اجتماع وارسو: آليات كبح سياسات الملالي العدائية في الشرق الأوسط

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
6514
عدد القراءات

2019-01-17

ثمة إستراتيجية جديدة تبنّتها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران، مع ولاية دونالد ترامب، وصعوده للحكم؛ حيث اتخذت ضدّها سياسة متشدّدة، بهدف تقويض نفوذها وكبح دورها الإقليمي؛ بدأت بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وإنهاء الروابط التجارية بين إيران وعدد من الشركات والبنوك الكبيرة، التي عقدت معها صفقات ضخمة تقدر بمليارات؛ كشركتي بوينغ وإيرباص، إضافة إلى عقوبات على أنشطتها العسكرية، سيما برنامجها للصواريخ الباليستية، وحزمة العقوبات الاقتصادية في مرحلتيها الأولى والثانية.
قمة وارسو.. الأهداف والتداعيات

وفي ظلّ تلك السياسة المغايرة لترامب عن سلفه أوباما، الذي يفرض من خلالها أطواقاً صلبة، على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي، ضدّ طهران، جاء الإعلان عن اجتماع وارسو، المزمع عقده في بولندا، خلال يومي 13و14 شباط (فبراير) المقبل، والذي يأتي على قمة أولوياته؛ الموقف من إيران، ودورها في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقة ذلك باستقرار المنطقة من الناحيتين الأمنية والسياسية.

بومبيو:  الاجتماع سيتمحور حول الاستقرار في الشرق الأوسط ومسائل السلام والحرية والأمن في هذه المنطقة

يأتي الإعلان عن اجتماع وارسو الدولي، في التوقيت نفسه الذي يقام فيه وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، بجولة في عدد من دول منطقة الشرق الأوسط، من بينها القاهرة والأردن وبغداد، لبحث التطورات الإقليمية والأمنية والسياسية الجديدة، وسبل بناء تحالفات إستراتيجية تتهيأ داخلها المنطقة، وبالتزامن أيضاً مع الترويج عن "الناتو العربي"، الذي كشف عنه في أيار (مايو) 2017، ومن المتوقع تدشينه خلال العام الجاري.

وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو

وبحسب وزير الخارجية الأمريكي؛ فإنّ اجتماع وارسو سيتمحور حول الاستقرار في الشرق الأوسط، ومسائل السلام والحرية والأمن في هذه المنطقة، وسيتناول مسألة التأكد من أنّ إيران ليس لها أيّ تأثير مزعزع للاستقرار.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب تطلق فصائل عراقية موالية لإيران الشائعات
وفي محطته الثالثة، في العاصمة المصرية القاهرة؛ أكّد بومبيو، في كلمته التي ألقاها بالجامعة الأمريكية: أنّ "إدارة الرئيس دونالد ترامب، تريد تأسيس حلف إستراتيجي شرق أوسطي، لمجابهة أكبر خطر في المنطقة، ولتعزيز التعاون في الطاقة والاقتصاد، وسيضمّ الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن".
"وارسو" ما الذي تخبرنا عنه المعلومات والتوقعات؟
وبينما يبدو اختيار وارسو التي تستضيف اجتماعاً دولياً على هذا المستوى من الأهمية غريباً؛ إذ لم ينعقد في إحدى عواصم الدول الأوروبية المهمة، لكن يرى مراقبون أنّ بولندا، مؤخراً، تتمتع بعلاقات جيدة ومتطورة مع الرئيس الأمريكي، ترامب، وهناك دوافع مشتركة تصهر روابط الصلة بينهما، خاصة، في ظلّ مخاوفها من روسيا، والبحث عن حليف إقليمي ودولي قوي.

اقرأ أيضاً: بومبيو بين إيران وقطر
لم يعلن عن كافة تفاصيل الاجتماع، وأجندته السياسية والأمنية، والموضوعات التي سوف يتطرق إليها، إضافة إلى أسماء الدول التي سوف تتمّ دعوتها، غير أنّ وزارة الخارجية الأمريكية، ونظيرتها البولندية، كشفت بعض القضايا المستهدفة، مثل: الإرهاب والتطرف، وتطوير الصواريخ، وانتشار الأسلحة، والتجارة البحرية، والأمن، وتهديدات الجماعات التي تخوض حروباً بالوكالة في الشرق الأوسط.

وفي السياق ذاته؛ جرى الكشف عن دعوة أكثر من 70 دولة للمشاركة في الاجتماع، بما في ذلك دول الخليج، وعدد من الدول العربية، وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي.
وصرّح وزير الخارجية البولندي: بأنّ "الشرق الأوسط أصبح يمثل تحدياً أمنياً، على المستوى العالمي؛ لذا فإنّه سيكون ضمن أهداف الاجتماع تطوير إطار عمل مشترك، لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط".
هل الاجتماع الدولي "عرض هزلي" حقاً؟
من جهتها، رأت إيران اجتماع وارسو "خطوة عدائية" تجاهها، بينما بدأت حملة مضادة إعلامياً، وعلى مستوى دبلوماسي؛ حيث قامت وزارة الخارجية الإيرانية باستدعاء دبلوماسي بولندي، للاحتجاج على مشاركة بلاده للولايات المتحدة في استضافة قمة عالمية تركز على الشرق الأوسط، خاصة إيران، بحسب ما أعلنت عنه وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

اقرأ أيضاً: عن الدور الإيراني في المنطقة
ووصف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الاجتماع، بأنه بمثابة عرض هزلي يائس مناوئ لإيران، بحسب تعبيره، وهدّد مسؤول ثقافي إيراني بإلغاء أسبوع الفيلم البولندي، المزمع تنظيمه خلال الشهر، إذا لم يتم التراجع عن خطط استضافة القمة.

وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف
وفي هذا السياق، يشير الباحث المصري، محمود أبو القاسم، في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، ومقرّه الرياض؛ إلى أنّ قمّة وارسو تعدّ فرصة لعدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة للتنسيق بشأن الموقف من إيران، وبحث سبل الضغط عليها، في ظلّ ما رأته قوى أوروبية من أنّ العقوبات الأمريكية لم تمنع إيران عن تمويل الجماعات والميلشيات الإرهابية، وزعزعة استقرار المنطقة.

أبو القاسم: قد يدفع الاجتماع دولاً تتعاون مع إيران لمراجعة موقفها وتعديله والتنسيق الأوسع فيما يتعلق بمعالجة الملف الإيراني

ويضيف لـ "حفريات": "يعد الاجتماع جزءاً من الإستراتيجية الأمريكية، التي تستهدف إيران على المستوى الدولي؛ حيث يهدف الاجتماع إلى تنسيق مواقف عدد من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، لدعم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يرافقه، بالأساس، طرح دور إيران في المنطقة، الذي قد يفرض مزيداً من الضغوط والتحديات على إيران، وتواجهه صعوبات وتحديات حقيقية، منذ استعادة العقوبات الأمريكية.
بيد أنّ دولاً كروسيا والصين، وغيرها من الدول الحريصة على التعاون مع إيران، سيشكّل هذا الاجتماع عليها كثيراً من الاعتبارات، التي ستأخذها في الحسبان، بحسب أبو القاسم، وهو ما قد يدفعها لمراجعة موقفها وتعديله، ويمهد لتعاون أوسع فيما يتعلق بمعالجة ملف إيران، سيما أنّ الولايات المتحدة ما تزال حريصة على أن تكون إستراتيجيتها ضمن جهود منسقة، حتى مع الدول التي لديها خلافات معها بشأن هذا الملف.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مسلسل "لاكاسا دي بابل".. هل يمكن أن تختلط قيم الحق والباطل؟

2019-08-21

إذا كان من حقّ الدول أن تطبع مليارات الأوراق، من ذوات العلامة المائية، لتصبح بعد ذلك أموالاً متداولة، لها قوة شرائية، ودون أن يكون لها مستند من الذهب يساويها، كلّ ذلك بحجّة الدفع بسيولة، لا يستفيد منها سوى أصحاب رأس المال، ورجالات الأعمال، فلِمَ لا يكون من حقّ حفنة من الفقراء طبع أوراق مالية رسمية، بعد السيطرة على مقرّ سكّ العملة، ليستمتعوا بعد ذلك بالأموال، ولا يعودوا للعمل المضني مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟
يرتكز المسلسل الإسباني "لاكاسا دي بابل"، أو "بيت من ورق"، على هذه الفكرة المناهضة للقانون، ويراهن عليها في كسب التعاطف، إلا أنّ اللافت أنّها لم تلقَ رواجاً داخل المجتمع الإسباني، كما يرى مراقبون، ولكنّها لاقت انتشاراً واسعاً في المجتمعات العربية، الذي حاز هذا المسلسل على مشاهدة مئات الملايين منهم.
تدور أحداث المسلسل حول شاب يبلغ من العمر 40 عاماً لقَّب نفسه بالبروفيسور

دراما متمردة
تمرّدت الدراما الغربية، منذ مدة طويلة، على كثير من القيم المفترض أنّها ثابتة لدى العرب، منها: قيم الخير والشرّ، كما تمرّدت على مبادئ قانونية، باعتبار أنّ إنشاء القانون وتمريره من قبل نيابة الشعب، ليس دليلاً على أنّه الحقّ المطلق، كما أنّ أحكام القضاء ليست بالضرورة عنواناً للحقيقة!
يتمرّد "لا كاسا دي بابل" حتى على قيمة العمل، فهؤلاء الأشخاص يسرقون بضربة واحدة، ما يقترب من المليارين ونصف المليار يورو، حتى لا يُجبروا على العمل من أجل الحياة؛ إذ إنّهم يطرحون سؤالاً: هل العمل يجلب السعادة؟ أو بمعنى آخر؛ هل عدم العمل مع وجود الكثير من الأموال يجلب التعاسة؟ الإجابة هي: إنّ الذين يملكون المال ولا يعملون يستمتعون بحياتهم أكثر من هؤلاء التعساء الذين يتقاضون حفنة من الدولارات شهرياً مقابل العبودية لصاحب ربّ المال.

يرتكزمسلسل "لاكاسا دي بابل" الإسباني على فكرة مناهِضة للقانون ويراهن عليها في كسب التعاطف

تدور أحداث المسلسل حول شاب يبلغ من العمر 40 عاماً، لقَّب نفسه بالبروفيسور، تبدو من ملامحه الطيبة والهدوء، وضع خطّة للسيطرة على دار سكّ العملة في مدريد، ثم بدأ في تجنيد 8 أشخاص أطلق عليهم أسماء مدن عالمية، وحذرهم من الارتباطات العاطفية، أو أن يكشف أحدهم للآخر مسمّاه الحقيقي.
كانت لهؤلاء سوابق إجرامية، وكانوا مطلوبين أمنياً، ولم يعد لديهم ما يخسرونه، ما عدا البروفيسور، الذي لم يكن يشتبه به أحد؛ بل تعمّد عدم تجديد بطاقة هويته منذ أن كان عمره 19 عاماً، ولم تكن له بصمات لدى السلطات.
سارق وعالم نفس
يهدف البروفيسور إلى السيطرة على دار سكّ العملة، أحد عشر يوماً، حتى يتمكن من طبع 2.4 مليار يورو، بعد احتجاز 67 رهينة، والتعامل مع عشرات من قوات النخبة، فضلاً عن لجنة تضمّ عدداً من أبرز العناصر في الشرطة الإسبانية وأجهزة التحقيق.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن
كان الأهم لدى البروفيسور، أن يكسب الرأي العام لصالحه، ويجعل الناس يحبّون ما يفعل، فحرص على ألا تسيل نقطة دم واحدة في صفوف قوات الشرطة، أو من جانب الرهائن، واستطاع أن ينجح في ذلك لحدٍّ بعيد.
يقول البروفيسور لعصابته: "تذكّروا، لو سُفكت نقطة دماء واحدة فلن نبقى روبن هود؛ بل سنكون مجرد أوغاد"، وهو ما استطاع البروفيسور تحقيقه، فقد قُتل شخصان من مجموعته، أحدهما على يد الشرطة، والآخر على يد الرهائن أنفسهم.

استطاعت المجموعة دخول دار السكّ المحصنة بالأسلاك الشائكة، وبذخيرة تصل إلى 3 أطنان من المتفجرات، باستخدام نظرية تقول: إنّ "الشجاعة ستتغلب على رجل يرتدي زياً ويتقاضى راتب 1600 دولار شهرياً"، أو "مَن يريد الحصول على ما يزيد على الملياري يورو، سيتغلب على من يتقاضى فوق الألف دولار شهرياً".

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
إنّ حبكة المسلسل وإقناعه في كافة التفاصيل بالمنطق والحسابات المادية والاعتبارات المعنوية يجعلنا نرفع القبعة لصنّاعه، الذين يضعوننا في مواجهة صنّاع الدراما العربية، لنسألهم: هل عجزت مخيلاتكم عن صنع مثل هذا؟ لا شكّ في أنّهم يمكنهم الردّ بأنّ هذا هو الفارق بين العقل الغربي، والعقل العربي الآن، ليس في صناعة الدراما فحسب؛ بل وفي كلّ ما عداه.
عسكر وحرامية
ليس بالضرورة أن تنجح الشرطة في النهاية في القبض على اللصوص، أو تتفوق في البحث والتحري على زعيم العصابة المجرمة، كما هو السائد في الدراما العربية؛ بل في "لاكاسا دي بابل" كان البروفيسور الأكثر مهارة، حتى استطاع في النهاية الخروج من دار سكّ العملة، ومعه المليارات، ليتنعّم بها في جزر الكاريبي.

يسعى بطل العمل للسيطرة على دار سكّ العملة 11 يوماً حتى يتمكن من طبع 2.4 مليار يورو

يحسب البروفيسور كلّ خطوة من خطواته، ويتوقّع ردود فعل الأجهزة الأمنية؛ بل واستطاع أن يوصل لهم ما يريد، بينما هو يخطط لفعل أشياء أخرى تماماً.
أوهم الشرطة بعد السيطرة على دار السكّ، بأنّهم مجرد مجموعة من الطائشين الذين يريدون أن يسرقوا 8 ملايين من اليوروهات، ويفرّوا باتجاه الخارج، فأمر بضرب أجهزة الإنذار، قبل أن يخرج 4 من عناصره للخارج، وعندما تيقن من وصول قوات النخبة، قاموا بالضرب عليهم من بعيد، ونثروا مئات الأوراق المالية، فاضطرت الشرطة للردّ عليهم، فعادوا أدراجهم، لقد كانت مناورة لا أكثر.

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
كلّ ما كان يهدف إليه البروفيسور، هو كسب الوقت؛ ففي حين كانت أجهزة التحقيق تظنّ أنّه يريد أن يسطو على قدر من المال ثم يهرب، كان هو يخطط لطبع المزيد من الأموال، وكلّ ساعة زيادة كانت تعطيه قدراً أكبر من المال، كان الوقت فعلاً من ذهب! فكلّ ساعة كانوا يطبعون فيها 8 ملايين يورو.
لقد فشلت محاولة الاقتحام الأولى؛ لأنّ المقتحمين اكتشفوا أنّهم لن يستطيعوا التفرقة بين الخاطفين والمخطوفين، لقد ارتدوا جميعاً زياً وقناعاً موحَّداً، ومَن أخبر بذلك وسائل الإعلام على الهواء مباشرة كانت ابنة السفير الإنجليزي، الذي فوجئ فريق العمل الأمني بأنّ البروفيسور يعرف هويتها.

معايير الحلال والحرام

يقول البروفيسور: "ما الذي يمكن أن يحدث لو طبعنا تلك الأموال، إنّ البنك المركزي الأوروبي طبع مليارات الدولارات دون أيّ سند لذلك، بدعوى ضخّ السيولة، وكان في الواقع من أجل رجال الأعمال، فهل لو فعلنا ذلك نحن يكون جريمة؟".
بصرف النظر عن فلسفة البروفيسور، فإنّ قناعته بالسرقة لم تكن بذاك المنطق السابق، بل الأمر إلى ما حدث له منذ أن كان طفلاً صغيراً.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
تبدأ القصة بالطفل سيرجيو، المريض في الولايات المتحدة، والذي يحتاج والده للمال كي يعالجه، ولا يتم إخراجه من المستشفى، ولهذا السبب يحاول سرقة بنك في أمريكا، وعندها يتم إطلاق النار عليه، فيموت صريعاً، وبعد ذلك يشفى سيرجيو ويبدأ التخطيط لكلّ شيء، مع رفيقه "برلين"، الذي كان معه منذ البداية.
يخطط سيرجيو لكلّ التفاصيل، اعتماداً على قصص والده عن السرقة التي كان يرويها له، والتي عرف بعد ذلك أنها كانت قصصاً حقيقية، وكان والده ينفذها، إلّا أنّ والده هذا كان مناضلاً في السابق ضدّ الاحتلال، لكنّ ما لاقاه من فقر وتعاسة اضطره لفعل ذلك.

بدأ سيرجيو بالتخطيط للسرقة، وأوّل ما نفذه هو حفر نفق من مقره الخارجي، قبل خمسة أعوام من يوم التنفيذ، كما درس سلوك الشرطة المحتمَل والمتوقَّع، والقوانين والأنظمة القضائية والثغرات، ووضع العديد من الخطط مثل: خطة حصان طروادة، وخطة فالنسيا، وخطة الكاميرون، وخطة الفشل الأخيرة، التي لم يتم استخدامها، وخطة الإعلام، وخطة إطالة أمد التفاوض.

كان الأهم لدى "البروفيسور" أن يكسب الرأي العام لصالحه ويجعل الناس يحبّون ما يفعل

رأى سيرجيو نفسه مناضلاً، حتّى أنّه استخدم أغنية (bella ciao)، وهي أغنية من الفلكلور الإيطالي، تعبّر عن النضال والحرية، وقد استخدمت في القضاء على موسوليني، ولكنّ مخرج المسلسل يستخدمها عند اجتماع البروفيسور مع برلين، قائد العملية، داخل بيت المال، وهم يجلسون على مائدة الطعام، قبل بدء العملية، ويبدأ برلين بالغناء، بعد أن يخبره البروفيسور بأنّ العملية كفاح وطني، من أجل الحصول على المال من أجل حريتهم، كما أنها حلم والده قبل أن يموت.
استخدم البروفيسور أغنية النضال الوطني، مع صديقه الذي أبى أن يموت موتة عادية؛ بل أن يموت في النفق، حتى يحمي مجموعته، تقول كلماتها: "هذا الصباح.. صحوت من النوم.. وداعاً أيتها الجميلة.. وداعاً وداعاً.. هذا الصباح صحوت من نومي فوجدت المحتل في بلدي.. أيها المناضل خذني معك.. وداعاً أيتها الجميلة.. أيّها المناضل خذني معك فأنا أشعر بالموت كلّ حين.. لماذا لا أموت إذاً وأنا أناضل؟ وداعا أيتها الجميلة.. وصيتي لكِ هي أن تدفنيني.. ادفنيني هناك عند الجبل.. تحت ظلال زهرة جميلة.. وسيمر الناس من أمامها ويقولون لكِ ما أجمل هذه الزهرة.. قولي لهم إنّها زهرة المناضل الشهيد.. مات من أجل الحرية".

للمشاركة:

التوقّف والتبيّن: جماعة لا همّ لها سوى تكفير الناس

2019-08-21

تستفيض أدبيات الإخوان في شرح حالات التعذيب التي تعرّض لها من انتموا للجماعة في المعتقلات، عام 1965، وتصوّر كيف كان السجن جحيماً على الأرض في تلك الفترة، غير أنّ المسألة الأهم التي ربما لم ينتبه لها كثيرون، ليست حالات التعذيب بعينها، ولكن ما نتج عنها من أفكار سيطرت على عقول البعض داخل السجن، ثم تمدّدت حتى تأسّست عليها أقوى فرق التكفير في العصر الحديث، بداية بجماعة التكفير والهجرة، ثمّ السماويين، ثم جماعة "الناجين من النار"، ثم "الشوقيين"، نهاية بما نراه في تنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
وكان من أبرز تلك الأفكار؛ مبدأ التوقف والتبيّن، والذي قسّم المجتمع إلى ثلاث فئات، هي: مسلم دون شبهة، وكافر دون شبهة، وثالث يتوقفون عن الحكم بكفره من عدمه حتى يتبين لهم هل هو مسلم أم لا!
شكري مصطفى

جماعة المسلمين
الصدفة وحدها هي التي ساقت عضو جماعة الإخوان السابق، شكري مصطفى، إلى جدران المعتقل، حيث يوضح الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي، ماهر فرغلي، في تقرير منشور؛ أنّ مصطفى أحبّ فتاة ورغب بالزواج منها، وتقرّب إلى أخيها في البداية، بيد أنّ ذلك الأخ كان عضواً في جماعة الإخوان، فلما اعتقل قبضت الأجهزة الأمنية على أصدقائه المقربين؛ بتهمة محاولة إحياء تنظيم الإخوان من جديد، عام 1965، وكان من بينهم شكري مصطفى.

كان التعذيب فوق طاقته البشرية فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرّف والغلوّ التي استهوته داخل السجن

كان التعذيب فوق طاقته البشرية، فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرف والغلوّ التي استهوته داخل السجن، عن ذلك كتب محمد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، عن نشأة فكر "التوقف والتبين" قائلاً: "نشأت أفكار أهل التوقف داخل أسوار معتقلات ليمان طره في مصر، وكان الشيخ الأزهري علي عبده إسماعيل أول من نادى بهذه الأفكار، وشاء الله أن يتراجع الشيخ، ويتبرأ من هذه  البدعة، ومع ذلك فقد استمرت الفتنة عندما سارع الشاب شكري مصطفى إلى اتهام شيخه بالكفر، وتولى قيادة هذه الجماعة".
 كتاب "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"

التصوّر الإسلامي للجماعة
في كتابه "الفرق الإسلامية بين الفكر والتطرف"؛ كتب اللواء حسين صادق: "تبلورت لدى شكري مصطفى مجموعة من الأفكار الدينية تمثّل إضافات جديدة للفكر القطبي، كان أبرزها:
• التصوّر الإسلامي للجماعة؛ ويقوم على أنّ الإسلام قد عاد غريباً، وأنّ المجتمعات القائمة سوف تنهار، وسيبدأ الإسلام من جديد على يد الصفوة المؤمنة بحدّ السيف، انطلاقاً من جبال اليمن، واستناداً إلى بعض الأحاديث الدينية المكذوبة "أحاديث آخر الزمان".
• فكرة الهجرة؛ وهي نتيجة لضرورة الانفصال عن المجتمع القائم والانعزال عنه، وبدء التحرك الإيجابي لتحقيق نواة المجتمع الإسلامي المنشود، وذلك باللجوء للجبال والمغارات.
• مبدأ التوقف والتبين؛ الذي يقوم على رفض الاكتفاء بتوافر أركان الإسلام الخمسة ليكون المرْء مسلماً، والمطالبة بحتمية تجنّب المعاصي وإلا يعدّ الفرد كافراً.

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب
كان لشكري مصطفى في المعتقل صديق آخر، يعدّ المنظّر الأهم لفكر التوقف والتبين، وهو عبد المجيد الشاذلي، يقول عنه موقع "أنا السلفي" في ترجمته: إنّه أحد خواص سيد قطب، وينسب نشر فكر التوقف والتبين إلى عبد المجيد الشاذلي بشكل خاص؛ "يمكن اعتبار كلّ من الشاذلي ومحمد قطب منظرَين أساسيين لهذا الفكر، إلا أنّ عبد المجيد كان مقلّاً في كتاباته، ولم تُنسب له سوى عدة كتب، أبرزها كتاب "حدّ الإسلام وحقيقة الإيمان "، أما محمد قطب فله مؤلفات عديدة وضع فيها خلاصة أفكاره، كما ضمّن فيها أفكار عبد المجيد الشاذلي، ولكن بعبارات أدبية أقلّ عمقاً وأسهل تناولاً من الطرح الأصولي الذي قدمه عبد المجيد الشاذلي".

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
يضيف موقع "أنا السلفي": "عبد المجيد الشاذلي كان زميلاً لشكري مصطفى في الأسرة الإخوانية الخاصة، حين كان كلّ منهما عضواً في جماعة الإخوان، وقد تأثّر كلّ منهما بسيد قطب باعتباره أستاذهما الأول، وسيد كانت لديه فكرتان أساسيتان؛ الأولى تخصّ الحكّام، وهي ما عبّر عنها باسم "الحاكمية"، والثانية تخصّ المجتمع، وهي ما عبر عنها باسم "جاهلية المجتمع"، وقد ظلّ المسار الفكري لهاتين القضيتين واضحاً في أذهان تلامذة سيد قطب، إلّا أنّ الأفهام قد تنوّعت في عمق المضمون لكلّ قضية من هذه القضايا، ولأنّ كلام سيد كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية،  فانطلق كلّ واحد من هؤلاء باحثاً عن أدلة شرعية يستشهد بها للقضايا التي تشربها واعتنقها، كي يدعم بها كلامه، لا أن يختبر بها فهمه، هل وافق الشرع أم لا".
 عبد المجيد الشاذلي

أهم صفاتهم وأشهر أقوالهم
محمّد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، رصد أهم صفات فكر التوقف والتبين، الذي روّج له تلامذة قطب؛ شكري مصطفى والشيخ الشاذلي، ومحمد قطب؛ "يرى أهل التوقف أنّ الناس ساكتون على الحكم بغير ما أنزل الله، ولهذا فهم شركاء للحكّام في كفرهم، .... والأصل عندهم أنّ المجتمع بعمومه رايته راية كفر ما دام يحكم بغير ما أنزل الله".

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
من صفاتهم أيضاً، كتب زين العابدين: "السرية؛ يسرف غلاة أهل التوقف في هذا الجانب، إذا كنت لا تعرفهم يتعذّر عليك تمييزهم عن غيرهم من عامة الناس، فهم لا يرتادون المساجد، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ويحلقون لحاهم، ويحرصون ألّا يعلم الناس عنهم أنهم دعاة إلى الله، أما جلساتهم التنظيمية فمحدودة العدد، وتتألف المجموعة من ثلاثة أفراد أو اثنين، والعضو يمر بمراحل شاقة حتى يحظى بهذا اللقاء، وقد يستمر نشاطهم ومتابعتهم له أكثر من عامَين، ويتعرض خلال هذه المدة لاختبارات كثيرة".
يشير زين العابدين، في كتابه، إلى أنّه "من صفاتهم أيضاً الجهل والغرور؛ "دخل أصحاب هذه البدعة السجن ومعظمهم في سنّ العشرينيات، وكان قليلون منهم في سنّ الثلاثينيات، ولم يكن بينهم علماء أو طلاب علم شرعيّ، على الأقل، وكان أكثرهم يدرسون في كليات تقنية لا تدرس فيها العلوم الشرعية".
كلام سيد قطب كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية

جماعة التوقّف والتبين
لم يقتصر مبدأ التوقف والتبين على أنه مجرد نظرية مجردة؛ فقد بدأ أتباع ذلك الفقه في العمل المسلح من أجل الوصول إلى حلم الدولة المسلمة، فأسّس شكري مصطفى "جماعة المسلمين"، المشهورة إعلامياً باسم جماعة "التكفير والهجرة"، وبعده بعدة أعوام؛ كان هناك طبيب شاب قد انشقّ حديثاً عن فكر الجهاد، وبدأ في البحث عن غايته في أفكار أخرى، حتى استهوته نظرية التوقف والتبين، فقرّر تأسيس تنظيم بالاسم نفسه، عن ذلك كتب عبد المنعم منيب، في كتابه "دليل الحركات الإسلامية": "في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين؛ تخلّى الطبيب الشاب، مجدي الصفتي، عن انتمائه إلى فكر تنظيم الجهاد، وتبنى فكر التوقف والتبين، وسرعان ما كوّن جماعة خاصة به مزج فيها بين فكر الجهاد في العمل المسلح، وعقيدة جماعات التوقف والتبين المنتشرة، وقرّر أنّ الطريق الأقصر إلى نشر فكر التوقف والتبين بين الحركات الإسلامية هو إثبات أنّ معتنقي هذا الفكر هم أهل جهاد وعمل، وليسوا أهل كلام فقط، كما كان يرميهم خصومهم، خاصة من تنظيم الجهاد المصري، الذي كان يصف جماعات التوقف بأنّها "لا همّ لها سوى تكفير الناس، دون القيام بأيّ عمل إسلامي فعليّ".

للمشاركة:

هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟

2019-08-21

ردّاً على قرار الاحتلال الإسرائيلي، أواخر تموز (يوليو) الماضي، ترخيص بناء 6 آلاف وحدة استيطانية، مقابل إعطاء الضوء الأخضر لبناء 700 وحدة سكنية للفلسطينيين في المنطقة (ج)، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد إشتية، في 4 آب (أغسطس) الجاري؛ أنّ "السلطة الفلسطينية قررت اعتبار كافة مناطق الضفة الغربية والقدس هي مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية، وإلغاء كافة التقسيمات التي وردت في اتفاق أوسلو، الذي تمّ تصنيف مناطق الضفة والقدس فيه على أساس مناطق (أ)، و(ب)، و(ج).

محلل سياسي لـ"حفريات": تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني بمنح تراخيص بناء للفلسطينيين في المنطقة (ج) "فقاعات إعلامية"

وقال إشتية، خلال استقباله لجنة الدفاع عن بلدة وادي الحمص برام الله، إنّ إسرائيل أصبحت تتعامل مع كافة المناطق والتصنيفات على أنها مناطق (ج)، وبناءً عليه؛ "فإننا سنتعامل مع كافة المناطق على أنّها مناطق (أ)"، مستدركاً بأنّ "البناء في الأراضي المصنفة (ج) حقّ للفلسطينيين غير قابل للمقايضة مع الاستيطان، أو المساواة فيما بينهما"، إلا أنّ محللين رأوا أنّ الخطوة الفلسطينية ليست سوى فقاعات وشعارات إعلامية لن يتم تحقيقها على أرض الواقع، في ظلّ عدم رغبة القيادة الفلسطينية بالدخول في مجازفة قد تؤدي إلى انهيارها سياسياً.
وبحسب اتفاقية "أوسلو" للسلام المرحلي بين منظمة التحرير و"إسرائيل"، الموقَّعة عام 1993، تم تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: المنطقة (أ) وتخضع أمنياً وإدارياً للسيطرة الفلسطينية، والمنطقة (ب) تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية وإدارية فلسطينية، فيما المنطقة (ج)، وتشكل نحو 60% من الضفة الغربية، فتخضع لسيطرة "إسرائيل" أمنياً وإدارياً.

إسرائيل أصبحت تتعامل مع كافة المناطق والتصنيفات على أنها مناطق (ج)
وتعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 8 آب (أغسطس) الجاري، بفرض السيادة الإسرائيلية على جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وذلك على خلفية قتل جندي إسرائيلي قبل عدة أيام في مدينة بيت لحم، مؤكّداً، في كلمة ألقاها أثناء حضوره مراسم وضع حجر الأساس لبناء 650 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة بيت إيل قرب رام الله؛ أنّ هدفه هو "ترسيخ وجود الشعب اليهودي".

اقرأ أيضاً: أمريكا تكشف عن توجهات تتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية.. هل تعرفها؟
وبحسب القرار الإسرائيلي رقم 1797 بشأن إخلاء المنطقة (ج) من السكان الفلسطينيين، الذي ينص على إصدار أمر هدم لكلّ بناء لم يستكمَل، أو لم تمر ستة أشهر على استكماله، أو مبنى عاش فيه سكانه أقل من 30 يوماً، ويمكّن الأمر المفتش من تطبيق الهدم خلال أربعة أيام إلا إذا أظهر الباني رخصة بناء، أو في الحالات التي يكون فيها المبنى موجوداً في حدود "مخطط تخطيطي" مفصل، أو في منطقة تم وضع اليد عليها لأغراض عسكرية.
فقاعات إعلامية
الكاتب والمحلل السياسي، يوسف حجازي، وصف في تصريح لـ "حفريات"  تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني بمنح تراخيص بناء للفلسطينيين في المنطقة (ج)، واعتبار جميع مناطق الضفة الغربية خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، بأنها "فقاعات إعلامية لن يتم تطبيقها على أرض الواقع، وذلك بهدف تهدئة الرأي العام الفلسطيني على الممارسات الإسرائيلية التعسفية وعمليات الهدم المستمرة التي تنتهجها بحق منازل المواطنين، والتي كان آخرها في حي وادي الحمص بالقدس المحتلة".

اقرأ أيضاً: 1200 مستوطن إسرائيلي يقتحمون الأقصى..
واعتبر حجازي أنّ "إسرائيل تستغل الأوضاع المالية الصعبة التي تمر بها السلطة الفلسطينية لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة (ج)، بهدف ضمّها إلى إسرائيل، واعتبارها كياناً للمستوطنين بداخل الضفة المحتلة، وإبعاد الجانب الفلسطيني عن أيّ حلّ سياسي مستقبلي للسيطرة على هذه المناطق وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، وبالتالي فإنّ ممارسات الاحتلال الحالية تقوض فرص حلّ الدولتين، والتي كان آخرها إعلان إسرائيل بناء 2300 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية".

اقرأ أيضاً: وحدة الإرباك الليلي في غزة: مقاومة الاحتلال بالإزعاج وحرمان المستوطنين من النوم
ولفت إلى أنّ في الضفة الغربية أكثر من 245 مستوطنة وبؤرة استيطانية، يعيش فيها ما يزيد عن 416 ألف مستوطن صهيوني، "وبالتالي؛ فإنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية المتطرفة غير مستعدة على الإطلاق لإخلاء أي مستوطن صهيوني منها، وفي حال تمت أية تسوية سياسية مستقبلية مع الجانب الفلسطيني ستبقى هذه المستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى الاستيلاء على المناطق الواقعة غرب نهر الأردن، وإبقاء القدس عاصمة الاحتلال الموحدة وغير قابلة للتقسيم".
ممارسات الاحتلال الحالية تقوض فرص حلّ الدولتين

تمرير صفقة القرن
وسبق للحكومة الإسرائيلية أن قررت، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، نقل 10 آلاف دونم تقع في المنطقة (ج) إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، لدعمها وتقويتها وبسط نفوذها على مساحات واسعة من الضفة الغربية، إلا أنّ هذا القرار، كما يرى حجازي، "بقي حبراً على ورق بعد أن شهد معارضة كبيرة من قبل الكنيست الإسرائيلي، الذي هدّد عدد من أعضائه بالانسحاب منه إذا ما جرى تنفيذ ذلك القرار".

الأمم المتحدة حذرت إسرائيل من مغبة الإقدام على ضمّ أراضي الضفة الغربية، ودعتها إلى الوقف "الفوري" و"الكامل" للاستيطان

ويؤكد حجازي؛ أنّ "الصراع يحتدم داخل إسرائيل حول مصير المنطقة (ج)، التي يعيش فيها أكثر من 250 ألف فلسطيني، ويمنع الاحتلال تزويدهم بالبنى التحتية اللازمة، كالكهرباء والمياه، أو السماح لسكانها بالبناء، ويتنافس الناخبون في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على مصيرها، في ظلّ رغبة الأحزاب اليمينية واليمنية المتطرفة، التي تنافس على زعامة الحكومة الإسرائيلية في ضمّ المنطقة (ج) لإسرائيل، لكسب ثقة الجمهور الإسرائيلي والمنافسة بشدة للفوز في هذه الانتخابات، وهو الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه نتنياهو للفوز في الانتخابات القادمة، ومع الدعم الأمريكي الذي يعطي الاحتلال حقّ ضمّ هذه المناطق باعتبار أنّ ذلك لا يتعارض مع تمرير صفقة القرن، التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية قبل عدة أشهر".
خطوة إيجابية، ولكن
من جهته، يقول المحلل السياسي والمختص بالشأن الصهيوني، تيسير الريماوي: إنّ "القرار الفلسطيني خطوة إيجابية، ولكن يصعب تحقيقه عملياً حتى بعد إعلان السلطة وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي بقيت شعارات إعلامية لم نرَ نتائجها، أو خطواتها على أرض الواقع، في ظلّ عدم امتلاك السلطة الفلسطينية أيّة خطط أو إستراتيجيات لمواجهة تبعات هذا القرار من قبل إسرائيل والإدارة الأمريكية".

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن" نتاج مصيدة الاتفاقات مع اسرائيل
ويكمل الريماوي حديثه لـ "حفريات": "السياسة العنصرية الإسرائيلية تجاه تهويد الضفة الغربية مستمرة، وتتضح جلياً مع قرب أيّة انتخابات صهيونية مقبلة؛ حيث سبقت الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت في نيسان (أبريل) الماضي، هجمة استيطانية شرسة لتحقيق الأحزاب الصهيونية المتطرفة مكاسب سياسية على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وقبيل إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في أيلول (سبتمبر) المقبل، نجد أنّ الحكومة الإسرائيلية أعلنت مصادرتها المزيد من الأراضي لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية المحتلة".
هجمة استيطانية شرسة لتحقيق الأحزاب الصهيونية المتطرفة مكاسب سياسية

تحقيق المشروع الاستيطاني الإسرائيلي
ولفت إلى أنّ "اتفاقية أوسلو التي تمّ توقيعها بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، عام 1993، ما تزال سارية، وتنظم العلاقة بين الجانبين، وهي شرط لوجود السلطة الفلسطينية وإلغاؤها يعني حلّها وانهيارها، وبالتالي يتوجب على القيادة الفلسطينية، في ظلّ عدم وجود بدائل لديها للانفكاك عن الاحتلال، الإبقاء على الاتفاقيات مع إسرائيل مع إلزام المجتمع الدولي للأخيرة باحترام الاتفاقيات الموقَّعة بين الطرفين، للوصول إلى حلّ سياسي ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967".

اقرأ أيضاً: صفقة القرن ووهم الزخم .. وخداع عناوين الصراع
وأوضح الريماوي أنّ "الانحياز الأمريكي الداعم للاحتلال بعد نقل واشنطن سفارتها للقدس، ووقف دعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية ووكالة "الأونروا"، وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر ما تسمّى "صفقة القرن"، كلّ ذلك مهّد الطريق أمام الاحتلال الإسرائيلي للتغول والاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي المواطنين في الضفة الغربية، وتحديداً في المنطقة (ج)، وتقليل عدد السكان الفلسطينيين فيها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، واستكمال مشروعها الاستيطاني الأوسع؛ بضمّ هذه المناطق إلى حدود دولة إسرائيل المستقبلية".

اقرأ أيضاً: الرفض الفلسطيني لصفقة القرن هل يدفع واشنطن للبحث عن قيادة بديلة؟
وحذّرت الأمم المتحدة، في آب (أغسطس) 2019، إسرائيل من مغبة الإقدام على ضمّ أراضي الضفة الغربية، ودعتها إلى الوقف "الفوري" و"الكامل" للاستيطان في الأراضي المحتلة، حسبما أفاد المركز الإعلامي للأمم المتحدة، ودعا المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، في بيان، إلى ضرورة وقف توسيع المستوطنات، بشكل كامل وعلى الفور، في المنطقة (ج) بالضفة الغربية المحتلة، محذراً من أنّ المضي قُدماً في الضمّ الفعلي للضفة الغربية، يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، كجزء من حلّ الدولتين المتفاوَض عليه.

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية