العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين

4516
عدد القراءات

2019-01-16

قُدّمت العلمانية، على مدار التاريخ العربي الحديث، على أنّها الترياق الوحيد والأوحد لمشكلات العالم الإسلامي؛ هذا العالم الذي دائماً ما اختزل في إسلاميته، باعتبارها جوهره وقلبه، واتخذ تقديمُ هذا الحلّ أشكالاً عدة، بطبيعة الحال؛ فمن تقديمه كأداة انفصال عن الخلافة العثمانية، إلى تقديمه كانتصار لنزعة معينة في التراث، نزعة عقلانية، إلى تقديمه، لاحقاً، باعتباره فصلاً للدين عن الدولة، وأنّ الإسلام لم يقدّم نموذج حكم (أطروحة عبد الرازق).

الحاجة الإجرائية ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف

في كلّ تلك السيرورات التاريخية، كان الهمّ المتعلق بالعلمانية همّاً أيديولوجياً، أغلب الوقت، وكونه أيديولوجياً؛ أي متعلقاً بحلّ سياسي، وبموقف من حضور الموروث الديني، الذي غالباً ما ادّعى أنّ الجماعات الإسلاموية تمثله.
كان هناك حسّ لدى العرب المحدثين بأنّ الدولة التي ينبغي أنْ تكون علمانية، بعيداً عن مضمونها، سواء ديمقراطياً أو استبدادياً، أي العلمانية بأبسط معانيها؛ وهو فصل الدين عن الدولة؛ أي فهم العلمانية على ضوء أدبيات كثيرة تناولتهامن منظور نقدي، بعيداً عن "النزعة التفاؤلية" التي غلفت كثيراً من التنظيرات العربية عن العلمانية، وهو أمر سأعود إليه لاحقاً في المقالة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
ما أودّ الإشارة إليه؛ هو أنّ النقاش حول العلمانية له تاريخ، وله تحديد متعلق بالمشكلات التي واجهها العالم العربي على مدار تاريخه الحديث، منذ نزعات الانفصال عن السلطنة العثمانية، إلى التجارب الدستورية (مثل دستور ١٩٢٣ في مصر)، إلى ظهور الإسلاموية في أواخر العشرينيات، وهي تلك النزعة التي تقوم على إحياء الخلافة بمفاهيم دينية مسيسة؛ كمفهوم الأمة، والحاكمية، وغيرها، ورغم الأسس التي وضعها حسن البنا لهذه الإسلاموية، إلا أنّ التاريخ كان كفيلاً بتحويل هذه الجماعات، لتعمل عبر الدولة-الأمة اللاحقة، التي بزغت بعد الاستعمار، وتغلغلت في المجتمع، ونشرت مفاهيم دينية عن الحكم والشأن العام والسياسة مصبوغة بصبغة دينية-سياسية، باعتبار أنّها جماعات دينية في الأساس، وانخرطت في الشأن العام، مستثمرة هذا الرأسمال الرمزي، بتعبير عالم الاجتماع بيير بورديو، لحيازة واستقطاب قطاعات من أجل الشأن السياسي الذي تسعى إليه.
العلمانية: استدخال الدولة وضبط الدين
كما أشرت، اختُزل أغلب النقاش حول العلمانية في مبدأ فصل الدين عن الدولة، وقُدّم كحلّ للمشكلات الإسلامية-الإسلامية الداخلية، التي رأى فيها المنظرون العلمانيون مشكلات غير قابلة للحلّ؛ لأنّها متعلقة بالتنافس على الدين، الذي يمكن لأيّ كان ادعاء تمثيله، وتقديمه إلى المجتمع، الذي يحاول العلمانيون أنْ يحصّنوه ضدّ أيّ ادعاء متعالٍ.

أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام تدور حول الهوية أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن

في الحقيقة؛ إنّ المقاربة الإسلامية للعلمانية اتخذت أشكالاً عديدة، منها المنهجي ومنها غير ذلك، بل إنّ هناك من يعدّ هذا التقابل بين الإسلام والعلمانية انشطاراً غير مقبول، واصطناعاً لأضداد بمجالات متمايزة لا يمكن التفاهم حولها معرفياً، من خلال الزوجين المفهومين هكذا في علاقة نقائض، ولا يهمني البحث الجينالوجي عن الصراع المشبوب الذي نشأ إسلامياً وعربياً بين العلمانية والإسلام، ولا يهمني كذلك تتبع دوافع الهوية لنشوب هذا الصراع، إلا أنّ هناك إشارة، كثيراً ما يلحّ عليها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، تتعلق بنشوء الدعوة إلى العلمانية عربياً؛ حيث يرى الجابري أنّ الدعوة إلى العلمانية كانت دعوة "إجرائية" (بالطبع، الجابري لم يسمّها "إجرائية"، لكنّني أحاول أن أمفهم ما قاله، لا أكثر)؛ بمعنى أنه كانت هنالك حاجة ملحّة في لبنان، بوصفه البلد الذي نبعت منه هذه الدعوة، إلى المناداة بالفصل بين الدين والدولة؛ نظراً إلى المشكل الطائفي بلبنان؛ أي إنّ الجابري يرى أنّها كانت مشكلة قُطرية، لا يمكن تعميمها على بقية الدول العربية الإسلامية، مما يجعله يقترح فيما بعد مفهوم "الديمقراطية" كبديل عن العلمانية؛ لأنّ الحاجة الإجرائية، إذا تدبرناها وراء الدعوة إلى العلمانية، ليست سوى تحقيق العدل في تداول السلطة في بلاد تكتظ بالطوائف.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون
لكنّ أغلب النقاشات حول العلمانية والإسلام هي نقاشات حول الهوية، أو نقاشات تاريخية لم تعد تجدي الآن، وقليلاً ما يتم تناول هذه العلاقة الملتبسة أو المقاربة، المحفوفة دائماً بالخطر، في إطار معرفي وبنيوي يوضح بنية الانفصال والاتصال بين العلمانية والإسلام، بعيداً عن النقاش الجاهز القائل بالفصل، أو النقاش الهوياتي القائم على إستراتيجيات الانشطار بين أفقي الإسلام والغرب عموماً؛ الأمر الذي يجعل المقاربة مستحيلة بداية، اعتماداً على أنّ المشكل العلماني لا يهم الأفق الإسلامي، ومن ثم نخرج نحن خارج خريطة الإشكال عموماً، ولا بدّ من التفكير نظرياً في إطارنا الهوياتي والأممي، بمعزل عن المشكل الكوني للعلمانية الذي ساهمت فيه جلّ الثقافات عموماً.

العلمانية هي أفق الزمن الحديث والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن فهي تؤطر رؤيته الوجودية ورؤيته المعرفية

لعلّ من المهم أنْ أشير إلى أنّه ينبغي مقاربة العلمانية بوصفها أفقاً للعصر الحديث، وليس بوصفها أدوات إجرائية فصلية بين الدين والدولة؛ فالتمثل السياسي للعلمانية هو أحد التجليات العلمانية، وليس هو العلمانية كما يحلو للكثير من المتناقشين أن يعنونوها به؛ لهذا، يشير طه عبد الرحمن، في "بؤس الدهرانية"، إلى أنّ "الدنيانية" هي العنوان العام والأفق الرئيس للزمن الحديث، وتكون "العَلمانية" -بفتح العين- هي التمثل السياسي المختص بفصل الدين عن الدولة، كأحد تمثلات الدنيانية في الزمن الحديث. فالعلمانية هي أفق الزمن الحديث، والأجندة التي يعمل من خلالها هذا الزمن، فهي تؤطر رؤيته الوجودية وكذا رؤيته المعرفية، فليست العلمانية خطة سياسية؛ بل هي "سياق للفهم"، إذا استعرنا من تشارلز تايلور، يمنح الزمن الحديث معناه؛ حيث لا نقدر على تفسيره إلا من خلال خطاطة العلمنة التي يسير في أفقها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟
تركز النقاش الإسلامي حول العلمانية باعتبارها تفصل الدين عن الدولة، وبالتالي تجعل الدولة هي المشرّع العام للقوانين والأخلاق بمعزل عن الدين، وهو ما أسماه عبد الوهاب المسيري "العلمانية الجزئية"، إلا أنّ الإسلاموية في فهمها للعلمانية لم تدرك البعد الوجودي والمعرفي للزمن الذي نعيش فيه كـ "زمن علماني" من ناحية، ومن ناحية أخرى اختزلت فهمها للعلمانية كفصل للدين عن الدولة.
في كتابها الأخير، الذي أنهيتُ ترجمته، بعنوان "الاختلاف الديني في عصر علماني"، تحاجج صبا محمود، بفهم طريف؛ أنّ العلمانية السياسية ليست هي مبدأ حيادية الدولة، وإنما هي إعادة تنظيم الدولة للحياة الدينية، على عكس ما يشاع عنها، ومن ثم، تنظر كيف تحوّل السياسات العلمانية الدين، وكيف يتواشج الديني والعلماني معاً، بموجب الدولة الحديثة، وهذا يتجلى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلامية والقبطية، وكيف يتضافر الدين والجنسانية والجنوسة والعلمانوية في هذه القوانين، التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقليات بالدول القومية العلمانية الحديثة.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟
وترتكز صبا محمود إلى ماركس وطلال أسد لإثبات أنّ الدول العلمانية لم تلغِ الدين، وإنما خصخصته وعمّقته اجتماعياً، على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ من المقدمة تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهودية"؛ التي يردّ فيها على باور، الذي يمثل قمة المثالية الهيغلية، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في تلك الحجة: الأول يقول باستحكام الدين في الدولة الليبرالية، والثاني يقول إنّ الدين نفسه هو مفهوم علماني، لكن، إنْ كان ماركس يقول بذلك ليحدد الدين باعتباره "اعتقاداً"، فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين (conceptualizing religion) بوصفه "اعتقاداً" هو نفسه تصور حداثوي ينظر إلى الدين في أبعاده المثالية دون استثمار مادية الدين الخاصة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أنْ ننظر إلى العلمانية فيما وراء مبدأ حيادية الدولة تجاه الدين (أي كمنظمة للدين في الحياة الاجتماعية للمجتمعات والجماعات البشرية)، كما فعلت محمود في كتابها، وتحدّت بالفعل نظرية العلمنة، وأن ننظر للدين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابية ومادية).

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

في كتابه اللامع "روح الدين" ابتكر طه عبد الرحمن اصطلاحاً جميلاً، وصف به الدولة العربية، وهو "الدولة المشتبهة"؛ فلا هي بالدينية، ولا هي بالعلمانية؛ أي إنها هجين لا يستجيب للنقد الإسلاموي لها بأنها علمانية، ولا للنقد العلماني بأنها دينية.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث
هذا الاستثمار الدولتي في الدين، الذي، للغرابة، لا تفهمه الإسلاموية، هو عينه ما تسعى الإسلاموية للتنافس عليه؛ حيث تحويل الشريعة إلى "قانون"، وهو جوهر العلمانية السياسية، وإخضاع المجال العام الحديث إلى ترسيمات دينية، والاستعانة بجهاز الدولة العلماني لفرض تصورات دينية؛ كي يغدو الدين قانوناً، وتفقد الشريعة روحها.
العلماني أم العلمانية؟
لطالما بحث الدارسون العلمانية، ولم يدرسوا العلماني، وفي مجالنا العربي؛ لم تسَأ ترجمة المفاهيم المتعلقة بحقل العلماني الحديث فحسب؛ بل تمّ خلط السيرورات بالنزعات بالتشكلات، وذلك آت من تسييس بيّن للحقل، واختزال تامّ لما هو علماني في كونه فصل الدين عن الدولة، ولعلّ أحدث مساهمتين في ذلك عربياً، كانت في كتاب "روح الدين"، لطه عبد الرحمن، الذي حاول التمييز بين مراتب معينة من العلمانية، ودحض النقد الدياني والعلماني سواء بسواء، لكنّه، في رأيي، كان عملاً إبستمولوجياً متعلقاً برتب الفعل المنوطة بالدهرانية، والعلمانية وعلاقتها بالأخلاق، لا بحثاً عن ترتيب لهذا البيت المهجور عربياً، والمختص بدراسة العلماني وتشكله، أمّا المساهمة الثانية فكانت لعزمي بشارة في سلسلته عن العلمانية، غير أنّ اشتغال بشارة كان في أكثره تاريخياً، معنياً بدقة التاريخ، وتصحيح المفاهيم، ولعلّ إحدى النقاط الجوهرية والمهمة التي يفيدنا بها بشارة، والتي تهمّ سياسياً مشروعه بشكل خاص؛ ألا وهي فصل العلاقة بين العلمانية والإلحاد؛ حيث حاجج بشارة بأنّ العلمانية كانت مقولة وحصناً للتمايز عن الإلحاد، إضافة إلى سبره التاريخي للوصول إلى أنّ العلمانية ليست معادية للدين.

العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة

بيد أنّ التمييز الجينالوجي الذي قام به طلال أسد (٢٠٠٣)، وكازانوفا (٢٠٠٩)، بين العلماني (the secular) ، والعلمنة (secularization) ، والعلمانوية (secularism) ، والعلمانية (secularity) ، حاسم في النقاش الجاري في مختلف التخصصات بشأن ذلك الحقل، وهو الأمر غير المتوفر عربياً، سوى نذر قليل هنا وهناك، وإنّ الاستخدامات المتعلقة بكلّ مفهوم من هذه المفاهيم الأربعة ليست ترفاً تحليلياً؛ بل ضرورة مفاهيمية تتعلق بضبط التاريخي، وفهم ما يحصل ضمن ما نسميه واقعاً علمانياً، وعصراً علمانياً. وقد قدم تشارلز تايلر، في كتابه العمدة الذي أشرت له سلفاً "عصر علماني" (٢٠٠٧) استخطاطية فكرية لهذا العصر؛ حيث كان مدخله فلسفياً-هيغلياً في تحديد "روح العصر" باستشكاله، ما يعني أنْ نعيش في عصر علماني، إنّه السؤال الذي قدم عليه جواباً فكرياً نابعاً من التجربة الأطلسية تحديداً، والتي لا تنطبق، بالضرورة، على بقية العالم.

اقرأ أيضاً: السلفيّة قد تكون علمانيّة أيضاً
أشار طلال أسد (٢٠٠٣) إلى أنّ العلماني قديم قدم الديني، فليس العلماني، كمقولة تحليلية وكحقل، هو حصيلة تمخض طبيعي لسيرورة العلمنة التي تدعي ذلك، إنّ استشكاف قارة العلماني لا تكون إلا باستكشاف قارة الديني، وما نسميه "تدابير علمانية" ليس سوى العلماني حديثاً، باستلزامات إبستمولوجية وإيتيتقية معينة، أكسبته تلك الصبغة، فحيثما وجد الديني وجد العلماني، لا محالة، وفي حين يشير العلماني إلى حقل مغاير من الرؤى المتعلقة بالتدبير، يتعلق الديني بمجال من الرؤى للعالم وللتدبير مغاير لما هو علماني، والنزاع الحديث كلّه هو نزاع حول شرعية المجالين.

اقرأ أيضاً: إسلاميو تركيا يروجون للحاكمية بدل العلمانية
أما العلمنة، التي تأتي عربياً فهي هوجاء من كل ضابط مفاهيمي يحكمها في كتابات الكثيرين، فهي تلك السيرورات، لا السيرورة، التي تصبغ واقعاً مختبرياً بعينه، يمرّ بالتعلمن، ويطبعه برؤى محددة لما هو سياسي وما هو ديني، إنّ العلمنة تاريخية، تتعلق أساساً بإفراز واقع علماني له سمات "تجريبية" محددة، مختلفة عن سياق آخر، ويمكن تلمس تطبيق فكرة تشكل العلمنة وفهم سيرورتها في دراسة أوضاع كلّ بلد أو نطاق في اشتباكه مع العلماني: كيفية المأسسة، والقوننة، وصبغ المعيشي العام.

أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة

وقد لفت خوسيه كازانوفا الانتباه إلى أنّ ثمة تمييزاً يخصّ العلمانوية، ألا وهو كونها تتعلق بأمرين: ١- كمبدأ للحكم، ٢- باعتبارها أيديولوجيا، أما كونها مبدأ للحكم؛ فهي الفكرة الشائعة عن فصل الدين عن الدولة السيادية، وليس النظرية، فلا يعني أنّ دولة تفصل بين الدين والسياسة أنها تعادي الدين ضرورة، أو لديها فكرة ما عن سلبية هذا الدين في الواقع العمومي، إنّها تدبير ليس إلا، ويشير كازانوفا إلى أنّه عندما تمتلك الدولة نظرية حول ماهية الدين (ما هو الدين؟ وكيف يجب أن يكون؟ وكيف يمارس؟) نكون بالضبط عند لحظة الأيديولوجيا (لقد صدرت هذه الفكرة عربياً بشكل خاطئ، حيث حوجج بأنّ العلمانية هي أداة ليس إلا، في حين أنّ لها بعداً آخر، ألا وهو تحديد ماهية الديني، وهي النظرية).

اقرأ أيضاً: النموذج الماليزي: هل يمكن أن تكتسي العلمانية ثوباً إسلامياً؟
في الحقل ذاته؛ نقابل مفهوم العلمانية كمقام أنطولوجي تكون الذات فيه علمانية مقابل الدينية التي نكون فيها دينيين، والعلمانية الأنطولوجية منفصلة عن السياسية بطبيعة الحال؛ إنها موقف وجودي بالأساس، لا نظرية في السياسة، وكم من علماني أنطولوجياً يتخذ موقفاً نقدياً من العلمانوية كتدبير للموقف العام، وللمجال العام، أي منها في الحقل السياسي، لا سيما أنّ هناك وابلاً من الكتابات يثبت الأسس التميزيية التي تقوم عليها العلمانوية السياسية.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟
وعليه؛ هل النقاش الإسلامي متعلق بـ "العلماني" وعلاقته بالدولة من حيث الفضاء العام والقانون، أم متعلق بطبيعة الدولة وتصورها كجهاز نقي خال من الأيديولوجيا، ويمكنه ملؤه بأيّ شيء، وهو التصور الذي عبّر عنه وائل حلاق برصانة كـ "دولة مستحيلة"؟
لقد أظهرت التجربة الحديثة أنّ تدخل الدولة لم يفصل الدين، وإنما استدخله، وأعاد تعريفه وفرضه بأشكال متعددة؛ مما أفقد الدين معناه الرمزي، وجعله لعبة في يد الدولة والسياسة بالعموم، وعندما تقوم الإسلاموية بمزاحمة الدولة، فما نجده فعلاً؛ أنّها لن تغير شيئاً، وإنما ستزيد من علمنة الدين عبر تقنينه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: