"الدين والاشتراكية".. هل يمكن تحرير التراث من صراعات الأيدولوجيا؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
992
عدد القراءات

2018-12-31

في ظل الانقسام العالمي إلى معسكرين بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، قبل سقوط جدار برلين، وحدوث التحولات العالمية والإقليمية، والانعطافات الحادة، التي شهدتها عدة دول وعواصم عالمية، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، هيمنت الصراعات الأيدولوجية والمعارك الفكرية بين التيارين، ولعبت السياسة وتطلعات كل معسكر لتمديد نفوذه الإقليمي، الدور الرئيس في تأجيج الصراعات الفكرية، والتي كانت بمثابة منصات للدعاية السياسية، وتغلب الأيدولوجيا على المعرفة، في محاولة تطويع الحقيقة وكسب اليقين لحساب طرف على الآخر.

المقدس وإنتاج المعرفة وسلطة الحقيقة

كانت منطقة الشرق الأوسط جزءاً من المشهد العالمي، وينعكس على سطحها بعض آثار تلك المخاضات، والتحولات في العالم، وبينما كان الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، يطبق بعض إجراءاته السياسية، في سبيل تحقيق مشروع العدالة الاجتماعية، ورؤيته العربية للاشتراكية، فشلت محاولاته البراغماتية، في تحقيق صيغة لبناء علاقات مع الولايات المتحدة، فانتقل بثقل الدولة المركزية إلى موسكو، وترتب على ذلك، محاولات جمة لضرب مشروعه بدعاية مضادة، وقد لعب الدين أحد عناصرها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية

ويعد كتاب: "الدين والاشتراكية" الذي كتبه خالد محيي الدين، أحد قيادات ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وظهر في سبعينيات القرن الماضي، جزءاً من السجال المحتدم، منذ الستينيات، وربما، في العقود التي سبقتها، حول علاقة الدين بالفكر والأيدولوجيا والسياسة، وموقع الإسلام من معارك التنوير والحرية والطبقة والعدالة الاجتماعية.

خاض عدد من المفكرين والأدباء ورجال الدين نقاشات عديدة توثق لذلك الجدل؛ مثلما حدث بين فرح أنطون والإمام محمد عبده، حول موقف الإسلام من حرية الاعتقاد، وقضية السلطة المدنية والدينية في الحكم.

غلاف كتاب "الدين والاشتراكية" لـ خالد محيي الدين

الدين والعلم.. المعركة الخطأ

وفي مطلع العام 1950، نشر المفكر المصري، خالد محمد خالد كتابه: "من هنا نبدأ"، والذي كان يطعن في شرعية السلطة الملكية الحاكمة، وقتذاك، واستعار من الدين كل المقولات التي تدعم رؤيته، باتجاه تحرير الشعب من الفقر واستغلال ثرواته، ما تسبب في تأليب السلطة الدينية عليه من جانب الملك فاروق، فأصدرت لجنة الفتوى بالأزهر قراراً بحظر الكتاب، ومصادرته، وحظر توزيعه، وأوصت بمحاكمة الكاتب.

"مذبحة" التعاطي مع التراث حولته إلى سلاح نظري في معارك الأيدولوجيا والسياسة دون الأخذ بالاعتبار شروطه التاريخية

وفي عهد الرئيس عبد الناصر، الذي واجه تكفيراً من جماعة الإخوان المسلمين، وإدانة صريحة لكونه طبق الاشتراكية "الإلحادية"، كما تشير أدبياتهم، ووصفوه بمعاداة الإسلام، حتى صرخ عبد القادر عودة، أحد قياداتهم أثناء محاكمته بأنّ: "الإسلام سجين"، أصدر المفكر المصري، أحمد عباس صالح، كتاباً بعنوان: "اليمين واليسار في الإسلام"، الذي اعتبر فيه أنّ الدعوة الإسلامية لم تكن مجرد نِحلة من النِّحل، ولم تكن دعوة لنبذ الأصنام، أو الاتجاه إلى التوحيد، بل هي إلى جانب ذلك "ثورة اجتماعية توفرت لها كل أسباب الثورة".

في هذا المضمار المتعدد والمتنوع، جاء كتاب خالد محيي الدين امتداداً لهذه النقاشات، وبعث الجدل حولها، لكنه حمل اختلافات جوهرية عن كل الجهود التي سبقته، والتي كان يهيمن عليها خطاب الآخر، ومسكونة بإكراهاته، حيث انطلقت في إشكالياتها مما يفرضه عليها ذلك الخصم الذي يحاصرها بالتحريم والكفر.

غلاف كتاب "اليمين واليسار في الإسلام" لـ أحمد عباس

لذا، جاءت مجمل المحاولات الفكرية تعنى بالتوفيق بين الإسلام ومواقفه التاريخية، من ناحية، والأحداث المعاصرة؛ السياسية والاجتماعية، من ناحية أخرى، بالإضافة إلى المطابقة بينهما، بهدف رفع التناقضات التي يطرحها الطرف الآخر، وتشكيل وسيلة دفاعية من الأداة ذاتها (الدين).

ما الجديد الذي قدمه "الصاغ الأحمر" في فهم العلاقة بين الدين والعلم؟

قطع محيي الدين مع تلك الحالة التوفيقية، في صورها المتعسفة والمبتسرة، لما كشفت عنه من تلفيق وردّة، جعل الاستخدام النفعي للدين بين الطرفين، لا يؤدي إلا إلى مزيد من تقديم الشرعية للتيار الديني، والبقاء على النص الديني في المواقع المتناقضة التي يتردد بينها، باعتباره مرجعية سياسية وأيدولوحية، ومن ثم، سلاح للحكم بالكفر أو الإيمان على الآخرين.

يعد كتاب "الدين والاشتراكية" جزءاً من السجال المحتدم منذ الستينيات حول علاقة الدين بالفكر والأيدولوجيا والسياسة

يشير صاحب "والآن أتكلم" إلى ملاحظة إجرائية، على هذا الإشكال القائم، حيث أكد أنّه "لا يمكن الزعم أنّ الإسلام هو دين الاشتراكية"، وبالتالي، عدم وجود تطابق تام بين فكر العدالة الاجتماعية في الإسلام والاشتراكية؛ لأننا لو "أبحنا لأنفسنا ذلك، لكان مباحاً أيضاً لخصومنا الفكريين، من أنصار الرأسمالية ودعاة الإقطاع، وكهنة التفاوت الطبقي، أن يزعموا هم الآخرين أن الإسلام دين الرأسمالية".

وإلى ذلك، فإن "المذبحة" التي أسفرت عنها علاقة الفكر العربي الحديث في تعاطيه مع التراث، بحسب وصف المفكر السوري، جورج طرابيشي، وقادت إلى التعامل معه عبر تجزئة عناصره وابتسارها، وتأويل بعضها بصورة ملتوية، لتحويلها إلى سلاح نظري في معارك الأيدولوجيا والسياسة، دون الوضع في الاعتبار الشروط التاريخية، التي تأسست داخلها عناصر هذا الفكر أو ذاك، ترتب عليها الحكم على الدين باستنفاد أغراضه، كما يوضح محيي الدين، والانضمام إلى أنماط من الكفر، وألوان من الدعوات التي تجاوزتها الحياة في طريقها المتطور أبداً.

محمد عبده وفرح أنطون

صناعة "الجهل المقدس"

ولئن يرى محيي الدين وجود علاقة بين الإسلام كدين والمذاهب الاجتماعية، من حيث إنّها تعكس مصالح اجتماعية متفاوتة، وانحيازات بين الطبقات وبعضها، لكن تلك العلاقة لا يمكن أن تتمثل في الإقرار بوجود حلول جاهزة، نستخرجها من بطون الكتب، وحفريات التراث، واعتبار أنّ الإسلام يطرح أنظمة مفصلة للإنسان المعاصر، وليس على الأخير سوى أن يضعها في حيز التطبيق فقط.

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية

إنّ الخطأ الذي وقع فيه كثيرون، والمتمثل في محاولة نفي التناقض بين الدين والاشتراكية، كما يشير الكاتب، يجعله يتخطى ذلك، ويتفادى حدوثه، من خلال البحث عن طريق آخر، اعتبر من خلاله الإسلام وقيم العدالة العليا، التي بشر بها النبي محمد، عليه السلام، بمثابة الخطوط الكلية التي تتقاطع مع الأفكار التقدمية الحديثة، لكن من دون تجاهل وغضّ الطرف عن قوانين وشروط كل مرحلة تاريخية.

لا يتعارض الإيمان بالله مع العلم والاختبار الذي يضع الإنسان بين هذين الخيارين اختبار غريب

وتعد الثورة الإسلامية الأولى، التي قادها الرسول الكريم، وما عبرت عنه دعوته من قيم ومبادئ، بمثابة المخاض الذي تشكلت على تخومه التغييرات الجذرية في المجتمع، وهدّدت مكانة القوى الاجتماعية في مكة، ونفوذها الطبقي، بينما حققت الانتصار للمستضعفين، عبر إعادة توزيع الثروة وفق قواعد العدالة وتحقيق الشورى، وتحرير المجتمع من مجمل التمايزات القائمة على الأصل الطبقي واللون والقومية.

وفي هذا الإطار، يطرح محيي الدين قضية الربا، الذي كان أحد أشكال مراكمة الثروة وتحقيق الثراء والربح غير المشروع، حيث اتخذ الإسلام موقفاً فيه تحريم تام له، وأسقط ما على المدينين من ديون بأثر رجعي، وخلق ما يمكن تسميته بـ"التراكم".

ووفق ما يرى الكاتب، لم يكن الموقف التحريمي للربا، هو مجرد موقف من الأغنياء، إنما عكس مضموناً أعمق، فالربا مال يكسبه الدائن بلا عمل، ويأتي عن طريق تداول المال بغرض "التسليف"؛ أي إنّ المال يثمر مالاً جديداً، دون جهد يبذل من صاحب المال، وبالتالي، كان تصدي الإسلام بالأساس لأسلوب كسب المال، دونما جهد بشري يبذل.

لم يكن الموقف التحريمي للربا مجرد موقف من الأغنياء إنما يعكس مضموناً أعمق

لا يمكن أن يتعارض الإيمان بالله والعلم، كما يوضح الكاتب، وهذا الاختبار الذي يضع الإنسان بين خيارين: إما الدين أو العلم، هو اختبار غريب، بحسب وصفه، ويعكس قضية مصالح تتنازع عليها قوتان، تريد إحداهما الغلبة، واحتكار الحكم والثروة، واستغلال الآخرين، في المقابل، ومنح أنفسهم في سبيل تأدية هذا الدور قيمة دينية، بشكل مغلوط، وصورة مزيفة، يعتبرون أنفسهم حراس الدين، والناطقون بلسان السماء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: