العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين

5762
عدد القراءات

2019-01-16

قُدّمت العلمانية، على مدار التاريخ العربي الحديث، على أنّها الترياق الوحيد والأوحد لمشكلات العالم الإسلامي؛ هذا العالم الذي دائماً ما اختزل في إسلاميته، باعتبارها جوهره وقلبه، واتخذ تقديمُ هذا الحلّ أشكالاً عدة، بطبيعة الحال؛ فمن تقديمه كأداة انفصال عن الخلافة العثمانية، إلى تقديمه كانتصار لنزعة معينة في التراث، نزعة عقلانية، إلى تقديمه، لاحقاً، باعتباره فصلاً للدين عن الدولة، وأنّ الإسلام لم يقدّم نموذج حكم (أطروحة عبد الرازق).

الحاجة الإجرائية ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف

في كلّ تلك السيرورات التاريخية، كان الهمّ المتعلق بالعلمانية همّاً أيديولوجياً، أغلب الوقت، وكونه أيديولوجياً؛ أي متعلقاً بحلّ سياسي، وبموقف من حضور الموروث الديني، الذي غالباً ما ادّعى أنّ الجماعات الإسلاموية تمثله.
كان هناك حسّ لدى العرب المحدثين بأنّ الدولة التي ينبغي أنْ تكون علمانية، بعيداً عن مضمونها، سواء ديمقراطياً أو استبدادياً، أي العلمانية بأبسط معانيها؛ وهو فصل الدين عن الدولة؛ أي فهم العلمانية على ضوء أدبيات كثيرة تناولتهامن منظور نقدي، بعيداً عن "النزعة التفاؤلية" التي غلفت كثيراً من التنظيرات العربية عن العلمانية، وهو أمر سأعود إليه لاحقاً في المقالة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
ما أودّ الإشارة إليه؛ هو أنّ النقاش حول العلمانية له تاريخ، وله تحديد متعلق بالمشكلات التي واجهها العالم العربي على مدار تاريخه الحديث، منذ نزعات الانفصال عن السلطنة العثمانية، إلى التجارب الدستورية (مثل دستور ١٩٢٣ في مصر)، إلى ظهور الإسلاموية في أواخر العشرينيات، وهي تلك النزعة التي تقوم على إحياء الخلافة بمفاهيم دينية مسيسة؛ كمفهوم الأمة، والحاكمية، وغيرها، ورغم الأسس التي وضعها حسن البنا لهذه الإسلاموية، إلا أنّ التاريخ كان كفيلاً بتحويل هذه الجماعات، لتعمل عبر الدولة-الأمة اللاحقة، التي بزغت بعد الاستعمار، وتغلغلت في المجتمع، ونشرت مفاهيم دينية عن الحكم والشأن العام والسياسة مصبوغة بصبغة دينية-سياسية، باعتبار أنّها جماعات دينية في الأساس، وانخرطت في الشأن العام، مستثمرة هذا الرأسمال الرمزي، بتعبير عالم الاجتماع بيير بورديو، لحيازة واستقطاب قطاعات من أجل الشأن السياسي الذي تسعى إليه.
العلمانية: استدخال الدولة وضبط الدين
كما أشرت، اختُزل أغلب النقاش حول العلمانية في مبدأ فصل الدين عن الدولة، وقُدّم كحلّ للمشكلات الإسلامية-الإسلامية الداخلية، التي رأى فيها المنظرون العلمانيون مشكلات غير قابلة للحلّ؛ لأنّها متعلقة بالتنافس على الدين، الذي يمكن لأيّ كان ادعاء تمثيله، وتقديمه إلى المجتمع، الذي يحاول العلمانيون أنْ يحصّنوه ضدّ أيّ ادعاء متعالٍ.

أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام تدور حول الهوية أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن

في الحقيقة؛ إنّ المقاربة الإسلامية للعلمانية اتخذت أشكالاً عديدة، منها المنهجي ومنها غير ذلك، بل إنّ هناك من يعدّ هذا التقابل بين الإسلام والعلمانية انشطاراً غير مقبول، واصطناعاً لأضداد بمجالات متمايزة لا يمكن التفاهم حولها معرفياً، من خلال الزوجين المفهومين هكذا في علاقة نقائض، ولا يهمني البحث الجينالوجي عن الصراع المشبوب الذي نشأ إسلامياً وعربياً بين العلمانية والإسلام، ولا يهمني كذلك تتبع دوافع الهوية لنشوب هذا الصراع، إلا أنّ هناك إشارة، كثيراً ما يلحّ عليها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، تتعلق بنشوء الدعوة إلى العلمانية عربياً؛ حيث يرى الجابري أنّ الدعوة إلى العلمانية كانت دعوة "إجرائية" (بالطبع، الجابري لم يسمّها "إجرائية"، لكنّني أحاول أن أمفهم ما قاله، لا أكثر)؛ بمعنى أنه كانت هنالك حاجة ملحّة في لبنان، بوصفه البلد الذي نبعت منه هذه الدعوة، إلى المناداة بالفصل بين الدين والدولة؛ نظراً إلى المشكل الطائفي بلبنان؛ أي إنّ الجابري يرى أنّها كانت مشكلة قُطرية، لا يمكن تعميمها على بقية الدول العربية الإسلامية، مما يجعله يقترح فيما بعد مفهوم "الديمقراطية" كبديل عن العلمانية؛ لأنّ الحاجة الإجرائية، إذا تدبرناها وراء الدعوة إلى العلمانية، ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون
لكنّ أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام هي نقاشات حول الهوية، أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن، وقليلاً ما يتم تناول هذه العلاقة الملتبسة أو المقاربة، المحفوفة دائماً بالخطر، في إطار معرفي وبنيوي يوضح بنية الانفصال والاتصال بين العلمانية والإسلام، بعيداً عن النقاش الجاهز القائل بالفصل، أو النقاش الهوياتي القائم على إستراتيجيات الانشطار بين أفقي الإسلام والغرب عموماً؛ الأمر الذي يجعل المقاربة مستحيلة بداية، اعتماداً على أنّ المشكل العلماني لا يهم الأفق الإسلامي، ومن ثم نخرج نحن خارج خريطة الإشكال عموماً، ولا بدّ من التفكير نظرياً في إطارنا الهوياتي والأممي، بمعزل عن المشكل الكوني للعلمانية الذي ساهمت فيه جلّ الثقافات عموماً.

العلمانية هي أفق الزمن الحديث والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن فهي تؤطر رؤيته الوجودية ورؤيته المعرفية

لعلّ من المهم أنْ أشير إلى أنّه ينبغي مقاربة العلمانية بوصفها أفقاً للعصر الحديث، وليس بوصفها أدوات إجرائية فصلية بين الدين والدولة؛ فالتمثل السياسي للعلمانية هو أحد التجليات العلمانية، وليس هو العلمانية كما يحلو للكثير من المتناقشين أن يعنونوها به؛ لهذا، يشير طه عبد الرحمن، في "بؤس الدهرانية"، إلى أنّ "الدنيانية" هي العنوان العام والأفق الرئيس للزمن الحديث، وتكون "العَلمانية" -بفتح العين- هي التمثل السياسي المختص بفصل الدين عن الدولة، كأحد تمثلات الدنيانية في الزمن الحديث. فالعلمانية هي أفق الزمن الحديث، والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن، فهي تؤطر رؤيته الوجودية وكذا رؤيته المعرفية، فليست العلمانية خطة سياسية؛ بل هي "سياق للفهم"، إذا استعرنا من تشارلز تايلور، يمنح الزمن الحديث معناه؛ حيث لا نقدر على تفسيره إلا من خلال خطاطة العلمنة التي يسير في أفقها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟
تركز النقاش الإسلامي حول العلمانية باعتبارها تفصل الدين عن الدولة، وبالتالي تجعل الدولة هي المشرّع العام للقوانين والأخلاق بمعزل عن الدين، وهو ما أسماه عبد الوهاب المسيري "العلمانية الجزئية"، إلا أنّ الإسلاموية في فهمها للعلمانية لم تدرك البعد الوجودي والمعرفي للزمن الذي نعيش فيه كـ "زمن علماني" من ناحية، ومن ناحية أخرى اختزلت فهمها للعلمانية كفصل للدين عن الدولة.
في كتابها الأخير، الذي أنهيتُ ترجمته، بعنوان "الاختلاف الديني في عصر علماني"، تحاجج صبا محمود، بفهم طريف؛ أنّ العلمانية السياسية ليست هي مبدأ حيادية الدولة، وإنما هي إعادة تنظيم الدولة للحياة الدينية، على عكس ما يشاع عنها، ومن ثم، تنظر كيف تحوّل السياسات العلمانية الدين، وكيف يتواشج الديني والعلماني معاً، بموجب الدولة الحديثة، وهذا يتجلى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلامية والقبطية، وكيف يتضافر الدين والجنسانية والجنوسة والعلمانوية في هذه القوانين، التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقليات بالدول القومية العلمانية الحديثة.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟
وترتكز صبا محمود إلى ماركس وطلال أسد لإثبات أنّ الدول العلمانية لم تلغِ الدين، وإنما خصخصته وعمّقته اجتماعياً، على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ من المقدمة تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهودية"؛ التي يردّ فيها على باور، الذي يمثل قمة المثالية الهيغلية، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في تلك الحجة: الأول يقول باستحكام الدين في الدولة الليبرالية، والثاني يقول إنّ الدين نفسه هو مفهوم علماني، لكن، إنْ كان ماركس يقول بذلك ليحدد الدين باعتباره "اعتقاداً"، فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين (conceptualizing religion) بوصفه "اعتقاداً" هو نفسه تصور حداثوي ينظر إلى الدين في أبعاده المثالية دون استثمار مادية الدين الخاصة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أنْ ننظر إلى العلمانية فيما وراء مبدأ حيادية الدولة تجاه الدين (أي كمنظمة للدين في الحياة الاجتماعية للمجتمعات والجماعات البشرية)، كما فعلت محمود في كتابها، وتحدّت بالفعل نظرية العلمنة، وأن ننظر للدين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابية ومادية).

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

في كتابه اللامع "روح الدين" ابتكر طه عبد الرحمن اصطلاحاً جميلاً، وصف به الدولة العربية، وهو "الدولة المشتبهة"؛ فلا هي بالدينية، ولا هي بالعلمانية؛ أي إنها هجين لا يستجيب للنقد الإسلاموي لها بأنها علمانية، ولا للنقد العلماني بأنها دينية.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث
هذا الاستثمار الدولتي في الدين، الذي، للغرابة، لا تفهمه الإسلاموية، هو عينه ما تسعى الإسلاموية للتنافس عليه؛ حيث تحويل الشريعة إلى "قانون"، وهو جوهر العلمانية السياسية، وإخضاع المجال العام الحديث إلى ترسيمات دينية، والاستعانة بجهاز الدولة العلماني لفرض تصورات دينية؛ كي يغدو الدين قانوناً، وتفقد الشريعة روحها.
العلماني أم العلمانية؟
لطالما بحث الدارسون العلمانية، ولم يدرسوا العلماني، وفي مجالنا العربي؛ لم تسَأ ترجمة المفاهيم المتعلقة بحقل العلماني الحديث فحسب؛ بل تمّ خلط السيرورات بالنزعات بالتشكلات، وذلك آت من تسييس بيّن للحقل، واختزال تامّ لما هو علماني في كونه فصل الدين عن الدولة، ولعلّ أحدث مساهمتين في ذلك عربياً، كانت في كتاب "روح الدين"، لطه عبد الرحمن، الذي حاول التمييز بين مراتب معينة من العلمانية، ودحض النقد الدياني والعلماني سواء بسواء، لكنّه، في رأيي، كان عملاً إبستمولوجياً متعلقاً برتب الفعل المنوطة بالدهرانية، والعلمانية وعلاقتها بالأخلاق، لا بحثاً عن ترتيب لهذا البيت المهجور عربياً، والمختص بدراسة العلماني وتشكله، أمّا المساهمة الثانية فكانت لعزمي بشارة في سلسلته عن العلمانية، غير أنّ اشتغال بشارة كان في أكثره تاريخياً، معنياً بدقة التاريخ، وتصحيح المفاهيم، ولعلّ إحدى النقاط الجوهرية والمهمة التي يفيدنا بها بشارة، والتي تهمّ سياسياً مشروعه بشكل خاص؛ ألا وهي فصل العلاقة بين العلمانية والإلحاد؛ حيث حاجج بشارة بأنّ العلمانية كانت مقولة وحصناً للتمايز عن الإلحاد، إضافة إلى سبره التاريخي للوصول إلى أنّ العلمانية ليست معادية للدين.

العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة

بيد أنّ التمييز الجينالوجي الذي قام به طلال أسد (٢٠٠٣)، وكازانوفا (٢٠٠٩)، بين العلماني (the secular) ، والعلمنة (secularization) ، والعلمانوية (secularism) ، والعلمانية (secularity) ، حاسم في النقاش الجاري في مختلف التخصصات بشأن ذلك الحقل، وهو الأمر غير المتوفر عربياً، سوى نذر قليل هنا وهناك، وإنّ الاستخدامات المتعلقة بكلّ مفهوم من هذه المفاهيم الأربعة ليست ترفاً تحليلياً؛ بل ضرورة مفاهيمية تتعلق بضبط التاريخي، وفهم ما يحصل ضمن ما نسميه واقعاً علمانياً، وعصراً علمانياً. وقد قدم تشارلز تايلر، في كتابه العمدة الذي أشرت له سلفاً "عصر علماني" (٢٠٠٧) استخطاطية فكرية لهذا العصر؛ حيث كان مدخله فلسفياً-هيغلياً في تحديد "روح العصر" باستشكاله، ما يعني أنْ نعيش في عصر علماني، إنّه السؤال الذي قدم عليه جواباً فكرياً نابعاً من التجربة الأطلسية تحديداً، والتي لا تنطبق، بالضرورة، على بقية العالم.

اقرأ أيضاً: السلفيّة قد تكون علمانيّة أيضاً
أشار طلال أسد (٢٠٠٣) إلى أنّ العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة التي تدعي ذلك، إنّ استشكاف قارة العلماني لا تكون إلا باستكشاف قارة الديني، وما نسميه "تدابير علمانية" ليس سوى العلماني حديثاً، باستلزامات إبستمولوجية وإيتيتقية معينة، أكسبته تلك الصبغة، فحيثما وجد الديني وجد العلماني، لا محالة، وفي حين يشير العلماني إلى حقل مغاير من الرؤى المتعلقة بالتدبير، يتعلق الديني بمجال من الرؤى للعالم وللتدبير مغاير لما هو علماني، والنزاع الحديث كلّه هو نزاع حول شرعية المجالين.

اقرأ أيضاً: إسلاميو تركيا يروجون للحاكمية بدل العلمانية
أما العلمنة، التي تأتي عربياً فهي هوجاء من كل ضابط مفاهيمي يحكمها في كتابات الكثيرين، فهي تلك السيرورات، لا السيرورة، التي تصبغ واقعاً مختبرياً بعينه، يمرّ بالتعلمن، ويطبعه برؤى محددة لما هو سياسي وما هو ديني، إنّ العلمنة تاريخية، تتعلق أساساً بإفراز واقع علماني له سمات "تجريبية" محددة، مختلفة عن سياق آخر، ويمكن تلمس تطبيق فكرة تشكل العلمنة وفهم سيرورتها في دراسة أوضاع كلّ بلد أو نطاق في اشتباكه مع العلماني: كيفية المأسسة، والقوننة، وصبغ المعيشي العام.

أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة

وقد لفت خوسيه كازانوفا الانتباه إلى أنّ ثمة تمييزاً يخصّ العلمانوية، ألا وهو كونها تتعلق بأمرين: ١- كمبدأ للحكم، ٢- باعتبارها أيديولوجيا، أما كونها مبدأ للحكم؛ فهي الفكرة الشائعة عن فصل الدين عن الدولة السيادية، وليس النظرية، فلا يعني أنّ دولة تفصل بين الدين والسياسة أنها تعادي الدين ضرورة، أو لديها فكرة ما عن سلبية هذا الدين في الواقع العمومي، إنّها تدبير ليس إلا، ويشير كازانوفا إلى أنّه عندما تمتلك الدولة نظرية حول ماهية الدين (ما هو الدين؟ وكيف يجب أن يكون؟ وكيف يمارس؟) نكون بالضبط عند لحظة الأيديولوجيا (لقد صدرت هذه الفكرة عربياً بشكل خاطئ، حيث حوجج بأنّ العلمانية هي أداة ليس إلا، في حين أنّ لها بعداً آخر، ألا وهو تحديد ماهية الديني، وهي النظرية).

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟
في الحقل ذاته؛ نقابل مفهوم العلمانية كمقام أنطولوجي تكون الذات فيه علمانية مقابل الدينية التي نكون فيها دينيين، والعلمانية الأنطولوجية منفصلة عن السياسية بطبيعة الحال؛ إنها موقف وجودي بالأساس، لا نظرية في السياسة، وكم من علماني أنطولوجياً يتخذ موقفاً نقدياً من العلمانوية كتدبير للموقف العام، وللمجال العام، أي منها في الحقل السياسي، لا سيما أنّ هناك وابلاً من الكتابات يثبت الأسس التميزيية التي تقوم عليها العلمانوية السياسية.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟
وعليه؛ هل النقاش الإسلامي متعلق بـ "العلماني" وعلاقته بالدولة من حيث الفضاء العام والقانون، أم متعلق بطبيعة الدولة وتصورها كجهاز نقي خال من الأيديولوجيا، ويمكنه ملؤه بأيّ شيء، وهو التصور الذي عبّر عنه وائل حلاق برصانة كـ "دولة مستحيلة"؟
لقد أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة؛ مما أفقد الدين معناه الرمزي، وجعله لعبة في يد الدولة والسياسة بالعموم، وعندما تقوم الإسلاموية بمزاحمة الدولة، فما نجده فعلاً؛ أنّها لن تغير شيئاً، وإنما ستزيد من علمنة الدين عبر تقنينه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2019-11-13

الذئب المنفرد (الوحيد)؛ ترجمة حرفية لمصطلح "Lone Wolf"، وهو مصطلح شاع استخدامه لوصف الأشخاص الذين يتسمون بالانطوائية، كونهم هجروا أو اسُتبعدوا من جماعتهم، تماماً كالذئاب التي تهجر جماعتها، أو تُستبعد منها، وبحسب دراسات علم الأحياء في ممالك الحيوان، فإنّ الذئب الوحيد يصبح أكثر قوة كونه يدافع عن نفسه ويسلك درب حياته وحيداً منفرداً. 

أصبح الاستخدام الأكثر شيوعاً لمصطلح الذئاب المنفردة في إطار وصف منفذي عمليات إرهابية عشوائية منفردة

تمّ تطويع واستخدام هذا المصطلح في عدة مواضع، منها: الدلالة على الإبداع أو التفرد، وإن طالعنا قاموس "أوكسفورد" من الإنجليزية للإنجليزية، في طبعته لعام 2019، سنجد أنّ تعريف "Lone Wolf" يستخدم في وصف الشخص الذي يميل إلى الاستقلالية كطريق للتفرد والنجاح المهني؛ أي إنّ المصطلح قد يشير إلى التحرر من القيود التي تعيق الإبداع.
لكنّ أصبح الاستخدام الأكثر شيوعاً لمصطلح "الذئاب المنفردة" في إطار وصف الأفراد الذين ينفذون عمليات إرهابية عشوائية منفردة، متأثرين بفكر أيديولوجي محدد، رغم عدم انتمائهم الحركي لجماعات سياسية أو أيديولوجية بعينها، وقد ينفذون تلك العمليات بلا تمويل وبأقل الإمكانات المتاحة؛ لذلك يصعُب رصدهم أمنياً كونهم بلا سجلات جنائية سابقة.
نشأة الفكرة والمصطلح
كثير من الأفكار، بشكل عام، وجدت قبل أن يتمّ صكّ المصطلحات التي تعبّر عنها؛ أي إنّه لا بدّ من التمييز بين تاريخ نشأة المصطلح من جهة، وانتشار الفكرة قبل شيوع المصطلحات وصكّها.
من خلال الدراسات البحثية؛ يمكننا رصد شيوع مصطلح "الذئاب المنفردة" كمرادف للعمليات الإرهابية المستقلة منذ العام 1990، حين شاع كالنار في الهشيم على يد جماعات تفوّق العرق الأبيضWhite supremacy" "، التي استهدفت العرق الأفريقي في الولايات المتحدة؛ حيث اعتمدت هذه الجماعات على بثّ أيديولوجيتها العنصرية، وحثّ أنصارها على شنّ الهجمات المستقلة انتصاراً للعرق الأبيض.

كتاب "العمليات الإرهابية المنفردة وخطرها المتزايد" رصد حالات تبدو فردية لكنّها في الواقع تقع ضمن العمل التنظيمي والحركي الممنهج

وفي العام 2017؛ صدرت دراسة بعنوان "Age of Lone Wolf Terrorism "عصر العمليات الإرهابية المنفردة"، للباحث الأمريكي (Mark Hamm)، والباحث الأسترالي(Ramo Spaaij) ، ومن خلالها تطرق الكاتبان إلى رصد الهجمات الإرهابية المنفردة، منذ بدايات القرن العشرين، بسبب دوافع أيديولوجية أو دينية عقائدية مختلفة.
لكنّ الكتاب الأكثر جدلاً كان "العمليات الإرهابية المنفردة وخطرها المتزايد" (Lone Wolf Terrorism: Understanding the Growing Threat)، الصادر العام 2016، من تأليف الباحث الأمريكي (Jeffrey D. Simon) الذي رصد فيه حالات عالمية، سواء في الشرق أو الغرب، قد تبدو أنّها هجمات فردية لكنّها، في حقيقة أمرها، تقع في إطار العمل التنظيمي والحركي الممنهج.
قيمة مستوردة أم موروثة؟
تؤكد التنظيمات الإسلامية، التي تتخذ من الجهاد صفة لها، على سعيها لإحياء سنّة الجهاد على اعتباره فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة، بحسب تأويلاتهم الفقهية، بصرف النظر عن تغيّر الظروف الزمانية والمكانية للدعوة التي يسعون لإحيائها في أذهانهم.
وقد يتبرأ بعض الجهاديين من المصطلحات الحديثة، ومن بينها مصطلح "الذئاب المنفردة"، على اعتبار أنّه مصطلح غريب ودخيل ومستورد، وصفت به الحركات الجهادية على لسان التحالفات الدولية الغربية.
فتسعى تلك التنظيمات لتأصيل الأفكار، بحسب مفرداتها العربية؛ أي إنّها تتغاضى عن المصطلح، لكن لا تتبرأ من الفكرة ذاتها، بل تسعى للتأصيل لها من داخل العلوم الفقهية، لتبرهن أنّ الفكرة إسلامية، بحسب رؤيتها. 
"المقاومة العالمية" مصطلحاً بديلاً
مصطفى بن عبد القادر الرفاعي، المشهور بأبو مصعب السوري (مواليد حلب 1958)، والذي يعدّ مؤسس مكتب دراسات صراعات العالم الإسلامي في لندن، وأحد أهم الفاعلين ضمن الخلية الإعلامية الداعمة للجهاد الجزائري، تبنّى دعوة المؤمنين كافة إلى الجهاد غير المنظم من خلال كتاباته المؤصَّلة فقهياً؛ لهذا صكّ مصطلحاً جديداً، أسماه "المقاومة الإسلامية العالمية"، وهو أيضاً اسم كتابه الذي صاغ فيه ضرورة الجهاد من أجل الجهاد، أي إنّ الجهاد هدف في حدّ ذاته، حتى إن كان خارج الحراك التنظيمي؛ فالجهاد ضدّ من يرفض تطبيق شرع الله (حاكماً أو محكوماً) هو الغاية، حتى إن لم تنتج عن هذا الجهاد حكومة إسلامية شرعية.

العمليات العشوائية لا تعني بالضرورة أنّها غير ممنهجة بل من أشكال العمل الإستراتيجي في الفكر الجهادي المعاصر

وهنا يستشهد في كتابه بالآية القرآنية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65]، فيسعى إلى تأصيل ظاهرة الذئاب المنفردة، أو التي أسماها "المقاومة الإسلامية العالمية"، على اعتبار أنّها من الموروثات النصيّة المقدسة، وليست قيمة مستوردة.
فمفهوم المقاومة الإسلامية العالمية؛ هو شكل من أشكال الحثّ على الفردانية (العمل الفردي) في شنّ الهجمات على المؤسسات الحكومية والمدنيين، كذلك بهدف إحداث فوضى منظمة يصعب تتبع أثرها.
لكن من قبل تأصيل أبي مصعب السوري لهذا المفهوم من المنظور الجهادي، قامت جماعة الإخوان المسلمين في البلاد العربية باتباع إستراتيجية مشابهة، في سبعينيات القرن الماضي، عندما دخلت في مفاوضات ومداهنات مع السلطة في بلدانها تباعاً.
هنا ادّعت الجماعة أنّها نبذت العنف، وسعت للسيطرة على المؤسسات الحكومية، ليس بالضرورة بالهجوم  عليها  من الخارج؛ إنما  بالسيطرة  عليها  من الداخل، من  خلال  استقطاب أفراد مستقلين ينتهجون أيديولوجيتها والدعوة إليها، وهؤلاء يتقلدون أعلى المناصب في مؤسساتهم، دون الانتماء التنظيمي للإخوان، هكذا تجلّت ظاهرة تعرَف بـ "الهوى الإخواني"؛ أي بثّ أيديولوجيا الإخوان في أفراد لا ينتمون للجماعة تنظيمياً، وليست لهم صلة رسمية بها، ولهذا فإنّ نظرية الذئب المنفرد قد تكون جهادية صريحة، وقد تكون مناوئة مسالمة في شكلها الظاهري؛ أي  تعتمد على اختراق البنية للسيطرة عليها  لا هدمها.
تأثير الدومينو 
إعلان الجهاد وتطبيق الحسبة الشرعية ضدّ الحريات الشخصية والعامة؛ هو أحد أهداف الإرهاب العشوائي، إما بهدف التمرّد على المدنية بشكل مطلق، أو بهدف الترويع الأمني، وما تتبعه من أزمات تضرب استقرار النظام العام، وتحدث فوضى منظمة، وسخطاً من قبل الجماهير. 

لا بدّ من التمييز بين تاريخ نشأة المصطلح من جهة وانتشار الفكرة قبل شيوع المصطلحات وصكّها

الإرهاب العشوائي، حتى إن نادت به جماعات راديكالية، إلا أنّها لا تخصّ جماعاتها به، أو كما جاء، بحسب أبي مصعب السوري، في كتاب "المقاومة الإسلامية العالمية"؛ إنّ تطبيق الحسبة والجهاد ليس حزباً ولا دستوراً ولا جماعة، وإنما دعوة مفتوحة لجموع المسلمين.
تحثّ التنظيمات الجهادية المعاصرة الأمة على "تغيير المنكر باليد"، نسبة إلى الحديث النبوي الذي رواه الصحابي أبو سعيد الخدري، وفيه جاء أنّ تغيير المنكر باليد هو أقوى الإيمان وبالقلب هو أضعفه، ويعدّ هذا جزءاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو "الحسبة الشرعية".
قد يبدو مصطلح المنكر مبهماً في التاريخ المعاصر، خاصة أنّ المنكر يحمل طابعاً ماضوياً لا يتماشى بالضرورة مع التطور التشريعي، النسبي، في التاريخ الحديث والمعاصر.
كما يستندون إلى فكرة دعوة جموع المسلمين إلى الجهاد الفردي على نظرية تأثير "الدومينو"(Domino Effect) ؛ أي التأثير التراتبي وإحداث حالة من العدوى الجهادية المنفردة.
حتى إن لم يستخدم هذا المصطلح "تأثير الدومينو" من قبل الجماعات الجهادية، إلا أنّ الفكرة تظل هي محور الدعوة إلى الجهاد العشوائي وما يتبعه من محاكاه فردية غير قابلة للرصد مما ينهك القوى النظامية في تتبعها.
استهداف الكنائس، أو منع بنائها، بعد منح الدولة ترخيص بنائها، أو التعرض الجسدي للفتيات غير المحجبات في الطريق العام، أو تطبيق الحدود على من يحسبوه مرتداً، قد يقع في إطار التنظيم الجهادي الممنهج، وقد يقع على يد الأفراد المتشبعين بالفكر الجهادي بدون الانتماء إلى التنظيمات. 
داعش وذئابه المنفردة
في العام 2017؛ قام تنظيم داعش بتوزيع خطبة صلاة الجمعة مطبوعة في مدينة قضاء الحويجة في محافظة كركوك بالعراق، وجاء فيها أنّ التنظيم سيحذو حذو "الخيل المسوّمة"، والخيل المسوّمة؛ هو المصطلح البديل الذي اختاره داعش، بدل مصطلح "الذئاب المنفردة".

بعض الهجمات قد تقع ممنهجة أو على يد أفراد متشبعين بالفكر الجهادي بدون الانتماء إلى تنظيمات

"الخيل المسومة" يعيدنا إلى دراسة تطويع المفردات القرآنية في خطاب تلك التنظيمات الجهادية، كما وردت في الآية رقم 14 من سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾، والخيل المسومة هي الراعية السائمة.
كان الهدف من بيان داعش، بشكل صريح؛ تهديد الحكومات الأوروبية بقدرة التنظيم على الاستقطاب والتجنيد عن ُبعد، من خلال الثورة الرقمية والإعلامية، لتسديد الضربات الموجعة في قلب المدنية الغربية.
لكنّ هذا لا يعني أنّ التنظيمات الجهادية معنية بشنّ هجمات الخيل المسومة، أو الذئاب المنفردة، ضدّ الحكومات الغربية وحدها، وإنّما يتم تقسيم صحيح الجهاد، بحسب تلك الرؤية، إلى الجهاد ضدّ الكفار الأصليين (الغرب)، والكفار المرتدين من المجتمع (العدو القريب)، بحسب ما جاء في عدة أدبيات جهادية، ومن بينها كتاب أبو قتادة الفلسطيني "الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج".
يمكن القول إنّ العمليات العشوائية لا تعني بالضرورة أنّها غير ممنهجة؛ فالعشوائية شكل من أشكال العمل الإستراتيجي في الفكر الجهادي المعاصر.

للمشاركة:

كيف يمكن للفكر الديني أن يكون طريقاً للإصلاح والتغيير؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2019-11-13

لا يتجلّى حضور الدين في واقع الاجتماع البشري إلا عبر الفكر الديني، وذلك عبر تفسيرات العلماء والمفسرين، وذلك بحسب توجّه كلّ عالم أو فقيه، وبحسب البيئة والزمن اللذَين يعيش فيهما، فكلمات الله المقدسة لا تتجلّى على أرض البشري النسبي إلا بوساطة التفسير البشري النسبي للعلماء، ولذلك نحن لا نملك أن يكون سؤالنا: هل الدين طريق للجمود أم للإصلاح؟ لأنّ الدين لا يحضر بذاته، والله تعالى لا يفسر ولا يوظف كلماته في توجيه البشر، إنّما العلماء هم من يقومون بهذا الدور.
كيف يسهم الفكر الديني في الجمود؟
ويمكن القول: إنّ الفكر الديني يمكن أن يصبح طريقاً للجمود، والتثبيت لأوضاع المجتمع، والتسكين لألم البشر واغترابهم عن واقعهم الاجتماعي، فحين يوجه رجال الدين الفكر الديني إلى البعد الآخروي، فإنّهم يريدون تسكين الشعوب المؤمنة على آلامهم، والصبر على الظلم، وعدم تحقق العدل في المجتمع، وعدم رفضهم لنهب ثروات المجتمع من قلة تسيطر على مقدرات المجتمع، والصبر على الحرمان في الدنيا حتى يجازوا على ذلك في الآخرة، وقبول الأمر الواقع بكلّ ما فيه على أنّه قدر محتوم، وتوظيف الإيمان بالقدر توظيفاً سلبياً من أجل تحقيق الثبات والسكون في المجتمع، وتوسيع دائرة التحريم والتأثيم في حياة البشر.

الفكر الديني الذي يسعى إلى الجمود والاستقرار السلبي تجده يتجه إلى الخوض في المشكلات الزائفة

وهنا نجد أنّ الفكر الديني يقوم بدور سلبي وهو ضبط حركة الأفراد، والسيطرة على أرواح البشر ليس من أجل التغيير والإصلاح، لكن من أجل الجمود والاستقرار؛ ولذا يكون الفكر الديني هو أداة الضبط الاجتماعي بالمعنى السلبي، وليس بالمعنى الإيجابي، وذلك بدعوى الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه.
كما أنّ الفكر الديني الذي يسعى إلى الجمود والاستقرار السلبي تجده يتجه إلى الخوض في المشكلات الزائفة؛ فيكثر الخوض في الشعائر الإسلامية والطقوس الدينية، ويكثر الخوض في قضايا العبادات، ويهمش قضايا المعاملات، ويكثر الخوض في الحيض والنفاس ويهمش قضايا العدل والحرية وفقه الواقع، ويهتم بالمشكلات الزائفة؛ كقضية الحجاب، ونكاح البهيمة، وإرضاع الكبير، والفصل بين الجنسين، وذلك في ظلّ الترويج الموسع لفقه الحلال والحرام، وتوسيع دائرة التحريم من أجل إخضاع البشر لسلطتهم الروحية.
الفكر الديني والإصلاح
وفي المقابل؛ فإنّ الفكر الديني يكون سبيلاً للإصلاح والتغيير حين يوجه في مجمله إلى التركيز على شؤون الحياة الدنيا، ويخوض في أهمية تعزيز الإصلاح والتغيير في المجتمع؛ لأنّ الدين عبر الفكر الديني التقدمي لا بدّ من أن يهتمّ بقضايا العدالة والحرية، وأهمية معالجة ما يسهم في إصلاح أوضاع المجتمع إلى الأفضل، وإلى الدفع به إلى الأمام، فيربط الفكر الديني نفسه بمعالجة قضايا التنمية والعمل وقيمته الفاعلة في حياة البشر، وبيان أنّ رسالة الدين تدعو إلى أهمية استخلاف الإنسان في الأرض في العمران، مؤكدين على قول الرسول عليه السلام: "إذا جاء أحدكم الموت وفي يده فسيلة فليغرسها".

اقرأ أيضاً: هل نجرؤ على تجديد الفكر الديني؟
إنّ الخطاب الديني الفاعل لا يركز على أهمية الاحتياجات الروحية للإنسان فقط، بل يسعى إلى بيان أن حدوث تحرير للروح الإنسانية لا ينفصل عن ضرورة تحرير الاحتياجات الجسدية والمادية للإنسان؛ لأنّ الروح لا تنفصل عن الجسد، والمعنوي لا ينفصل عن المادي.
ومن ثم لا يجوز أن يقوم الخطاب الديني بدعوى التقليل من المادي والغريزي من أجل الروحي، فهذا خلط واضح يستخدمه الفكر الديني للتهرب من معالجة قضية الحرمان الإنساني وتسكينها، في الوقت الذي لا يمنح الأغنياء من ثرواتهم حقوقاً للفقراء، فالفكر الديني الفاعل لا ينبغي أن يبتعد عن احتياجات الناس الحقيقية، فلا يمكن أن يكون دور الفكر الديني في مجتمعات الفقر هو تسكين الناس والدعوة للصبر على العوز والحاجة، بل ينبغي أن يبثّ روح التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، ويبثّ روح العطاء من قبل من يملك تجاه من لا يملك، والتركيز على ضرورة تحرير الإنسان من الفاقة والاحتياج؛ لأنّ المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

اقرأ أيضاً: تجديد الفكر الديني بين مسارين
الفكر الديني الراغب في التغيير والإصلاح لا بدّ من أن يدفع بتفسيره للدين نحو الأرض؛ لأنّه رسالة السماء للأرض وهي رسالة إصلاح وتغيير، رسالة من أجل الإنسان في دنياه قبل آخرته؛ بل إنّ رسالة الدين للإنسان بالنسبة إلى الآخرة هي رسالة من أجل الدنيا؛ وذلك لأنّ عمل الإنسان هو الذي يحدّد مساره في الآخرة.

ينبغي أن يسعى الفكر الديني إلى تغيير المجتمع وإصلاحه وألّا يركّز فقط على تعليم الطقوس والشعائر

وينبغي أن يسعى الفكر الديني إلى تغيير المجتمع وإصلاحه، وألّا يركّز فقط على تعليم الطقوس والشعائر، بل يرى ضرورة أن تكون هذه الطقوس مؤثرة في حياة الإنسان، فالصلاة تنهى عن المنكر والفحشاء والبغي، والزكاة تكافل للفقراء، والصيام تطهير النفس، وإحساس بمعاناة الفقراء، ودعوة إلى التصدق على الفقراء ومشاركتهم، كما ينبغي أن يرسّخ الفكر الديني الفاعل القيم الأخلاقية والفضيلة لما لها من عائد فاعل في المجتمع، فسيادة الأمانة والصدق والإخلاص والعدل في التعاملات البشرية في حياتنا اليومية لها مردود إيجابي على حياتنا اليومية، وعلى الحياة المادية في التعاملات بين البشر، وذلك لأنّ منظومة الأخلاق لا يقتصر تأثيرها على البعد الروحي للإنسان؛ بل يمتد أثرها الفاعل على مجمل الحياة الاجتماعية للإنسان.

اقرأ أيضاً: هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟
ويركّز الفكر الديني الفاعل على المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وهي: الحفاظ على النفس والدين والعقل والنسل والمال، فكلّ ما يسهم في الحفاظ على المقاصد الكبرى للشريعة التي هي الأصول المؤسسة للحياة الإنسانية، ينبغي أن يكون قصداً وهدفاً، ومن الضروري أن يهتم بما فيه مصلحة الإنسان في حياته الدنيا، فأينما كانت المصلحة كان شرع الله؛ لأنّ الشرع قد وضع مصالح العباد نصب عينيه.
يقوم الفكر الديني الفاعل والراغب في بناء الضمير الحي في وجدان الناس، وذلك لأنّ تمتّع الإنسان بضمير حيّ هو ما يجاوز ويفوق في تأثيره سلطة القانون على سلوكيات الناس وحياة الأفراد والمجتمع؛ فالضمير الحيّ يمنع من ارتكاب السلوكيات الخاطئة والمحرمة في السرّ والعلانية؛ لأنّه ضمير يخشى الله تعالى في كلّ الأحوال، ويكون الله تعالى حاضراً في حياة الإنسان في الأحوال.
إنّ الإسلام، كدين، يوصف بأنّه دين للجماعة، ودين يتداخل في حياة المجتمع، ولهذا كان من الضروري تطوير الفكر الديني المتعلق به بما يجعله ليس طريقاً للجمود والتخلف بل طريقاً للنهضة والتقدم، وأن يكون هذا الفكر دافعاً للمجتمع للتقدم، وليس معيقاً له، والأمر في النهاية يتوقف على طبيعة اجتهاد العلماء لتطوير هذا الفكر.

للمشاركة:

ماذا يعني حضور الفلسفة في الفضاء المعرفي السعودي؟

2019-11-12

لم تكن الفلسفة مُغيّبة تماماً عن التعليم في السعودية لكونها تُدرّس في غير قسم الفلسفة؛ كأقسام اللغة العربية ضمن النقد الحديث؛ وأقسام علم الاجتماع وعلم النفس؛ وفي قسم العقيدة، إلا أنّها تحضر هنا في شكلها النقدي المرفوض.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تدريس الفلسفة بالسعودية؟
وهذا لا يُغني تماماً عن اعتمادها كمقررات يتم تدريسها في أقسام فلسفية معيّنة؛ أو كمواد دراسية في التعليم العام؛ وهذا ما رأيناه مؤخراً بشكل مبهج حينما تم إقرار الفلسفة -كتفكير فلسفي وليس كمنهج فلسفي يناقش آراء الفلاسفة- في المرحلة الثانوية من التعليم العام. ويبقى غيابها التام كأقسام في الفلسفة عن التعليم الأكاديمي إلا أنّ المرحلة الفكرية المحفزة التي تمر بها المملكة يجعلنا نتطلع إلى إقرار الفلسفة كتخصصات أكاديمية في تعليمنا الجامعي.

الهدف الأساس الذي نتطلع إليه للفلسفة في السعودية هو حضورها كأقسام أكاديمية في الجامعات لإثراء الفلسفة العربية

وفي هذه الفترة المخاض التي نعيش تجربتها المبهرة من التغيير الفكري في المملكة تحضر الفلسفة في المجال العام بشكل ملفت للنظر ومبهج؛ إذ نجد العديد من المناشط الفلسفية التابعة لوزارة الثقافة ضمن أعمال الأندية الأدبية؛ فنجد (حلقة الرياض الفلسفية-حرف) في نادي الرياض الأدبي؛ و (إيوان الفلسفة) في نادي جدة الأدبي كمنصات فلسفية تهتم بالفلسفة بشكل مباشر؛ وتتميز (حرف) بأسبقيتها في المجال العام إذ بدأت مع الأساتذة المؤسسين لها منذ العام 2008؛ وبعمقها في الطرح الفلسفي الذي يقدمه عدد من المهتمين فلسفياً بنقاش يثري التفكير الفلسفي في السعودية.

اقرأ أيضاً: تدريس الفلسفة في السعودية
و(إيوان الفلسفة) الذي نشأ مؤخراً في العام 2018، يكمل مسيرة الاهتمام الفلسفي في المملكة؛ إذ يقدم العديد من الأنشطة والمحاضرات في المجال الفلسفي بشكل معمق وتخصصي.
وتحضر العديد من الأنشطة والمنصات الأخرى كرافد أساس للبحث الفلسفي في المجال العام في المملكة كما نجده مع (ثقّف) وبرامج (إثراء) وغيرها العديد من المنصات التي تتناول الفلسفة بشكل غير مباشر كالطرح الفكري عموماً أو علاقة الأدب بالفلسفة؛ عبر محاضرات وورش فلسفية وقراءات لكتب فلسفية ومناقشتها.

اقرأ أيضاً: هل كان العرب عالة على الفلسفة اليونانية؟
كما أننا نجد العديد من المجلات الفلسفية المهتمة بترجمة المحتوى الفلسفي؛ كمجلة (حكمة) ومنصة (معنى) اللتين تهتمان بترجمة الأعمال الفلسفية كترجمة (حكمة) لمعجم ستانفورد في ملفات مجزأة؛ وأخْذ منصة (معنى) لحقوق ترجمة مجلة (الفلسفة الآن). ويقوم على هذين العملين المهمين في الفلسفة على مستوى العالم العربي مجموعة من السعوديين الذين يعملون بشغف وجهد في هذا المجال. وما نجده في بعض دور النشر السعودية من اهتمام بالأعمال الفلسفية ينبئنا عن عمق في اختيار المحتوى الفلسفي، كما نجده في دار (جداول) مثلاً التي اهتمت بالعديد من الكتب الفلسفية ترجمةً ونشراً. ولعل ما قامت به وزارة الثقافة من استحداث إدارة للترجمة والنشر يولي اهتماماً للفلسفة كمحور أساس في اختيار ما يمكن ترجمته ونشره من الأعمال الفلسفية.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
ويمكن لنا أن نلحظ تفكيراً فلسفياً يحضرُ بشكل لافت في الطرح الفكري في السعودية من خلال منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي تدل على قراءات فلسفية مبهرة للعديد من المهتمين والمهتمات بالفلسفة كشغف شخصي وليس كاشتغال أكاديمي بحثي؛ ويظهر هذا في مبيعات الكتب التي تميزت باقتناء كتب الفلسفة، كما أخبرني بذلك بعض مالكي دور النشر؛ وأيضاً ما نراه من نشر لصور الكتب المقتناة التي تتنوع عناوينها بين العديد من التخصصات الفلسفية كفلسفة اللغة وفلسفة الأخلاق وفلسفة الدين وغيرها. ولعل هذا المجال يعتبر الأكثر أهمية؛ لأنه ينبئ عن هم فلسفي لدى القراء والقارئات؛ ولأنه يومئ إلى طبيعة التفكير الفلسفي لدى المهتم بالفكر والقراءة في السعودية. ودلنا هذا الاهتمام المجتمعي على قبول الفلسفة بشكل فردي وليس بشكل مؤسساتي؛ بمعنى أن الفلسفة هنا ليست مفروضة عبر الحكومة بقدر ما هي اهتمام شخصي من قِبَل القراء.

تحضر العديد من الأنشطة والمنصات كرافد للبحث الفلسفي في المجال العام في المملكة كما نجده مع (ثقّف) وبرامج (إثراء)

ما نلحظه في مرحلتنا الحالية ينبئ عن مستقبل مبهر للحضور الفلسفي في السعودية؛ ويتجلى ذلك في تمكين وزارة الثقافة للطرح الفلسفي بأوسع أفقه بل ودعمه؛ وكذلك فسحها المجال لأنواع الأطروحات في المجال العام في ناحيته الفلسفية ضمن أنشطة لا حكومية كأنشطة المقاهي المصرّحة أو الجمعيات المصرحة لإقامة أنشطة فكرية وفلسفية ليست تابعة للحكومة بشكل مباشر، ويهتم بعضها بإقامة العديد من الورش التدريبية للتفكير الفلسفي يستهدف شتى طبقات المجتمع.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
وفي خِضمّ هذا التغير الفريد في واقعنا السعودي تجاه كل ما هو تطوري وعلمي؛ كما رأينا من إنشاء (هيئة الفضاء السعودية) و (الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي)؛ فإنّ الهدف الأساس الذي نتطلع إليه للفلسفة في السعودية هو حضورها كأقسام أكاديمية في الجامعات السعودية؛ لأن هذا يعطي الفلسفة البُعْد الأهم، وهو بعدها البحثي الإنتاجي الإثرائي للفلسفة العربية؛ وبهذا تُحقق حضوراً عربياً مهماً في التفكير الفلسفي لما يهم قضايا العصر الراهن العربي، أنْ تكون الجامعة في السعودية عضواً مشاركاً في التجديد الفلسفي العربي؛ أنْ تُنتج أقسام الفلسفة العديد من الفلاسفة السعوديين المنتجين والمؤثرين في الفلسفة العربية؛ ليكون لهم الباع المهم في الطرح الفلسفي المواكب لواقعنا العربي المعيش؛ هذا ما نطمح إليه في مرحلتنا القريبة.

للمشاركة:



انطلاق القمة العالمية للتسامح في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

انطلقت اليوم فعاليات الدورة الثانية من القمة العالمية للتسامح، تحت شعار "التسامح في ظلّ الثقافات المتعددة: تحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وصولاً إلى عالم متسامح"، التي ينظمها المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في قاعات مدينة جميرا بدبي.

القمة تنظق بمشاركة 3000 من القادة العالميين والخبراء ومسؤولين حكوميين من أكثر من 100 دولة

ويشارك في القمة، التي تعقد تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو 3000 مشارك من القادة العالميين والخبراء الدوليين ومسؤولين حكوميين ومتخصصين من أكثر من 100 دولة، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً، ودعم الحوار البناء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب الشباب تمكينهم من ممارسة وتبنــي نهـج التسامـح، وفق ما نشرت صحيفة "البيان".

كذلك يتمّ تقديم نماذج من تجارب الدول في التسامح، ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في بثّ الرسائل الاجتماعية، بما يكفل احترام التعددية الثقافية والدينية، والالتزام المشترك بقيم الحوار واحترام الآخر وإذكاء الوعي بالحاجة الملحة إليهما، ودور المناهج في تعزيز قيم التسامح والسلام، إلى جانب التطرق لأهمية المشاركة في المبادرات المجتمعية والعالمية لتعزيز قيم التسامح.

وتتضمن القمة جلسات حوارية ملهمة، وورشات عمل يقدمها أكثر من 70 متحدثاً، إلى جانب فعاليات أخرى عدة بمشاركة بارزة لطلبة الجامعات؛ حيث تجمع أكثر من 1000 طالب، وذلك ضمن رؤية اللجنة العليا المنظمة الرامية إلى ضمان مشاركة كلّ فئات المجتمع الإنساني بكافة أطيافه وتوجهاته.

 

 

للمشاركة:

بلجيكا.. جريمة كراهية جديدة والأمن يحقّق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

"إنها المرة الأولى التي يتم فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال لطالبي اللجوء في بلجيكا: وأعلنت السلطات أنها ستفتح تحقيقاً في ذلك. وأثار تحويل المركز احتجاجات كبيرة، خاصة من اليمين المتطرف في البلاد.

فتحت السلطات البلجيكية تحقيقاً، أمس، بعد إحراق مركز من المفترض أن يستقبل طالبي لجوء في بلدة بيلزين الصغيرة.

بلجيكا تفتح تحقيقاً في حرق مركز لاستقبال طالبي اللجوء وفي خطاب الكراهية عبر الإنترنت

واندلع الحريق، الذي لم يتسبَّب في إصابات، في وقت متأخر من يوم الأحد، في مأوى سابق للمتقاعدين، أدّت خطط تحويله إلى مركز لاستقبال طالبي اللجوء لاحتجاجات غاضبة، خاصة من قبل مؤيدي حزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف، أحد أكبر الأحزاب في إقليم فلاندرز الناطق باللغة الهولندية، وفق ما أوردت "فرانس برس".

وصرّح المتحدث باسم "فيداسيل"، الوكالة الفدرالية المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء بينوا مانسي: "إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال في بلجيكا".

وصفت وزيرة الهجرة البلجيكية، ماغي دي بلوك، في تصريح صحفي، الحريق بـ "المتعمَّد"، وقالت: "إنّه عمل إجرامي مصدره الكراهية وعدم التسامح"، وإضافة إلى التحقيق الجنائي، يجري التحقيق كذلك في احتمال انتهاك قوانين الحدّ من خطاب الكراهية على الإنترنت.

وبحسب صحيفة "دي مورغن"؛ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤكّد أنّ العمل مصدر الكراهية، من بينها: "حسناً فعلتم، واصلوا ما تفعلونه"، و"أخيراً شخص ما تولى الأمر بيديه".

وكان من المقرر أن يستقبل المركز، الذي تديره اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 140 طالب لجوء، ابتداءً من 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، ورغم الاجتماعات مع السكان المحليين لاطّلاعهم على المعلومات، فقد واجه تحويل المركز اعتراضاً، وأدّى إلى خروج العديد من الاحتجاجات.

وأظهرت صورة على تويتر نحو 15 متظاهراً يحملون لافتة لحزب "فلامز بيلانغ" كتب عليها: "لا لمركز لجوء في بيلزين".

 

للمشاركة:

استقالات جديدة من الحزب الحاكم في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أمس، موجة استقالات جديدة، شملت 3 رؤساء لفروعه بعدد من الولايات المختلفة.

وتقدّم بالاستقالة من الحزب؛ كلّ من رئيس فرع الحزب بولاية كوتاهية (غرب) علي تشتين باش، ورئيس فرع الحزب بولاية مانيسا (غرب) برْك مرسينلي، ورئيس فرع الحزب بولاية قيرشهر، مظفر آصلان، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "يني جاغ" التركية المعارضة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يشهد موجة استقالات جديدة شملت 3 رؤساء لفروعه

وأوضحت الصحيفة؛ أنّ أعضاء الحزب الثلاثة أعلنوا استقالاتهم في بيانات منفصلة، ولم يشيروا خلالها إلى دوافعهم في ذلك، غير أنّ الحزب شهد خلال الآونة الأخيرة انشقاق عدد من أعضائه الرافضين للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومته.

ويفقد "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عدداً من مؤسسيه وقاعدته الشعبية، منذ فشله في انتخابات البلدية، لا سيما فقدانه أحد رموز سيطرته وهي بلدية إسطنبول.

ويشهد الحزب التركي الحاكم منذ فترة سلسلة استقالات؛ كانت أبرزها استقالة رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، اللذان أعلنا نيتهما تأسيس أحزاب سياسية جديدة بحلول نهاية العام الجاري.

وانخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا، في 1 تموز (يوليو) الماضي، إذ سجّل عددهم 9 ملايين و931 ألفاً و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفاً و234 عضواً.

وخلال الشهرين الآخرَين، الممتدَّين من 1 تموز (يوليو) حتى 9 أيلول (سبتمبر) الماضي، انخفض أعضاء الحزب كذلك بمقدار 56 ألف شخص، ما شكّل حالة كبيرة من الذعر في أروقة العدالة والتنمية، دفعته للبحث عن حلول وصيغ لوقف هذا الانهيار.

انخفاض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً بسبب سياسة أردوغان

وذكرت العديد من وسائل الإعلام أيضاً؛ أنّ هناك تسريبات من داخل الحزب تتحدث عن أنّ أردوغان سيلجأ لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه التي تأثرت كثيراً بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت 31 آذار (مارس) الماضي، وصبّت في مصلحة الأحزاب المعارضة.

وأوضحت مصادر داخل الحزب؛ أنّ وزير العدل، عبد الحميد جول، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، مصطفى فارناك، سيكونان أول المطاح بهما في التعديل الوزاري، بسبب غضب المجموعة منهما.

وأشارت المصادر إلى أنّ الحزب من الداخل بدأت فيه أصوات تتهم الوزير جول بالتعاطف مع حركة رجل الدين فتح لله غولن، التي تعدّها الحكومة إرهابية، خاصة مع صدور العديد من القرارات القضائية لصالح أفراد ينتمون إلى الحركة.

هذه الانشقاقات والاضطرابات دفعت كثيرين، مراقبين ومعارضين، إلى التكهن باحتمال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية