"المتعصبون – جنون الإيمان".. قراءة في نفسية مرتكبي العنف

"المتعصبون – جنون الإيمان".. قراءة في نفسية مرتكبي العنف
4870
عدد القراءات

2019-01-10

يحاول برنار شوفييه، مؤلف كتاب "المتعصبون، جنون الإيمان"، الاقتراب من مرتكبي العنف المتعصّب، للوقوف على الديناميكية النفسية لديهم؛ من خلال المظاهر والتضحيات والالتزامات نحو الدوافع اللاواعية التي تدفع المتعصبين إلى ممارسة أفعال نهائية قد يكونون أول ضحاياها.

اقرأ أيضاً: عن الألم الإنساني والإيمان الروحي

المتعصّب يعرّفه المؤلف،  وهو أستاذ علم النفس المرضي في جامعة ليون في فرنسا، بأنّه إنسان المقدّس، إنه يهب نفسه، جسداً وروحاً، في سبيل قضيته، إلى حدّ الإفراط؛ بل إلى غاية الوله الجنوني، والمقدّس المعني هو مقدس يضع نفسه في مقام المثال، الذي يفترض أن يكون بعيداً عنه أيّ مجال مدنّس، فلا يعود المتعصب يفرق بينهما؛ لأنّه تحوّل إلى كائن من كتلة واحدة.

يمثّل التعصب الناشئ عن الالتزام لجماعة مسلحة أو عسكرية منظمة تنظيماً مضبطاً ودقيقاً نوعاً خطيراً من التعصب

يحدّد المؤلف، في كتابه الصادر عن دار نينوى 2017، ترجمة المقداد، أربعة نماذج من المتعصبين؛ المُلهَم المشبع بحضور الإله، ويذهب به الأمر إلى الموت الرمزي والجزئي. والمعظّم، أو المتعصب الامتلاكي؛ الذي يغرق في العمى الكلي، ولا يعود ملكاً لنفسه؛ بسبب حالة التثوير التي تنتابه والمحفزات الخارجية المستخدمة في الطقوس، مثل؛ الموسيقى والمخدرات، ويتحوّل إلى ممسوس مستحوذ عليه، ومن أمثلته؛ الهذيان المقدس. والمطلع (الفيثاغوري) الشغوف بالعقل؛ وهو إنسان مبدع، يتوق إلى تكوين حركة هدفها تأبيد مجده، والساخط؛ مثل الجماعات العسكرية والميليشيات.

يقول رونيه مانيللي، في كتابه "الحياة اليومية للمانونيين": "إذا كان التاريخ لا يعيد نفسه أبداً، فإنّ المتعصبين يعيدون أنفسهم دائماً، بمثابرة مدهشة"، وتلقي أبحاث جان كلوت، التي عكفت على توضيح الظروف التي أنتجت الرسوم الجدارية في مغاور لاسكو، الضوء على هذا النوع من التعصّب؛ حيث تؤشر الرسوم المشار إليها إلى وجود ممارسات شامانية يدخل من خلالها الأفراد في حالة رعدة، ويقومون ببعض التجاوزات.

غلاف كتاب المتعصبون – جنون الإيمان

وكما في المجتمعات التقليدية، التي ما تزال تحتفظ حتى اليوم بممارسات مماثلة، تظهر أحياناً بعض الانحرافات التي تفضي إلى اقتراف أفعال اغتصاب أو تعذيب أو قتل.

اقرأ أيضاً: الإيمان الأعمى وعبادة القتل!

يقول روجيه كايوا، في كتابه "الإنسان والمقدس": إنّ "الكون المدنّس هو عالم أشياء، بينما الكون المقدس هو عالم قويّ، فالمقدس من الناحية النفسية هو شحنة الطاقة غير الواعية ذات طبيعة غريزية، وضعت في شيء أو شخص، أو في مكان محدد يمنحها قوة كبيرة جاذبة أو نابذة، والالتقاء المقدس يعني الشعور بزلزلة داخلية في طبقات اللاوعي، أو في جزء منها، بدويّ عاطفي جاذب، أو رافض لبعض أشياء العالم الخارجي.

يطبق المتعصب الألم والتدمير على نفسه في محاولة منه لتأكيد عمق تعلقه بالمعتقد ويُظهر علامات ملموسة على ذلك

المكان لازم لترسيخ الإيمان وما يقتضيه من ممارسات، والنار ضرورية لتمنحه القوة المتخيلة، لكن كيف يتم الانتقال من المقدس إلى التعصب؟ الشعائر القديمة تبين درجة العنف الغريزي الذي يصل قوة الحياة بقوة الموت، وتوجيهه في هذه المظاهر المتعصبة، إنّ حماسة التابع التي تدفع حتى منتهاها تبحث عن منافس، فتجدها في أفعال طقوسية تشكل أولى عمليات الرعب، أي إلى حدّ يصعب التحكم به، بمعنى العنف المحض، المنفلت من عقاله؛ فلا يقف عند حدّ.

الألم الجسدي بالاعتداء على الذات؛ هو دلالة نوعاً ما على الإلهام الإلهي، الذي يتم الاعتراف به على هذا النحو، ويؤكده الأتباع الآخرون، فالرجل أو المرأة القادران على مثل هذا التخلي عن "أناهما" (ego)، من أجل معتقدهما جديران بالتصديق والاحترام من الطائفة التي ينتميان إليها، ولهذا يتحول هذا، أو ذاك، نفسه إلى صورة للمقدس، فشخصه عابد ومعبود، ويعترف له بأنه بمثابة "شفيع"  فاعل لدى الإله، ويصبح موقراً؛ أي صورة رمزية انتدبتها الجماعة (الطائفة) لتمثيلها، لأنّها أولاً موقرة لقدرتها الحقيقية والمرئية والمحسوسة على التواصل مع الإله، ونقل رسائله من خلال آلية الرعدة الذاهلة، والرعدة حركة جسدية ذات طبيعة تنويمية، تعزز لسلطة الإيمان لدى الشخص؛ لأنّها تزيد من قدرته على التلقي وتطور الشعور بالتواصل مع واقع آخر.

قد يعتبر الألم الجسدي بالاعتداء على الذات نوعاً ما من الإلهام الإلهي

يطبق المتعصب الألم والتدمير على نفسه، في محاولة منه لتأكيد عمق تعلقه بالمعتقد، ويُظهر علامات ملموسة على ذلك، وهو ما يمكن فهمه في إطار تعزيز معتقدات الجماعة كلّها، وكلّما كان المتعصب خاضعاً لقانون المعبود الذي يسكنه تزداد حاجته إلى المطابقة بينه وبين الواقع الخارجي أو معتقده؛ فسفح الدم، وبتر العضو، فعلان يبينان للآخرين مقدار قناعة الشخص وإيمانه بمعتقداته.

اقرأ أيضاً: بداية المعتقدات الدينية.. هل عرف الإنسان الأول الإيمان؟

في التعصب الامتلاكي، أو الاحتكاري الأوليغاركي؛ يتحالف المؤمن المتعصب مع المعبود، لنيل بركاته، ويتميز هذا التعصب بالحشد والتعبئة العمياء، ويتحول البطل الأسطوري إلى كاهن، أو خادم، متحمس للدين، وتبدو في الأمثلة العليا لهذا النوع من التعصب قصة يسوع المسيح وديونيس، اللذين توحّدا بالإله، بعد استعادة رمزية لموت الجسد الإلهي، فديونيسوس، كما يسوع، هو ابن الإله، وولد من جسد امرأة عذراء خلال عملية الروح القدس، ويكون البرق الإلهي في قصة زيوس هو التمثل الإلهي، وبعد أن دفع كلاهما ثمن خطيئته، عادا إلى السماء للجلوس إلى يمين الربّ.
وفي النموذج العلمي، أو المعرفي "الفيثاغوري"، يقوم التعصب على تقدير زائد للعقلاني، ولمكانة العقل – الحقيقة، والمبالغة في العقلانية المترافقة بالمنطق المركب لمجتمع اطلاع الأسرار، ويقود ذلك حتماً إلى تعصّب فريد، لا يختلف عن الأشكال الأخرى من التعصّب.

رونيه مانيللي: إذا كان التاريخ لا يعيد نفسه أبداً فإنّ المتعصبين يعيدون أنفسهم دائماً بمثابرة مدهشة

وضع فيثاغورس، في القرن السادس قبل الميلاد، أفكاراً لبقاء الجماعة قابلة للحياة والاستمرار بعد التأسيس، مثل المعرفة الدقيقة المتكونة والقابلة للنقل التدريجي، والقواعد الدقيقة الواضحة التي تتيح الاطلاع على الأسرار، وتكوين مجموعة نخبوية مغلقة على نفسها عرف طريقة عملها، وخضوع هرمي ومتدرج لقائد في مستوى القدسية، ومالك للحقّ الخير والجمال.

سيطر فيثاغورس وجماعته على مدينة كروتونيا، وأنشأ نظاماً اجتماعياً دقيقاً وصارماً، ثم هاجم الفيثاغوريون مدناً أخرى؛ بهدف إقامة مجتمع مثالي ومنظم، ثم انشق سيلون، حاكم سيبارس التابعة للفيثاغوريين، عنهم، وأنشأ حركة ديمقراطية قضت على الفيثاغوريين، ودمّرت مدارسهم وأماكن اجتماعاتهم، لكنّ الجماعة الفيثاغورية ابتعثت بعد مئة عام، بقيادة الفيلسوف أرشيتاس؛ الذي مارس سلطة بلا منازع، ويقال إنّ أفلاطون التقى أرشيتاس في تارانتا، عام 388 ق.م، واستوحى منه نموذجه في سلطة الفلاسفة في المدينة المثالية، التي وصفها في كتابه "الجمهورية".

غلاف كتاب جمهورية أفلاطون

ويمثّل التعصب الناشئ عن الالتزام لجماعة مسلحة أو عسكرية منظمة تنظيماً مضبطاً ودقيقاً، نوعاً خطيراً من التعصب، لدرجة أنّ فولتير يقول: أليس من العار أن يفتقد العقلاء إلى الحميّة التي يتمتع بها هؤلاء المتعصبون، وهم في العادة يبذلون قوتهم الضاربة لخدمة القائد، ويتفانون في سبيله جسداً وروحاً؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن النظر للعدوان باعتباره غريزة إنسانية؟

2020-01-19

"الدافع وراء الفكرة لا يجعلها صواباً أو خطأ، وتحليل الدوافع ليس حجة على الصواب أو الخطأ". إريك فروم

يوضح عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)، في كتابه؛ "تشريح التدميرية البشرية"، الصادر عن دار نينوى العام 2016، طبيعة العاطفة "النيكروفيلية" التدميرية لدى البشر، والظروف الاجتماعية التي من شأنها أن تغذيها، مُشيراً إلى أنّ ما يصيب الثوريين من استحواذ فكرة العنف والتدمير يؤشر إلى الجاذبية القوية للنيكروفيليا في العالم المعاصر.

هناك نوع خبيث من العدوان؛ أي القسوة والتدميرية وهو نوع خاص بالبشر يغيب إجمالاً عند معظم الحيوانات

ويؤكّد فروم أنّ المساعدة في مواجهة هذه الأزمة لا تكون من خلال استدعاء "القانون والنظام" ومعاقبة المجرمين؛ بل من خلال تغيرات جذرية في بنيتنا الاجتماعية والسياسية، من شأنها أن تعيد الإنسان إلى دوره الأسمى في المجتمع.
إنّ فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والتطرف والإرهاب، ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي؛ إذ نحتاج، كما يقول فروم، إلى إنشاء الشروط التي تجعل من نموّ الإنسان، هذا الكائن الذي لم يبلغ تمامه واكتماله الفريد في الطبيعة، الهدف الأعلى لكل التدابير الاجتماعية. فالحرية الحقيقية والاستقلال وإنهاء كل أشكال السيطرة الاستغلالية، تُمثّل الشروط اللازمة لتحريك محبة الحياة؛ وهي القوة الوحيدة التي يمكن أن تهزم محبة الموت.

غلاف الكتاب
في هذا السياق، يقول ج. سي. سمتس؛ "عندما أنظر إلى التاريخ أكون متشائماً، ولكنني عندما أنظر إلى ما قبل التاريخ أكون متفائلاً"، ويقصد بذلك ما يمكن أن يلحقه الإنسان المعاصر بنفسه وبالطبيعة من دمار وضرر، حيث صاحب التدمير التطور الحضاري والتقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، ما يجعل لعلم النفس مكانة مهمة في استيعاب أزمة الحضارة وترشيدها.

اقرأ أيضاً: كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟
ويتراوح تفسير السلوك العدواني، بين الغريزية والسلوكية؛ أي النظر إلى العدوان باعتباره غريزة إنسانية، أو سلوكاً مكتسباً بفعل البيئة المحيطة، وقد نشر كونراد لورنتس Konrad Lorenz،  وهو باحث في السلوك الحيواني كتاب "في العدوان" عام 1966، مُقرراً أنّ السلوك العدواني للإنسان ناتج عن غريزة فطرية مبرمجة، ويتجلى ذلك في الحروب والجريمة والمشاجرات الشخصية. وفي المقابل، يرد عالم النفس السلوكي، بورهوس سكنر، هذه الظاهرة إلى السلوك الإنساني.

فهم النزعة التدميرية لدى الإنسان يمكن أن يفيد في فهم العنف والإرهاب ويضع الظاهرة في سياق سيكولوجي

ويقول فروم إنّه "يمكن ببساطة رد العدوان الدفاعي إلى سلوك غريزي، لكن هناك نوع خبيث من العدوان أي القسوة والتدميرية، وهو نوع خاص بالبشر وغائب إجمالاً عند معظم الحيوانات". 
ويُدرس كتاب فروم، على أساس التحليل النفسي للسلوك الإنساني العدواني والدوافع المُنشئة لهذا السلوك، والتي قد تكون شعورية، لكنها في أغلب الأحيان لا شعورية، كما أنّها مُتحدة، في معظم الوقت مع بنية طبع مستقرة نسبياً، وبحسب فرويد فإنّ الحياة تحكمها عاطفتان؛ الحب والتدمير، وبذلك يعطى التدميرية البشرية صفة عاطفة إنسانية أساسية.
إنّ عواطف الإنسان هي محاولته في خلق معنى للحياة، وفي أن يخبر أقصى ما يستطيع أو يظن أنّه يستطيع أن يحقق من الشدة والقوة في الظروف المعطاة، والحقيقة أنّ كل العواطف البشرية، الخيرة والشريرة على السواء، لا يمكن أن تُفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته؛ حيث يُنشئ الإنسان الخير والشر والجمال والقبح أثناء لحاقه لعواطفه؛ فالناس ينتحرون بسبب إخفاقهم في تحقيق عواطفهم المتعلقة بالحب والشهرة والانتقام، ولا ينتحرون بسبب الحرمان الجنسي.

عالم النفس إريك فروم (1900 – 1980)
لكن ذلك لا يعني أنّ التدميرية والقسوة ليستا مرذولتين، بل هما مدمرتان للحياة، للجسم والروح، ولا تدمران الضحية وحدها، بل تدمران من يقوم بالتدمير أيضاً، إنّهما تعبران عن انقلاب الحياة ضد ذاتها في المجاهدة لخلق معنى لها.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
وكان ف. ت. مارتيني، قد عبّر في عام 1909، عن روح النيكروفيليا في عمله الأدبي "البيان المستقبلي"؛ حيث يمكن أن يفتتن الإنسان بكل ما هو مضمحل، غير حي، تدميري، وميكانيكي، ومثال ذلك شعار "يحيا الموت" الذي كان يطلقه حزب الكتائب الإسباني الفاشي والذي تأسس عام 1934. إنّ ذلك يهدد بأن يصبح المبدأ السري لمجتمع يشكل فيه قهر الطبيعة بالآلة المعنى الصميميّ للتقدم؛ حيث يصبح الشخص الحي ملحقاً بالآلة.

كل العواطف البشرية الخيرة والشريرة على السواء لا يمكن أن تفهم إلا بأنّها محاولة شخص لخلق معنى لحياته

لقد كان فهم الطبيعة الإنسانية شاغلاً للفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور؛ أي ما الذي يجعل الإنسان إنساناً، وهكذا عرف الإنسان بأنّه كائن عاقل، أو حيوان اجتماعي، أو يستطيع أن يصنع الأدوات، أو الرموز. ويوحي تاريخ البشرية بأنّ إنسان العصر الحديث يختلف كثيراً عن إنسان الأزمنة السابقة، وتظهر الدراسات الأنثروبولوجية للشعوب تنوعاً في العادات التقاليد والقيم والأحاسيس والأفكار إلى حد أنّ كثيراً من الأنثروبولوجيين وصلوا إلى مفهوم مفاده أنّ الإنسان يولد صحيفة بيضاء تكتب عليها كل ثقافة نصها.
وممّا يشجع أيضاً على إنكار الطبيعة الإنسانية الثابتة، كيف كان الإنسان يعقل العبودية لدرجة أنّ فيلسوفاً عظيماً كأرسطو ومثله معظم، إن لم يكن جميع، المفكرين والعلماء حتى القرن الثامن عشر دافعوا عنها، وعلى العموم، يقول فروم، إنّ المرء يشير بارتياب إلى "الطبيعة الإنسانية" في قبول حتمية سلوك بشري؛ كالجشع والقتل والغش والكذب.

للمشاركة:

"الخلافة وسلطة الأمة": لماذا غابت تفاصيلها في النصوص الشرعية؟

2020-01-13

تحتلّ قضية الخلافة الإسلامية ركناً أساسياً في مشروع التيارات الإسلامية، وقد تجسّدت الفكرة بالفعل في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ حيث أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة على تلك الدويلة، في 29 حزيران (يونيو) 2014، وسرعان ما بايعته أغلب الجماعات الجهادية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟
ارتكب تنظيم داعش من الجرائم ما لا حصر له، من تنكيل واغتصاب واضطهاد للأقليات الخاضعة لسيطرته، كما فعل مع الأقلية الأزيدية، وسرعان ما انهارت تلك الدويلة، وإن توقعت سيناريوهاتٌ عودتَها مجدداً، فحلم الخلافة الإسلامية الطوباوي لم يغب عن مخيلة الإسلاميين للحظة، والخلافة الإسلامية في مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية عبر التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية.

غلاف الكتاب
ليست فكرة بعث الخلافة الإسلامية وليدة اليوم، لكنّها فكرة تبنّاها المشروع الإسلامي بعيد إلغاء الزعيم التركي الراحل، كمال مصطفى أتاتورك، للخلافة العثمانية، العام 1923، وقد تصارعت الممالك العربية على من يخلف الدولة العثمانية على إمارة المسلمين، في حين لم تستسغ قطاعات من المسلمين غياب الخلافة ولو كانت صورية، مثلما تجسدت في الدولة العثمانية، وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بعد سقوط الخلافة بعدة أعوام، كانعكاس لتلك الأزمة التي ألمّت بقطاعات مغتربة في مجتمع استعمرته بريطانيا ودمجت فيه أقليات أجنبية عديدة ففرضت ثقافاتها وقيمها.

لم تغب فكرة الخلافة عن مخيلة الإسلاميين للحظة وفي مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ كل الأزمات

وكتاب "الخلافة وسلطة الأمة" هو كتاب، أو بيان، المجلس الكبير الوطني التركي، الصادر بعد سقوط الخلافة؛ أي العام 1924، والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة، ونقله عن التركية عبد الغني سني بك (السكرتير العام لولاية بيروت حينها ومتصرف اللاذقية سابقاً)، وله طبعة صدرت عن دار النهر المصرية، العام 1995، قدّم لها المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، وألحق بها نصّ محاضرة للشيخ علي عبد الرازق، بعنوان "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في آذار (مارس) 1932، ثم أعقبها بنصّ بيان المجلس الكبير الوطني بأنقرة.
في مقدمة الكتاب يتناول أبو زيد السياق الراهن للإشكالية، مؤكداً أنّ سؤال الخلافة لم يختفِ من الفكر الإسلامي الحديث، وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية، وفي رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، العام 1938، ورد تحت عنوان "الإخوان المسلمون والخلافة": "الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنّها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله"، وتصف الوثيقة الخليفة بأنّه "الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله في الأرض".

ثمّ يقدم أبو زيد قراءة نقدية في تحولات مشروع المفكر الإسلامي المصري محمد عمارة، الذي بدأ مشواره باحثاً مستنيراً محققاً لكتب رواد التنوير في مصر والعالم العربي، مثل: كتب رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، حتى علي عبد الرازق، قبل أن يصبح مدافعاً صلباً عن المشروع الإسلامي، ومهاجماً شرساً لكلّ رواد التنوير، ففي المرحلة الأولى تناول عمارة أزمة الشيخ علي عبد الرازق، باعتبارها أزمة سياسية، واصفاً عبد الرازق بأنّه امتداد متطور للشيخ محمد عبده في الإصلاح الديني، وأنّه اهتمّ بإعادة نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بدافع وصل الحاضر الذي نعيشه والمستقبل المأمول بأكثر هذه الصفات إشراقاً وأعظمها غنى، وتعلم الشيء الكثير من شجاعة هؤلاء الذين اجتهدوا وقالوا ما يعتقدون، صواباً كان الذي قالوه أو خطأ، دونما رهبة من "الذات المصونة" التي تربعت على العرش في بلادنا، قبل تموز (يوليو) العام 1952، ولكن بعد تحول عمارة إلى المشروع الإسلامي أصبح الكتاب نفسه يخدم أهداف الاستعمار الغربي في محاولته للقضاء على الخلافة، سعياً إلى علمنة المجتمعات الإسلامية بتفريغها من مضمونها الحضاري والثقافي، وإلحاقها بالمشروع الحضاري الغربي!

سؤال الخلافة لم يختفِ يوماً وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية

ألحق أبو زيد نص محاضرة للشيخ علي عبد الرازق "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، حيث اقتبس عمارة عبارةً من المحاضرة صرّح فيها عبد الرازق بأنّ "الحكم بغير ما أنزل الله كفر صريح في القرآن"؛ ما بدا غريباً على أفكار عبد الرازق ولكن سياق حديث الأخير جاء مخالفاً تماماً عما تعمد عمارة الذي أراد أن يصف صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بالردة عن أفكاره مما دفع أبو زيد لوصف عمارة بالتدليس.
ينقسم كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" إلي مقدمة وتمهيد للمترجم ومقدمة الكتاب وقسمين، يضم القسم الأول تعريفاً بالخلافة وإيضاحها، وتقسيم الخلافة وشروطها، والتدقيق في شرط القرشية، وكيفية اكتساب الخلافة وكونها نوعاً من الوكالة، والغاية من الخلافة ووظيفتها وتبعاتها، ومسؤولية الخليفة، والولاية العامة وسلطة الأمة، كما يضم القسم الثاني تقييد حقوق الخلافة وتفريق السلطنة عن الخلافة، ثم النتيجة، وأخيراً الخاتمة.

اقرأ أيضاً: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎
يوضح البيان أنّ مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية، ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة، ولا علاقة لها بالاعتقاد، فهي ليست من الأمور الاعتقادية، وقد بحث علماء السنّة بحثاً مستفيضاً لإبطال الأفكار الباطلة وردّ الخرافات التي أحاطت بالمسألة أخيراً، تحت عنوان "مبحث الإمامة" للردّ على مذاهب الخوارج والإمامية والإسماعيلية إذ تطرّفت في إنكار تعيين خليفة مثل الخوارج، أو بالغت في تقديس الأئمة مثل الإمامية والإسماعيلية، ويقرّ البيان بأنّ مسألة الخلافة مسألة دنيوية وسياسية، وأنّها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة؛ لذا غابت التفاصيل بشأنها في النصوص الشرعية، ولو كانت من الأمور الرئيسة في الدين لذكرها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ووضّحها وجلّاها، فقد ظلّ  نبي الأمة  يضع السنن لأمته حتى قبيل وفاته، كما أنّ طريقة انتقال السلطة اختلفت من خليفة لآخر من الخلفاء الراشدين قبل أن تصبح ملكاً عضوضاً مع الدولة الأموية.

يقسم البيان الخلافة إلى نوعين، هما: الخلافة الكاملة، والخلافة الصورية؛ والخلافة الكاملة هي الحاصلة بانتخاب الأمة وبيعتها بطوعها ورضاها، أما الصورية؛ فهي التي نالها صاحبها بالقهر والجبر بدون انتخاب الأمة وبيعتها وبدون توافر شروط الخلافة فيه، وتعدّ الخلافة نوعاً من عقد الوكالة من جهتين: فهي خلافة النبوة وخلافة الأمة؛ فالخليفة نائب للنبي الأكرم، وهو وكيل للأمة التي يجوز لها عزله إذا أساء العمل في وظيفته، وبما أنّ الخلافة نوع من الوكالة، فتجري فيها أحكام الوكالة مثل أنّها لا تورَّث، وغاية الحاكم تحقيق العدالة في المجتمع، وتوزيعها وصون حقوق المسلمين وتأمين سعادتهم.

مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالاعتقاد

يستطرد البيان في شرح الخطّ الفاصل بين الخلافة الكاملة، التي تحققت في عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة الصورية التي تمكنت من الأمة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي، وانتهاء بالسلطنة العثمانية؛ حيث اتسمت الخلافة الصورية بالقهر والقمع وغياب الشورى، فكانت سبباً في تردّي أحوال الأمة الإسلامية، واستناداً إلى حقّ المسلمين في إلغاء البيعة إذا فسد الخليفة، باعتباره وكيل الأمة، يحقّ للأمة نقض البيعة ونقل السلطة إلى من يستحق بناء على الكفاءة والقدرة على تحقيق غايات الخلافة.
سعى الكتاب إلى وضع مسألة الخلافة في سياقها التاريخ، وإبعادها عن مجال المخيال السياسي الإسلامي الذي ما يزال يرى أنّها واسطة العقد،  ورغم مرور ما يقرب من قرن على البيان فصعود التيارات السلفية الجهادية، في وقتنا الحالي، يستدعي مناقشة حقيقية لمسألة الخلافة وسلطة الأمة.

للمشاركة:

هل تمتلك الحركات الإسلامية رؤية تختلف عن الإخوان؟

2020-01-05

استقطبت دراسة الحركات الإسلامية منذ السبعينيات من القرن الماضي اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، محلياً ودولياً، وتعددت الآراء حولها بتعدد إشكالياتها وملابساتها، وتنوعت المواقف منها بتنوع أسمائها وغاياتها وآليات عملها، ومدى اندراجها في الحركية الاجتماعية العامة للمجتمعات التي نشأت فيها، أو انفرادها وانفلاتها منها.

يتعذر عزل مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة والدين عن الظروف التي تعيشها داخل بلدانها

فثمة من اعتبر الظاهرة صحوة إسلامية، وثمة من اعتبرها جزءاً من المشروع العولمي الأمريكي المتفرد بالهيمنة على العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وسواد القطب الواحد في بناء الجيوبوليتكا العالمية الجديدة ورداً على اشتداد تأثير الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي في آن، وهناك مَن رأى في عودة التدين وعودة الدين الإسلامي إلى قلب الصراعات الاجتماعية  والسياسية  تعبيراً عن فشل السياسات التنموية للدولة الحديثة "العلمانية" التي آلت إلى استبداد سياسي سافر وسلطات شمولية سدت المجال العام أمام أي مشاركة سياسية حقيقية لقوى المجتمع في الشأن العام، ودفعت باتجاه التطرف والعنف.

غلاف الكتاب
وآخرون رأوا فيها حركات اجتماعية تخضع لقانون التطور وتحمل خصوصيات المجتمعات التي نشأت فيها، تتأثر ببيئتها وتؤثر فيها، وهي بالتالي حركات غير متجانسة تختلف مرجعياتها وأيديولوجياتها وأساليب عملها عن بعضها البعض رغم تشابه الأهداف والغايات الأخيرة المتمثلة في أسلمة المجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو استعادة دولة الخلافة. فيما اعتبرها آخرون نسخاً مستنسخة تستقي من مرجعية واحدة، أو مجرد تنويعات على النموذج الأصل تعود إلى أصل واحد هو الإخوان المسلمون في الوسط السنّي، أو الحركة السياسية الدينية في إيران أو غيرها.

اقرأ أيضاً: كيف يقرأ باحثو الحركات الإسلامية تجربة جماعاتهم؟
تضمن كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بين دفتيه جملة من الآراء حول الظاهرة الإسلامية قدمها مجموعة من الباحثين العرب المهتمين بهذا المجال أو المتخصصين به، وتوزعت على ست عشرة دراسة بحثية تركزت في ثلاثة محاور رئيسية هي: الإسلام والسياسة، الحركات السياسية الإسلامية، المستقبل. 

يعالج كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية" الظاهرة الإسلامية ضمن ثلاثة محاور رئيسية: الإسلام والسياسة والحركات السياسية الإسلامية والمستقبل

وتشكل تلك الدراسات بتكاملها إحاطة وافية تسهم في التعريف بالظاهرة الإسلامية وتتبع مساراتها الفكرية، وفهم إشكالياتها من خلال وجهات نظر متعددة وانحيازات أيديولوجية ومرجعيات فكرية مختلفة يجمع بينها الميل نحو الموضوعية ودقة البحث العلمي في الدراسات التطبيقية والمقارنة. ونظراً لسعة الكتاب وتعذر إنصاف جميع المشاركين فيه في هذا الهامش المتاح، سنلجأ إلى استعراض المحاور دون التفصيل في الفصول رغم أهمية ذلك.
تركزت دراسات  المحور الأول على محاولة التفريق بين علاقة الإسلام بالديمقراطية، وعلاقة المسلمين بالديمقراطية، كما عبر عنها الباحث الإسلامي فهمي هويدي، وشاركه بذلك الباحث السعودي زكي أحمد، حيث إنّ العلاقة الأولى لا تشترط أن تقوم على التنافي والتضاد بقدر ما تقوم على التمايز والخصوصية بين منهجين ومشروعين حضاريين يشتركان في بعض القيم الأساسية والمثل العليا، بينما العلاقة الثانية مسكونة بالالتباس ومثقلة بعبء التاريخ والذاكرة؛ إذ ظل الغرب في الذاكرة الإسلامية مقترناً بالقهر والاستعمار ومرادفاً للفساد الأخلاقي حيناً وللكفر أحياناً أخرى.
لذلك التبس الموقف من الديمقراطية وصار رفضها رفضاً للمشروع الغربي الذي تمثله، والذي مارس الذل والقهر بحق العرب والمسلمين. وما أن ينفك الالتباس بين التجربة الديمقراطية والسياسة الاستعمارية للدول الغربية حتى ينفك الاشتباك مع الديمقراطية، بل مع المشروع الليبرالي الغربي عموماً.

وقد ألمحَ أكثر من باحث إلى أنّ إشكالية علاقة الإسلام بالديمقراطية ليست بنت اليوم، إنما هي إشكالية قديمة قدم النهضة الإسلامية، وقد حفلت مؤلفات ومواقف مفكري النهضة بالكثير من الاجتهادات المهمة في مقاربة مفهوم الديمقراطية من مفهوم الشورى الإسلامي، ولم يجدوا حرجاً من التوفيق بين المفهومين ولا حتى في استعمال اللفظ الغربي للمفهوم.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي
لكن الإشكالية ما تزال تطرح ويعاد طرحها مع كل أزمة أو توتر جديد في علاقة الشرق العربي والإسلامي بالغرب من جهة، ومع الأزمات والاختناقات السياسية الداخلية التي تمر بها البلدان العربية من جهة ثانية؛ فلا يمكن الحديث عن مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة عن الدين دون النظر إلى الظروف التي تعيشها تلك الحركات داخل بلدانها، وإلى شكل الدولة ونوع علاقة السلطات الحاكمة بشعوبها والتي لم تقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن الحكم من خلاله على ديمقراطية الآخرين، سواء أكانوا إسلاميين أم علمانيين، كما أنّ الدول الغربية نفسها لم تقدم نموذجاً ناصعاً للديمقراطية في تعاملها مع شعوب العالم الثالث.

كثير من العلمانيين والأصوليين كل منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لاتاريخياً

كما يميل العديد من المساهمين في البحث، كزكي أحمد وسيف الدين عبد الفتاح إسماعيل مثلاً،  إلى عدم النظر إلى الحركات الإسلامية ككتلة واحدة صماء، إنّما إلى التفريق بين تياراتها ومواقفها المختلفة من المشاركة السياسية ويرون أنّ ثمة تغيراً في مواقف العديد من تلك التيارات بحسب الظروف السياسية لبلدانها؛ فمنهم من بات يتبنى الديمقراطية صراحة، ومن تلك التيارات من لا يرفضها رفضاً قاطعا، أو يقبلها قبولاً مشروطاً رغم إصراره على المرجعية الإسلامية والشريعة الإسلامية والدولة الإسلامية، لكنه يقبلها مقابل الديكتاتورية والحكم الفردي التسلطي على الأقل، ومنها ما يزال متصلباً عند مفهوم "الحاكمية" والدولة الدينية ويقف موقف الرفض والعداء من الديمقراطية باعتبارها ليست من الإسلام ولا تلتقي مع قيمه ومبادئه وأنّ العلاقة بينهما علاقة تعارض وتناقض دائم، ولا يعني القبول بها غير قبول المغلوب بثقافة الغالب.
ومن الضروري التمييز بين هذه الحركات السياسية المتطرفة التي باتت تحتل صورة المشهد الإسلامي بغايات إعلامية غير بريئة وبين الحركية الإسلامية بشكل عام؛ حيث أصبح الفكر الإسلامي رديفاً للاستبداد والتسلط السياسي، والنظام السياسي الإسلامي قريناً للتعصب الديني فيما كان تاريخه الطويل تاريخ التسامح والتعايش.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟
ويُحمّل الباحث لؤي صافي المسؤولية في ذلك للفكر العلماني والفكر الإسلامي المعاصر على السواء؛ "فالأول قد أسقط نتائج التجربة الغربية على الفكر التاريخي الإسلامي، فيما حاول الثاني إعادة تشكيل المحتوى المعرفي الموروث باستخدام قوالب فكرية مستعارة من تجربة أخرى" كما فعل المودودي وغيره.

في حين تتطلب عملية تطوير نموذج سياسي مناسب للبنى السياسية والاجتماعية المعاصرة الجمع بين مقتضيات الانتماء الحضاري إلى الثقافة الإسلامية ومتطلبات تطوير نظام سياسي قادر على الاستجابة لتحديات الحاضر وتلبية احتياجات المستقبل.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية
أما في واقع الحال، كما يشير الباحثان عبد الإله بلقزيز وبرهان غليون، فقد ذهب العلمانيون في اتجاه تبني نماذج العلمنة الغربية الشاملة ووجوب إقرار نظام الدولة العلمانية وكأنّ الدول العربية تعيش في كنف الدولة الدينية على مثال دولة الكنيسة في الغرب التي أوجبت قيام نقيضها في أوربا النهضة، في حين ذهب الأصوليون للحديث عن ضرورة إخضاع الدولة للدين وإقامتها على أركان الشريعة وكأن الدولة العربية القائمة دولة علمانية حقيقية على مثال الدولة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية
وجوهر المفارقة لدى كلا الطرفين أنّ كلاً منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لا تاريخياً، فلا الدولة الحديثة الناشئة بعد الاستقلال تخلت عن الشريعة الإسلامية ورعاية الدين والمؤسسات الدينية، ولا التاريخ الإسلامي شهد قيام دولة دينية تقوم على دمج المجال الديني بالمجال السياسي، إنما كانت الدولة تستخدم الدين استخداماً أيديولوجياً لإضفاء الشرعية على السلطة وتجند الفقهاء لأداء دور الشرعنة، أما هاجس علمنة الدولة عند العلمانيين فقد تضخم في مقابل تضخم هاجس أسلمة الدولة والمجتمع مع صعود الحركات الإسلاموية ومجاهرتها في إعادة إخضاع السياسي للديني.
الحركات الإسلامية والمستقبل
يتميز القسم الثاني من الكتاب بتركزه على الجانب التطبيقي عبر مجموعة من الدراسات والتحليلات المقارنة في رصد التغيرات والتحولات في الغايات والأهداف، والوسائل والآليات العملية، التي طرأت على الفكر الإسلامي الحركي شدد الباحثون فيها بمجملهم كما في المحور السابق على ربط الظاهرة الدينية الإسلامية بالظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها، وعلى مدى اتساع المجال العام أو ضيقه في البلد الذي تنشط فيه الحركة ونوع علاقتها بالسلطة الحاكمة والقوى السياسية الأخرى ضمن هذا المجال، والتركيز على تعدد تياراتها واختلاف مرجعيات تلك التيارات عن بعضها البعض، والتقليل بالتالي من حجم وتأثير التيارات العنفية والجهادية التي نشأت في ما تسميه "زمن المحنة" وما زالت تعيش ذاكرة وهواجس ذلك الزمن.

الحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم

فقد حاول الباحث الكويتي عبدالله النفيسي في ما سماه "محاولة تقويمية" بعد أن أسهب في تحليل نشوء الفكر الحركي الإسلامي تلمس الفروق بين المرحلة الدعوية والنشاط الجماهيري في نشأة حركة الإخوان المسلمين والفكر التنظيمي الذي تميز به مؤسسها حسن البنا وبين المرحلة القطبية والمراحل اللاحقة في الحركة نفسها، وبينها وبين الحركات المتولدة منها، وكذلك بينها وبين حزب التحرير الذي أسسه النبهاني واتخذ العمل الفكري والتثقيفي وسيلة لنشاطه وهدفه في إقامة الدولة الإسلامية، وبينها وبين جماعة الجهاد الإسلامي وجماعة التكفير والهجرة اللتين شكلت أفكار سيد قطب أهم الأطر المرجعية والمصدرية لهما في الاستعلاء على المجتمع "مجتمع الجاهلية"وضرورة انعزاله وهجره واستبداله بمجتمع الحزب المثالي، واعتبار القبول بالعمل السياسي بمشاركة الآخرين بمثابة منح الشرعية لدولة الكفر.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (1).. إذ يلبس لباس القداسة
كما يشير النفيسي إلى تحول حزب الدعوة العراقي الشيعي إلى تبني مقولة "ولاية الفقيه" بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ودعمها للحركات والأحزاب الإسلامية علماً أنّ الحزب قد تأسس قبلها بعامين على الأقل. 
وقد عبر الباحث التونسي خالد شوكات في دراسته عن ذلك بغياب الوعي التاريخي والواقعي لدى الحركات الإسلامية الذي أوقعها في التطرف والعنف والانعزال و"الوقوع في منطق "الفرقة الناجية" المتجدد بصيغ حاضرة، على عمقه التاريخي ورسوخه في المخيال الاجتماعي؛ فالحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكيف لمن لا يملك تصوراً لماهية هذا الخارج  ومكوناته وبرامجه أن يواجه ممانعته وتدخله؟".

فيما ذهبت دراسات أخرى أكثر تفاؤلاً إلى استخلاص المتغيرات الإيجابية في تحولات الحركة الإسلامية من خلال المراجعات النقدية والتقويم الداخلي التي تشهدها منذ أواخر الثمانينيات كما بين ذلك الباحث زكي أحمد في رصده (لتحول الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العمل الذاتي الداخلي إلى الكسب الاجتماعي العام)، ويتلمس الباحث إيجابية ذلك التحول من خلال تغير الموقف من الرأي الآخر من المقاطعة نحو الحوار، والموقف من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية التي باتت تطرح بوتيرة متصاعدة ومكثفة في الخطاب الإسلامي المعاصر، وتوجه غالبية الحركات الإسلامية نحو رفض العنف والتشدد والميل نحو الاعتدال والمرونة، وقبولها التحول إلى حزب سياسي والتنازل عن العنوان الإسلامي وحذفه من اسم الحركة كاستجابة براغماتية لمتغيرات الظروف السياسية المحلية والدولية.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (2).. الاستعلاء الإيماني
لكن في مقابل هذه الرؤية الإيجابية ثمة دراسات ذهبت في اتجاه مختلف ترى أنّ واقع الحركات الإسلامية ونشاطها السياسي وخلافاً لما يراه البعض من أنّه مظهر إيجابي ودليل عافية وصحة  يعبر عن صحوة إسلامية، هو واقع لا يشي إلا بمستقبل أشد سوداوية من الحاضر وبنتائج أكثر كارثية ومأساوية منه؛ فقد ذهب الباحث السوري علي نوح في استخلاصه أنّ ما نشهده اليوم من انتشار المد الديني هو انتكاسة جديدة تعبر عن هروب الإنسان العربي من الواقع المؤلم نحو الماضي وليس صحوة بقدر ما هو "حيلة المفلس في التفتيش في جيوب الماضي"؛ لأنّ هذه العودة تفتقد إلى الأسس العقلانية التي تجعل منها صحوة حقيقية تجعل الإنسان العربي بمستوى الشعوب المتمدنة حتى يتمكن من مشاركة الآخرين في صنع الحضارة.

للمشاركة:



البرلمان العربي يوجه رسالة للمجتمع الدولي تتعلق بتدخّل تركيا في ليبيا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

وجّه رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهم السلمي، رسائل مكتوبة لكلّ من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي، ورئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس برلمان عموم أفريقيا، ورئيس الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا.

 

 

وتضمّنت رسالة السلمي، وفق بيان نشره البرلمان العربي عبر وسائل الإعلام، بلاغاً  للأطراف الدولية بما اتخذه البرلمان العربي، في جلسة 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، من قرار بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، الذي تضمن عدداً من البنود، وهي رفض وإدانة قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، وأن هذا التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية، ويسهم في إطالة أمد الصراع ويقوض جهود السلام، ويعرقل الحلّ السياسي في ليبيا، ويزعزع الاستقرار بالمنطقة، ويهدّد أمن دول الجوار الليبي والأمن القومي العربي.

السلمي يرفض ويدين قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي

وحملت الرسالة "إدانة لجميع صور دعم الميليشيات المسلحة وتزويدها بالأسلحة والمعدات وتسهيل نقل الإرهابين الأجانب إلى ليبيا، والمطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات المسلحة، ومطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لمنع نقل المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، ووضع آلية واضحة للمراقبة والعقوبات ضدّ الأطراف المُمولة للصراع في ليبيا بالسلاح".

وتطرقت أيضاً إلى "ترحيب البرلمان باتفاق وقف إطلاق النار بين قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، بوصفه خطوة مهمة لإحراز تقدم في العملية السياسية، وحقن دماء الليبيين ودعوة الأطراف كافة الالتزام بالاتفاق، وإيجاد حلّ سياسي ونهائي للأزمة في ليبيا".

وجدّد البرلمان العربي في ختام رسائله التأكيد على ضرورة وقف الصراع العسكري في ليبيا، وأنّ الحلّ فيها لا يمكن أن يكون إلا حلاً سياسيا ليبياً خالصاً، دون تدخلات خارجية، دعماً لطرف على حساب طرف آخر إلى جانب دعم مجلس النواب الليبي في قراره بشأن رفض التدخل التركي في الشؤون الداخلية لليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري والعاجل لإيقاف هذا التدخل".

السلمي: التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية

من جهته، أكّد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط؛ أنّ التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية، وتناقض المصالح العربية المتمثلة في قرارات الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي.

وقال أبو الغيط، أمس، خلال برنامج "على مسؤوليتي"، الذي يذاع على قناة "صدى البلد" المصرية، نقلاً عن وكالة "سبوتنيك" الروسية: إنّ "تركيا ترسل العناصر الإرهابية من شمال سوريا إلى ليبيا"، مؤكداً أنّ "الخلاف احتدم بسبب قيام تركيا بتوقيع اتفاقيات مع حكومة الوفاق دون موافقة البرلمان الليبي الشرعي."

وأشار إلى أنّ وثيقة برلين تعالج المحاور الرئيسة والاقتصادية والأمنية وحقوق الإنسان في ليبيا، وتضمن حلّ التنظيمات والميليشيات الإرهابية، لافتاً إلى أنّه "تمّ تكليف مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، للتحرك مع الأطراف الأخرى للتوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار".

كما شدّد الأمين العام للجامعة العربية على أنّ هناك حدود مشتركة بين مصر وليبيا، ولا أحد يستطيع أن يفرق بين سكان شرق ليبيا وسكان الساحل الشمالي المصري، المتمثلين في القبائل، بالتالي، فإنّ الأوضاع الليبية تهم مصر بشكل كبير.

أبو الغيط: التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية وتناقض المصالح العربية

وأضاف: "ليبيا مليئة بتيارات وجماعات متأسلمة وإرهابية، وهناك تهريب للأسلحة، بالتالي، فإنّ مصر يهمها تأمين حدودها مع الدولة الليبية، ويهمها في الوقت ذاته حلّ الأزمة الليبية"، مبيناً أنّ تركيا دخلت خطّ الأزمة بتصرفات في شرق وجنوب المتوسط بشكل يهدّد مصالح أوروبية وغربية.

وكشف أبو الغيط؛ أنّ المشير خليفة حفتر سيرسل خلال الأيام القليلة القادمة 5 من القادة العسكريين التابعين له إلى جنيف، من أجل الجلوس مع 5 عسكريين تابعين لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق، من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق، معرباً عن تمنياته بأن يكون هذا طريق إلى الحلّ برعاية الأمم المتحدة، خاصة أنّ السراج رفض الجلوس مع المشير خليفة حفتر" بحسب قوله.

وأوضح أبو الغيط؛ أنّ الجانب الأوروبي بدأ يتحدث عن قوة متابعة عسكرية وحفظ السلام على الأراضي الليبية، وهو ما اعترض عليه الجانبان الروسي والصيني، باعتباره قراراً لا بدّ من أن يصدره مجلس الأمن ويتم التصويت عليه.

 

للمشاركة:

مقتل قيادي في الباسيج.. من هو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلنت وكالة أنباء "فارس" (شبه رسمية)، اليوم، مقتل عبد الحسين مجدمي، قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، في مدينة دارخوين، الواقعة بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران.

وأكدت الوكالة؛ أنّ الهجوم شنّه "مجهولون ملثمون" على مجدمي داخل منزله، وأطلقوا عليه النار من سلاح "كلاشينكوف"، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

من جهتها، لم تعلق السلطات الإيرانية على هذا الخبر حتى الآن.

عبد الحسين مجدمي قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري في مدينة دارخوين الواقعة بمحافظة خوزستان

ومجدمي هو من الضباط المشاركين في عمليات قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الأعوام الماضية، ويتهمه ناشطون بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر.

وشهدت أغلب مدن محافظة خوزستان، ذات الأغلبية العربية، احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الماضية، رفضاً لقرارات اقتصادية وحينها تدخلت قوات "الباسيج" لقمع الاحتجاجات ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى.

مجدمي متهم بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر

وتعدّ مدينة دارخوين مركز مقاطعة شادكان الواقعة في محافظة خوزستان، وتقع في منتصف الطريق الرابط بين الأحواز وعبادان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 15 ألف نسمة.

ويأتي استهداف مجدمي بعد نحو أسبوعين من مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري، المصنَّف إرهابياً، و"أبو مهدي المهندس" القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي وآخرين، في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في العراق.

يذكر أنّ الباسيج هي قوة شبه عسكرية من المتطوعين، تسيطر عليها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني.

 

 

 

للمشاركة:

"الإخبارية" السعودية تعيد موضوع دعم قطر للجماعات المسلحة إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عرضت قناة "الإخبارية" السعودية تقريراً جديداً حول علاقة قطر بالجماعات المسلحة مستندة إلى بعض التقارير الإخبارية والقصص التي تؤكد تلك العلاقة، والتي يديرها النظام بالتعاون مع أمراء حروب في دول متعددة، موردة حادثة اختطاف الصحفي الأمريكي، ماثيو شرايفر، من قبل ميليشيات مرتبطة بالقاعدة في سوريا، والذي اكتشف أثناء اختطافها له أنّها مُمولة من قطر.

 

ووصفت قناة "الإخبارية" الرسمية السعودية، في تقريرها، دولة قطر بأنّها "الابن الضال للخليج"، قائلة إنّ "حكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها عدة مرات لكن دون جدوى"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

الإخبارية تعرض تقريراً جديداً يؤكد علاقة الدوحة بالجماعات المسلحة ويتحدث عن نشاطات القرضاوي

واتهمت قناة "الإخبارية" السعودية، في تقريرها الدوحة بـ"دعم منظمات مسلحة مالياً".

وتابعت القناة: "عندما نتحدث عن قطر، لا نتحدث عن الشعب والأرض، إنما نتحدث عن النظام؛ البنك المتحرك والحليف الصغير لعصابة الملالي (في إشارة إلى السلطة الحاكمة في إيران)، والمليء بالتناقضات (تقصد علاقات الدوحة مع تركيا)".

في حين رأت القناة الرسمية السعودية؛ أنّ "يوسف القرضاوي (الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) استفاد من الدعم المالي في نشر أفكاره ودعم الإخوان حول العالم عبر المؤسسات المالية القطرية، واستفادت منه قطر في وضع نفسها على خريطة النفوذ الإقليمي، خريطة ترسمها بالدماء".

"الإخبارية": قطر "الابن الضال للخليج" وحكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها لمرات عدة

وأشارت "الإخبارية" السعودية إلى أنّ "الدول الأربع الداعمة لمكافحة التطرف اتّخذت إجراءات عاجلة لحماية دولها من الممارسات القطرية"، مُعتبرة أنّ "الطريق أمام قطر يبدو طويلاً لتصحيح مسار اختارته، أو اختاره لها القرضاوي".

وفي 5 حزيران (يونيو) 2017، قررت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بدعوى دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة.

وكانت الأجواء الإيجابية خلال القمة الخليجية، المُنعقدة بالرياض، في 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قد عززت احتمالات حدوث تقارب بين الدوحة والعواصم الخليجية المختلفة معها، لا سيما مع مساعي الكويت للوساطة، وإجراء محادثات سرية، تمّ الإعلان عنها فيما بعد، بين السعودية وقطر.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا والمواجهة المصرية ـ التركية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عبد الرحمن الراشد

لأنَّ الأتراك على وشك أن يخسروا الحرب في ليبيا، ذهبوا إلى برلين، ساحة الحرب الأخيرة، نتيجة استيلاء الجيش على مدينة سرت قبل أسبوعين ومحاصرته طرابلس. هناك تفاوض المنتصرون والخاسرون، آملين أن تدفع الواقعية الجميع إلى التوصل الى اتفاق ينهي سنوات العنف. الاتفاق تم توقيعه من الأطراف المعنية، ورعته الأمم المتحدة، لكن الأرجح أن يعود كل فريق للاقتتال على الأميال الأخيرة.
للحرب مراحل مؤلمة في ليبيا، و2015 كانت السنة التي قضت على آمال المصالحة، حيث أغلقت السفارات في طرابلس، وسحبت الأمم المتحدة قوتها، وعمَّت الفوضى العاصمة. وتسبب تنافس القوى الإقليمية والكبرى في استمرار الحرب، وتركيا من بينها. لها ميليشيات معظم أفرادها أجانب، ويبرر الأتراك انخراطهم في الحرب بأنَّ لهم ديوناً ضخمة على ليبيا، موَّلت بها مشاريع في آخر عهد القذافي، وتدَّعي أن في ليبيا مليونَ مواطن هم من أصول تركية، وهذا طبعاً غير صحيح.
أما لماذا تُصرّ على القتال وليبيا بعيدة عنها، يُقال لأنها تريد بناء إمبراطورية، وهو أمر غير ممكن، لأنَّها لا تملك الموارد، حتى بالدعم القطري غير المحدود لها. الحقيقة لم يبقَ لتركيا سوى ليبيا، من مكاسب «الربيع العربي». وليبيا ممر خطير لزعزعة أمن مصر، وكذلك ضد أوروبا.
فقد راهنت بشكل خاص على جماعة الإخوان في سوريا ومصر والسودان وليبيا، خسروا الحكم، ومعهم خسرت تقريباً كل هذه الدول. لم يتبقَ لها سوى ليبيا، وحتى في ليبيا بقي لحليفها «الوفاق» 15 في المائة، في طرابلس ومصراته. كما خسروا مناطق النفط، من قبل.
في هذا الوضع السيئ، تهدّد أنقرة بإرسال المزيد من المدد للدفاع عن طرابلس. خبراء أتراك، والقوة التركية هم من المقاتلين الأجانب من حرب سوريا. فتركيا بعد الاتفاق مع الروس في إدلب، تريد التخلص من تركة الحرب السورية، وعلى أرضها آلاف المقاتلين الأجانب الذين سيصبحون مشكلة لها. وفي حال فشل اتفاق برلين سيقاتلون مع حكومة الوفاق، وإذا خسروا واستولى الجيش الليبي على طرابلس، سيكون للمقاتلين الأجانب في ليبيا مهمة زرع الفوضى. وورقة يساوم إردوغان بهم في ضغوطه على دول جنوب أوروبا. هذا التصور من وحي تهديدات الرئيس التركي نفسه الذي كرَّر بأنَّ أوروبا لن تكون آمنة إن سقط حلفاؤه في ليبيا!
مصر هي الهدف الآخر للأتراك في ليبيا، وكما قال الرئيس المصري في تعليقه على تزايد التدخل التركي بأنَّ مصر معنية باستقرار ليبيا، والتدخل التركي يمثّل خطراً كبيراً على مصر وقد تكون الهدف التالي. لهذا نرى القاهرة رفعت صوت خطابها معلنة بأنَّها لن تبقى متفرجة إن دخل الأتراك الحرب. في ليبيا، بمقدورهم إطالة أمد وتوسيع الفوضى، لكنَّهم لن يستطيعوا حكم ليبيا، والجميع يحاول دفع أنقرة لتكون واقعية وتتعاون بدعم أي حكومة مشتركة، تشكل وفق اتفاق برلين، حتى تنتهي هذه المأساة العبثية. ولا ننسى أنَّ الحرب الحالية بسبب إفشال فرصة سابقة للتشارك في الحكم، عندما طمع المتطرفون الذين تدعمهم تركيا، في كل السلطة. الأتراك الذين يريدون استخدام ليبيا لتعزيز وضع فشلهم في سوريا ستكون ليبيا عبئاً وفشلاً إضافياً إن أصرُّوا على دعم الحرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اتفاق أردوغان-السراج والإرهاب في شمال أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

باسم عدلي

تحاول الدولة التركية استعادة مكانتها الدولية والإقليمية من خلال الدعم للجماعات الإرهابية، وتصعيدها إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية والأفريقية، وذلك من خلال عدة أدوات إنسانية، واقتصادية وسياسية، ومعها تأتي الأداة التسليحية والعسكرية والأمنية، خاصة في الدول الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق أكثر من هدف، مستغلة المشاعر الدينية، والتقاربات الأيديولوجية، والحالة الأمنية، والمراحل الانتقالية.

هذا ما تم تنفيذه في الحالة السورية، وتحاول تركيا تكرار ذلك النموذج مع الدولة الليبية، من خلال مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني التي تم توقيعها بين أردوغان وحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في 26 نوفمبر 2019، والذي يعد نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المبرم بين الطرفين في وقت سابق، هذا إلى جانب اتفاق بحري تم توقيعه في ذات الفترة يهدف إلى تحديد الحدود البحرية بين البلدين.

وأثارت مذكرة التفاهم تلك العديد من ردود الأفعال الدولية والإقليمية، وخاصة من دول الجوار المباشر لليبيا، وخاصة مع التخوف من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى نقل مسلحين دواعش إلى الأراضي الليبية، أو تهديد حالة الاستقرار في حقول غاز شرق المتوسط، إلى جانب الانتفاضة العربية تجاه محاولة تركيا انتهاك سيادة دولة عربية، ويمكن رصد تأثير مذكرة التفاهم العسكرية بين تركيا وحكومة على نشاط الجماعات الإرهابية في النقاط الآتية:

المحور الأول: التعريف بمذكرة التفاهم والاتفاق البحري:
على الرغم من عمومية نصوص مذكرة التفاهم، وتضمنها مبادئ يمكن القول إنها مبادئ تكافح من خلالها تركيا الإرهاب، لكن التخوف ينبع من تعريف من هو الإرهابي، ومن ستواجهه القوات التركية، ومن ستعزز من قدراته، ومن ستزوده بالأسلحة والتدريب، ومن ستغطيه بوحدات الدفاع الجوي، أي مع أي طرف ستقف، وضد أي طرف؟

فقد نصت مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الأمن والسيادة الليبية، وتعزيز قدرات حكومة الوفاق في مكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة، وتؤسس لمهام تدريب وتعليم، ونقل خبرات بين الجيشين التركي، والجيش التابع لحكومة الوفاق، والتعاون في تبادل المعلومات الأمنية بين الطرفين، وتغطية جميع الجوانب الأمنية.

في حين تم النص في الاتفاق البحري بين الطرفين على تحديد مناطق السيادة البحرية، وحدود المناطق الاقتصادية لكل دولة من الدولتين، بحسب الإحداثيات، وبهدف إطلاق السيادة على بعض المناطق، وهو ما يمنع بعض الدول المشاطئة، وخاصة اليونان، من توقيع وتفعيل اتفاقيات بعينها للتنقيب عن الغاز، أو تحديد حدودها البحرية كما كان متصوراً، ويؤثر على عمل منتدى الغاز الذي أسسته مصر بعضوية 7 دول بحر متوسطية باستثناء تركيا، بل ويؤثر على النشاط التنقيبي في شرق المتوسط كاملاً، وخاصة النشاط المصري، مع احتمالية المواجهة أو عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

واعتمدت تركيا في هذا التقسيم البحري على مبدأ المناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تحددها الأمم المتحدة والمادة 55 من قانون البحار بأنها منطقة تمارس الدولة فيها حقوقها السيادية خاصة في الاستغلال واستخدام الموارد البحرية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري.

وعند إعلان ليبيا في مايو 2009 حدودها البحرية ومناطقها الاقتصادية، أعلنت أيضاً أنها منفتحة مع كافة الدول لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع اللواء البحري التركي "جهاد بايجي" إلى نشر كتابه "ليبيا جارة تركيا في البحر"، والذي أشار إلى أهمية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا لإفساد ما تخطط له اليونان وقبرص الجنوبية، والاستفادة من احتياطات الغاز في شرق المتوسط التي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار.

مواقف دول شمال أفريقيا من مذكرة التفاهم
كان لهذا الاتفاق العديد من الأثار والتداعيات التي ترجمتها مواقف دول شمال القارة، بخاصة مع معرفة تلك الدول وقادتها بطبيعة الدور التركي في تكوين المليشيات، وتسليح الجماعات التي تدين بالفكر الإخواني المنحرف عن الإسلام، والتي تناهض الدولة الوطنية، وما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار، وهو ما ظهر في الموقف المصري، الذي تم ترجمته من خلال الاتصالات، والزيارات، واللقاءات بين مصر وعدد من الدول الأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية التي لا تزال تهتم بالقومية العربية والسيادة الوطنية للدول التي تضمها هذه القومية، وخاصة بعد إعلان أردوغان عن وصول عسكريين إلى ليبيا من جنسيات مختلفة، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير سرت.

وحاول أردوغان شق الصف العربي من خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى تونس والجزائر، رغبة إظهار أن هناك تنسيقا ما على التدخل التركي في ليبيا، خاصة مع وجود حركة النهضة الإخوانية على رأس البرلمان التونسي، ومع طبيعة ما تواجهه المرحلة الانتقالية في الجزائر، ووجود جماعات تركية داخل الدولة الجزائرية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل، وتم رفض التدخل التركي في الدول العربية، واعتبرت تونس والجزائر أن الحل السياسي هو الأفضل، وعلى إثر ذللك عُقد في القاهرة يوم 8 يناير 2020 اجتماع على مستوى بين مصر وعدد من الدول الأوروبية على رأسها اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وهو الاجتماع الذي اعتبر اتفاقية أردوغان مع السراج باطلة، وهو نفسه موقف البرلمان الليبي المنتخب.

ومع كل هذه المواقف، والهزائم التي تلحق بالمليشيات المدعومة من قبل تركيا في الداخل الليبي، وما يتكشف من رفض لأجهزة الدولة الليبية لهذا الاتفاق، لا تزال تركيا وحكومة السراج تدافعان عن هذا الاتفاق، رغبة في خدمة المشروع الإخواني في واحد من آخر معاقله، ورغبة في الاستفادة من غاز ليس من حق تركيا في إعطاء قبلة الحياة لمشروع السلطنة التركية الإخوانية، والتي كانت تقوم على تولي ولي إخواني لكل دولة عربية، يتبع مباشرة الولي التركي الإخواني، واستبدال الصفة العثمانية بالصفة الإخوانية.

الاتفاق ونشاط الجماعات الإرهابية.. مصادر التهديد
يعتبر كثيرون أن الاتفاق التركي مع حكومة السراج لا يهدف فقط إلى التدخل في الشأن الليبي، وتهديد عدد من دول الجوار من خلال دعم جماعات إرهابية، ونقل مقاتلي داعش، بل يهدف كذلك إلى رفع معنويات المليشيات والجماعات المسلحة التي لقت العديد من الهزائم على يد الجيش الليبي، واستخدامها في تقوية الموقف التركي في المفاوضات حول غاز شرق المتوسط، وهو ما يجعله عنصرا مؤثرا على أمن دول شمال أفريقيا، وجنوب أوروبا من خلال الجماعات التي يمكن استخدامها ودعمها، ويمكن أن يكون مصدر تهديد من خلال:

1. نقل إرهابيي داعش من سوريا: وهي عناصر ترى في مصر ودول أوروبا أعداء لها، وترى في العديد من الدول العربية معوقاً أمام مشروع الخلافة الإسلامية في ثوبها الإخواني، ومن الطبيعي أن تضع كل هذه الدول ومصالحها في الدول الأوروبية وأمريكا محل استهداف.

2. استخدام الأجواء الليبية الجوية والبرية والبحرية للتأثير على عدد من الدول: خاصة التي تقع في الجوار المباشر، ودعم الجماعات المسلحة التي تؤثر على استقرار تلك الدول، وهو ما يهدد الدول العربية، ودول الساحل الأفريقي.

3. هدم الجيش الوطني الليبي: وإتاحة المجال للمليشيات للسيطرة على دولة استراتيجية مثل الدولة الليبية، وتوفير ساحة لممارسة نشاط تلك الجماعات.

4. قاعد عسكرية تركية في المستقبل: يعتبر من الأهداف الاستراتيجية في الفكر الأمني التركي أن تتخذ من الأراضي الليبية مستقراً لقاعدة عسكرية، وهو ما سيمكنها من التأثير على الأمن القومي لعدد من الدول، ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول أفريقية وعربية من ناحية أخرى.

5. منتدى ومشروعات غاز شرق المتوسط وخط الغاز لأوروبا: تحاول تركيا من خلال كافة تلك التحركات التأثير على سبل الانتفاع بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، إلى جانب محاولة خدمة مشروعها الأيديولوجي الإخواني، وهو ما دفعها لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، بطريقة تخالف القانون والاتفاقيات والأعراف الدولية.

6. دعم الجماعات الموالية من خلال نقل سلاح أو عمليات تدعم دورها: وهو ما قامت به تركيا مع المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، ويمكن أن يتسع مجاله وأنماطه، خاصة مع الهزائم التي تلحق بهذه المليشيات، وتقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس.

7. شد أطراف نظم سياسية قائمة بما يؤثر على خططها التنموية: خاصة النظام المصري، الذي بدأت ملامح تجربته تظهر وتؤكد أنه على الطريق الصحيح، وتحاول تركيا أن تحبط تلك التجربة، أو أن تستدرج النظام المصري نحو مواجهة وحرب تعطل الخطط التنموية، وتتيح فرصة لعودة الجماعات الإرهابية إلى هذه الدولة.

8. محور جذب لأبناء الجماعات من الدول وتكوين بؤرة تأثير على الحدود: وخلق بديل مكاني لهذه الجماعات عن سوريا والعراق ليصبح شمال أفريقيا هو المقر الجديد للجماعات الإرهابية، مع الظهير الصحراوي الأفريقي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما سيؤثر على الأمن القومي للعديد من الدول العربية والأفريقية.

9. إضعاف الدولة الليبية: بما يسمح للمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين ومن يعملون في الجريمة المنظمة بالتدفق إليها، وجمعيهم سيتم استخدامهم لخدمة المشروع التركي في تكوين مليشيات، أو التأثير على دول الجوار، أو التأثير على الجنوب الأوروبي.

10. نهب الغاز والبترول الليبي، والتأثير على توازن سوق البترول الدولي، بما يسمح له ليس فقط التأثير على دول الجوار المباشر لليبيا، بل التأثير على كافة الدول المصدرة للبترول والغاز، واستخدام فائض تلك الثروات في تمويل الجماعات الإرهابية.

11. ساحة مواجهة جديدة مع دول ترغب في استعادة الدولة الليبية: منها دول خليجية ودول أفروعربية، وتحاول تركيا إثبات أنها من القوى المؤثرة في التوازنات الإقليمية، وفي التطورات الداخلية في الدول العربية، وأن مشروعها الاستيطاني لا يزال قادرا على التمدد.

12. الانشقاقات الداخلية الليبية وتأثيراتها الإرهابية: والتي بدأت في صفوف مؤسسات الدولة الليبية التي لا تزال تعمل، وتأثير ذلك على الجبهة الداخلية وعلى سبل مواجهة الجماعات الإرهابية.

سبل مواجهة التغلغل التركي في الشأن الليبي

يحتاج التدخل التركي في الشأن الليبي إلى العديد من الأدوات التي يمكن تفعيلها لمواجهته، وللتخفيف من آثاره، لعل من أهم تلك الأدوات:

-تكوين جبهة إقليمية ودولية رافضة لذلك التدخل، وتوضيح الآثار والأهداف الفعلية التي تحرك تركيا نحو ليبيا.

- العمل على التوعية الدولية والإقليمية بمخاطر هذا التدخل، وعدم قانونية الاتفاقات التي تعقدتها حكومة السراج مع تركيا.

- تكوين جبهة من دول الجوار ترفض أن تستخدم تركيا أرضها في احتلال الأراضي الليبية.

- دعم الجيش الليبي الوطني، ومحاولة بذل جهد لرفع حظر التسليح عنه، حتى يستطيع مواجهة المليشيات.

- توفير الحماية اللازمة لمشروعات غاز المتوسط، وهي حماية قانونية، وحماية عسكرية.

- العمل على تقوية مؤسسات الدولة الليبية، بما يمكنها من مواجهة هذا الاحتلال التركي.

- استصدار قرارات أممية، من الأمم المتحدة والجمعية العامة، ومؤسسات أفريقية، ومن المؤسسات العربية والإسلامية التي تدين هذا التحرك وتوضح حقيقة نواياه.

- العمل على فصل ليبيا عن الساحل الأفريقي في تحرك الجماعات الإرهابية، بما يمنع تلك الجماعات داخل ليبيا من مصادر التمويل البشري.

في النهاية يمكن القول إن التحرك التركي للتأثير على الأمن الليبي، ودعمه للجماعات الإرهابية لن يتوقف عند هذا الحد، لن تكون ليبيا هي المحطة الأخيرة، فما يحرك أردوغان ليس المصلحة التركية، إنما مصلحة إخوانية تعبر عن مشروع فكري يسعى أردوغان إلى القيام بجزء مهم فيه، يستهدف التهام الدول العربية، ووضعها تحت لواء السلطنة التركية الإخوانية بثوبها الأردوغاني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

يفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحادية والخمسين أبوابه يوم الأربعاء، 22 يناير/كانون الثاني، في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس شرقيّ القاهرة. وقد وقع اختيار الهيئة المنظمة للمعرض على المفكر الجغرافي الراحل جمال حمدان ليكون شخصية المعرض هذا العام.

عُرف حمدان بعشقه الشديد لمصر والذي تجلى في كتابه الأهم "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" الذي يقع في أربعة أجزاء ضمت أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير، وصدر على مدى عشر سنوات كاملة.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

يقول حمدان: "ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".

واشتهر حمدان بدفاعه عن الناصرية والقومية العربية وحركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز 1952، وكان يرى أن جمال عبد الناصر هو أول زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية.

وعن القومية، يقول حمدان: "إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التي تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسي في العالم هي: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها ... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر في غياهب الماء تطفو إلى السطح حتما .. القومية هي سنة الحياة السياسية".

"نبوءات" حمدان

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أشار غير مرّة إلى حمدان، مستشهدا ببعض أقواله، كما في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، وفي ذكرى تحرير سيناء.

وفي كتاب بعنوان "قناة السويس نبض مصر"، قال حمدان إن "قناة السويس هي نبض مصر، والقلب النابض فى النظام العالمي، وهي مركز النقل الأول في أوروبا"، داعيا إلى توسيع القناة كـ "مصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة".

وقال السيسي في افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب 2015: "ها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق".

ولكن لحمدان نبوءات كثيرة وردت في مذكراته التي عُني بجمعها ونشر بعضها أخوه الباحث عبد الحميد صالح حمدان.

ووصفت تلك "النبوءات" بأنها ذات طابع شديد التشاؤم، وربما كان للمحبس الاختياري -الذي لجأ إليه حمدان وظل فيه حتى وفاته الغامضة- أثر كبير فيه.

"مستقبل نهر النيل"
وفي بعض هذه النبوءات، يقول جمال حمدان إن مصر إذا لم تتحرك لكي تكون "قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما "كالقصعة!" أعداء وأشقاء وأصدقاء أقربين وأبعدين".

ويقول في فقرة أخرى، لقد "ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدّعون هيدرولوجيا. كانت مصر سيدة النيل، بل مالكة النيل الوحيدة - الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص، والمستقبل أسود".

ويرصد حمدان أن مصر الوطن تعني عنصري الأرض والشعب. ويشير إلى أن أرض مصر بعد بناء السد العالي لم تعد تتسع بل أخذت في الانحسار في الوقت الذي بلغ فيه تعداد شعبها "الذروة غير المتصوّرة قط، وهكذا بينما تشهد القاعدة الأرضية والمائية انكماشا أو ثباتا أو انقراضا، وصل الطفح السكاني إلى مداه، ولم يبق سوى المجاعة وبقي عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض".

ويبلغ حمدان ذروة التشاؤم فيقول: "سيأتي اليوم الذي تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر، لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل، أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة أي موت! لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة".

ويضيف حمدان أن المتغيرات الخارجية من "انقلاب عالمي وهيمنة أمريكية" تعصف بمكانة مصر.

محبس اختياري
وكان حمدان قد اختار لنفسه محبسا في شقة صغيرة في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة حيث قرر اعتزال العالم بعد أن تعرض لما وصفه البعض ب"مظلمة أكاديمية لم ينصفه فيها أحد" رغم وضوح موقفه.

وبحسب الروايات، فإن أحد زملائه في الجامعة قد سطا على أبحاثه وسبقه بها إلى نيل درجة علمية لم يكن هو قد حصل عليها بعد.

وإذا كان حمدان قد انقطع عن العالم في محبسه هذا، فإن أعماله لم تنقطع، حيث والى نشر العديد منها ليثري المكتبة العربية بذخائر على رأسها ملحمته "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وكتاب "بترول العرب"، وكتاب "اليهود، أنثروبولوجيا" وكتاب "قناة السويس"، وكتاب "أفريقيا الجديدة" وغيرها من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتوفي حمدان في ظروف غامضة في شقته في شهر أبريل/نيسان 1993.

وكان حمدان قد ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في الرابع من فبراير/شباط 1928 لأسرة تنحدر من قبيلة "بني حمدان العربية".

وحصل حمدان على ليسانس الآداب في الجغرافيا من الجامعة المصرية بتقدير ممتاز عام 1948، وعُيّن معيدا بالكلية وسافر في بعثة في السنة التالية إلى إنجلترا لاستكمال دراساته العليا ليعود عام 1953 وقد حصل على درجة الدكتوراة، وانضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا إلى أن استقال عام 1969 وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية