وحدة اليمن.. هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب

تجمعني باليمن روبط حبٍّ، وذكرياتٌ لا تُنسى؛ ففي عام 1990، وكانت سوريا حينئذٍ تعاني ضائقةً اقتصاديةً، ولم يعد الراتب يسدّ ثمن حاجاتنا؛ من مأكلٍ، وملبسٍ، وأقساط بيتٍ، وحاجاتٍ أخرى. انطلق أربعتنا (أنا، وحامد خليل، وطيب تيزيني، وخضر زكريا)، في بعثة إعارةٍ إلى قسم الفلسفة في جامعة عدن، وحين دعونا عبد الرزاق عيد إلى ندوةٍ، طُلب منه البقاء للتدريس في قسم اللغة العربية، وهكذا كان.   

وبالمناسبة، كان الراتب حينها 1600 دولار للأستاذ المساعد، و1800 دولار للأستاذ. لكن يُعطى نصف الراتب بالدولار، والنصف الآخر بالريال اليمني، حسب سعرٍ يحدّده البنك للريال اليمني، لم يصل حينها مقدار ربع سعر صرفه بالسوق السوداء.

لقد عشنا في اليمن معزَّزين مكرَّمين، وكانت الوحدة اليمنية قد تمت، والديمقراطية اليمنية تشقّ طريقها في مجتمعٍ قبليّ تقليدي وسياسي.

وتعرّفت على المجتمع اليمني عامة، والمجتمع اليمني الجنوبي، بشكلٍ خاص، بصورة نسفت كل معرفتي الأيديولوجية السابقة، التي اكتشفت حينها أنّها مجموعة من أوهام الرفاق.

الثورة اليمنية عام 1961 لم تكن إلّا ثورًة ضدّ الإمامة التي أصبحت متناقضةً مع منطق الدولة

كانت الوحدة تعني؛ تقاسم السلطة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي. رغم أنّ عدد سكان اليمن الشمالي، يزيد عن عدد سكان اليمن الجنوبي، بستة أضعاف أو أكثر، لكن لم تمض سنوات قليلة، حتى كانت السلطة الفعلية كلّها بيد علي عبد الله صالح.

وبدأت السلطة الحاكمة، بقيادة صالح، بالتهام مراكز الإدارات في الجنوب، ونهب ثرواته، وفقدت عدن، التي كان من المفترض أن تكون عاصمة اقتصادية لكلّ اليمن، مكانتها تماماً، وظهرت بوادر التأفّف لدى الجنوبيين، والرغبة في الانفصال، مع تنامي الشعور لدى الجنوبي بأنّه أكثر تقدماً وتحضراً من الشمالي.

وحدة اليمن بنخبه كافة هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب التي يطمح عبرها الحوثيون امتلاك البلد واحتلاله

واستشرى فساد صالح وجماعته، في تلك المرحلة، وبات الجنوبي، الذي كان يعيش اكتفاءً ذاتياً، يعاني ضنك العيش. وصار تقاسم السلطة الفعلي في خبر كان، وحافظوا عليه شكلياً فقط.

وبدا قرار قيادة الحزب الاشتراكي بالانفصال، ورغبتها في إعادة اليمن الجنوبي إلى سابق عهده، بوصفه دولةً مستقلةً.

أتذكّر أنّ علي سالم البيض، طلب اللّقاء بالأساتذة السوريين، للتداول في الشأن اليمني، ودعانا إلى تناول طعام الغداء معه في قصر "المعاشيق"، وهو القصر الجميل المطل على خليج عدن، ودار حوار طويل بيننا. كان موقفنا مع المصالحة، والحفاظ على اليمن الموحدة، لكنّ سالم البيض كان قد حسم أمره، وبدا هذا واضحاً من إجابته عن سؤالٍ طرحه عليه خضر زكريا: ما هو جوهر المشكلة العالقة بينكم؟ كان الجواب: هناك روحٌ خفيةٌ تمنعنا من التوافق.

واشتعلت الحرب بين الجنوبيّين والشماليّين عام 1994، انتهت بانتصار قوات علي عبد الله صالح، ودخول قواته إلى عدن، بمساعدة قوات الرئيس اليمني الأسبق، علي ناصر محمد، التي كانت في الشمال، ومنذ ذلك الحين ظلّت اليمن في قبضة علي عبد الله صالح.

اشتعلت الحرب بين الجنوبيّين والشماليّين عام 1994 انتهت بانتصار قوات علي عبد الله صالح  ودخول قواته إلى عدن

قبل خمسة عشر عاماً أو أكثر حضرت ندوةً في صنعاء حول الديمقراطية، وكالعادة؛ دعانا رئيس الجمهورية للقائه في نهاية المؤتمر، وقد استقبلنا الرجل بحفاوةٍ كعادته في استقبال أهل الثقافة، وحدّثنا عن أهمية الديمقراطية في حياة الشعوب، بمناسبة موضوع الندوة، وأظهر دهشته من الرؤساء العرب، الذين لم ينقلوا مجتمعاتهم إلى الديمقراطية بعد. وأردف بنوع من التصميم: "الديمقراطية آتيةٌ، لا محالة، فلماذا التأخير"، ودار بيننا حوار مستفيض عن أهمية الديمقراطية، وفي المساء؛ قادني صديق صنعاني بسيارته، ليعرفني بصنعاء وجبالها، وكان عند كلّ جبل من الجبال المحيطة بصنعاء، يخبرني أنّ قوات الحرس الجمهوري تحتل هذا المكان، فإذا بصنعاء كلّها محاطة بقوات الحرس الجمهوري، لحماية سلطة علي عبد الله صالح "الديمقراطية". كان المشهد مشابهاً تماماً لقوات الحرس الجمهوري المحيطة بدمشق، لحماية سلطة نظام الممانعة.

وتزامناً مع تدمير صالح للحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في اليمن، بدأت الحركة الأصولية تتنامى في اليمن، منذ عام 2004؛ فظهر الحوثيون في الشمال، والقاعدة في الشمال وبعض أطراف الجنوب. وقد خاض صالح حروباً متكررة مع الحوثي والقاعدة من جهة، ونهب البلاد والعباد من جهة أخرى.

وما إن اندلعت الثورة اليمنية، وطالب اليمنيون بالديمقراطية، والقضاء على الفساد واحتكار السلطة، حتى تعامل معها صالح بخبثه المعهود، وتجربته الطويلة مع الحزب الاشتراكي والحوثي والقاعدة والقبائل. لكنّه، حين أجبِر على ترك السلطة، احتفظ بالقوة العسكرية الأساسية للجيش اليمني، خاصة الحرس الجمهوري، وتحالف مع أعدائه؛ الذين خاض معهم ست حروبٍ، والذين كانوا يمثّلون الفئة الأكثر تخلّفاً وهمجية في اليمن، ويسعون لإعادة الإمامة، ولأن يكون الإمام منهم، وحين أراد فكّ الارتباط بهم، قتلوه، ومثّلوا بجثته.

لا شكّ في أنّ الثورة اليمنية التي انطلقت عام 1961، لم تكن إلّا ثورًة ضدّ الإمامة، التي أصبحت متناقضةً مع منطق الدولة، لكنّ السلطة التي آلت، بعد انقلابات عسكرية، إلى علي عبد الله صالح، لم تنجز أيّ تقدم اجتماعي أو اقتصادي، فظلت القبيلة هي العنصر الحاسم في حياة المجتمع اليمني. 

والحروب في مجتمعات كهذه، قد تطول إلى عقود طويلة من الزمن؛ فالحوثيون فئات قبلية طائفية رجعية، مدعومة عسكرياً ومادّياً من إيران، ولديهم أوهام بحكم اليمن، كلّ اليمن، لهذا هاجموا كلّ المحافظات الجنوبية، ولولا بأس أهل الجنوب، ودعم التحالف العربي، لكان الجنوب يعاني ما يعانيه الشمال.

لعمري، إنّ الوحدة المدعومة عربياً وعالمياً في اليمن؛ وحدة النخبة العسكرية كلها، والنخبة السياسية المدنية، والنخبة الثقافية، والنخبة الاقتصادية، خاصّة بعد مقتل صالح، هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب، التي يطمح عبرها الحوثيون امتلاك اليمن، واحتلاله، وإعادته إلى الوراء الغارق في القدم، أكثر ممّا هو عليه اليوم.

الأقسام: