هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

3606
عدد القراءات

2019-01-02

رصدَ المفكر جورج طرابيشي، في كتابه "هرطقات"، بعضاً من موارد الأزهر؛ المتمثلة في المعاهد الأزهرية، الابتدائية والإعدادية والثانوية، وطلبتها الذين يتجاوزون المليونين.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟

إنّ هذه المعاهد نمت في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ثم تضاعفت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتصل إلى تسعة آلاف معهد، إضافة إلى مئات من المعاهد الأزهرية، المنتشرة في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، في جانب آخر؛ تم إغراق المكتبات بملايين النسخ من الكتيبات السلفية المتشددة، وتوظيف التكنولوجيا والإعلام الحديث، وإنشاء مئات المواقع الدينية المتطرفة على شبكة الإنترنت، فضلاً عن عشرات القنوات التلفزيونية، كما أنّ وسائل الإعلام العربية مرصودة غالباً لترويج أو مداورة الفكر الأصولي مباشرة، بحسب طرابيشي، في هذا الصدد؛ تساءل العفيف الأخضر: "أليس التلفزيون العربي اليوم منبراً للإرهاب الأصولي؟ ألم يكن أحد الذين أفتوا بإعدام فرج فودة يطل بانتظام من شاشته الصغيرة على ملايين المشاهدين، بينما ما تزال الشاشات نفسها مغلقة دون رواد الحداثة، كالصديق الأستاذ محمود أمين العالم مثلاً؟".

السياسة والإيمان

تمارس الأحزاب الدينية السياسة ممارستها للصلاة أو الحج، وتنتظر ثواباً على فعلها هذا في الآخرة، ومن السهل أن تدعو القوى الدينية لحضور اجتماع أو فعالية، سياسية أو ثقافية، بالسهولة نفسها التي يذهبون فيها إلى المساجد، وبحسب برهان غليون، في كتابه "نقد السياسة: الدين والدولة"؛ فإنّ "المسلمين ليسوا أصوليين ينطوون على أنفسهم في مساجد خاصة للتسبيح لله، إنهم إلى جانب كونهم مؤمنين دعاة اجتماعيون، يهتمون أساساً بالمصير الاجتماعي، ويرون هذا الاهتمام بالشأن العام جزءاً لا يتجزأ من الإيمان".

بعد فشل الفكرة الوطنية، ثم القومية، أصبحت الفكرة الإسلامية   هي المحور الرئيس لبلورة القوى الفاعلة

وبحسب إيريك هوفر، في كتابه "المؤمن الصادق"؛ فإنّ "العامل الحاسم في نجاح العمل الجماهيري، يكمن في التنظيم الجماعي؛ الذي يستطيع صهر المحبطين فيه صهراً كاملاً"، فعندما تتنافس عدة عقائد على ولاء الجماهير؛ "فإنّ العقيدة التي ستنتصر هي العقيدة التي تتقن بناء الإطار الاجتماعي"، ويستشهد "هوفر" بتماسك وتنظيم المسيحية القوي في العصر اليوناني/ الروماني، وكذلك بالحركة البلشفية التي تمكنت بفضل تنظيمها الجماعي المحكم من التغلب على منافسيها من الحركات الماركسية، ويستشهد أيضاً بصعود النازية بإدراك "هتلر" مدى شوق المحبطين إلى الانتماء والذوبان في كيان جماعي موحّد.

أنانية النخب العربية

بينما ساهمَ التشرذم، وربما الشعور العالي بالأنا، في ضعف القوى العلمانية العربية؛ حكمت السياسة عند الحركات الإسلامية ضوابط دينية، تتمثل في الاعتصام بحبل الله تعالى، وعدم التفرّق، كما تحثّ آيات القرآن الكريم، وأوامر النبي، صلّى الله عليه وسلم، في أحاديثه الشريفة ومنها قوله: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب"، وقوله أيضاً: "من فرّق فليس منا"، وأيضاً: "يد الله مع الجماعة..."، وحديث: "لا تختلفوا فإنّ من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

وخير مثال على تفرّق القوى العلمانية؛ تمثّل في محمد البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي، أثناء الانتخابات الرئاسية المصرية، ويبدو أنّ لهذه النزعة جذوراً تاريخية ونفسية؛ فالعرب مجبولون على حبّ الرئاسة، وكلّ فرد يرى نفسه الأجدر، يقول ابن خلدون في هذا الصدد: "إنّ التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية، فكل إنسان يحبّ الرئاسة، وهو لا يتردد في التنازع والتنافس في سبيلها، إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك".

ويقول المفكر علي الوردي، في كتابه "مهزلة العقل البشري": "لا يروق في عين الإنسان أن يرى قريناً له متفوقاً عليه في شيء، إنه يعد نفسه مركز الدنيا ومطمح الأنظار، فإذا وجد غيره صار مطمح الأنظار بدلاً منه شعر بالحسد".

حكمت السياسة عند الحركات الإسلامية ضوابط دينية تتمثل في الاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرّق

ويستطرد الوردي: "الحسد طبيعة إنسانية، لكنّها صفة تسِمُ القرى والمدن الصغيرة؛ ذلك أنّ الجميع يعرفون بعضهم منذ الطفولة، ولهذا يصعب على أحدهم أن يرى قريناً متفوقاً عليه في كبره، بينما كان يلعب معه في صغره، وقلّما تتواجد صفة الحسد في المدن الكبيرة، والسبب في ذلك أنّ المنافسة في المدينة الكبيرة تجري على نمط غير شخصي، فالناس هناك يتنافسون من غير أن يعرفوا بعضهم معرفة شخصية، ومعنى هذا؛ أنّ المتنافسين ليسوا أقراناً ناشئين منذ صغرهم في محلة واحدة؛ لذلك نجدهم يتنافسون دون أن يشعروا بشيء من الحسد".

وفي كتابه "العلمانية الجزئية والشاملة، يقول عبد الوهاب المسيري: إنّ "سياسة الإسلاميين تنسجم مع بنية المجتمع التقليدية، فالإنسان في هذا المجتمع، يعيش داخل شبكة من علاقات القرابة، ويدين بالولاء لأعضاء جماعته، وهو يتحرك في نطاق إيمانه بمرجعية متجاوزة ومطلقات دينية وأخلاقية ثابتة"، خلافاً لحاجة الدولة العلمانية التي تريد إنساناً له مواصفات مختلفة، "فردٌ براني مستوعَبٌ تماماً في المرجعية المادية، وعلى استعداد لأن تذوب فرديته وإنسانيته المتعينة المحدودة في الآليات السياسية للدولة المطلقة...".

استطاعت العلمانية الغربية، على ما يبدو، تهذيب هذا الميل البشري لحبّ الرئاسة، مثلما استطاع الدين الإسلامي تهذيبه في نفوس أغلبية أتباع الجماعات الإسلامية؛ حين اختزل الميل الفردي لحبّ الرئاسة في بلوغ الجماعة سدة الحكم، ولو عن طريق صناديق الاقتراع، لكنّ الدور الذي لعبه الإسلام يختلف عن الدور الذي لعبته المسيحية؛ حين أسهمت في ظهور العلمانية في الغرب، كما يذهب المسيري، الذي يقول في هذا الصدد: "ساهمت الرؤية الدينية القائمة على فكرة الخلاص في دعم الاستقلال الذاتي للمدينة الغربية؛ وذلك عن طريق تحطيم الروابط القائمة على صلات النسب والقرابة، وإحلال الروابط الدينية الأوسع محل رابطة الأسرة أو روابط التجمعات القبيلة الضيقة المحلية المتعينة، وبينما ظلت المدينة الشرقية ذات طابع عشائري أو قبلي، فإنّ المدينة الغربية غدت تجمعاً مهنياً من المؤمنين، له استقلاله الذاتي، ومنسلخ عن كلّ المؤسسات الوسيطة التقليدية".

الهزيمة والظرف التاريخي

في الغرب؛ ساهمت عوامل كثيرة في صعود اليمين الشعبوي، منها: تآكل الروح الديمقراطية في الغرب، وكوارث السياسات الليبرالية، وعجز الحداثة عن الوفاء بوعودها الوردية، أما عربياً؛ فبعد فشل الفكرة الوطنية، ثم الفكرة القومية، أصبحت الفكرة الإسلامية هي المحور الرئيس لبلورة القوى الاجتماعية-السياسية الفاعلة؛ ففي واقع تسوده دولة سلطوية، وتراجع اقتصادي، وانسداد في المستقبل، واستئثار فئات بالثروة، يكون الدين في هذا الواقع عاملاً تعبوياً يمنح المعنى والأمل.

اقرأ أيضاً: العلمانية تعادل "العصر الجاهلي" في الفكر الإخواني

لقد لعبت هزيمة 1967 الدور الأكبر في نمو التيارات الإسلامية وضمور التيارات العلمانية، فاكتسحت اللاعقلانية الدينية أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وتم تشجيع بعض التيارات الإسلامية ضدّ القوى التقدمية والقومية، وأخيراً؛ قامت الأحزاب العلمانية في مصر بتحجيم توجهها الليبرالي والعلماني مراعاة للتحالف، وتبنت منطلقات دينية مراعاة للإسلاميين.

ولم يكن صعود الحركات الإسلامية نتيجة صراع فكري وسياسي حقيقي؛ بل نتيجة ظروف شاركت فيها السلطات الرسمية والقوى العلمانية نفسها، تمثلت في إخفاق الحركة القومية وهزيمة 67، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وانهيار مشاريع التنمية، والفساد المالي والإداري، وانخفاض مستوى المعيشة، ...إلخ؛ كلّها أسباب أدّت إلى "انكفاء الجمهور على القيم القديمة والبحث عن حلول وهمية"؛ فالمدّ الإسلامي، بحسب برهان غليون، هو "تعبير عن تفاقم التناقضات الاجتماعية التي أدت إليها الأزمة، ونوع من التعبير عن الحيرة والقلق النابعين منها، أكثر مما هو ثمرة للتحول العميق في المعتقدات الاجتماعية نحو الإسلام، أو ما يطلق عليه اليوم اسم "صحوة الوعي الإسلامي"".

لم يكن صعود الحركات الإسلامية نتيجة صراع فكري وسياسي حقيقي؛ بل نتيجة ظروف شاركت فيها السلطات الرسمية والقوى العلمانية نفسها

ويعزو غليون أسباب هشاشة وضعف الخطاب العلماني إلى أنه لا يمتلك قاعدة ثابتة وقوية؛ فهو لا يستند، كالتكتل الإسلامي، إلى التراث القوي والوعي الجماهيري والتقليد، كما أنّه لا يمتلك مؤسسة كبيرة يستطيع أن يحتمي بها ويدافع عن نفسه وأفكاره من خلالها، وإلى "تراجع العقائديات الحديثة عن موقعها كمُلهم أول للسياسة، للفكر والقيم السياسية وأنماط التنظيم معاً، وكذلك "فقدانها المتزايد للأمل في التحول إلى إطار للتنظيم المدني من جديد على مستوى الشعب كلّه، وليس على مستوى النخب الضيقة".

ويرى غليون أنّ "المشكلة الرئيسة التي تعيق الحركات الإسلامية عن التقدم؛ هي ضعف الاشتغال على مفهوم الدولة، وتمييزه الواضح عن مفهوم السياسة، في حين أنّ المشكلة الرئيسة التي تعيق تقدم الحركات العلمانية؛ هي غياب مفهوم السياسة كنشاط متميز عن الدولة، أو عن الصراع من أجل السلطة"، وثمة سبب آخر؛ هو تصنيم فكرة العلمانية وتحوّل مفهومها من قاعدة ونظرية إجرائية إلى مذهب أو دين، وهو ما أدى إلى استعار التنافس فأشعر جماعة المؤمنين بالتهديد والتشبث أكثر بمرجعيتهم.

جدلية الإسلام والعلمانية

يعود تاريخ مشروعات النهضة العربية إلى ظهور الفكرة الوطنية بين الحربين العالميتين، ثم الفكرة القومية التي انتعشت في الستينيات، ومع فشل الفكرتين في تحقيق ما وعدتا به؛ كان من الطبيعي بروز الفكرة الإسلامية، وكأننا هنا أمام جدلية هيجلية.

اقرأ أيضاً: بين الدين والعلمانية.. تبادل الهيمنة

صحيح أن الفكرة الوطنية ليست نقيضاً للفكرة القومية، لكنّ فشل الأولى أدى إلى تجريب الثانية، وفشل الثانية أدى إلى صعود الفكرة الإسلامية، مع أنّها ليست مُركباً من الفكرتين السابقتين، لكن الجدل لا يتوقف عند هذا الحدّ؛ بل يستمر، وقد يتجلى من خلال تجريب الإسلام الذي بدوره سيفشل ما لم يبدأ الجدل الحقيقي عمله مستقبلاً، من خلال مُركّب يجمع خير ما في القضيتين العلمانية والدينية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: