جذور مكتسبات المرأة التونسية تعود لعصر مبكّر من التاريخ الإسلامي

جذور مكتسبات المرأة التونسية تعود لعصر مبكّر من التاريخ الإسلامي
2017-10-18

تتمتع المرأة التونسية بمكانة وقدر من الحقوق والحريات، يفوق ما تحظى به قريناتها من نساء المجتمعات العربية والإسلامية، ولا يبدو الأمر -كما يروق للبعض اختزاله- محض تأثرٍ معاصرٍ بالاحتلال الفرنسي والقيم والعادات الغربية؛ بل لقد حظيت المرأة التونسية بخصوصية من السهل ملاحظتها عبر التاريخ الإسلامي ليس فقط ممارسةً، وإنما كذلك تشريعاً فقهياً يعكس مدى المرونة التي تعامل بها كثيرٌ من الفقهاء حيال تعاطيهم مع ما يخصّ المرأة من قضايا وأحكام، كما يعكس الرؤية التنويرية التي خوّلت المرأة تلك المكانة في تلك العصور.

إنّ الحالة المتفردة للمرأة التونسية لا تعود إلى عصر الاحتلال الفرنسي، وإنما هي ضاربة في القدم وتعود جذورها إلى عصر مبكر من التاريخ الإسلامي، فتصفّح التاريخ التنويري المتعلق بقضايا المرأة نجد "أروى" القيروانية، تحديداً في مطلع القرن الثاني الهجري، أواخر العهد الأموي وبداية العصر العباسي؛ إذ إنّ أروى بنت منصور بن عبد الله الحميري حين تزوجها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وقت أن كان هارباً متوارياً ببيت أبيها من ملاحقة الأمويين، اشترطت عليه في عقد زواجها ألا يتزوج عليها ولا يتّخذ معها جواري وإماء، فإن فعل شيئاً من ذلك كان لها أن تطلّق نفسها منه، وقد وافق أبو جعفر على هذا الشرط ولم يكن يعلم أنّه بعد سنواتٍ قليلة سيصبح الخليفة في بلاط مليء بالجواري والإماء.

وقد حاول أبو جعفر بعد أن صار الخليفة أن يتحلل من هذا الشرط فأرسل للعديد من الفقهاء ليفتوا له بجواز التسرّي والتعدد إلا أنّ أحداً لم يفتهِ بذلك، ويُروى أنه سأل الإمام أبا حنيفة أمام زوجته "أروى": كم يحل للرجل الحر من النساء؟ فقال الإمام: أربع، فقال أبو جعفر لها: اسمعي يا حرة، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين لا تحل لك إلا واحدة، فغضب الخليفة وقال: الآن قلت أربع، فقال الإمام: ﯾﺎ أﻣﯿﺮاﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ، ﻗﺎل ﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"، ﻓﻠﻤﺎ ﺳﻤﻌﺘُﻚ ﺗﻘﻮل:"اﺳﻤﻌﻲ ﯾﺎ ﺣﺮة" ﻋﺮﻓﺖُ أﻧّﻚ ﻻ ﺗﻌﺪل، ﻓﻠﮭﺬا ﻗﻠﺖ ﻻ ﯾﺤﻞ ﻟﻚ إﻻ واﺣﺪة، فظلّ المنصور وفياً لها إلى أن توفيت.

تثبت المصادر التاريخية أنّ عقود الزواج بالقيراون تضمّنت اشتراطاتٍ للمرأة، كأن يكون أمر طلاقها بيدها إن تزوّج عليها زوجها

وما يستدعي الوقوف عنده أمام أروى هو ما ذكرته بعض المصادر -مثل كتاب شهيرات التونسيات لحسن حسني عبد الوهاب- من أنّه منذ ذلك العهد أصبحت كل نساء قيروان يشترطن هذا الشرط في عقد الزواج، وامتد الأمر بعدها إلى غيرها من البلاد المجاورة، كما أنّ أروى كانت صاحبة أول وقفٍ على بنات جنسها، على نحو ما يذكر الجاحظ في "المحاسن والأضداد"، فقد أوقفت قطعة أرضٍ يُخصص ريعها للجواري اللواتي يلدن إناثاً من دون الذكور؛ إذ لا يحظين بمكانة كأمهات الذكور فيحتجن إلى رعاية، ولم تكن أروى استثناءً من بنات جنسها، بل ثمة العديد من النماذج التي كان للمرأة فيها دورٌ فعّال، ففي بعض مناطق المغرب الأوسط كان ثمة نساءٌ من أهل العلم يمتحن الرجال المرشحين للقضاء -كما ذكر الوسياني في السير-، وتذكر بعض المصادر -منها تاريخ أفريقيه في العهد الحفصي لروباربرنشفيك-، أن امرأة كانت تدعى "سوط النساء" -لعلها سميت بذلك لسطوتها وهيبتها- قد أصلحت بين بطونٍ متناحرة من عرب المغرب وحالفت بينهم.
هذه النماذج وغيرها تعكس جوهرية الدور الذي لعبته المرأة في شتى المجالات، وما تمتع به العقل الفقهي آنذاك من تفتح واستنارة جنّبته صداماً -مع الأعراف والعادات الشائعة- كاد أن يكون محتوماً إذا استشرى الجمود في خلايا ذلك العقل الفقهي.

اشتراطات المرأة والعقل الفقهي

ولم تشترط المرأة في القيروان في تلك الحقبة عدم الزواج عليها فحسب؛ بل تثبت المصادر التاريخية أنّ عقود الزواج آنذاك تضمنت اشتراطاتٍ عدة، كأن يكون أمر طلاقها بيدها إن أضرّ بها الزوج، أو تغيّب عنها أربعة أشهر، وبعضهن اشترطن إن تزوج عليها أن يكون طلاق الزوجة الثانية بيد الأولى تطلقها منه وقتما شاءت، كذلك اعتادت بعض النساء اشتراط أن يقيم معها في بيت أهلها ولا يخرجها إلا برضاها، أو ألا يمنعها من عملها إن كانت عاملة.
واشترطت بعضهن على الزوج إخدامها بخادم مدة زواجهما، إلى غير ذلك من الشروط التي لا يتسع المقام لذكرها، وقد دار سجالٌ فقهيٌ حيال تلك الشروط، فذهب بعضهم إلى بطلان تلك الشروط، ومال آخرون إلى استحباب الوفاء بها، كما ذهب غيرهم إلى الرأي الذي اعتمده وعمل به أهل قيروان -وغيرهم من البلاد غير البعيدة عنهم كالأندلس- من وجوب الوفاء بتلك الشروط والتزام الزوج بها، وهنا نرى صورةً ماتعة من صور التعايش والاستنارة التي تمتع بها فقهاء بعض المذاهب -لاسيما فقهاء المذهب الحنفي والمذهب المالكي والذي كان شائعاً وقتها في تلك البلاد- إذ إنّ قواعد مذاهبهم تقتضي عدم وجوب الوفاء بتلك الشروط، إلا أنّهم وافقوا أهل بلدتهم في العمل بها ولزوم الوفاء بها خلافاً لمذهبهم حين تعارض مع التقاليد والأعراف التي سادت تلك البلاد، وهذا ينبئنا ما تمتع به العقل الفقهي الأفريقي من مرونة وسلاسة إزاء تعاطيه مع قضايا مجتمعه ومعاصرتها.

وحسب ما ذكر ابن ناجي في كتاب "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" أنّ أقدم أثرٍ بلغنا متضمناً منع الزواج بثانية هو زواج والي قيروان عبد الرحمن بن حبيب بن عقبة بن نافع؛ إذ اشترطت عليه زوجته في العهد الأموي -وكانت قيروانية- أنّه إن تزوج بأخرى أو تسرّى فإنّ أمر طلاقها بيدها.

والمطالع لكتب التاريخ والسير والتراجم يجد العديد من هذه الأمثلة، فها هو الإمام المالكي أبو القاسم البرزلي قد اشترطت عليه زوجته الشرط القيرواني بعدم الزواج عليها، وحين أصدر أحد القضاة حكماً أباح فيه لرجل الزواج على زوجته رغم اشتراطها استناداً إلى حيلة فقهية، كتب ابن عظوم الكبير القيرواني رسالة رداً على ما ذهب إليه ذلك القاضي، ولا يمكن، بهذا الصدد، نسيان القاضي أبو كريب جميل بن كريب الذي شكت إليه امرأة الأمير زوجها؛ إذ تسرّى -اتخذ جواري- رغم اشتراطها عليه ألا يتسرّى وإلا كان أمرها بيدها، فدعا الأمير ليسأله، فأقر الأمير بالتسري وبالشرط فقضى أبو كريب أنّ أمر طلاق زوجته بيدها، إن شاءت أقامت وإن شاءت طلقت نفسها، فرفع الأمير يده إلى السماء حامداً الله أن وجد قاضياً يحكم بالحق دون أن يهابه.

لا ريب هنا في أن تلك الآراء المناصرة للمرأة وحقوقها لم تكن كلها مبنيةً على رؤية تنويرية منطلقة من رغبة أصيلة في الارتقاء بدور المرأة ومكانتها في المجتمع، وإنما كان بعضها مبنياً على محض إعمال روتيني للقواعد المستخدمة في فهم واستنباط الأحكام الفقهية من النصوص، إلا أن قدراً لا بأس به من تلك الآراء جاء على خلاف القواعد الاستنباطية المذهبية المتبعة -كما أسلفنا- تماشياً مع الأعراف والتقاليد التي أرست للمرأة مكانةً أرقى من تلك التي حظيت بها في بلدان أخرى، فآثر ذلك الفريق المصلحة العامة وتحقيق المقاصد الكلية لمؤسسة الزواج على التضييق والتشبث المذهبي الذي لطالما عانت الأمة الإسلامية منه في عصورٍ وبقاع شتى!

*باحث مصري

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جريدة "الكرمل" إذ تكشف تواطؤ العثمانيين مع الصهيونية في فلسطين

2020-01-21

في استذكار رائد مناهضة الصهيونية والاحتلال العثماني، شيخ الصحافة الفلسطينية، نجيب نصار  (1865-1948)، تقفز إلى الأذهان جريدة "الكرمل" التي أسَّسَها نصار في حيفا عام 1908، واهتمت بالقضايا السياسية والاجتماعية، مع التشديد على قضايا حماية الأرض من السمامرة اليهود.
ورغم دعم نجيب نصّار السلطات العثمانية في البداية، لكنه سرعان ما ندد بهم وقارعهم بسبب قمعهم للقوميين العرب، وتواطؤهم مع الأنشطة الصهيونية. في إثر ذلك أغلقت السلطات العثمانية "الكرمل" في الأعوام 1913/1914، ثم جددت الجريدة نشاطها في فترة الانتداب البريطاني بين الأعوام 1920-1940.

فضح خيانة العثمانيين
حاول نجيب نصار لفت انتباه العثمانيين إلى خطورة الحركة الصهيونية على فلسطين، لذلك خصص 50 نسخة من كل عدد لجريدة الكرمل ليرسلها إلى السلطان والصدر الأعظم وولاة الشام ومتصرف القدس، وإلى جميع الجرائد التركية والعربية، حتى باتت جريدة الكرمل المصدر الأساسي لكل الصحف عن تطورات الأوضاع في فلسطين.

بسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى

حملت جريدة الكرمل على عاتقها مهمة فضح تخاذل العثمانيين عن مواجهة الأنشطة الصهيونية في فلسطين، كما يذكر موقع "عثمانلي" وامتازت الجريدة بجدية التصدي للصحف العميلة والأقلام المأجورة والولاة العثمانيين الذين فرطوا في أراضي فلسطين، حتى إنّ نجيب نصار جعل شعار صحيفته "أيها العرب بيعوا كل شيء باستثناء الأرض، ولا تشتروا من اليهود إلا الأرض".
وتحت عنوان "استعمار أم استدرار" كتب نجيب نصار مقالة هاجم فيها صمت العثمانيين عن النشاط الصهيوني في فلسطين، وحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على الهجرة اليهودية وعلى بيع الأراضي للمهاجرين، وأكد أنّ تخاذل العثمانيين سينتهي بكارثة تحل بعرب فلسطين، والتي ستكون مماثلة لما حل بالعرب في الأندلس.

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

وفي أيار (مايو)1911 شن نجيب نصار حملة صحفية شرسة على الصدر الأعظم الاتحادي، الذي أصدر قرارات صريحة إلى والي القدس يأمره بتسهيل بيع الأراضي إلى اليهود المهاجرين، كما نشرت الكرمل مقالات عن معنى الصهيونية وأهدافها السياسية، ولما غضت حكومة الاتحاد والترقي الطرف عن تحذيرات الكرمل، أطلقت الصحيفة مبادرة لتوحيد جهود الصحف القومية العربية لمواجهة الخطر الصهيوني، ونجحت المبادرة في توجيه الجرائد إلى فضح خيانة العثمانيين لفلسطين.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
ونظراً لإدراك نجيب نصار لجسامة الخطر الصهيوني، ورغبة منه في تعريف أبناء شعبه بهذا الخطر، ترجم مادة الصهيونية من دائرة المعارف اليهودية من العبرية إلى العربية، وخصص 16 عدداً من الكرمل لنشرها، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان "الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها"، والذي نشر في عام 1911.
وفي 7 تموز (يوليو) 1914 نشرت الكرمل بيان "المنظمة الوطنية في القدس"، والذي طالب بالضغط على الدولة العثمانية لحظر بيع الأراضي العربية لليهود، وتطوير الصناعة المحلية ومقاطعة الصناعات الصهيونية، ودعا الأهالي لمقاومة دعوات بيع الأراضي لليهود بكل وسيلة، وطالب بطرد السماسرة خارج البلاد".

سماسرة فلسطين
جريدة الكرمل تميزت بقدرتها على الاطلاع على كواليس صفقات بيع أراضي فلسطين لليهود، وفضحت كل الوزراء والولاة العثمانيين المتورطين في صفقات السمسرة، وحذرت الأهالي من رهن أراضيهم لدى الشركة الأنجلو – فلسطينية؛ لأنها الوكيل الرسمي للمنظمات الصهيونية.

اقرأ أيضاً: منطق الفرس والعثمانيين
وفي أيار (مايو) 1909 نشرت الكرمل خبراً عن مشاجرات وقعت بين المزارعين اليهود بمستوطنة "الشجرة" وأهالي قريتي كفركنا والرينة، بعد أن اعتدى المستوطنون بالضرب على 8 فلاحين عرب، واعتبر ذلك نتيجة التساهل مع الصهيونية، ولكن مندوب شركة الاستيطان اليهودي "ايكا" قدم احتجاجاً لدى حكومة الاتحاد والترقي، واعتبر هذا الخبر معادياً للدور الاقتصادي الذي يقوم به اليهود بفلسطين، ولذلك صدر أمر بإغلاق جريدة الكرمل لمدة شهرين.
ونتيجة للحملات الصحفية التي شنتها الكرمل ضد الصهيونية، فقد تقدم النواب العرب بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) بطلب إحاطة حول حقيقة الصفقات التي فضحتها جريدة الكرمل، واستطاع النواب أخذ تعهد على طلعت باشا وزير الداخلية بحكومة الاتحاد والترقي بأن "لا يسمح لليهود بامتلاك أراض في فلسطين، وعدم السماح بهجرات يهودية جديدة".

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب

وفي أواخر عام 1910 اهتمت جريدة الكرمل بالأراضي المدورة؛ أي الأراضي التي تنازل عنها أصحابها للسلطان عبد الحميد الثاني تخلصاً من الضرائب، والتي آلت ملكيتها للخزانة العثمانية بعد خلع عبد الحميد عام 1909، لكن الحركة الصهيونية استغلت نفوذ نجيب إبراهيم الأصفر مساعد والي بيروت وكلفته باستئجار هذه الأراضي لصالحها لمدة 99 عاماً، وقد شملت تلك الأراضي مساحات شاسعة من أراضي حيفا ويافا والقدس وطبريا وغزة والخليل، لكن جريدة الكرمل فضحت جريمة نجيب الأصفر، وأشارت إلى أنّ شركة بلجيكية صهيونية هي المستأجر الحقيقي في تلك الصفقة، وبفضل جريدة الكرمل فشل نجيب الأصفر في عقد الصفقة.
وجنّدت حكومة الاتحاد والترقي المناصرة للمشروع اليهودي عدة صحفيين للرد على جريدة الكرمل داخل فلسطين وخارجها، ومولت "متري الحلاج" لإصدار جريدة "جراب الكردي"، والتي اتهمت نجيب نصار بمعاداة العثمانيين، كما نفت أطماع اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأكدت أنّ المهاجرين اليهود يسعون من أجل تحصيل الأرزاق، بل ادعت أنّ المدن الفلسطينية ستشهد حالة الرواج الاقتصادي بعد إنشاء المستوطنات.

مؤامرة التطبيع
مهدي بك تولى حكم القدس في 15 حزيران (يونيو) 1912، والذي عرف بترحيبه بحركة الاستيطان اليهودي، وبعد أسبوع من توليه مهام منصبه زار مستوطنة "ريشون لتسيون"، وألقى خطبة في جموع المستوطنين اليهود جاء فيها: "لقد سمعتم بأنه يوجد أناس يشيعون أن لليهود مطامع سياسية في فلسطين، وهذا ليس بصحيح".
وأكد: "لأننا نحن الأتراك أكثر الناس معرفة بمقاصد اليهود في هذه البلاد، وهي ليست سياسية بل دينية؛ لأنّ هذه البلاد هي أرض آبائهم وأجدادهم". وتابع مهدي بك: "الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان، ولم تنفك عن الترحيب بهم في كل وقت اضطهدوا فيه".

العثماني مهدي بك تولى حكم القدس وأكد أنّ الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان

في ختام خطبته نصح مهدي بك المستوطنين اليهود بإنشاء بلدية وشرطة حراسة تكون على صلة بدوائر السلطة في يافا والقدس لتهب السلطة لنجدتهم عند كل خطر.
جريدة الكرمل انفردت بنشر أخبار زيارة مهدي بك حكم القدس إلى مستوطنة ريشون لتسيون، وعلقت على خطبة الوالي بقولها: "إنّ متصرف القدس يجهل أو يتجاهل المقاصد الاستعمارية للصهيونية"، ورأى نجيب نصار أنّ "بقاء مهدي بك في منصبه بعد خطابه المخزي إنما يدل على رضى حكومة إسطنبول عن أعمال الجمعية الصهيونية، والتي تسعى إلى تأليف قومية صهيونية في البلاد السورية".
جريدة "النصير" العثمانية التابعة لإسطنبول روجت لضرورة التفاهم بين العرب والصهاينة في شباط (فبراير) 1913، لكنّ جريدة الكرمل ردت بقولها: "على ماذا يتفقون؟ أعلى بيع البلاد؟ الصهيونيون يريدون تملك أراضي فلسطين العربية، ألا يكفي ما عندنا من الخونة الذين يدعون الزعامة وهم سماسرة أدنياء النفوس، يمدون أيديهم بكل ذلٍّ ليقبضوا ثمن وطنهم دريهمات معدودة".

الصهيونية: ملخص تاريخها
في كتابه "الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة ١٩٠٥"، كشف نجيب نصار مطامع الصهيونية وتحالفاتها مع العثمانيين. ولفت إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تنفذ مخططاتها في فلسطين والأراضي العربية بحرص وإصرار شديدين، كانت الحكومات العثمانية تغضُّ الطرف، وتقلل من أهمية التحركات اليهودية التي لم تفتر منذ أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟
وتؤكّد المؤرّخة الفلسطينيّة خيريّة قاسميّة، في دراسة عن نصّار، نُشرت في مجلّة "شؤون فلسطينيّة" عام 1973، أنّ الصحافة العربيّة الّتي واكبت ثورة 1908  احتلت دوراً مهمّاً في تنبيه الأذهان نحو الخطر الصهيونيّ. و"كانت الصهيونيّة الشاغل الأوّل للصحافة الفلسطينيّة، ولم تعمل فقط على التنبيه للخطر الصهيونيّ وطرق مواجهته، بل إلى نقل القضيّة إلى خارج حدود فلسطين".
وبسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى فاختفى بعض الوقت، ثم سلّم نفسه فسيق إلى سجن الديوان العرفي بدمشق عام 1918 وبقي فيه إلى أن حكم المجلس العرفي ببراءته فعاد إلى فلسطين، وإلى صحيفة الكرمل يناضل فيها وبها، كما تذكر "الموسوعة الفلسطينية"، حتى وفاته في 12/3/1948 في الناصرة التي نقل إليها إثر اشتداد المرض عليه.

للمشاركة:

30 ألف وثيقة تغطي تاريخ فلسطين والقدس خلال 400 عام

2020-01-14

أدرك الباحثون والعلماء أهمية التوثيق في خدمة القضايا العادلة، ومقاومة النسيان بالمعرفة العلمية القائمة على الحقائق، لا على الافتراضات والزعم. وقد كان هذا دأب المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة الذي وثق تاريخ مدينة القدس وآثارها وكل ما يتصل بها عبر العصور، وأودع ذلك في الكتاب الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية"؛ حيثُ تضمنت هذه الموسوعة أكثر من (٣٠) ألف وثيقة ورسم وصورة وطابع وختم وخريطة غير منشورة من قبل، تُغطي كامل تاريخ فلسطين والقُدس خلال (٤٠٠) عام.

غوشة: اجتهدتُّ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها بالإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم

وتضمنت الموسوعة مُجلدات ومعلومات ووثائق وخرائط تنشر لأول مرة، كون هذه الموسوعة التي تتألف من (٧٠٠٠) صفحة؛ تعدُّ أكبر عمل وثائقي مُصوّر عن فلسطين في العالم.
ويسعى غوشة، الذي دخل موسوعة غينيس كأصغر مؤرخ في العالم، إلى جعل القدس في الضمير الإنساني، حيث يقول في مقابلة صحفية مع جريدة "الخليج" أعمل على أن أدخل القدس "إلى قلب كل بيت عربي لكي لا ننسى مدينة كلما تذكرها العرب تذكروا ماضيهم، وكلما نسوها نسوا حاضرهم ومستقبلهم، وأحاول أيضاً أن أوثق لهذه المدينة العتيقة المظلومة الجريحة، كي تبقى حية لا تغيب عن البال لأنها أمست اليوم مدينة ذكريات ولم تأخذ حقها من الوعي والاهتمام والإعلام".

المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة
وفاز غوشة، مؤخراً، بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية للعام 2020 في السعودية، تقديراً لجهوده التي بذلها للمحافظة على تراث القدس، ولغزارة أعماله حول تاريخ القدس وآثارها عبر العصور، ومن أبرزها موسوعة فلسطين باللغة الإنجليزية، التي تشكل مادة القدس حيزاً كبيراً منها، وتنوع إنتاجه العلمي ليغطي موضوعات إسلامية مختلفة عن القدس.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة
وتضمّنت الموسوعة نحو ثلاثة آلاف وثيقة عثمانية لعائلات فلسطينية، و1200 حجة وقف لعائلات أخرى تثبت أنّ من يملك الأرض هم الفلسطينيون، في حين احتوت ثمانية مجلدات من الموسوعة على 12 ألف رسمة لمؤرخين أوروبيين خلال زيارتهم فلسطين.

كتاب بنحو نصف متر
وفي سبيل المحافظة على ميراث القدس، أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. ويعد الكتاب، كما قال غوشة، "أفخم وأضخم عمل مصور نشر عن قبة الصخرة، وقد كان مهماً جداً بالنسبة لي أن يرى النور على نحو يليق بهذا المكان المقدس، لأنها أجمل وأقدم الآثار الإسلامية التي خلدها التاريخ، حتى نذكر لأولادنا وللجميع أن لقبة الصخرة كتاباً يوثق تاريخها بشكل متكامل من ناحية معمارية وفوتوغرافية". وقال "قمت بتصوير المبنى بشكل كامل بطريقة علمية ومنهجية بحيث كانت الصور دقيقة جداً، وما يميز هذا الكتاب أنّ الصور التي أخذت لقبة الصخرة تغطي المبنى كاملاً دون أن أغفل أية جزئية من المبنى، كما تغطي الصور جميع الزخارف الإسلامية التي تزين المبنى".

أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. وبلغ الكتاب نحو نصف متر ويضم 850 صورة

ويبلغ الكتاب نحو نصف متر. وعن ذلك يقول المؤلف "رأيت أن يخرج الكتاب ويرى النور على نحو يليق بقبة الصخرة، والكتاب يحتوي على صور طولها متران، إضافة إلى صورة تعتبر الأولى من نوعها تجمع قبة الصخرة والمسجد الأقصى المسقوف مع بعضهما، فقد قمت بالتصوير من داخل الأقصى، كما أنّ حجم نصف صفحة يظهر الرسوم الزخرفية بشكل واضح ودقيق، والكتاب يضم 850 صورة وعشرات الرسوم المعمارية، بالإضافة إلى توثيق تاريخي كامل، ولا سمح الله إذا جرى أي تخريب أو حرق أو أي أضرار لقبة السخرة والمسجد الأقصى من الممكن أن يعاد ترميمها استناداً إلى هذا الكتاب ".
وبيّن الدكتور غوشة بأنّه انتقلَ لإنجازِ عمله الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية" بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، باحثاً في الوثائق والمعلومات بهدف إضافة شيء جديد عن القدس وفلسطين في الفترة العُثمانية بحيث ضمّنها كتباً ومصادر ووثائق تاريخية أصلية من أمهات المصادر التي جاءت من الأرشيف والسجلات العثمانية، حيث تم التحقق من تفاصيلها ومعلوماتها بشكل تفصيلي دقيق.

تتألف من 7000 صفحة
الموسوعة تبدأ بالمُجلد الأول الذي تضمن وثائق تاريخية تنشر لأول مرة حول تاريخ فلسطين بطريقة جديدة، لخدمة القدس في نقوش أثرية وخرائط، ووثائق للقدس وأرضها ووقفيات عائلاتها، كما تم الاطلاع على مصادر ضمت الغزاة والسلاطين والمشاهير، وثورة عائلة الجيوسي في القرن السابع عشر وصوراً لعائلة درويش المقدسية وخريطة لعكا قُبيل غزو نابليون لها وهزيمته على أسوارها، والسلطان مراد الرابع، وصوراً لأعضاء مجلس "المبعوثان" العثماني من المقدسيين ومدينتي نابلس وعكا، وزيارة الإمبراطور وليام الثاني للقدس، وصوراً لإنشاء السكة الحديدية الفلسطينية والتي كانت حدثاً متفرداً؛ إذ لم يكن هُنالكَ قطار في باريس، وصوراً للزلزال الذي ضرب القدس، وصُوراً لدقائق الحياة الاقتصادية وأوجُهها في فلسطين في العهد العثماني كأسعار البضائع والسلع المتنوعة.
أطلس فلسطين عام 1865
وركزت الموسوعة في مُجلدها الثاني على خريطة فلسطين والقدس خلال القرون الخامس عشر وحتى السابع عشر، مُحتوية وثائق من المَتاحف الأوروبية حول خريطة فلسطين والتغلغل الأوروبي ثم الحركة الصهيونية ثم توثيق فلسطين و(تشارلز ولسون) وأطلس فلسطين عام 1865، فيما احتوى مُجلدان آخران على الوقفيات في فلسطين وقضايا الطابو، لحوالي (500) عائلة فلسطينية تؤكد مُلكيتها لأراضي فلسطين خلال الفترة من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر في مُدن الرملة ويافا والخليل والقدس، وغيرها من مدن وقرى فلسطين.

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل
فلسطين، كما يؤكد غوشة، كيان موجود منذ الأزل ولهذا الشعب قضيتة المُثبتة عبر الوثائق مُنتقلاً إلى جزء تضمن ثمانية مجلدات عالجت دراسات المستشرقين في فلسطين منذ (1516- 1778) منذُ حملة نابليون، فالحكم المصري، والتنظيمات العُثمانية، ثم حقبة السلطان عبد الحميد الثاني، لافتاً إلى ضعف الإنتاج التوثيقي للعرب والمسلمين في هذه الحقبة الزمنية والتي سبقهم إليها الأوروبيون، منوهاً إلى صدور كتاب عن فلسطين في العام 1589، مقارناً بذات الوقت كيف تناول المستشرقون فلسطين وكيفَ درسوها ووثقوها أرضاً وشجراً وطيراً وإنساناً مما يدُل على قيمتها ومكانتها وثرائها، فيما كان الجهد العربي ضعيفاً وغير كافٍ، مُوضحاً أنّ تاريخ فلسطين تاريخٌ عريق تم توثيقه بشكل علني وعبر الكثير من الوثائق التي تناولت مُدن نابلس وحيفا والقدس وعكا و(أحمد باشا الجزار) وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
المكتبات والمخطوطات في القدس
مُجلّد آخر في الموسوعة يتحدث حول المكتبات والمخطوطات والمعارف بيّن من خلاله المؤلف أنّ الاهتمام بالعِلم والمِعرفة كان من أولى أولويات المقدسيين، استعرض فيه عدداً من الصور والمخطوطات وأرفف ووقفيات المكتبات الفلسطينية، لافتاً إلى أمثلة منها كوقفية عائلة الدويك ومخطوطات عائلة الحُسيني ووفقية الكُلية الصلاحية والمكتبة الخالدية لعائلة الخالدي المقدسية.
وضمت الموسوعة مُجلداً احتوى صوراً للمُدن والقرى والخِرَب الفلسطينية وتفاصيلها كمدُنِ يافا وعكا وغزه وطبريا والّلد وجنين، وبيت عور.

اقرأ أيضاً: هل توارت البرجوازية الفلسطينية عن المشهد الوطني بعد النكبة؟
وعن الإسلام في فلسطين ضمنت الموسوعة صوراً تاريخية للجامع الأبيض، والجامع العُمري، وجامع الجزار، والمسجد الأقصى المبارك، الذي يحظى بقدسية عالية من كافة زواياه وتفاصيله، ابتداء من باب السلسلة لشوارع القدس القديمة، والكنائس وانتقالاً إلى كنيسة القيامة ورحابها وكنيسة المهد وكنائس القدس كافة، وجبل الكرمل ودير الكرمليين.
  غوشة خصص في موسوعته مجلداً "لبوسطة فلسطين وبريدها ورسائلها" خلال الفترة 1834- 1918 احتوت صوراً للرسائل والأختام والتلغراف في مدن القدس وطبريا ونابلس، مما يُدللُ على أنّ أهل فلسطين كانوا متعلمين وليسوا أمُيّين، كما استعرضَ التراث الفلسطيني واللباس التقليدي الفلسطيني.

برية فلسطين
كما تناول غوشة في مُجلّدٍ آخر "برية فلسطين" من خلال ما رصده من رسومات وصور المستشرقين الذين درسوا نباتات وزهور وحيوانات فلسطين، وزواحفها وقوارضها وحشراتها وأشجارها وأسماك طبريا ويافا، وطيور القدس.
  وختم غوشه موسوعتة بمُجلد حزينٍ تناولَ فيه (فلسطين في الحرب العُظمى) مُنذُ 1914-1918 والتي هُزِمَ فيها الجيش العثماني ودارت رحاها في مُدن القُدس وغزة وغيرها من المُدن، حيثُ خاض الجنود والقادة العثمانيون معركة طاحنة واستقبلهم جمال باشا الشقيري الأنصاري، وجاءت المدفعية الهندية والبريطانية ثم سقطت القدس واستسلم العثمانيون إلى أن أعلن عزت باشا استسلامهم وسقوط القدس.

د. مهند مبيضين: غوشة مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، اعتكف بين الكتب والمراجع والمخطوطات ليثبت عروبة فلسطين

وحول الأرشفة الإلكترونية أكد غوشة: "لقد اجتهدتُ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها باللغة الإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم وليس العرب وحسب؛ لأنّ القدس موجودة في الوجدان العربي ولكننا بحاجة لتعريف الغرب بفلسطين سيّما بأنهم هم من حفروا اسمها بأقلامهم حين درسها المستشرقون، ودأبوا على دراسة كل شيء فيها عبر مُستكشفاتهم، للاستيلاء على الأرض، ولتوضيح نصوص توراتية، ونحن لم نتعاطَ مع العمل الأكاديمي بمهنية".
أما عن القدس وقيمتها التاريخية والإنسانية، فقال غوشة: "فلسطين دون القدس لا تكون، فالقدس مدينة روحانية عقائدية متُجذرة ليست ككل المدن، فالقدس منبع الجمال والإبداع وهي التي كُرِّمت في جميع الديانات وهي ثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي القبلة الأولى وهي من جمعت الأنبياء جميعاً".
الباحث د. مهند مبيضين وصف غوشة بأنّه "مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، يتمتع بالاخلاق والتواضع ويمنح من يأتيه ما يحتاج من وثائق موجودة عنده. اعتكف محمد هاشم غوشة بين الكتب والمراجع والمخطوطات سنوات مديدة ليرصد ويوثق تفاصيل تثبت عروبة فلسطين، سارداً إياها في أكبر موسوعة كتبت باللغة الإنجليزية، ليضعها بين يدي عالم لا يحترم إلا الوثائق والشواهد، وقد وصلت موسوعته إلى مختلف مكتبات العالم".

للمشاركة:

"سفر برلك": من صحراء مدينة مكة إلى محطة الحجاز في دمشق

2020-01-05

تشير عبارة "سفر برلك"، التي تعني النفير العام أو التأهب للحرب، إلى "الفرمان" الذي أصدره السلطان العثماني محمد رشاد، بتاريخ 3 آب (أغسطس)  1914، ودعا فيه الرجال الذين يبلغون من العمر بين 15 و45 عاماً، من العثمانيين/ الأتراك أو العرب، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان ذلك قبل ثلاثة أشهر تقريباً من قيام الحرب العالمية الأولى، في 28 تموز (يوليو) 1914، استعداداً من الدولة العثمانية للوقوف إلى جانب ألمانيا في الحرب، وشكّلت تلك المرحلة أيضاً بداية انهيار الدولة العثمانية، وسقوطها عام 1923.

في رواية "سفر برلك"، للروائي السعودي مقبول العلوي، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، عام 2019، والتي دخلت القائمة الطويلة لترشيحات جائزة "البوكر" العربية 2020 مؤخراً؛ لا يمكن أيضاً النظر إلى هذه المرحلة، التاريخية والمفصلية والحساسة، على أنّها مسرح مغرٍ لبناء عمل روائي، يمزج يين التاريخ والخيال، رغم أنّ هذا المزج هو أساس الرواية، لكنّه ليس الهدف، وهذا ما قد يستنتجه قارئ الرواية؛ إذ إنّ قصة بطل الرواية "ذيب"، هذا الفتى الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، الذي اختُطف من صحراء مدينة مكة من قبل عصابة قطاع طرق، وبيع في سوق العبيد في المدينة المنورة، هي محور الرواية، و"ذيب" هو راويها العليم.

"سفر برلك" رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق

ولعلَّ الروائي لو لِعبَ دور الراوي العليم، الذي يروي قصة "ذيب" بدلاً منه، لفقدت الرواية بعض ألقها.
"ذيب"، بوصفه صوتاً روائياً وراوياً لقصته، جعل الحكاية (البناء السردي المتخيل للرواية) تفرض الفترة الزمنية/ التاريخية نفسها، وأحداثها المؤرخة في كتب التاريخ، على الحكايات الشخصية لأبطالها.
صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ، وإذا كان الأخير يبدأ من سؤال: "ماذا حدث؟" فالأديب والعمل الروائي عموماً، يطرحان سؤالاً مختلفاً، وهو: "كيف حدث؟".

غلاف الرواية
سؤال "كيف حدث ذلك؟"، هو سؤال روائي بامتياز، يُتيح للتفاصيل الصغيرة أن تحرك الجمود والمخفي في الأحداث الكبيرة، وهذا ما يميز رواية "سفر برلك".
فلولا اختطاف "ذيب" من قبل قطاع طرق في صحراء مدينة مكة واقتياده للمدينة المنورة لبيعه في سوق العبيد، لما تقاطع مصيره الشخصي بمصير مدينة بأكملها؛ حين أطبق الأمير العثماني، فخري باشا، الحصار على المدينة المنورة، وارتكب المجازر بحقّ أهلها، وهجّرهم منها، عبر خطفهم من شوارع المدينة، وزجّهم بالقطار المتجه إلى دمشق.

صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ

كما أنّ رحلة "ذيب" من مكة إلى المدينة المنورة، ثم توقّفه في مدينة تبوك، ووصوله أخيراً إلى مدينة دمشق، لا تعكس فقط تقاطع الشخصي في العام، بل تطرح الرواية هنا وجهة نظر، أو ربما حكمة ما؛ هي أنّه ليس من الضروري أن يحدّد حدث تاريخي كبير مصير فرد ما، فالحوار الذي يجري بين "ذيب" والوجيه عبد الرحمن المدني، الرجل الذي اشتراه من قاطع الطريق الذي اختطفه، يعكس ذلك؛ إذ يقول الوجيه لذيب: "لا أريدُ عبداً في بيتي ولا جارية، فكلُّ مَن في هذا المنزل هُم بمكانة أبنائي، وأتعاملُ معهم بهذا المفهوم (...)، لقد دفعتُ فيكَ ذلك الثمن الباهظ من الجنيهات الذهبيَّة لأنَّني شعرتُ أنك لست من العبيد، عندما رأيتك للمرَّة الأولى في دكّة حوش العبيد معروضاً للبيع، شعرت أنّ وراءك حكاية ما، فلا سيماء وجهك، ولا هدوؤك، يدلّان على أنَّك عبد!" يقول هنا ذيب: "ثم وصفني بكلمة هي أقرب إلى الصواب، ولا أعرفُ كيف لم تخطر لي على بالٍ من قبل، فقد قال عنِّي: " أنتَ ضحية ظروفٍ ما صعبة"".
إذاً هذه "الظروف الصعبة" قد تحدّد مصيرنا، لا بل من الممكن أن تغيّرها بشكل جذري، ومن الممكن أن تُكتب لنا النجاة من هذه المصائر.

اقرأ أيضاً: سفر برلك.. كيف عبر الوجدان الشعبي العربي عن استبداد الأتراك؟
لا يمكن أيضاً تجاهل الأسلوب الذي كُتبت فيه الرواية، فالأسلوب لعب دوراً في عملية سرد مكثفة، بعيداً عن الإسهاب؛ إذ يبدو واضحاً إدراك الروائي، مقبول العلوي، لحساسية التعامل مع لغة السّرد داخل الرواية، فالراوي وبطل الرواية فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، وأحداثها تدور في مرحلة تاريخية مفصلية، تجاور ظرفه ورحلته والمحن التي تعرض لها، بمرحلة عمرية انتقالية أيضاً، من الطفولة إلى الرجولة، وهذا يشير إليه الروائي على لسان بطله، ذيب، عندما يمرُّ بأول علاقة جنسية مع مرجانة، الفتاة التي تخدم في بيت الوجيه عبد الرحمن المدني، إذ يقول: "لم يجمعني فراشٌ من قبل بأيّ امرأة، ليست لي دراية بالنساء، ولم ألمسْ امرأةً في سابق سنوات عمري، كنت سعيداً وخائفاً ومرتبكاً في الوقت نفسه، ولا أعرف ماذا سأفعل حيال هذا الأمر (...) فقد أحسستُ بجلدي القديم يتقشَّر من فوق جسدي (...)، وحينئذ أدركتُ أنَّني قدْ خرجتُ من إهاب الطفولة إلى الرجولة المكتملة، رغم أنَّ سنِّي لم تتجاوز السادسة عشر".

الروائي السعودي مقبول العلوي
يشعر القارئ بأنّ اللغة المستخدمة عبارة عن طبقات من الأصوات متداخلة في بعضها، صحيح أنّ الراوي فتى يافع في مقتبل العمر، لكن إذا عدنا لفكرة المصير الشخصي/ الفردي، فإنّ تفوّق ذيب في الكتابة والقراءة قد لعب دوراً في نجاته من مصير أسوأ؛ إذ يعود الفضل في تعلّمه إلى خاله، مانع، الذي أصرّ على أن يعلّم ذيب في طفولته القراءة والكتابة وتلاوة القرآن، إضافة إلى شغف الاطّلاع الذي يتمتع فيه ذيب، والذي كان السبب في وجوده وعمله مع الوجيه عبد الرحمن المدني، الشغوف بقراءة المخطوطات، ونسخها من المكتبة الكبيرة في المدينة؛ مكتبة "عارف حكمت".

اقرأ أيضاً: هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟
يقول ذيب أثناء وجوده في هذه المكتبة: "قضيتُ بعض الوقت في المكتبة؛ قرأت صفحات من بعض الكتب لزيادة معرفتي وتطوير ذاتي، فالمعرفة سلاحٌ يجعلك على استعدادٍ كافٍ لمجابهة الجهل، كما قال لي أحدُ شيوخي في حلقة من حلقات التعليم في الحرم المكيّ".
رواية "سفر برلك"؛ عن رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق، إنّها رحلة حياة ذيب، الذي كان شاهداً على العبودية والاستعباد والتهجير، وضحايا الظروف الصعبة.

للمشاركة:



وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

بالأرقام.. برلماني تركي يكشف الأعداد الحقيقية للعاطلين عن العمل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشف كبير مستشاري رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، أردوغان توبراك، أنّ هيئة الإحصاء تتعمد عدم إدراج الأشخاص الذين تخلوا عن البحث عن فرصة عمل ضمن جيش العاطلين لتقديم رقم العاطلين عن العمل منخفضاً.

وزعم البرلماني عن مدينة إسطنبول، أردوغان توبراك، أنّ العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يتجاوز 6 ملايين عاطل عن العمل، وليس 4 مليون و396 ألف، مثلما توضح إحصاءات الهيئة، وأنّ نسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وليست 13.4%.

واستعرض توبراك تقريراً أعده حزب الشعب الجمهوري، وقال: "العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص، ونسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وذلك بإضافة النساء اللواتي يتم تصنيفهن من قبل الهيئة "ربات منزل"".

أردوغان توبراك: العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص ونسبة البطالة 20.9%

وكانت هيئة الإحصاء التركية قد أعلنت؛ أنّ نسبة البطالة بلغت 13.4%، وأنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ 4 ملايين و396 ألف عاطل عن العمل، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وحتى أمس".

وذكر التقرير؛ أنّ بيانات هيئة الإحصاء التركية تشير إلى أن عدد النساء الذين تحولن إلى "ربات بيوت" كان 11 مليوناً و404 ألف شخص، في أيلول (سبتمبر) 2019، وأنّ هذا الرقم ارتفع إلى 11 مليوناً و549 ألف شخص، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مفيداً بأنّه "خلال شهر أزيحت 145 ألف سيدة من إجمالي رقم البطالة وتمّ ضمهنّ إلى فئة "ربات منزل"".

وأضاف تقرير المعارضة: "كانت هيئة الإحصاء تصنف المستعدين للعمل والباحثين عنه لكنّهم يعجزون عن إيجاد فرصة عمل لمدة ثلاثة أشهر، ضمن العاطلين، غير أنّها خفضت هذه الفترة الزمنية إلى أربعة أسابيع، أي أنّ الممتنعين عن البحث عن فرصة عمل خلال الأربعة أسابيع الأخيرة، لن يتم إدراجهم ضمن العاطلين عن العمل"، مشيراً إلى أنّ "هذا الإجراء هو من الأساليب التي تسعى هيئة الإحصاء من خلالها لإظهار انخفاض أعداد العاطلين عن العمل".

يذكر أنّ رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو، قال هذا الأسبوع إنّ حكومة حزب العدالة والتنمية تتلاعب بالأرقام للتستر على الأزمة الاقتصادية، وتفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

 

 

للمشاركة:

سوريا.. 38 ألف نازح في 5 أيام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

نزح أكثر من 38 ألف شخص عن منازلهم في شمال غرب سوريا، خلال خمسة أيام، بسبب الغارات الجوية التي ينفذها النظام السوري وحليفه الروسي، بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة.

وأعربت الأمم المتحدة عن "القلق البالغ" حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا، فيما أشار المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوشا"، دايفيد سوانسون إلى وجود "معلومات شبه يومية عن غارات جوية وقصف مدفعي في المنطقة"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وأوضح في بيان؛ أنّه "في الفترة بين 15 و19 كانون الثاني (يناير)، نزح أكثر من 38 ألف شخص، خاصة عن غرب حلب، باتجاه مناطق أخرى ضمن المحافظة أو باتجاه إدلب.

وما تزال محافظة إدلب، وبعض المناطق في حلب واللاذقية المجاورتين، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا)، وثمة حضور لفصائل مقاتلة أخرى أيضاً.

الأمم المتحدة تعبر عن قلقها حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا بسبب غارات النظام وروسيا

ومنذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، نزح ضمن شمال غرب سوريا 358 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب الأمم المتحدة.

ويقول المرصد السوري إنّ عشرات المدنيين قتلوا في غرب محافظة حلب وفي إدلب، خاصة بسبب غارات تنفذها مقاتلات روسية، بحسب المرصد.

ويحدّد المرصد هوية المقاتلات استناداً إلى نوعية الطائرة ومكان القصف وخطط الطيران والذخيرة المستخدمة، غير أنّ موسكو تنفي من جهتها المشاركة في أيّة "مهمة قتالية".

وفي بيان أمس؛ قالت ميستي بوسويل، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ إنّ "التصعيد الأخير فتح الباب أمام جبهة جديدة خطيرة".

وتابعت: "المخيمات ممتلئة والخدمات الصحية مستنزفة وغالبية النازحين يعيشون في خيم هشّة ومكتظة، تغمرها مياه الأمطار".

وتُكرر دمشق نيتها استعادة كامل منطقة إدلب ومحيطها، رغم اتفاقات هدنة عدة تم التوصل إليها على مرّ الأعوام الماضية.

وخلّف النزاع، الذي تشهده سوريا منذ آذار(مارس) 2011، أكثر من 380 ألف قتيل، بينهم أكثر من 115 ألف مدني.

 

للمشاركة:



من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية