العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين

4882
عدد القراءات

2019-01-16

قُدّمت العلمانية، على مدار التاريخ العربي الحديث، على أنّها الترياق الوحيد والأوحد لمشكلات العالم الإسلامي؛ هذا العالم الذي دائماً ما اختزل في إسلاميته، باعتبارها جوهره وقلبه، واتخذ تقديمُ هذا الحلّ أشكالاً عدة، بطبيعة الحال؛ فمن تقديمه كأداة انفصال عن الخلافة العثمانية، إلى تقديمه كانتصار لنزعة معينة في التراث، نزعة عقلانية، إلى تقديمه، لاحقاً، باعتباره فصلاً للدين عن الدولة، وأنّ الإسلام لم يقدّم نموذج حكم (أطروحة عبد الرازق).

الحاجة الإجرائية ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف

في كلّ تلك السيرورات التاريخية، كان الهمّ المتعلق بالعلمانية همّاً أيديولوجياً، أغلب الوقت، وكونه أيديولوجياً؛ أي متعلقاً بحلّ سياسي، وبموقف من حضور الموروث الديني، الذي غالباً ما ادّعى أنّ الجماعات الإسلاموية تمثله.
كان هناك حسّ لدى العرب المحدثين بأنّ الدولة التي ينبغي أنْ تكون علمانية، بعيداً عن مضمونها، سواء ديمقراطياً أو استبدادياً، أي العلمانية بأبسط معانيها؛ وهو فصل الدين عن الدولة؛ أي فهم العلمانية على ضوء أدبيات كثيرة تناولتهامن منظور نقدي، بعيداً عن "النزعة التفاؤلية" التي غلفت كثيراً من التنظيرات العربية عن العلمانية، وهو أمر سأعود إليه لاحقاً في المقالة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
ما أودّ الإشارة إليه؛ هو أنّ النقاش حول العلمانية له تاريخ، وله تحديد متعلق بالمشكلات التي واجهها العالم العربي على مدار تاريخه الحديث، منذ نزعات الانفصال عن السلطنة العثمانية، إلى التجارب الدستورية (مثل دستور ١٩٢٣ في مصر)، إلى ظهور الإسلاموية في أواخر العشرينيات، وهي تلك النزعة التي تقوم على إحياء الخلافة بمفاهيم دينية مسيسة؛ كمفهوم الأمة، والحاكمية، وغيرها، ورغم الأسس التي وضعها حسن البنا لهذه الإسلاموية، إلا أنّ التاريخ كان كفيلاً بتحويل هذه الجماعات، لتعمل عبر الدولة-الأمة اللاحقة، التي بزغت بعد الاستعمار، وتغلغلت في المجتمع، ونشرت مفاهيم دينية عن الحكم والشأن العام والسياسة مصبوغة بصبغة دينية-سياسية، باعتبار أنّها جماعات دينية في الأساس، وانخرطت في الشأن العام، مستثمرة هذا الرأسمال الرمزي، بتعبير عالم الاجتماع بيير بورديو، لحيازة واستقطاب قطاعات من أجل الشأن السياسي الذي تسعى إليه.
العلمانية: استدخال الدولة وضبط الدين
كما أشرت، اختُزل أغلب النقاش حول العلمانية في مبدأ فصل الدين عن الدولة، وقُدّم كحلّ للمشكلات الإسلامية-الإسلامية الداخلية، التي رأى فيها المنظرون العلمانيون مشكلات غير قابلة للحلّ؛ لأنّها متعلقة بالتنافس على الدين، الذي يمكن لأيّ كان ادعاء تمثيله، وتقديمه إلى المجتمع، الذي يحاول العلمانيون أنْ يحصّنوه ضدّ أيّ ادعاء متعالٍ.

أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام تدور حول الهوية أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن

في الحقيقة؛ إنّ المقاربة الإسلامية للعلمانية اتخذت أشكالاً عديدة، منها المنهجي ومنها غير ذلك، بل إنّ هناك من يعدّ هذا التقابل بين الإسلام والعلمانية انشطاراً غير مقبول، واصطناعاً لأضداد بمجالات متمايزة لا يمكن التفاهم حولها معرفياً، من خلال الزوجين المفهومين هكذا في علاقة نقائض، ولا يهمني البحث الجينالوجي عن الصراع المشبوب الذي نشأ إسلامياً وعربياً بين العلمانية والإسلام، ولا يهمني كذلك تتبع دوافع الهوية لنشوب هذا الصراع، إلا أنّ هناك إشارة، كثيراً ما يلحّ عليها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، تتعلق بنشوء الدعوة إلى العلمانية عربياً؛ حيث يرى الجابري أنّ الدعوة إلى العلمانية كانت دعوة "إجرائية" (بالطبع، الجابري لم يسمّها "إجرائية"، لكنّني أحاول أن أمفهم ما قاله، لا أكثر)؛ بمعنى أنه كانت هنالك حاجة ملحّة في لبنان، بوصفه البلد الذي نبعت منه هذه الدعوة، إلى المناداة بالفصل بين الدين والدولة؛ نظراً إلى المشكل الطائفي بلبنان؛ أي إنّ الجابري يرى أنّها كانت مشكلة قُطرية، لا يمكن تعميمها على بقية الدول العربية الإسلامية، مما يجعله يقترح فيما بعد مفهوم "الديمقراطية" كبديل عن العلمانية؛ لأنّ الحاجة الإجرائية، إذا تدبرناها وراء الدعوة إلى العلمانية، ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون
لكنّ أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام هي نقاشات حول الهوية، أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن، وقليلاً ما يتم تناول هذه العلاقة الملتبسة أو المقاربة، المحفوفة دائماً بالخطر، في إطار معرفي وبنيوي يوضح بنية الانفصال والاتصال بين العلمانية والإسلام، بعيداً عن النقاش الجاهز القائل بالفصل، أو النقاش الهوياتي القائم على إستراتيجيات الانشطار بين أفقي الإسلام والغرب عموماً؛ الأمر الذي يجعل المقاربة مستحيلة بداية، اعتماداً على أنّ المشكل العلماني لا يهم الأفق الإسلامي، ومن ثم نخرج نحن خارج خريطة الإشكال عموماً، ولا بدّ من التفكير نظرياً في إطارنا الهوياتي والأممي، بمعزل عن المشكل الكوني للعلمانية الذي ساهمت فيه جلّ الثقافات عموماً.

العلمانية هي أفق الزمن الحديث والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن فهي تؤطر رؤيته الوجودية ورؤيته المعرفية

لعلّ من المهم أنْ أشير إلى أنّه ينبغي مقاربة العلمانية بوصفها أفقاً للعصر الحديث، وليس بوصفها أدوات إجرائية فصلية بين الدين والدولة؛ فالتمثل السياسي للعلمانية هو أحد التجليات العلمانية، وليس هو العلمانية كما يحلو للكثير من المتناقشين أن يعنونوها به؛ لهذا، يشير طه عبد الرحمن، في "بؤس الدهرانية"، إلى أنّ "الدنيانية" هي العنوان العام والأفق الرئيس للزمن الحديث، وتكون "العَلمانية" -بفتح العين- هي التمثل السياسي المختص بفصل الدين عن الدولة، كأحد تمثلات الدنيانية في الزمن الحديث. فالعلمانية هي أفق الزمن الحديث، والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن، فهي تؤطر رؤيته الوجودية وكذا رؤيته المعرفية، فليست العلمانية خطة سياسية؛ بل هي "سياق للفهم"، إذا استعرنا من تشارلز تايلور، يمنح الزمن الحديث معناه؛ حيث لا نقدر على تفسيره إلا من خلال خطاطة العلمنة التي يسير في أفقها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟
تركز النقاش الإسلامي حول العلمانية باعتبارها تفصل الدين عن الدولة، وبالتالي تجعل الدولة هي المشرّع العام للقوانين والأخلاق بمعزل عن الدين، وهو ما أسماه عبد الوهاب المسيري "العلمانية الجزئية"، إلا أنّ الإسلاموية في فهمها للعلمانية لم تدرك البعد الوجودي والمعرفي للزمن الذي نعيش فيه كـ "زمن علماني" من ناحية، ومن ناحية أخرى اختزلت فهمها للعلمانية كفصل للدين عن الدولة.
في كتابها الأخير، الذي أنهيتُ ترجمته، بعنوان "الاختلاف الديني في عصر علماني"، تحاجج صبا محمود، بفهم طريف؛ أنّ العلمانية السياسية ليست هي مبدأ حيادية الدولة، وإنما هي إعادة تنظيم الدولة للحياة الدينية، على عكس ما يشاع عنها، ومن ثم، تنظر كيف تحوّل السياسات العلمانية الدين، وكيف يتواشج الديني والعلماني معاً، بموجب الدولة الحديثة، وهذا يتجلى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلامية والقبطية، وكيف يتضافر الدين والجنسانية والجنوسة والعلمانوية في هذه القوانين، التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقليات بالدول القومية العلمانية الحديثة.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟
وترتكز صبا محمود إلى ماركس وطلال أسد لإثبات أنّ الدول العلمانية لم تلغِ الدين، وإنما خصخصته وعمّقته اجتماعياً، على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ من المقدمة تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهودية"؛ التي يردّ فيها على باور، الذي يمثل قمة المثالية الهيغلية، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في تلك الحجة: الأول يقول باستحكام الدين في الدولة الليبرالية، والثاني يقول إنّ الدين نفسه هو مفهوم علماني، لكن، إنْ كان ماركس يقول بذلك ليحدد الدين باعتباره "اعتقاداً"، فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين (conceptualizing religion) بوصفه "اعتقاداً" هو نفسه تصور حداثوي ينظر إلى الدين في أبعاده المثالية دون استثمار مادية الدين الخاصة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أنْ ننظر إلى العلمانية فيما وراء مبدأ حيادية الدولة تجاه الدين (أي كمنظمة للدين في الحياة الاجتماعية للمجتمعات والجماعات البشرية)، كما فعلت محمود في كتابها، وتحدّت بالفعل نظرية العلمنة، وأن ننظر للدين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابية ومادية).

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

في كتابه اللامع "روح الدين" ابتكر طه عبد الرحمن اصطلاحاً جميلاً، وصف به الدولة العربية، وهو "الدولة المشتبهة"؛ فلا هي بالدينية، ولا هي بالعلمانية؛ أي إنها هجين لا يستجيب للنقد الإسلاموي لها بأنها علمانية، ولا للنقد العلماني بأنها دينية.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث
هذا الاستثمار الدولتي في الدين، الذي، للغرابة، لا تفهمه الإسلاموية، هو عينه ما تسعى الإسلاموية للتنافس عليه؛ حيث تحويل الشريعة إلى "قانون"، وهو جوهر العلمانية السياسية، وإخضاع المجال العام الحديث إلى ترسيمات دينية، والاستعانة بجهاز الدولة العلماني لفرض تصورات دينية؛ كي يغدو الدين قانوناً، وتفقد الشريعة روحها.
العلماني أم العلمانية؟
لطالما بحث الدارسون العلمانية، ولم يدرسوا العلماني، وفي مجالنا العربي؛ لم تسَأ ترجمة المفاهيم المتعلقة بحقل العلماني الحديث فحسب؛ بل تمّ خلط السيرورات بالنزعات بالتشكلات، وذلك آت من تسييس بيّن للحقل، واختزال تامّ لما هو علماني في كونه فصل الدين عن الدولة، ولعلّ أحدث مساهمتين في ذلك عربياً، كانت في كتاب "روح الدين"، لطه عبد الرحمن، الذي حاول التمييز بين مراتب معينة من العلمانية، ودحض النقد الدياني والعلماني سواء بسواء، لكنّه، في رأيي، كان عملاً إبستمولوجياً متعلقاً برتب الفعل المنوطة بالدهرانية، والعلمانية وعلاقتها بالأخلاق، لا بحثاً عن ترتيب لهذا البيت المهجور عربياً، والمختص بدراسة العلماني وتشكله، أمّا المساهمة الثانية فكانت لعزمي بشارة في سلسلته عن العلمانية، غير أنّ اشتغال بشارة كان في أكثره تاريخياً، معنياً بدقة التاريخ، وتصحيح المفاهيم، ولعلّ إحدى النقاط الجوهرية والمهمة التي يفيدنا بها بشارة، والتي تهمّ سياسياً مشروعه بشكل خاص؛ ألا وهي فصل العلاقة بين العلمانية والإلحاد؛ حيث حاجج بشارة بأنّ العلمانية كانت مقولة وحصناً للتمايز عن الإلحاد، إضافة إلى سبره التاريخي للوصول إلى أنّ العلمانية ليست معادية للدين.

العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة

بيد أنّ التمييز الجينالوجي الذي قام به طلال أسد (٢٠٠٣)، وكازانوفا (٢٠٠٩)، بين العلماني (the secular) ، والعلمنة (secularization) ، والعلمانوية (secularism) ، والعلمانية (secularity) ، حاسم في النقاش الجاري في مختلف التخصصات بشأن ذلك الحقل، وهو الأمر غير المتوفر عربياً، سوى نذر قليل هنا وهناك، وإنّ الاستخدامات المتعلقة بكلّ مفهوم من هذه المفاهيم الأربعة ليست ترفاً تحليلياً؛ بل ضرورة مفاهيمية تتعلق بضبط التاريخي، وفهم ما يحصل ضمن ما نسميه واقعاً علمانياً، وعصراً علمانياً. وقد قدم تشارلز تايلر، في كتابه العمدة الذي أشرت له سلفاً "عصر علماني" (٢٠٠٧) استخطاطية فكرية لهذا العصر؛ حيث كان مدخله فلسفياً-هيغلياً في تحديد "روح العصر" باستشكاله، ما يعني أنْ نعيش في عصر علماني، إنّه السؤال الذي قدم عليه جواباً فكرياً نابعاً من التجربة الأطلسية تحديداً، والتي لا تنطبق، بالضرورة، على بقية العالم.

اقرأ أيضاً: السلفيّة قد تكون علمانيّة أيضاً
أشار طلال أسد (٢٠٠٣) إلى أنّ العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة التي تدعي ذلك، إنّ استشكاف قارة العلماني لا تكون إلا باستكشاف قارة الديني، وما نسميه "تدابير علمانية" ليس سوى العلماني حديثاً، باستلزامات إبستمولوجية وإيتيتقية معينة، أكسبته تلك الصبغة، فحيثما وجد الديني وجد العلماني، لا محالة، وفي حين يشير العلماني إلى حقل مغاير من الرؤى المتعلقة بالتدبير، يتعلق الديني بمجال من الرؤى للعالم وللتدبير مغاير لما هو علماني، والنزاع الحديث كلّه هو نزاع حول شرعية المجالين.

اقرأ أيضاً: إسلاميو تركيا يروجون للحاكمية بدل العلمانية
أما العلمنة، التي تأتي عربياً فهي هوجاء من كل ضابط مفاهيمي يحكمها في كتابات الكثيرين، فهي تلك السيرورات، لا السيرورة، التي تصبغ واقعاً مختبرياً بعينه، يمرّ بالتعلمن، ويطبعه برؤى محددة لما هو سياسي وما هو ديني، إنّ العلمنة تاريخية، تتعلق أساساً بإفراز واقع علماني له سمات "تجريبية" محددة، مختلفة عن سياق آخر، ويمكن تلمس تطبيق فكرة تشكل العلمنة وفهم سيرورتها في دراسة أوضاع كلّ بلد أو نطاق في اشتباكه مع العلماني: كيفية المأسسة، والقوننة، وصبغ المعيشي العام.

أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة

وقد لفت خوسيه كازانوفا الانتباه إلى أنّ ثمة تمييزاً يخصّ العلمانوية، ألا وهو كونها تتعلق بأمرين: ١- كمبدأ للحكم، ٢- باعتبارها أيديولوجيا، أما كونها مبدأ للحكم؛ فهي الفكرة الشائعة عن فصل الدين عن الدولة السيادية، وليس النظرية، فلا يعني أنّ دولة تفصل بين الدين والسياسة أنها تعادي الدين ضرورة، أو لديها فكرة ما عن سلبية هذا الدين في الواقع العمومي، إنّها تدبير ليس إلا، ويشير كازانوفا إلى أنّه عندما تمتلك الدولة نظرية حول ماهية الدين (ما هو الدين؟ وكيف يجب أن يكون؟ وكيف يمارس؟) نكون بالضبط عند لحظة الأيديولوجيا (لقد صدرت هذه الفكرة عربياً بشكل خاطئ، حيث حوجج بأنّ العلمانية هي أداة ليس إلا، في حين أنّ لها بعداً آخر، ألا وهو تحديد ماهية الديني، وهي النظرية).

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟
في الحقل ذاته؛ نقابل مفهوم العلمانية كمقام أنطولوجي تكون الذات فيه علمانية مقابل الدينية التي نكون فيها دينيين، والعلمانية الأنطولوجية منفصلة عن السياسية بطبيعة الحال؛ إنها موقف وجودي بالأساس، لا نظرية في السياسة، وكم من علماني أنطولوجياً يتخذ موقفاً نقدياً من العلمانوية كتدبير للموقف العام، وللمجال العام، أي منها في الحقل السياسي، لا سيما أنّ هناك وابلاً من الكتابات يثبت الأسس التميزيية التي تقوم عليها العلمانوية السياسية.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟
وعليه؛ هل النقاش الإسلامي متعلق بـ "العلماني" وعلاقته بالدولة من حيث الفضاء العام والقانون، أم متعلق بطبيعة الدولة وتصورها كجهاز نقي خال من الأيديولوجيا، ويمكنه ملؤه بأيّ شيء، وهو التصور الذي عبّر عنه وائل حلاق برصانة كـ "دولة مستحيلة"؟
لقد أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة؛ مما أفقد الدين معناه الرمزي، وجعله لعبة في يد الدولة والسياسة بالعموم، وعندما تقوم الإسلاموية بمزاحمة الدولة، فما نجده فعلاً؛ أنّها لن تغير شيئاً، وإنما ستزيد من علمنة الدين عبر تقنينه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عنترة.. عندما تتحول الذبابة الزرقاء إلى صقر جارح

2019-07-18

يعشق العرب السواد، وتنشدّ غرائزهم إليه، لكنهم يحتقرونه ويتعالون عليه، عصبية وعنصرية مقيتة.
عندما رأى شداد تلك الأمَة التي ساقوها مع النياق، حلت في عينه، وبدت وكأنها بدر التمام تسطع في مقلتيه، وتمنى لو أنه ظفر بها وحده، فكأنه تذكر قول الشاعر: "وفي السود معنى لو عرفت بيانه ... لما نظرت عيناك بيضاً ولا حمرا.. ليانة أعطاف وغنج لواحظ.. تعلم هاروت الكهانة والسحرا.. ولولا سواد الخال في خد أبيض.. لما عرف العشاق يوماً له قدرا.. ولولا سواد المسك ما كان غالياً.. ولولا سواد الليل لم تنظر الفجرا".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
اختلى بها شداد في البطاح، وراودها عن نفسه فأبت، وقالت: حاشا مثلك أن يأخذ بالسفاح، فضحك من كلامها.. كانت أمَة لا سبية بيضاء عربية، يستبيحها العربان ولا يعترفون لها بولد، لكنه استجاب لها وعقد عليها قبل الدخول.
غراب العرب
ما لبث أن أخذ بغيته حتى عزف عنها، ولم يكلف نفسه عناء النظر لوليده الأسود الأدغم، أفطس المنخار، واسع المحجر، متهدل الأشداق، مكدر الأماق، صلب العظام، مفلفل الشعر، لكنه استعبده، واستخدمه في حلب الأغنام، ورعاية الإبل.

لم يخلد ذكر أعرابي في الجاهلية كما خلد عنتره حتى تمنى النبي أن يراه بعينيه على كرهه للجاهلية

شعر شداد بالعار من هذا الوليد، فلم يكن يسمح بأن يتلقى منه نظرة بنوة، وهو السيد الفارس في قومه، لكن الفتى عنترة، كان قادراً على لفت الانتباه، حينما اكتمل بنيانه، فقرر أن يقتل ذئباً في البرية، لكن ذلك لم يكن كافياً لدى أبيه وقومه.
لم يكن لأمه زبيبة حلم بأن يكون من الأسياد حينما وضعته، فجعلت من مسمى الذباب الأزرق، ذباب الخيل، اسماً له "عنترة" لكنه عندما شبّ استطاع أن يجعل من الاسم هذا، معنى مختلفاً، فبات معنى للشجاعة في القتال، والفروسية في الحرب، والصولة والجولة، والاختراق والانغماس. وسقط المعنى القديم قبل أن يولد في غياهب النسيان... فالعرب يعرفون أنّ الأسماء لا تصنع الرجال، ولكن الرجال هي التي تصنع الأسماء.
دلف إلى دنيا الوجود من رحم أمَة حبشية تدعى "زبيبة" سباها أبوه في إحدى غاراته، وكان من نكد الدهر على هذا الفتى أن جاء، شأن أمه، أسود البشرة، فكيف يسامحه الناس، وقد خيم السواد على عقولهم البدوية، وانعقدت العنصرية في نفوسهم، فكان أن سموه الخسف وعيروه، وجلعوه هدفاً لسخريتهم، وصرفه أبوه إلى رعاية الإبل، بحيث يحلب الحلاب والصر، غير مكترث به، ولا معترف بأبوته له.

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
يقول الباحث أحمد علبي، في كتابه "ثورة العبيد في الإسلام": زبيبة في التقسيم الطبقي هي في المرتبة الدنيا، فهي ليست حرة ولا سبية موقوفة على رجل واحد ويقر لها المجتمع ويعترف بأبنائها، وإنما هي أمَة، والأمَة في ذلك الزمن لم تكن وقفاً على رجل واحد دون غيره، فهي بالتالي متاع مشاع، لأنّ سيدها قد يستخدمها في مهنة البغاء لتحصيل المال، ومن هنا ندرك على المستوى الاجتماعي، نكوص والد عنترة عن الاعتراف به بيسر، فقد نفاه شداد في البداية واستعبده، ثم اضطر على مضض الى الاعتراف به وادعائه وإلحاقه بنسبه، على عادة عرب الجاهلية في الاعتراف بأبناء الإماء إذا ظهرت النجابة عليهم، وإلا ظلوا في قيود العبودية.

صوت الضمير
شكل "شيبوب"، أخوه من أمه، صوت ضميره الداخلي، ومكنون ذاته، فكان نصيراً له، ومرآته المقعرة في الوقت ذاته.
فشيبوب كان يقرأ ما يدور في عقل الفتى وتطلعاته، لكنه كان يرى أنّ ما يرومه من حرية لن تكون كافية لتغيير نظرة القوم إليه، فسيظل كما هو العبد الأسود، الذي منحه الله قوة في الجسم، وقدرة على المقاتلة، لكنه ابن الأمة، وضيع الأخوال.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
رأى شيبوب في عنترة، شاباً يحاول الانتصار لذاته، لكنه ذهب للانصهار في القبيلة، مانحاً روحه للذبّ عنها، عسى أن تعتبره نداً لساداتها، لكنها لن تفعل يوماً، وأنها ستحرمه من شرف مصاهرة عمه، الذي أحب ابنته، لكن نسبه لم يرقَ لشرف الاقتران بها.
طالما قال له شيبوب وهم في البراري: لا تكثر الشرود، فإنّ الشرود يكثر الأحلام، والأحلام تكثر الأخطاء.
حلم عنترة بأن يكون حراً يدافع عن الأحرار، إلى الحد الذي انحاز فيه لسيدة حرة تطاول عليها العبد داجي، فذهب فقتله دون أن يقصد، هكذا تحدثت كتب التاريخ، لكن هل حقاً لم يقصد عنترة قتله؟ أم لم يكن يعتبر نفسه عبداً فذهب للانتصار للأحرار على حساب العبيد؟
صائد الفرائس
لم يرض بوصف الغراب "أغربة العرب" الذي كانت تتشاءم منه العرب، فحول نفسه من غراب إلى صقر جارح صيّاد للفرائس.

عنترة استطاع أن يفرض نفسه على قومه وأن ينتزع الحرية من أبيه رغماً عنه عندما أغار الأعداء على المضارب

لم يكن للعبيد خبرة كبيرة بالحروب والغارات، لكنه نجح بذكائه الفطري، أن يضع إستراتيجية عسكرية، فقيل له: أنت أشجع العرب وأشدها؟ فأجاب: لا قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعاً يطير له قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله".
لم يدخل معركة يوماً إلا إذا كان يعلم متى وكيف ينهيها، ولا يهجم في موضع إلا إذا حدد ثغرة يخرج منها، وهو الشجاع المهيب، القوي الشكيمة، إلا أنه كان يدرك، وهو قائد جيوش عبس، أنّ كل ذلك لا يكفي دون تكتيك حربي عبقري.
وبالرغم أنه كان قتّالاً شرساً، إلا أنه كان حنوناً عطوفاً، ليس في مقابلة عبلة، بل ظهر ذلك في حبه لفرسه، وإشفاقه عليه، في خضم الحرب الطاحنة، التي لا يرحم فيها البشر أنفسهم.
فعندما خرقت السهام جسد الفرس وصفه عنترة بالقول: "فازورّ من وقع القنا بلبانه.. وشكا إلي بعبرة وتحمحم.. لو كان يدري ما المحاورة اشتكى.. ولكان لو علم الكلام مكلمي".
نحيل الجسد
هذا المحارب الضروس لم يكن، كما شاءت له الأسطورة، عريض المنكبين، متورد الخدين، جهم القسمات كأنه ليل مدلهم، فإنّ شِعر عنترة يعطينا صورة رقيقة، فيها الشفافية والإنسانية، فكان نحيل الجسم، بحيث بدت العروق في ظاهر كفه، وكان أيضاً شاحب اللون كالمنصل، ومع أنه كان من طلاب الهوى، إلا أنه لم يتأنق، ولم يسع للظهور أمام ابنة عمه التي شغف بها بلباس الفتى المتطيب المصفف الشعر، فهو يتسريل بسربال بال، ويظل متبذل الهندام، مشعث الهام، إنه رجل المعارك يسعى إلى غمرات السيوف اللوامع، وهذه الملامح أثبتها عنترة لنفسه، فهو قد ترحم على حاله حين قال من قصيدة: "عجبت عبيلة من فتى متبذل.. عاري الأشاجع شاحب كالمنصل .. شعث المفارق منهج سرباله .. لم يدّهن حولاً ولم يترجل"

اقرأ أيضاً: أشهر 10 شعراء مديح في التاريخ الإسلامي
لكن هذا النحيل استطاع أن يفرض نفسه على قومه، وأن ينتزع الحرية من أبيه رغماً عنه، عندما أغار الأعداء على المضارب، وكادت القبيلة أن تهلك، لكنه رفض أن ينتفض ويهزم الأعداء، فرجاه أبوه، فأبى قائلاً: إنما أنا عبد لا يحسن إلا الحلب والصر، فخرجت من أبيه جملة تحت وقع الخوف من الفناء: كرَّ وأنت حر.. ففزع بعدها فزعة واحدة قضى فيها على العربان الغازية.
ومع أنه اقتنص حريته بالقوة، ومعاملة قومه معاملة براجماتية، إلا أنه ظل حتى قتل، كهلاً على يد الليث الرهيصي، ينافح عن قومه، حتى قيل عنه "رحم الله عنترة حمى قومه حياً وميتاً".
لم يخلد ذكر أعرابي في الجاهلية كما خلد ذلك عنتره، حتى تمنى النبي، عليه السلام، أن يراه بعينيه على كرهه للجاهلية وأهلها: "ما وُصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة".

للمشاركة:

صفقة القرن ووهم الزخم .. وخداع عناوين الصراع

2019-07-18

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي/العربي الإسرائيلي، صراع تاريخي، وإن كان صراعاً حديثاً، وذلك بالنظر إلى العقود الطويلة التي مرت عليه، والعقود الطويلة التي ستأتي والتي تروج لها المرويات الدينية باعتباره صراع وجود لا صراع حدود، ومرتبطاً بمتون أحاديث النهايات وقصص آخر الزمان، وبغض النظر عن صدقية هذه المرويات وثبوتها وتأويلاتها، إلا أنّ الفكرة التي نريدها هنا، من توصيف هذا الصراع بالتاريخي، أنّه امتد على مساحة زمنية واسعة نبتت جذوره في نهايات القرن التاسع عشر، وامتدت إلى أن أصبح موضوعاً أو قضية دولية، ابتداء من بروز إسرائيل كدولة وشعب -بشكل ما- إلى الوجود عام 1948.

اقرأ أيضاً: الرفض الفلسطيني لصفقة القرن هل يدفع واشنطن للبحث عن قيادة بديلة؟

ولأنّ مشروع هذه المقالة يبحث في عناوين الصراع، أو عناوين الحل للصراع؛ فإنّ هذه العناوين هي بحد ذاتها ليست حلولاً بقدر ما هي شكل إطاري لصورة الصراع، كانت البدايات تعود إلى عهد المقاومة الشعبية العربية الفلسطينية الأولى، ثم الانتفاضة ثم عناوين التسويات ابتداء ربما من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 عام  1967، وهو القرار الذي صاغ لأول مرة عنوان "الأرض مقابل السلام".

المؤجل في العرف السياسي لإسرائيل كما لو أنه غير موجود طالما أنها لا تدفع كلفة سياسية أو اقتصادية أو أي شيء إزاءه

هذا القرار اعتمد على "دعوة" إسرائيل، بهذه الكلمة الرخوة، "دعوة" إسرائيل إلى الانسحاب، ليس من مشروعها الاستيطاني الاحتلالي، وإنّما من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير السابق لتاريخ القرار، بمعنى أنّ القرار صادق مضموناً على احتلال إسرائيل لأراضي ما قبل النزاع الأخير، ودعا لخروجها من ما عدا ذلك من أراضٍ فلسطينية، وبالمناسبة القرار نفسه جاء في صيغة مخادعة في عبارة "انسحاب من أراضٍ" وليس من الأراضي الفلسطينية.

من تاريخ هذا العنوان المخادع، إلى عنوان "كامب ديفيد"، تلك الاتفاقيات التي استمرت 12 يوماً، وعادت إلى العنوان الأول "قرار 242"، لتوسيعه، وتلك خدعة أخرى بإنشاء "سلطة حكم ذاتي" في الضفة وغزة، رغم أنّ الفلسطينيين أنفسهم لم يكونوا طرفاً في هذا الاتفاق، وأيضاً دون تراجع إسرائيل عن احتلالها لـ "أراضٍ" فلسطينية. لكن الشرح الحقيقي لكامب ديفيد هو اتفاقية السلام الإسرائيلية المصرية كاعتراف عربي أول بإسرائيل كدولة، فيما دعا عنوان كامبد ديفيد أيضاً إلى اتفاقيات سلام أخرى مع دول الجوار الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب

عناوين كان يراد لها أو يشاع أنّه يراد منها أن تكون عناوين حلول، لكنها كانت عناوين تكريس وجود إسرائيل كدولة واليهود كشعب على الأرض الفلسطينية، تلا ذلك اتفاقات مدريد 1991 وأوسلو 1993، وكامب ديفيد نسخة 2000، وطابا 2001، وخيرطة الطريق وجنيف أيضاً في عام واحد 2003 ، وأنابوليس 2007، وصولاً إلى "صفقة القرن" التي تلخص الخبرة الإسرائيلية في التفاوض عبر المحطات والعناوين لم تخسر فيها إسرائيل شيئاً من وجودها واستيطانها، ولم يربح الفلسطينيون ولا العرب شيئاً من غاياتهم في تسوية شاملة وعادلة.

اقرأ أيضاً: الانقسام وصفقة القرن ليسا قدراً على الشعب الفلسطيني

قد يكون القول بأنّ "صفقة القرن" مجرد عنوان مخادع، مغامرة، لكنه يثير تساؤلات مهمة، ماذا لو لم تنجح الصفقة، ماذا يمكن لإسرائيل أن تخسر وماذا يمكن أن يربح العرب؟ بخصوص اللاجئين، إنّها قضية أو أزمة بقيت على الدوام أزمة مؤجلة، والمؤجل في العرف السياسي لإسرائيل كما لو أنّه غير موجود طالما أنّها لا تدفع كلفة سياسية أو اقتصادية أو أي شيء إزاءه.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس الطرف الفلسطيني الذي سيمرر "صفقة القرن"؟

أما بخصوص حق العودة، فهو حق من ورق بالعرف السياسي الإسرائيلي أيضاً، وإسرائيل لن تخسر شيئاً ولا تخشى شيئاً فيما لو بقي يتكرر في أوراق المحادثات والاتفاقيات إلى أمد طويل. وفيما يتعلق بالدولة الفلسطينية أو حل الدولتين، فهو حل يموت ببطء، نشأ كما لو أنّه وهم يُراد له أن يكون حقيقة في وقت ما ثم يعود لطبيعته الوهمية، والقدس كعاصمة تتنازعها تلك الدولتين، تلك فكرة تكرسها القوة لا السياسة والمحادثات، القوة التي تسيطر عليها أولاً، والقوة التي نقلت السفارة الأمريكية إليها، لا السياسة التي تستطيع السير في أزقتها وحاراتها والمرور بين الجنود المدججين بالسلاح إلا على قلق.

التحولات التي أصابت عناوين الصراع لا تعني شيئاً إلا بالقدر الذي حققته لإسرائيل من فرص لتعزيز وجودها

التحولات التي أصابت عناوين الصراع من المقاومة مقابل الاحتلال، إلى الأرض مقابل السلام، إلى السلام مقابل السلام، إلى الاستثمار والمال والأعمال مقابل السلام، كما روجت له "الصفقة" التي تقول بصوت خفيض "على العرب والفلسطينيين أن يشتروا السلام بأموالهم"، هذه التحولات لا تعني شيئاً، إلا بالقدر الذي حققته أو خلقته لإسرائيل من فرص لتعزيز وجودها وتوسيع استيطانها ونمو اقتصادها وقوتها"

"صفقة القرن" ليست محكومة بنتائجها أبداً، إنها محكومة باستدامة الصراع على نحو ما، اقترح شرحاً له "جيمس زغبي" رئيس المعهد العربي الأمريكي، مستعيناً بتوصيف "هنري كيسنجر" لعمليات الصراع العربي الإسرائيلي بأنّها "خلق وهم الزخم من أجل تعويض غياب الزخم، لم يكن الهدف هو النتيجة، بل إبقاء الجميع مشاركاً في العملية".

للمشاركة:

تنوُّع خيارات الإنسان.. ماذا عن سؤال الأخلاق؟

2019-07-17

إنّ خيارات الإنسان اليوم، في الحقوق والحرية والعيش، أفضل منها في العهود السابقة. وقد يتساءل المرء: لماذا أتبنّى منظومة حقوقية قديمة يتوافر لديّ اليوم ما هو أفضل منها، رُقِيّاً وإنسانيةً، وفي كم الحقوق ونوعها؟!
العلم الحديث يفسّر الظواهر والأشياء، ويُعرّفنا بأنفسنا وبأجسادنا وبالعالم من حولنا بشكل أعمق من التفسيرات الدينية. والناس تجتمع عند الحقيقة العلمية وعلى الحرية وعلى حاجاتها المشتركة، وتختلف حول التفسير الديني داخل كل دين، وبين الأديان نفسها؛ سماوية أو وضعية. ولا شك في أنّ الفتوحات العلمية والمعرفية تسحب، يوماً بعد يوم، البساط من التفسيرات الدينية حيال العديد من المسائل، وتثير الاستفهامات حول موضوعيتها وقدرتها على الإقناع.

قبل ظهور الديانات السماوية كان للناس أنساق أخلاقية تؤدي دوراً مهماً في حياتهم تستمد مشروعيتها من التقاليد والأعراف الاجتماعية

لقد حاولتُ في كتابي "الوعي الأخلاقي دوره في الإصلاح الديني" أنْ أُقاربَ هذه المعاني من خلال بحث موضوع مهم وشائك هو الأخلاق، وتطرقتُ حينها إلى كلام من بحثوا في تجلية ذلك. فتحت فصلٍ حمل عنوان "الأخلاق والسلطة الدينية"، ناقش عادل ضاهر في كتابه "نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل" فكرة أن يكون لسلطة غيبية من نوع معيَّن إمكانية أن تكون المصدر النهائي للمعرفة الأخلاقية. وبعد أن دلل ضاهر، في كتابه المذكور، على أنّ البحث عن مصدر سلطوي إنساني نهائي للمعرفة الأخلاقية مصيره الفشل، ناقش موقفاً انتشر بين عدد من المفكرين الدينيين في الغرب، مفاده أنّ الأخلاق تجد أساسها الإبستمولوجي الأخير في الله تعالى، لا الإنسان. ووجَّه ضاهر النظر إلى أنّ هذا الموقف ليس "متفقاً عليه من قبل جميع المفكرين الدينيين في الغرب، (حيث) إنّ أكثريتهم في الواقع تبنَّت الموقف القائل إنّ المعرفة الأخلاقية، على العموم، لا تحتاج إلى معرفة لاهوتية، وإنّ الملحد أو الوثني، بإمكانه أنْ يحصل على معرفة أخلاقية". وأشار ضاهر إلى أنّ موقفاً كهذا نجده حتى لدى القديس بولس الذي قال في رسالته إلى الرومان ما معناه: إنّ من هم خارج الإيمان المسيحي ولم يصلهم القانون الإلهي بعد، قد يتصرفون مع ذلك بفطرتهم، وفق ما يقتضيه هذا القانون. والتأويل المعقول لهذا الكلام، كما يُتابع ضاهر، هو أنّ المعرفة الأخلاقية فطرية، ولا تحتاج إلى الوحي. والقول باستقلالية المعرفة الأخلاقية عن المعرفة اللاهوتية -الوحي- هو من السمات البارزة للفكر الكاثوليكي بعامة.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

وينقل ضاهر عن القديس توما الإكويني، الذي يَعدُّه المفكر الأكثر أهمية وأثراً في الفكر الكاثوليكي اللاحق، قوله: إنّ المبادئ الأساسية للأخلاق هي مبادئ واضحة بذاتها، وإنّها ترتبط بالعقل العملي (العقل الأخلاقي) مثلما ترتبط المبادئ الأولى للبرهان بالعقل التأمُّلي، وهذا يعني أنّ القديس توما الإكويني يرى أنّ المعرفة الأخلاقية مستقلة عن المعرفة اللاهوتية، فإذا كانت المبادئ الأساسية للأخلاق –كما يعلِّق ضاهر على وجهة نظر القديس توما الإكويني- بدهية وكانت معرفتنا لها، بالتالي، معرفة غير استدلالية، فإنّ هذا يعني حتماً أنّ معرفتنا لها ليست مستدَلَّة من معرفتنا للأوامر والنواهي الإلهية، أو من أي قضايا دينية أو لاهوتية أخرى جاءتنا بطريق الوحي. لكن في مقابل هذا الرأي، يرى بعض المفكرين الدينيين المعاصرين -كما يُورِد ضاهر- أنّ الأخلاق غير ممكنة من دون ميتافيزيقا؛ فالخير هو لا شيء سوى ما يكافئ عليه الله، والشر، بالتالي، هو ما يعاقب عليه، وخيرية أي شيء من الأشياء أو فعل من الأفعال نابعة منطقياً من كونه ما يريده الله منَّا، أو ما يأمرنا بفعله، وإن عدم جواز أي شيء أو أي فعل نابع منطقياً من كونه ما لا يريده منَّا الله، أو ما ينهانا الله عنه؛ فالإرادة الإلهية، وفق أولئك المفكرين، هي المعيار المطلق والنهائي للأخلاق، بمعنى أنه لا شيء خارج ما يأمرنا به الله وما ينهى عنه يمكنه أن يكون أساساً لاشتقاق الواجبات الأخلاقية.

اقرأ أيضاً: الحقيقة الدينية والأخلاقية في الفضاء العام.. أين هي من الفردانية؟
مثل هذا الموقف يتَّفق، بدرجة أو بأخرى، مع مواقف في التراث الإسلامي؛ مثل موقف أبي حامد الغزالي (1058-1111م) الذي نظَّر لهذا الموقف، وهو، في حقيقة الأمر، لُبُّ السجال الكلامي بين الأشعرية والمعتزلة.
وينبِّه ضاهر، في استعراضه لمواقف وآراء المفكرين الدينيين في الغرب تجاه مسألة الأخلاق والدين والجدل بشأن اشتقاق الأخلاق من سلطة دينية، أنّ موقف هؤلاء المفكرين الدينيين في الغرب لا يعني بالطبع أنّ الأخلاق مستحيلة من دون الدين، أو، على وجه التحديد، من دون دين سماوي كالإسلام أو المسيحية؛ فأسبقية الدين -الدين السماوي- على الأخلاق ليست أسبقية تاريخية، بناءً على هذا الموقف، بل مجرد أسبقية إبستمولوجية؛ إذ قبل ظهور الديانات السماوية، في اعتقاد دعاة هذا الموقف، كان للناس أنساق أخلاقية تؤدي دوراً مهماً في حياتهم، ولكن هذه الأنساق كانت تستمد مشروعيتها من التقاليد والأعراف الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: شارلي شابلن والأخلاق.. من المسؤول عن البشاعة من حولنا؟
ويخلص عادل ضاهر إلى تأكيد أنّ "المعرفة الخُلُقية ضرورية للمعرفة الدينية، وبالتالي لمعرفتنا أن أوامر ونواهي معينة هي أوامر ونواهي الله".
ثم ينتقل إلى مستوى أعلى من القول بأنّ "المعرفة الخُلُقية هي في أساس المعرفة الدينية، وأنّ أي محاولة لاشتقاق السابقة من الأخيرة تصبح ضرباً من المستحيل"، ليقرر ضاهر، تالياً، على إثر تفكيكه لعلاقة الأخلاق بالدين والسلطة الدينية، أنّ "المعرفة الخُلُقية، لا تستوجب المعرفة الدينية".

استقلالية المعرفة الأخلاقية لا تعني العداء مع الأخلاقية الدينية بل المقصود تجاوز الخصوصية وصولاً لمعايير غير متناقضة مع التطور الإنساني

هذا الموقف الذي يعرضه ضاهر، يقترب منه، بدرجة أو بأخرى، المفكر الإيراني، عبد الكريم سروش، وفق ما ينقل عنه فرهنك رجائي في كتابه "الإسلاموية والحداثة"؛ حيث يرى سروش أنّ المبادئ الأخلاقية "تحظى بأولوية عقلية على الدين والتديُّن والتقوى؛ وذلك لأننا نبني نظامنا القيمي قبل أنْ نخوض معترك الحياة الدينية أو أي نشاط آخر...، ونحن ليس من حقنا، مثلما ليس من واجبنا، أن نعبد إلهاً مجرداً من الأخلاق".
يفصِّل عبد الكريم سروش -الذي يعد واحداً ممن يتبنّون فكرة استقلال الأخلاق عن الدين- رؤيته، ويشرحها في هذا الإطار بقوله: إنّ "القيم والفضائل والرذائل مستقلة بذاتها عن التعاليم الدينية؛ أي إنَّ الأديان لا تُعلِّم الناس الحسن والقبح، بل وظيفتها الكشف عن أنّ هذه الأمور الحسنة محبوبة لله تعالى، وتلك الأمور مبغوضة لله تعالى، وهذا ما اكتشفه الأنبياء". ويعلِّق الكاتب السوري ياسين الحاج صالح على قول سروش بتأكيده أنّ "كلام سروش غير مقنع، لكنْ يمكن تصريفه على وجه أنَّ الله ضمانة لمكارم الأخلاق".

اقرأ أيضاً: الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق
وفي كتابه "الفاكهة المحرمة: أخلاقيات الإنسانية" يرى بول كيرتز أنّ الأنظمة اللاهوتية للأخلاق غير قادرة على التأقلم بدقة مع الصراعات في العالم الحديث، فهي بالأساس قد ولدت ونتجت في فترة طفولة الجنس البشري، وهي بالتالي غير متطورة وذات خصوصية واضحة، ولا تنطبق الحقائق القديمة تماماً على الوقائع الجديدة في العالم الذي صار عرضة للتغيير السريع في التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع والثقافة والسياسة.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل
قصارى القول، إن استقلالية المعرفة الأخلاقية لا تعني العداء مع الأخلاقية الدينية، أو القول بانعدام أهميتها وفوائدها، بل المقصود تجاوز الخصوصية وصولاً إلى معايير عمومية ومتسقة وغير متناقضة مع التطور الإنساني. وغرض تثبيت هذه الاستقلالية هو الحيلولة دون تحوّل الأخلاقيات الدينية إلى إكراهات لا تعبأ بحاجات الإنسان المتطورة وحريته وإرادته المستقلة وقدرته على الاختيار والتحكم بمصيره وحياته.
ومع تطور منظومة حقوق الإنسان في عالمنا، تبدو الأخلاقية الدينية موضع تساؤل وتحدٍّ، وفي أساس هذه التساؤلات سؤال الحرية والخيارات والقبول بمنطق العصر وضروراته واتجاهاته الأشدّ احتفاء بالتنوّع، وما يفرضه هذا التنوّع من حقوق، وعلاقة هذا التنوّع بالأخلاق، وهو مجال مفتوح لمزيد من السجال والنقاش.

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

جاسم محمد

كشفت مصادر موثوقة من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي تتزعمه أنجيلا ميركل ويقود الائتلاف الحاكم، والذي يتشكل من كل من الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أن هناك نقاشا داخل الحزب، لطرح مشروع قرار إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) لوضع الإخوان على قائمة الإرهاب.

بدأ المشروع في ولاية فوتمبيرغ ومن المقرر أن يُبحث من قبل الحزب في غضون شهر واحد، من أجل تقديمه للتصويت داخل البرلمان الألماني. وإذا تبنى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي طلب حظر جماعة الإخوان، يتم عندها رفعه للبرلمان لمناقشته والتصويت عليه ليصبح قانونا نافذا بعد ذلك. وقبل أشهر، دارت نقاشات شبيهة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، الذي يشهد أيضا نقاشات داخلية للاتفاق على طرح حظر الإخوان على البرلمان.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الأخيرة في ألمانيا، مكانة الأحزاب في الخارطة السياسية الألمانية، حيث مثل الحزب المسيحي الديمقراطي أقوى حزب في الغرب بنسبة 29 في المئة، وعقبه حزب الخضر بنسبة 20 في المئة، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 19 في المئة، في حين بلغ تأييد حزب البديل اليميني هناك 11 في المئة فقط.

ولكن حظر الإخوان في ألمانيا قد لا يكون سهلا؛ فالمساجد والجمعيات التي تصنفها المخابرات الألمانية على أنها مرتبطة بـالإخوان، تنفي تلك العلاقة، لكن دون شك تمتلك الاستخبارات الألمانية بعض الشواهد والأدلة لإثبات ذلك.

ومن ذلك أن الاستخبارات الداخلية الألمانية كشفت منذ العام 2014، الكثير من عمل “إمبراطورية الإخوان في ألمانيا”. ورغم أن التقارير في البدء كانت سرية، إلا أن المعارضة السياسية في البرلمان طلبت الكشف عن هذه المعلومات التي تتضمنها تقارير الاستخبارات في سبيل أن يطلع المواطن الألماني على حقائق التهديدات الأمنية في البلاد.

الاستخبارات الألمانية تعتبر جماعة الإخوان أكثر خطرا من تنظيم داعش، وتنظيم القاعدة، لأسباب عديدة أبرزها:

* أن جماعة الإخوان تجيد العمل السياسي والنشاط المجتمعي في ألمانيا، وهي قادرة على التواصل مع شريحة كبيرة من المجتمع الألماني.

* تختفي جماعة الإخوان تحت شبكة عمل واسعة من الواجهات من شركات ومراكز دينية وثقافية ومساجد.

* جماعة الإخوان تعمل على إيجاد مجتمع مواز للمجتمع الألماني، وذلك من أجل أسلمة الشارع الألماني.

* تعمل جماعة الإخوان بطريقة “ذكية” على خلاف التنظيمات المتطرفة، التي يبدو نشاطها ظاهرا ومكشوفا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية، عكس عمل الإخوان القائم على التخفي والسرية والازدواجية.

* إن جماعة الإخوان تمثل خطرا قائما على نظام الديمقراطية في ألمانيا، كونها تعمل على إنشاء “دولة إسلامية” قائمة على الشريعة، وهي الأهداف ذاتها التي يعمل على تحقيقها تنظيم داعش وتنظيم القاعدة.

* تنشط جماعة الإخوان بشكل مشترك بين الجناح التركي المتمثل في جماعة نجم الدين أربكان وجمعية “ديتيب”، والجناح العربي بزعامة عائلة إبراهيم فاروق الزيات “الجمعية الإسلامية”، ضمن إمكانيات بشرية ومالية واسعة مدعومة من الخارج.

وتجدر الإشارة إلى أن جهود ألمانيا في هذه الأيام، هي جهود مرتبطة بالزعيم البافاري هورست زيهوفر، وزير الداخلية الألماني، الذي يقود سياسة جدية نجحت كثيرا في تخطي الثغرات وسدها، وجعلت من ألمانيا ساحة خالية من الإرهاب.

وترتكز جهود وزير الداخلية الألماني على قواعد ثابتة، وهي رصد ومتابعة مصادر تهدد ألمانيا من الداخل والخارج، وفيما يتعلق بمصادر التهديدات الداخلية ركزت وزارة الداخلية الألمانية -خاصة في ما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين- على ما يلي:

* اعتبار التنظيمات الإسلامية، جميعها، خطرا محدقا بألمانيا، واعتبار جماعة الإخوان هي الأكثر خطورة.

وهذا يعني أن جماعة الإخوان تقع الآن ضمن دائرة الشبهات والمراقبة من قبل وزارة الداخلية، وتحديدا من وكالة الاستخبارات الداخلية، ووكالة حماية الدستور الألمانية.

وتقول التقديرات بأن النقاش داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني يمكن أن يستغرق مدة شهر، وذلك لكي يتمكن الحزب من طرحه كمشروع قرار في البرلمان الألماني البوندستاغ.

ومن أهم العوامل الداعمة لمشروع القرار في البرلمان الألماني:

* أن المشروع سوف يطرح من قبل أكبر الأحزاب الألمانية CDU، الممثلة في البرلمان، وهو الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم بزعامة المستشارة الألمانية ميركل.

* الحزب الديمقراطي المسيحي هو شريك بل توأم للحزب المسيحي الاجتماعي، الذي ينتمي إليه الوزير البافاري هورست زيهوفر، إلى جانب الحزب الاشتراكي العريق، وتشير التقديرات إلى أن أصوات الاشتراكيين سوف تكون داعمة لمشروع القرار المزمع اتخاذه.

إن مناقشة مشروع هذا القرار تأتي بالتوازي أو تماشيا مع سياسات وزارة الداخلية الحالية، التي تقوم على اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل مصادر التهديدات لأمن ألمانيا، أبرزها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومن ضمنها جماعة الإخوان.

* تحرص الحكومة الألمانية -وأيضا الائتلاف الحاكم- على تعزيز شعبيتها في أي انتخابات عامة أو بلدية، من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، لكي لا تذهب أصوات المواطنين إلى اليمين الشعبوي، وهذا ما تحرص عليه الحكومة الحالية.

ويأتي طرح مشروع قرار حظر جماعة الإخوان في ألمانيا، وسط مناخ أمني وسياسي داعم لاتخاذ هذا القرار، في أعقاب نتائج الاستطلاعات التي كشفت أن أكثر من 50 بالمئة من المواطنين الألمان يخشون الجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وانتماءاتها ويعتبرونها تهديدا وخطرا محدقا بأمن ألمانيا.

ويبقى هذا المشروع مثل باقي المشاريع، يعتمد نجاحه على قدرة الحزب المسيحي الديمقراطي على حشد الأصوات والدعم داخل البرلمان. أما في ما يتصل بعامل الوقت، فإن اتخاذ مشروع بهذا الحجم ربما يحتاج إلى المزيد من الوقت والكثير من الاستعدادات على المستوى السياسي، أكثر من الإجراءات الفنية التي اتخذتها أجهزة الاستخبارات.

ولعل ما ينبغي أن تركز عليه الأحزاب الداعمة لهذا المشروع، هو إيجاد قاعدة بيانات جديدة حول “إمبراطورية” الإخوان في ألمانيا، وتكشف عن قياداتها الجديدة، ومقراتها ومصادر تمويلها، وهي المسائل التي تعتبر أكثر تحديا وعسرا وتعقيدا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تونس بين الغنوشي وشعبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

فاروق يوسف

بسبب كرة القدم فازت حركة النهضة في الانتخابات البلدية في مدينة باردو.

تابع الناخبون مباراة تونس ضد السنغال وبددوا حقهم الانتخابي.

تلك نتيجة محزنة أفرحت راشد الغنوشي الذي يعد نفسه لرئاسة البرلمان التونسي بعد ترشحه للانتخابات التشريعية.

ستكون مناسبة سعيدة للغنوشي للعب بالقانون. تلك فكرة نهضوية يُراد من خلالها السيطرة على المجتمع التونسي من خلال تغيير القوانين بعد أن صار استعمال العنف فضيحة.

الغنوشي يسعى إلى دولة القانون. ولكنه القانون الذي ينسجم مع مشروعه في بناء إمارة إسلامية تكون بمثابة إعلان عن بدء المشروع الإخواني.

ما لم يحققه الآخرون عن طريق العنف يأمل الغنوشي في تحقيقه عن طريق الديمقراطية. وهي ديمقراطية غادرة، سيكون الشعب التونسي مسؤولا عن نتائجها المأساوية إذا ما تعامل معها بالطريقة التي أدت إلى فوز النهضة في بلدية باردو.

الرجل المراوغ ينتظر أن تغفو تونس ليقفز إلى رئاسة البرلمان.

حينها ستحكم حركة النهضة تونس بغض النظر عن شخصيتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. سيكون الاثنان تابعين للغنوشي بسبب طبيعة نظام الحكم المتبع.

ذلك يعني أن تونس ستستمر في وضعها الرث. لن يمارس البرلمان دوره الرقابي في ما يتعلق بالخدمات وبالأداء الحكومي وبهدر الأموال بقدر اهتمامه بإنشاء آليات لمراقبة المجتمع في كل حركة من حركاته.

بدلا من أن يراقب الحكومة سيراقب البرلمان المجتمع.

ذلك ما تسعى إليه حركة النهضة. أن تكون رقيبة على المجتمع.

هناك انتقام مبيت ضد النساء ستمارسه النهضة من خلال "الأحوال المدنية" وهو ما سيمرره الغنوشي إذا ما جلس على كرسي رئاسة البرلمان.

ذلك التحدي الذي تعرفه التونسيات وهن مدعوات إلى تجنيد المجتمع ضد وصول الغنوشي إلى البرلمان بأكثرية مريحة. 

فالرجل لا يبيت لهن إلا الشر. ذلك لأنه يدرك جيدا أن الحقوق المدنية للنساء هي حجر الأساس لمقاومة المجتمع المدني في وجه أصوليته وسلفيته وتشدده العنصري ضد النساء.

أعتقد أن الشعب الذي يطالب بالتغيير من أجل أن تكون تونس أفضل ومن أجل أن لا يقع المجتمع فريسة لاستعباد الجهلة والقتلة واللصوص عليه أن يغير عاداته وينتصر على سلبيته في النظر إلى دوره في العملية الديمقراطية. ذلك هو خياره الوحيد ليثبت أهليته لبناء تونس حديثة.

من غير ذلك فإن ثورته ستكون مجرد ذكرى. سيسمح الثوار للندم بأن يعصف بهم بعد أن تخلوا لأسباب تافهة عن الاستمرار في التعبئة الشعبية والامساك بخيوط الحل التي ما أن تفلت من أيديهم حتى يمسك بها أعداء مستقبلهم الذين يقفون لهم بالمرصاد.

أن يسفر نضال الشعب التونسي عن هيمنة حركة أصولية متخلفة على الدولة والمجتمع فإن ذلك معناه خيانة تاريخية لواحدة من أكثر ثورات عصرنا نبلا ورقياً وبعداً عن العنف.

تلك نتيجة سوداء ستفتح أبواب تونس على عنف، يفخر التونسيون أنهم تخطوا حاجزه. فما يجب أن يكون واضحا بالنسبة لهم أن الغنوشي لا يقول الحقيقة في ما يتعلق بمشروعه السياسي. ذلك لأنه ليس متوقعا منه أن يخبر التونسيين بأنه يخطط لإقامة امارة إسلامية على غرار امارات "داعش".   

ومخطئ من يعتقد أن الرجل الذي سبق له وأن كفر لأسباب سياسية العديد من الكيانات والأشخاص قد تغير بعد أن وصل إلى سدة الحكم. فالإخواني لا يتغير ويظل محافظا على ثوابته في الحاكمية والبراء والولاء، لكنه لن يعلن عنها إلا في الوقت الذي يراه مناسبا.

وأعتقد أن وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان هو ذلك الوقت.

سيكون الوقت متأخرا لاستدراك الخطأ حين يكشف الغنوشي عن وجهه الحقيقي.

لذلك فإن على الشعب التونسي أن لا يرتكب خطأً، يكون بمثابة الضربة التي تقضي على مستقبله المدني.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية