعات التي تهمّ الشباب في فيلمه "اختفاء"؛ الذي أخرجه وشارك في كتابته العام 2017، وهو الذي في رصيده ثلاثة أفلام أخرى في هذا السياق: "الطفل" 2014، و"الصمت" 2016، و"قبل ساعتين" 2013 الذي يحكي قصة شاب وصديقته، وهما يتجولان في الثالثة صباحاً، بحثاً عن علاج للفتاة.

الشخصيات في أفلام أصغري محدودة وتتناسب مع بساطة موضوعاته إذ يغلب على أعماله الثنائيات

الشخصيات في أفلام أصغري، المولود العام 1982، محدودة، وتتناسب مع بساطة موضوعاته؛ إذ يغلب على أعماله الثنائيات: أم وابنتها، صديق وصديقته، كما هو الحال في هذا الفيلم، وهذه سمة أساسية في الأفلام الإيرانية؛ حيث تتميز بقصص بسيطة وخيط سرديّ غير معقّد، وغياب كلّي، أو جزئي، للموسيقى التصويرية، وأداء عفوي، وكاميرا حيوية تكشف من خلال الصورة أكثر مما يقوله الحوار.

اقرأ أيضاً: "البرج".. فيلم كرتون نرويجي يجسد النكبة الفلسطينية
المخرج الإيراني علي أصغري

قصة الفيلم
يبدأ فيلم "اختفاء" بترجّل فتاة اسمها "سارة" من سيارة أجرة، ودخولها مستشفى حكومياً، لتُخبر الممرضة أنها تعاني من نزيف نتيجة تعرضها للاغتصاب من قبل سائق سيارة أجرة، تستقبلها ممرضة شابة، وبعد الكشف تقرّر الطبيبة حاجة سارة لعملية جراحية صغيرة لوقف النزيف، لكنّ قوانين المستشفيات تقتضي حضور زوجها، أو أحد أفراد عائلتها، وبما أنّ سارة لم تكن متزوجة فقد اتصلت بأخيها، فحضر (حامد) للمستشفى، مدعياً أنه أخوها، لكن يتضح بعد قليل أنّه خليلها الذي مارست معه الجنس للمرة الأولى، ما أدّى إلى حدوث نزيف، وبعد أن تشكّ الطبيبة في روايتها، يفرّان من المستشفى، خوفاً من تبليغ السلطات، ويذهبان إلى مستشفى آخر، وهناك يدَّعي حامد أنه زوجها، وللمرة الثانية يصطدمان بقوانين المستشفيات، لكن في هذا المستشفى يخبرهما الطبيب الشاب، بعد اكتشافه لحقيقة الأمر، أن يذهبا إلى مستشفى خاص، وعندما اتجها إلى أحدها وجدا أنّ الأمر لا يختلف كثيراً؛ مما يجعلهما يطلبان مساعدة الأصدقاء.

اقرأ أيضاً: هل يدافع فيلم "الآباء والأبناء" عن التطرف؟
تتصل سارة بصديقتها "رها"، التي بدورها تصل إلى طبيب يملك عيادة خاصة، يقوم بإجراء هذا النوع من العمليات مقابل مبلغ مالي كبير، وذلك عن طريق صديق له خليلة، طالبة طبّ في السنة الثالثة، وأخيراً ينجحان في العثور على هذا الطبيب، ويجري لها العملية، وفي المشهد الأخير، وبعد نفاد البنزين من سيارة حامد، يتوقفان على أحد الجسور، يتركها حامد للبحث عن وقود، وعندما يعود يكتشف أنّها قد اختفت.

 

 

ليست مجرد نزوة
تحاول قصة الفيلم، من خلال تصور أقرب إلى "المثالية"، الابتعاد عن الصورة النمطية في التعامل مع هذه القضايا التي تركز على انتهازية الشباب في علاقاتهم مع الجنس الآخر ووصمهم بالانحلال الأخلاقي؛ فيجد المشاهد أنّ ما يربط بين سارة وحامد ليس علاقة جسدية فقط؛ لذلك ظلّ واقفاً معها حتى النهاية، ولم يتنصل من مسؤوليته، كما يفعل معظم الشباب.

اقرأ أيضاً: فيلم "تراب الماس".. حين يكون القتل أثراً جانبياً
يصرّ حامد على الاتصال بأسرتها، لكن سارة ترفض، وتخبره بأنّ والدها قد يقتلها، ليشير بذلك إلى أنّ الوضع ليس مثالياً تماماً، وأنّ بعض الأسر ما تزال محافظة على موقفها التقليدي من هذه العلاقات، لكن ما يهم هنا؛ هو موقف حامد الذي يؤكد بحثه عنها عند اختفائها واهتمامه بها، على أنّ ما بينهما ليس مجرد نزوة يمكن أن تنتهي بالعثور على حلّ لمشكلتهما.
ما وراء القصة
سيطرة الشباب على المشهد السردي، وتغييب حراس الأخلاق التقليديين فيه، دلالة –وفق رؤية المخرج- على أنّ سلطة رجال الدين ليست مطلَقة؛ لذلك يتوقف نفوذ هؤلاء في مجالات الحياة الاجتماعية عند حدود معينة، هم من يرسمون الخطوط الحمراء، لكنّ ما يريد الفيلم قوله إنّ الشباب هم من يقررون تجاوزها أو محوها أو التوقف عندها، والفاعل في ذلك هو إرادتهم الحرة، إنّه زمن الشباب الذي يستطيع أن يتعامل مع المشكلات والخطوط الحمراء أياً تكن، كما يراه أصغري.

اقرأ أيضاً: فيلم "بيروت": السرديّة الأمريكيّة عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة
تعمد المخرج أن تدور أحداث الفيلم في ساعات متأخرة من الليل، في إشارة إلى أنّ بالإمكان للشباب من الجنسين التنقل بحرية في هذا الوقت، دون إزعاج من أيّة جهة دينية أو أمنية، فهاتان السلطتان مُغيّبتان عن الأحداث، مثلما أنّ أُسر الشباب الخمسة غائبة، ولا يظهر في واجهة القصة سوى خمسة شبان، ثلاث فتيات وشابان.

اللامبالاة التي يتعامل بها الأطباء مع قصة حامد وسارة توحي بأنها أصبحت أمراً عادياً
عنوان الفيلم يشير، من حيث الظاهر، إلى اختفاء سارة في نهاية الفيلم، وإلى شكّها في اختفاء حامد، عندما تركها لدقائق في المستشفى، لكن مضمون الفيلم يحيل إلى اختفاء أهم، يتمثل في اختفاء ثقافة قديمة وحلول ثقافة شابة جديدة.
الكاميرا تقول ذلك أيضاً، من خلال ظهور العنصر الشبابي فقط، الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية لسارة لم يظهر في الكادر إلا خطفاً، بينما ظلت الكاميرا مركزة على سارة وحامد طوال فترة الحوار بينهم.

لم يعد للحرس القديم من سلطة على الحريات سوى قوانين على الورق يمكن تجاوزها بالعلاقات والمال

ويكشف سياق الأحداث أنّ عائلة طالبة الطبّ على علم بعلاقة ابنتهما بالشاب، وقد كانت العائلة مشاركة في سهرة تضم الجميع، بحسب ما قاله الشاب لحامد، هذا الانفتاح حاضرٌ أيضاً في علاقة رها بعائلتها، التي تخبرها كلّ شيء، بما في ذلك ما حدث تلك الليلة لصديقتها سارة، هذه الإشارات تعطي فكرة عن طبيعة تحولات المجتمع الإيراني الحديث، خاصة بين جيل الشباب، الذي لم يعد محكوماً بسلطة رجال الدين إلا شكلاً، واللامبالاة التي يتعامل بها الأطباء مع قصة حامد وسارة، توحي بأنها أصبحت أمراً عادياً يواجههم كل يوم، رد الفعل هذا يمكن رصده أيضاً في تعامل أصدقاء سارة، وتقبّلهم لما حدث، في رسالة من المخرج أنّ هذا النوع من العلاقات بين الجنسين لا يدعو لـ"الاستنكار"، وأنّ الشباب فرضوا أسلوبهم في الحياة، كأنّه لم يعد للحرس القديم من سلطة على الحريات سوى مجموعة قوانين على الورق، يمكن تجاوزها بالعلاقات والمال.

اقرأ أيضاً: فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الفيلم الإيراني "اختفاء": الأجيال الجديدة في مواجهة الحرس القديم

عدد القراءات

2018-12-16

لا غرابة أنّ يطرق المخرج الإيراني علي أصغري الموضوعات التي تهمّ الشباب في فيلمه "اختفاء"؛ الذي أخرجه وشارك في كتابته العام 2017، وهو الذي في رصيده ثلاثة أفلام أخرى في هذا السياق: "الطفل" 2014، و"الصمت" 2016، و"قبل ساعتين" 2013 الذي يحكي قصة شاب وصديقته، وهما يتجولان في الثالثة صباحاً، بحثاً عن علاج للفتاة.

الشخصيات في أفلام أصغري محدودة وتتناسب مع بساطة موضوعاته إذ يغلب على أعماله الثنائيات

الشخصيات في أفلام أصغري، المولود العام 1982، محدودة، وتتناسب مع بساطة موضوعاته؛ إذ يغلب على أعماله الثنائيات: أم وابنتها، صديق وصديقته، كما هو الحال في هذا الفيلم، وهذه سمة أساسية في الأفلام الإيرانية؛ حيث تتميز بقصص بسيطة وخيط سرديّ غير معقّد، وغياب كلّي، أو جزئي، للموسيقى التصويرية، وأداء عفوي، وكاميرا حيوية تكشف من خلال الصورة أكثر مما يقوله الحوار.

اقرأ أيضاً: "البرج".. فيلم كرتون نرويجي يجسد النكبة الفلسطينية
المخرج الإيراني علي أصغري

قصة الفيلم
يبدأ فيلم "اختفاء" بترجّل فتاة اسمها "سارة" من سيارة أجرة، ودخولها مستشفى حكومياً، لتُخبر الممرضة أنها تعاني من نزيف نتيجة تعرضها للاغتصاب من قبل سائق سيارة أجرة، تستقبلها ممرضة شابة، وبعد الكشف تقرّر الطبيبة حاجة سارة لعملية جراحية صغيرة لوقف النزيف، لكنّ قوانين المستشفيات تقتضي حضور زوجها، أو أحد أفراد عائلتها، وبما أنّ سارة لم تكن متزوجة فقد اتصلت بأخيها، فحضر (حامد) للمستشفى، مدعياً أنه أخوها، لكن يتضح بعد قليل أنّه خليلها الذي مارست معه الجنس للمرة الأولى، ما أدّى إلى حدوث نزيف، وبعد أن تشكّ الطبيبة في روايتها، يفرّان من المستشفى، خوفاً من تبليغ السلطات، ويذهبان إلى مستشفى آخر، وهناك يدَّعي حامد أنه زوجها، وللمرة الثانية يصطدمان بقوانين المستشفيات، لكن في هذا المستشفى يخبرهما الطبيب الشاب، بعد اكتشافه لحقيقة الأمر، أن يذهبا إلى مستشفى خاص، وعندما اتجها إلى أحدها وجدا أنّ الأمر لا يختلف كثيراً؛ مما يجعلهما يطلبان مساعدة الأصدقاء.

اقرأ أيضاً: هل يدافع فيلم "الآباء والأبناء" عن التطرف؟
تتصل سارة بصديقتها "رها"، التي بدورها تصل إلى طبيب يملك عيادة خاصة، يقوم بإجراء هذا النوع من العمليات مقابل مبلغ مالي كبير، وذلك عن طريق صديق له خليلة، طالبة طبّ في السنة الثالثة، وأخيراً ينجحان في العثور على هذا الطبيب، ويجري لها العملية، وفي المشهد الأخير، وبعد نفاد البنزين من سيارة حامد، يتوقفان على أحد الجسور، يتركها حامد للبحث عن وقود، وعندما يعود يكتشف أنّها قد اختفت.

 

 

ليست مجرد نزوة
تحاول قصة الفيلم، من خلال تصور أقرب إلى "المثالية"، الابتعاد عن الصورة النمطية في التعامل مع هذه القضايا التي تركز على انتهازية الشباب في علاقاتهم مع الجنس الآخر ووصمهم بالانحلال الأخلاقي؛ فيجد المشاهد أنّ ما يربط بين سارة وحامد ليس علاقة جسدية فقط؛ لذلك ظلّ واقفاً معها حتى النهاية، ولم يتنصل من مسؤوليته، كما يفعل معظم الشباب.

اقرأ أيضاً: فيلم "تراب الماس".. حين يكون القتل أثراً جانبياً
يصرّ حامد على الاتصال بأسرتها، لكن سارة ترفض، وتخبره بأنّ والدها قد يقتلها، ليشير بذلك إلى أنّ الوضع ليس مثالياً تماماً، وأنّ بعض الأسر ما تزال محافظة على موقفها التقليدي من هذه العلاقات، لكن ما يهم هنا؛ هو موقف حامد الذي يؤكد بحثه عنها عند اختفائها واهتمامه بها، على أنّ ما بينهما ليس مجرد نزوة يمكن أن تنتهي بالعثور على حلّ لمشكلتهما.
ما وراء القصة
سيطرة الشباب على المشهد السردي، وتغييب حراس الأخلاق التقليديين فيه، دلالة –وفق رؤية المخرج- على أنّ سلطة رجال الدين ليست مطلَقة؛ لذلك يتوقف نفوذ هؤلاء في مجالات الحياة الاجتماعية عند حدود معينة، هم من يرسمون الخطوط الحمراء، لكنّ ما يريد الفيلم قوله إنّ الشباب هم من يقررون تجاوزها أو محوها أو التوقف عندها، والفاعل في ذلك هو إرادتهم الحرة، إنّه زمن الشباب الذي يستطيع أن يتعامل مع المشكلات والخطوط الحمراء أياً تكن، كما يراه أصغري.

اقرأ أيضاً: فيلم "بيروت": السرديّة الأمريكيّة عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة
تعمد المخرج أن تدور أحداث الفيلم في ساعات متأخرة من الليل، في إشارة إلى أنّ بالإمكان للشباب من الجنسين التنقل بحرية في هذا الوقت، دون إزعاج من أيّة جهة دينية أو أمنية، فهاتان السلطتان مُغيّبتان عن الأحداث، مثلما أنّ أُسر الشباب الخمسة غائبة، ولا يظهر في واجهة القصة سوى خمسة شبان، ثلاث فتيات وشابان.

اللامبالاة التي يتعامل بها الأطباء مع قصة حامد وسارة توحي بأنها أصبحت أمراً عادياً
عنوان الفيلم يشير، من حيث الظاهر، إلى اختفاء سارة في نهاية الفيلم، وإلى شكّها في اختفاء حامد، عندما تركها لدقائق في المستشفى، لكن مضمون الفيلم يحيل إلى اختفاء أهم، يتمثل في اختفاء ثقافة قديمة وحلول ثقافة شابة جديدة.
الكاميرا تقول ذلك أيضاً، من خلال ظهور العنصر الشبابي فقط، الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية لسارة لم يظهر في الكادر إلا خطفاً، بينما ظلت الكاميرا مركزة على سارة وحامد طوال فترة الحوار بينهم.

لم يعد للحرس القديم من سلطة على الحريات سوى قوانين على الورق يمكن تجاوزها بالعلاقات والمال

ويكشف سياق الأحداث أنّ عائلة طالبة الطبّ على علم بعلاقة ابنتهما بالشاب، وقد كانت العائلة مشاركة في سهرة تضم الجميع، بحسب ما قاله الشاب لحامد، هذا الانفتاح حاضرٌ أيضاً في علاقة رها بعائلتها، التي تخبرها كلّ شيء، بما في ذلك ما حدث تلك الليلة لصديقتها سارة، هذه الإشارات تعطي فكرة عن طبيعة تحولات المجتمع الإيراني الحديث، خاصة بين جيل الشباب، الذي لم يعد محكوماً بسلطة رجال الدين إلا شكلاً، واللامبالاة التي يتعامل بها الأطباء مع قصة حامد وسارة، توحي بأنها أصبحت أمراً عادياً يواجههم كل يوم، رد الفعل هذا يمكن رصده أيضاً في تعامل أصدقاء سارة، وتقبّلهم لما حدث، في رسالة من المخرج أنّ هذا النوع من العلاقات بين الجنسين لا يدعو لـ"الاستنكار"، وأنّ الشباب فرضوا أسلوبهم في الحياة، كأنّه لم يعد للحرس القديم من سلطة على الحريات سوى مجموعة قوانين على الورق، يمكن تجاوزها بالعلاقات والمال.

اقرأ أيضاً: فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية