الجهاديون الأوروبيون.. كيف انتهى بهم الحال في سوريا؟

الجهاديون الأوروبيون.. كيف انتهى بهم الحال في سوريا؟
8386
عدد القراءات

2019-01-20

ترجمة: علي نوار


يقبع 900 مقاتل سابق في صفوف تنظيم "داعش"، يحملون 46 جنسية مختلفة، انتظاراً لصدور قرار بشأن مصيرهم.
يقتاد الحرّاس أحد السجناء الجهاديين إلى مبنى خارجي في مدينة رميلان، كي يجرى التحقيق معه، لكن دون الإفصاح عن ظروف اعتقاله، يتلقّى أمراً "اجلس هنا"، ما يزال رأسه مغطّى بقطعة قماش سوداء اللون، ولدى نزعها، يظهر وجه أبو زينب لتبدو عليه أمارات الإرهاق، الناتجة عن كونه قد أمضى عاماً أسير حرب، يتناقض شعره ولحيته المقصوصة مع النظارة التي كان يتمتع بها حين كان يظهر في مقاطع الفيديو الدعائية، التي دأب تنظيم داعش على بثّها، يرتدي قميصاً وبنطالاً لا يتجاوز كاحليه، وفق الأفكار الأكثر تشدداً من الأيدولوجية السلفية، يقول زائغ البصر "لطالما آمنا بأنّها قضية عادلة"، قبل أن يتابع حديثه "وأنّ واجبنا كان المجيء إلى هنا بهدف قتل بشّار الأسد لأنه يقتل المسلمين".

الجهادي البلجيكي، أبو زينب

سمع المحقّقون الحجّة نفسها من جهاديين أوروبيين مسلمين آخرين، أشاروا إلى المذابح التي يرتكبها النظام السوري بحق شعبه، كدافع وراء رحلتهم المهولة نحو الخلافة المزعومة التي أعلن تنظيم داعش قيامها.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: صعود اليمين المتشدّد في أوروبا انتصار للجهاديين

يحتجز هذا المجاهد البلجيكي، البالغ من العمر 26 عاماً، في أحد مراكز الاعتقال، شمال شرق سوريا، الشطر الذي يقطنه الأكراد في البلاد، بينما ينتظر آملاً حدوث تحوّل دبلوماسي أو قضائي ربما يؤدّي لعودته إلى بلاده، ويوضح "أكثر ما أثّر عليّ كان زمرة الأصدقاء من الجامعة، كنّا 12 شاباً، وانتهى بنا الحال هنا في سوريا، عندما أتينا إلى هنا كنّا يافعين، تقدّم بنا العمر ونحن نقاتل، بعد مرور أعوام ما يزال ثلاثة منّا فقط على قيد الحياة".

يوزّع تنظيم داعش مقاتليه الأجانب طبقاً للغة التي يتحدّثون بها

يعدّ أبو زينب البلجيكي (اسمه في تنظيم داعش) أحد أفراد خليّة فيلفورد، وهي مدينة تقع في الجزء الناطق بالهولندية في شمال بلجيكا، التي تشتهر بتسمية مدينة الجهاديين باعتبارها إحدى أهم البؤر بالنسبة إلى الجهاديين، من أجل استقطاب مقاتلين جدد؛ فعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، انطلق 30 شاباً من هذه المدينة إلى سوريا، بغرض الانخراط في صفوف تنظيم داعش؛ مثل أبو زينب، الذي سقط في فخّ التطرّف على يد أصدقائه، الذين يقطنون بالقرب منه، إضافة إلى ساعات طوال من التلقين عبر الشبكة العنكبوتية.
قضى البلجيكي ثلاثة أعوام كاملة داخل التنظيم الإرهابي، وقاتل في صفوف مجموعة من متحدثي الفرنسية (يقسم داعش مقاتليه وفق اللغة التي يتحدّثون بها)، ويكشف أبو زينب: "شاركت في عمليات قتالية ضدّ تنظيم القاعدة (ممثّلاً في جبهة النصرة)، وقوات النظام السوري في دير الزور"، مؤكداً -في الوقت ذاته- أنّه لم يتورّط في أيّة واقعة إعدام.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
ويتذكّر كيف أنّه بعد مرحلة تلقّي التدريب العسكري والتلقين الإسلامي، تزوّج من مهاجرة بلجيكية أخرى، كان قد تعرّف إليها عبر الإنترنت، وأقام الاثنان لبضعة أشهر في الكرنك، وهو أحد الفنادق المهجورة بمدينة الرقة، قبل أن يمنحهما التنظيم منزلاً بمنطقة الطبقة، ويسترجع: "كانت الحياة شاقّة، يعتقد الجميع في التنظيم أنّنا –الأوروبيين- جئنا كي ننفّذ هجمات انتحارية، كنت أتساءل أحياناً: "لم ما أزال على قيد الحياة؟ لماذا لم ألق حتفي حتى الآن؟ ألم تأت إلى هنا من أجل الذهاب إلى الفردوس؟".

امرأة مع أطفالها، في معسكر اعتقال أقارب الجهاديين في روج ، شمال سوريا

واليوم، بعد أن باتت الحملة العسكرية ضد الجهاديين في سوريا، الذين بسطوا سيطرتهم على ما يقرب من 39% من أراضي البلد العربي، على وشك الانتهاء، يوجد حوالي 900 سجين من التنظيم الإرهابي يحملون 46 جنسية مختلفة، يقبعون بالسجون الواقعة في شمال سوريا، بينما يتم التحفّظ على 500 من زوجات المقاتلين، وألف و250 من أطفالهم، في معسكرات اعتقال، انتظاراً لاتخاذ قرار حيالهم، لكنّ الإدارة الكردية في هذه المنطقة لا تحظى باعتراف دولي؛ وفي الوقت ذاته؛ لا ترغب الدول الغربية في عودة مواطنيها الموالين لداعش إلى أراضيها.

اقرأ أيضاً: الشيشان.. منجم الجهاديين الذي يعجز بوتين عن إغلاقه

وتوفّيت داخل أحد هذه المعسكرات واحدة من بنات أبو زينب؛ بسبب ظروف الحياة القاسية؛ حيث يتم تقسيم ذوي مقاتلي داعش على ثلاثة مخيمات، هي: الهول، وعين عيسى، وروج، التي تديرها السلطات المحلية، وبمساعدة منظّمات غير حكومية، لكنّ أكثرها من حيث عدد النزلاء هو روج؛ حيث تعيش نساء يرتدين ألبسة إسلامية، كيفما استطعن، في خيام من الخيش، وفدن من الرقة عقب الحملة ضدّ عاصمة التنظيم الجهادي التي شنت في 2017، وهنّ نساء يحملن جنسيات مختلفة، يرافقهن أطفالهن، الذين ولدوا في كنف الخلافة.

اقرأ أيضاً: 7 أعوام على الربيع العربي..الكابوس الليبي: تهريب للبشر وتهديد جهادي

أما هؤلاء الأطفال، فلم يحصلوا حتى على التطعيمات، وليس لديهم أيّة أوراق هوية، تزور عدة جهات باستمرار مخيم روج، من أجل أخذ عينات من الحامض النووي الوراثي (دي إن إيه) التي تثبت أنّهم مواطنون أوروبيون، ويقول أحد الضباط: "لدينا نساء برفقتهن ثلاثة وأربعة أطفال كمتوسط، كل طفل أنجب من أب مختلف، في حالة أنّ المقاتل الجهادي لقي مصرعه خلال مواجهات، تتزوج المرأة مرة أخرى، ومن جنسيات مختلفة، يمكنك تخيّل حجم الخلاف الدبلوماسي ها هنا".

اقرأ أيضاً: كتالونيا: أزمة هوية تأخذ شكلاً جهاديًا
واحدة من هؤلاء النساء؛ هي كاساندرا بودارت، ابنة الـ 23 عاماً، التي تحوّلت للإسلام في بلجيكا، وتزوجت من قيادي فرنسي بارز في صفوف التنظيم، أثناء تواجدها بأحد مكاتب المخيم، تخرج عن صمتها، لتسرد قصّتها: "اعتنقت الإسلام حين كان عمري 17 عاماً، وبعدها بعام واحد توجّهت إلى سوريا"، تعرّفت إلى زوجها عبر شبكات التواصل الاجتماعي أيضاً، وكان هو من عرض عليها فكرة السفر معاً إلى "دولة الخلافة"، وتكشف بودارت "جميع السيارات المفخخة التي استخدمها تنظيم داعش في مقاطع الفيديو الدعائية الخاصة به، كانت من صناعة زوجي؛ صنع سيارات مفخخة في كلّ من سوريا والعراق"، قبل أن تضيف أنّ "المقاتلين من الدول الناطقة بالفرنسية يحظون عادة بمعارف تقنية يستخدمونها في وضع إستراتيجيات الحرب".

كاساندرا بودارت، في المعسكر المنعزل لأقارب الجهاديين في روج، شمال سوريا

رغم كل ما تقصّه، تتكلّم كاساندرا بهدوء يثير الدهشة، كما لو كانت غير عالمة بأنّها كانت جزءاً من أخطر ظاهرة للإرهاب الدولي، تكشف أنّها التقت بعناصر من جهاز الاستخبارات التابع لدولتها، وأنّ لديها يقين في إعادتها إليها، وتوضح "طلبت إلى والدتي أن تتواصل مع أجهزة الأمن البلجيكية، كي تبلغهم بأمر وجودي في سوريا، ورغبتي في الخروج، طلب العفو من بلجيكا، وأنّني ارتكبت خطأً إلّا أنّ قدومي إلى هنا كان من أجل زوجي فحسب".

اقرأ أيضاً: جيل كيبل يحلّل الأسباب الجذرية للإرهاب المتطرف في أوروبا

وتعتاد زوجات الجهاديين اللجوء إلى هذه الذريعة كي يدافعن عن أنفسهن، ويبرّرن موقفهن مدّعيات "انضممت إلى تنظيم الدولة الإسلامية بسبب الحبّ"، يتمسّكن بالتزامهن الديني حتى مع مرارة الشعور بأنّهن تعرّضن للخيانة من قبل التنظيم، خلال الأعوام الأخيرة ومع بداية انهيار التنظيم؛ أصدر قادته تعليمات بتجريم ومعاقبة الفرار من الخلافة، ولّد هذا شعوراً لدى أتباعه بأنّهم ليسوا كذلك؛ بل رهائن، تعدّ الفتيات الشابات اللواتي هاجرن من أجل الزواج من مقاتلي التنظيم هم الأفضل حظاً؛ حيث أنّهن الأقلّ تعرضاً للأخطار والعواقب الناتجة عن حقيقة كونهن كنّ عضوات في التنظيم الإرهابي.

زوجات الجهاديين يردّدن دائماً الحجة نفسها: الحبّ وراء انضمامنا لتنظيم داعش

"كانت الحياة رائعة بالنسبة إليّ"! هكذا تقر مروة، التي رفضت الإفصاح عن لقبها، لكنّها كشفت عن جنسيتها الألمانية، وأعوامها الـ 21، وقصة سفرها إلى سوريا، بعد حصولها على شهادة المرحلة الثانوية، وتستطرد "كنت سعيدة للغاية مع زوجي وابنيّ الاثنين، أعيش داخل منزلي، كنت أخرج منه لمرة وحيدة فحسب شهرياً، لكنني كنت أخرج للتبضّع من أجلي ومن أجل أبنائي، كنت أبتاع أدوات التزيين، كان الوضع بالنسبة إليّ لا يصدّق"، وذلك حسبما ورد في التحقيقات التي أجريت معها بنهاية 2018، في إطار استجواب الجهاديين الأوروبيين العائدين إلى بلدانهم.

اقرأ أيضاً: سوريانو: الإرهابيون أسرع من الدول في مجال الابتكارات!

وإزاء التحدّيات الدبلوماسية والعسكرية والأمنية الهائلة، بدأت الإدارة الأمريكية التي تقود التحالف الدولي الذي يقاتل ضدّ تنظيم داعش في شمال شرق سوريا، مفاوضات عدة بهدف إعادة توطين ثلاثة آلاف مواطن أجنبي، ويصرّ المتحدث باسم العمليات، العقيد شون رايان؛ "نحن مستمرون في محاولة أن تستردّ كلّ دولة معتقليها، لكنّ بعض الدول ليست لديها لذلك في المقام الأول، وإذا حدث وتوافرت الإرادة فإنّها ترغب في فعل ذلك بأكبر قدر ممكن من السرية، وهو أمر أنا شخصياً لا أتفق معه"، وتشكو الولايات المتحدة من عدم وجود إرادة لدى الدول الأوروبية واضطرارها للتكفّل بنفقات جميع السجناء الجهاديين بالكامل تقريباً، ويعلّق رايان على ذلك قائلاً: "أعدنا تأهيل بعض السجناء مؤخراً، وتمّت هذه العملية بأموال الولايات المتحدة، ما يقرب من 1.6 مليون دولار (1.4 مليون يورو)، إذا كنت غير مستعدّ لتسلّم، دعنا نقل 15 فرنسياً، فنحن في حاجة إذًا إلى 20 ألف دولار سنوياً، كي نتحفّظ على أحد مواطنيكم".

 يفضّل الجهاديون الأوروبيون العودة إلى بلدانهم

ترحيل

وبرغم الرواية الأمريكية، إلّا أنّ دولاً أوروبية فتحت قنوات خاصة للتفاوض مع السلطات التي تدير مخيمات الاعتقال "مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا"، حسبما أكّد ضابط كردي؛ فقد أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية، عام 2017، أنّها ستدرس "كلّاً على حدة" من حالات القصر بهدف "حماية المصلحة العليا للطفولة"، كما أصدر قاضٍ بلجيكي مؤخراً قراراً لصالح المقبوض عليهم وأمر بإعادة ستة أطفال.

اقرأ أيضاً: كتاب جديد يكشف ملامح شخصية الإرهابيين

إلّا أنّ الأحكام القضائية فشلت في حالات أخرى؛ نظراً إلى انقطاع العلاقات، أو عدم وجود صلاحيات داخل هذه المنطقة من سوريا، فحتى الآن حدثت عمليات ترحيل بشكل منتظم لسجناء، يحملون جنسيات روسيا والولايات المتحدة وإندونيسيا والسودان، وبالطبع يفضّل الجهاديون الأوروبيون العودة إلى بلدانهم؛ لأنّهم يعتقدون أنّ قضاء العقوبة في سجن غربي أفضل من البقاء تحت تصرّف سلطة غير رسمية قد تسلّمهم إلى الحكومة السورية أو العراقية، اللتين تنفذّان عقوبة الإعدام.

اقرأ أيضاً: لماذا يستهدف الإرهاب أمريكا اللاتينية؟

وفي خضمّ أجواء الخلاف على مصير الإرهابيين الأوروبيين؛ أعلنت الولايات المتحدة انسحابها العسكري من سوريا، ما يعني عملياً غياب القوة الرئيسة في التحالف الدولي الذي يقاتل ضدّ داعش.

وفي مرحلة ما بعد النزاع؛ يطرح رحيل ألفي عسكري أمريكي تساؤلات عديدة، من بينها ماهية المصير النهائي للجهاديين الأجانب، ويشدّد المسؤول الكردي عن العلاقات الخارجية، عمر عبد الكريم، قائلاً: "نحن سلطة مستقرة عسكرياً وسياسياً؛ أي فوضى أو فراغ في المنطقة قد تفضي إلى هروب هؤلاء السجناء"؛ لذا يبدو من المنطقي أن يطالب الأكراد بمزيد من الدعم الدولي، أو أن يبرموا اتفاقاً مع دمشق، لكنّ أيّ بديل سيمثّل مشكلة تضع الأمن الدولي على المحكّ، وترسم مستقبلاً غير واضح المعالم بالنسبة إلى الجهاديين، الذين يحملون جوازات سفر لدول أوروبية.


المصدر: تحقيق للصحفية بيلار ثيبريان، نشر بجريدة "الباييس" الإسبانية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

2020-01-15

ترجمة: علي نوار


منذ مقتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي السابق، أسامة بن لادن، لم تثر عملية اغتيال هذا القدر من الجدل مثل ذلك الذي أحدثته تصفية قاسم سليماني القائد السابق لـ"فيلق القدس" التابع لقوات "الحرس الثوري الإيراني".

وتوصف هذه العملية بالهجوم الأهم الذي تنفّذه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عقود، وكان قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقصف السيارة التي كان يستقلّها القيادي العسكري الإيراني المثير للجدل مفاجئاً للجميع بلا استثناء.

مراسل صحفي: إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بأمريكا، لهذا فالقيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق

لا تزال تبعات هذا الهجوم غير واضحة المعالم بعد، إلّا أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تؤدّي إلى نشوب نزاع عسكري في المنطقة.

لم يكن سليماني شخصية مؤثّرة ذات أفكار مثلما كان أسامة بن لادن، الذي لقي مصرعه عام 2011 خلال عملية عسكرية أيضاً شنّتها الولايات المتحدة على الأراضي الباكستانية، بل كان في الحقيقة يقود السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، إحدى أبرز القوى العسكرية الإقليمية.

كان المسؤول العسكري رفيع المستوى يحظى بشعبية سياسية سواء داخل بلاده أو خارجها، كما لعب دوراً محورياً كذلك فيما يتعلّق بالتأثير الإيراني في إقليم الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم على حد سواء.

لكن لماذا يكتسب مقتل قاسم سليماني هذا القدر من الأهمية الذي يجعل له نتائج ربّما تكون حتى ذات أصداء أوقع من مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق؟

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

يرى كسرى ناجي، الصحفي بالنسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أنّ مقتل سليماني حدث جلل غير مسبوق في المنطقة. ولا يمكن مقارنته حتى بتصفية زعيم القاعدة الراحل بن لادن.

ويؤكّد ناجي "لا مجال للمقارنة. سليماني كان شخصية عسكرية وسياسية، يتواجد في المقاعد الأمامية من موقع قيادة دولة، على الجانب الآخر كان بن لادن رجلاً يتزعّم منظّمة مشبوهة ذات أنشطة إرهابية. كان سليماني يقف ووراءه دولة بكاملها بل وجيش بأسره يدعمه. لم يكن بن لادن يتوفّر على شيء من هذا".

بيد أنّ الرؤية من المنظور الأمريكي تختلف تماماً؛ فالرجلان هاجما مواطنين أمريكيين وهذا ما يجعلهما "في نفس الوضع تقريباً"، على حد تعبير ناجي.

والحقيقة أنّ إدارة ترامب كانت تنظر لسليماني على أنّه رجل يده مخضّبة بالدماء، بالضبط مثل زعيم القاعدة السابق.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

ووُجّهت الاتهامات لهذا الجنرال الإيراني بالتخطيط لهجمات بالصواريخ ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق؛ حيث لقي أحد العاملين الأمريكيين المدنيين حتفه خلالها.

كما تحمّله وزارة الدفاع الأمريكية "بنتاجون" المسؤولية عن التدبير لاعتداءات استهدفت دبلوماسيين أمريكيين في العراق والشرق الأوسط ككلّ.

التصفية التي قد تفضي إلى حرب

إنّ النتائج المحتملة لمصرع قاسم سليماني تجعل هذا الحدث على درجة من الأهمية تفوق أي عملية تصفية أخرى سبق وأن شهدتها المنطقة على مرّ العقود الأخيرة.

لذلك يعتقد ناجي بأنّ "استهداف سليماني قد يفضي إلى اندلاع حرب، لا يستبعد أحد هذه الاحتمالية. كان في نهاية المطاف رجلًا قوياً ضمن قيادة قوة إقليمية"، مذكّراً في ذات الوقت بأنّ قتل بن لادن لم ينتج عنه هذا الكمّ من القلق حيال نشوب نزاع واسع النطاق مثلما هو الوضع حالياً.

ويتابع العالم أجمع في الوقت الراهن تطوّر الأحداث بين الولايات المتحدة وإيران، ويتحدّث الكثيرون عن مواجهة عسكرية محتملة.

وبالفعل، فقد ظهرت عبارة "حرب عالمية ثالثة" سريعاً وعلى المستوى العالمي، وأصبحت أكثر الجمل بحثاً عبر شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم.

وينتظر قطاع كبير رداً إيرانياً قوياً، مثلما حذّر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خامنئي، الذي توعّد بـ "انتقام مزلزل من المجرمين الذين يقفون وراء مقتل الجنرال السابق".

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

لكن آخرون، ومن بينهم الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ديفيد بترايوس، يرون أنّ الوضع "الهشّ للغاية" الذي تمرّ به إيران قد يؤدّي للحدّ من قدرتها على الرد إزاء ما يصنّفه العديد بـ "إعلان حرب".

كما أنّ بترايوس، الذي سبق له قيادة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، يعتبر كذلك أنّ مقتل سليماني أهم بكثير من مصرع بن لادن وأبو بكر البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

شعبية عابرة للحدود

كان لسليماني دور محوري في تأكيد النفوذ الإيراني بالإقليم.

تولّى سليماني منذ عام 1988 قيادة "فيلق القدس"، أحد أفرع النخبة في قوات الحرس الثوري، والتي تركّز عملياتها على الخارج.

ويرتبط هذا الجهاز أيضاً بصلات مع حزب الله اللبناني والحركات الشيعية في كل من العراق وأفغانستان، لذا فإنّ تأثير اغتيال سليماني يتجاوز الحدود الإيرانية.

ويؤكّد ناجي "لعب سليماني دوراً رئيساً حين كانت بغداد على وشك السقوط في أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، يُقال إنّه أسهم في إنقاذ المدينة".

ويتابع الصحفي "بالمثل، وحين كان هذا التنظيم الإرهابي على مسافة كيلومترات معدودة من حدود إيران، قاد بنفسه المعارك ضدّ الإرهابيين مجبراً إياهم على التقهقر. لذلك ولأسباب أخرى، يتمتّع بشعبية كبيرة سواء داخل إيران أو في المنطقة ككلّ".

إعلان حرب؟

من جانبه، أعرب دوجلاس سيليمان، السفير الأمريكي السابق لدى العراق حتى مطلع العام 2019 ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن حالياً، عن اعتقاده بأنّ كلاً من الولايات المتحدة وإيران تجاوزتا الخطوط الحمراء بالفعل.

وقال سيليمان "عين المتابع هي التي تحدّد ما إذا كان الأمر يتعلّق بإعلان حرب من عدمه وأظنّ شخصياً أنّ إيران والولايات المتحدة بوسعهما تسليط الضوء على سلسلة من التحرّكات التي قام بها الطرف الآخر وتوصيفها بإعلان حرب"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

وعلى سبيل المثال، أشار الدبلوماسي الأمريكي إلى الهجوم الإيراني في مضيق هرمز وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار "درون" العام الماضي. وأوضح أنّ "أيّاً من هذه الاعتداءات نتج عنها ردّ الفعل الأمريكي الذي كانوا ينشدونه".

بيد أنّ سيليمان كشف عن اعتقاده بأنّ الرد الأخير من إدارة ترامب كان متوقّعاً. واستدلّ على ذلك بقوله "حذّروا مراراً وتكراراً ومنذ وقت طويل من أنّ مصرع مواطن أمريكي على يد إيران خط أحمر"، وكان هذا هو تحديداً ما نتج عنه استهداف السيارة التي كان يستقلّها سليماني.

هل سيكون هناك ردّ مدروس؟

أما الشيء الأهم من وجهة نظر سفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق فهو أن يتدخّل المجتمع الدولي من أجل الحيلولة دون حدوث تصعيد وتجنّب نشوب حرب في المنطقة.

وأكد سيليمان "يجب أن يكون هناك ضغط على إيران في التوقيت الحالي كي لا يأتي ردّ فعلها مبالغاً فيه. واعتقد بعد كل شيء أنّه يجب التوقّف عن التفكير في دوافع خوض الحرب، والتفكير عوضاً عن ذلك في أسباب لعدم خوضها".

وبغضّ النظر عما قد يجرى، فإنّ كسرى ناجي يرى أنّ السيناريو الأقرب للحدوث هو أن يكون ردّ إيران على مقتل قاسم سليماني مدروساً.

وأوضح المراسل الصحفي "إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بالولايات المتحدة. بالتالي اعتقد أنّ القيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق".

ويعتقد ناجي أنّ الحكومة الإيرانية لا تسعى حقًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة عظمى "لكن الردّ قد يأتي متمثّلًا في هجمات ضد سفارات أو سفن أو قوافل" وهو النهج الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية بالفعل منذ عامين.

على كل حال، ونظراً لأهمّيته، فإنّ مصرع سليماني يشكّل نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

من جانبهم، تصف شخصيات مثل؛ ديفيد بترايوس أهمّية مقتل سليماني بـ"هائلة"؛ لأنّ الرجل، كما اعتبرته مجلّة "فورين بوليسي"، هو "مهندس وقائد عملياتي للجهود الإيرانية الرامية لتعزيز سيطرة ما يُطلق عليه (الهلال الشيعي".

لكن في إيران، وبينما لا يزال البعض يبكون في الشوارع على رحيل القيادي المثير للجدل، ينتظر الكثيرون "انتقاماً شديداً" وعد به المرشد الأعلى.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لن يكون القول بأنّ الشرق الأوسط بات على حافة البركان أمراً مبالغاً فيه. وهو ما يتّضح من الدعوات للثأر التي تأتي من طهران وبغداد وبيروت. ويدعو هذا الخطاب غير المسبوق لمهاجمة أهداف أمريكية موجودة في المنطقة وخارجها أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

ولعل جزءاً كبيراً من الأزمة، التي قد تنتج عنها اشتباكات أكثر عنفاً وسخونة، يرجع إلى عدم قدرة أي من الطرفين على التراجع للوراء. ومن يعرفون جيّداً مدى أهمية دور سليماني في النظام الإيراني وأجندته الإقليمية يدركون أيضاً أنّ النظام الإيراني غير قادر على الثأر لمقتل القائد السابق لفيلق القدس حتى مع تهديد خامنئي وتوعّده بانتقام سريع، ونفس العجز يسري على ميليشيات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

ولا تستطيع إيران التراجع عن الثأر لسليماني، فقد كان اغتياله ضربة مؤلمة في قلب النظام الحاكم في طهران، لا سيما وأنّ الرجل كان يضطلع بالإشراف على تحالفات واتصالات معقّدة للغاية تمتدّ من أفغانستان إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى خارج الشرق الأوسط.

والحقيقة أنّ سليماني كان مهندس زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة. ولم يكن بوسع أي رئيس أن يُنتخب أو لحكومة أن تتشكّل في لبنان دون موافقته. وينطبق نفس الأمر على العراق. ولم يستطع أي شخص مناقشته في سوريا. ويكفي فقط التذكير بكيف جلب خرائط لسوريا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ لإقناعه بالتدخّل عسكرياً في البلد العربي وإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد. وكذلك أشرف الرجل على تزويد الحوثيين في اليمن بالصواريخ والطائرات بدون طيار. لكل هذه الأسباب لا يمكن لإيران العدول عن فكرة الانتقام.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

وعلى الأرجح سيأتي الردّ الإيراني عن طريق وكلاء نظام طهران وسيكون بنفس درجة قوة الضربة التي تلقّتها وأودت بحياة الجنرال الأكثر شهرة وأهمّية في الجمهورية الإسلامية، لذا ستكون الأهداف الأمريكية على المحك، كما لا يُستبعد أن يكون حلفاء الولايات المتحدة على قائمة الأهداف أيضاً.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ورغم قرار الرئيس دونالد ترامب بعدم الردّ على الهجوم الذي أعلنت طهران مسؤوليتها عنه والذي ضرب قواعد عسكرية أمريكية في العراق، متجنّباً بالتالي تصعيداً أكبر، لا تبدو واشنطن قادرة كذلك على التراجع. فقد ذهبت بعيداً لدرجة أنّه لم يعد ثمة مفرّ أمامها سواء الذهاب لما هو أبعد.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

هناك عامل آخر وراء عجز واشنطن عن التراجع ألا وهو الكرامة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وبالطبع وفوق كل ذلك صورتها في المنطقة والعالم، كل ذلك دون التغافل عن حقيقة أنّ الرجل الجالس على المقعد في المكتب البيضاوي يستعدّ لخوض انتخابات واضعاً نصب عينيه الحصول على فترة ولاية ثانية.

كما أنّ استهداف سليماني ليس عملًا موجّهاً ضد إيران ومؤسساتها فحسب، بل ضد "الجيوش الإرهابية التي تحارب بالوكالة" لحساب نظام طهران والذي عمل على تشكيلها في عدد من دول الجوار. لذلك فإنّ نطاق المواجهة سيكون أوسع بكثير من المُعتقد.

كان سليماني هو المسؤول عن عمليات التسلّل والانقلابات. مزّق خرائط وأعاد رسم أخرى، وشنّ ضربات ضد توازنات القوى الحالية. فعل ذلك في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري وأثناء حرب 2006 ضد إسرائيل ثم بعدها حين تدخّل للحيلولة دون تشكيل حكومة صديقة للغرب.

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط

بالمثل، عمل سليماني على عدم قيام مؤسّسات مستقرة في العراق ما بعد صدام حسين تكون صديقة للغرب. استغل الجنرال أيضاً الفرصة في العراق لتسليح ميليشيات الحراك الشعبي وجعلها قوة نظامية ذات شرعية، ما أدّى بالتبعية للحدّ من التأثير الأمريكي في العراق.
وربما كان الفشل الوحيد الذي مُني به سليماني هو عدم القدرة على التغلغل في البحرين.
على مدار أربعة عقود، تحاشى رؤساء الولايات المتحدة "الرد على إيران داخل إيران". كان تبادل الضربات يجرى على نطاق محدود. حقّقت طهران نجاحاً كبيراً بالتوقيع على الاتفاق النووي والذي لم يحل دون تقليص ممارساتها الإقليمية، لذا مضى سليماني قدماً في سياسة التغلغل خاصته والانقلابات في دول الجوار دون أي قلق.

وتأتي الضربة الأمريكية التي أخرجت سليماني من اللعبة بالتزامن مع لحظة حرجة يمرّ فيها الاقتصاد الإيراني بحالة من التراجع على خلفية العقوبات التي فرضها ترامب، فضلًا عن خروج تظاهرات حاشدة في كل من لبنان والعراق، ما يعكس بصورة ما فشل السياسات المتّبعة حيال الدول التي تمتلك إيران نفوذًا فيها.

ومن العملية العسكرية التي أودت بحياة سليماني، يظهر بجلاء أنّ إيران قلّلت من قدرة ترامب على اتخاذ القرارات الأمنية الصعبة، وخصوصاً بعد استنتاجها أنّه يفضّل العقوبات الاقتصادية على الهجمات العسكرية. وربما كان سليماني يعتقد أنّ أمنه "خط أحمر لن يجرؤ أحد على خرقه دون أن يجلب ذلك حرباً".

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط. وفي هذا السيناريو من المحتمل أن يكتسب خطر وتهديد الهجمات الإرهابية التقليدية في المنطقة أبعاداً جديدة وينتقل لقارات أخرى لا تعرف حكومات دولها هذا الخطر وترى التهديد بعيداً عنها للغاية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/36V26IM
https://bit.ly/36RyvQy

للمشاركة:

ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

2020-01-14

ترجمة: إسماعيل حسن


شكّلت عملية اغتيال قاسم سليماني، بضربة جوية أمريكية بعد مغادرته مطار بغداد، تصعيداً عسكرياً كبيراً بين واشنطن وإيران، والنتيجة الأكثر خطورة، على الأرجح، ستتمثل في استغلال القيادة الإيرانية الحادثة في الضغط على الحكومة العراقية لطرد القوات الأمريكية من العراق، كأحد الحلول التي ستدعمها دول أوروبية لتجنب الوقوع في حرب مفتوحة، في حين.

تبقى إسرائيل إلى جانب العراق كوجهة محتملة لردّ عنيف، سواء من إيران أو حلفائها في المنطقة

وإلى جانب هذا الاحتمال، قدّرت معلومات استخباراتية إسرائيلية أنّ إسرائيل ستكون هدفاً أساسياً في الردّ والانتقام الإيراني لمقتل قائد فيلق القدس، بعد أن أيّدت بشكل كامل خطوة اغتيال سليماني، وذلك بعد إبلاغ واشنطن تل أبيب، قبل يوم واحد، نيتها قتله، وفي أعقاب التأكد من مقتل سليماني، عزّزت إسرائيل حالة الأمن داخل البلاد ورفعت حالة الطوارئ لأعلى مستوياتها؛ حيث قطع في الأثناء، بنيامين نتنياهو، زيارته إلى اليونان، وعاد إلى البلاد للبحث مع الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في احتمالات الانتقام الإيراني المحتمل على العملية؛ كون إسرائيل أسهل وأقرب هدف ممكن أن يتم من خلاله الانتقام؛ حيث تواصل إسرائيل رفع حالة التأهب القصوى في صفوف جنودها المنتشرين على الحدود، إضافة إلى إغلاق جبل الشيخ أمام الإسرائيليين، خشية إطلاق صواريخ على المنطقة من الأراضي السورية.

الكاتب والمحلل السياسي، عاموس هرئيل، يقول: في الأسبوع الماضي كانت هناك أحداث متتالية في العراق، تمثّلت في عرض أمريكا لقوتها، طائرات الأباتشي حلقت في السماء لحماية السفارة الأمريكية، وأعلنت أنّها سترسل المزيد من جنود البحرية إلى الشرق الأوسط، أما الميليشيات الشيعية التي انقضّ رجالها على مبنى السفارة على مدى يومين متتاليين، وأمرت المتظاهرين بالانسحاب ومغادرة المكان، ولا شكّ في أن تكون هذه نهاية القصة أو القصة الحقيقية الأكثر احتمالاً، في أنّ الولايات المتحدة سقطت في فخّ إيران، وهذا يمكنه أن يضع علامات استفهام على مستقبل الوجود الأمريكي في العراق، كلّ الأحداث الأخيرة كانت نتيجة عدد من الأحداث؛ التي بدأت بقرار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، فالعقوبات الاقتصادية أثرت على إيران، وحثّت القيادة على المصادقة للحرس الثوري باتخاذ خطوات استفزازية عسكرية ضدّ أمريكا وحلفائها في الخليج الفارسي، في المقابل؛ فإنّ هدف إيران الرئيس هو دفع واشنطن لرفع العقوبات عنها، والعودة إلى المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، لكنّ هذا لم يساعد إيران؛ ففي الأثناء تفاقمت مشاكل إيران نفسها، بعد أن اجتاحت المظاهرات الحاشدة العراق ولبنان.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟
في العراق؛ قتل أكثر من 450 متظاهراً بنيران الميليشيات الشيعية والأجهزة الأمنية، وفي لبنان لم يحدث قتل، لكنّ هتافات المتظاهرين دعت لعدم تدخل حزب الله وإيران في الشؤون اللبنانية، وبعد هذه المظاهرات بأيام قليلة عمت مدن إيرانية احتجاجات قتل على إثرها عدد من المتظاهرين، على صعيد دونالد ترامب؛ فهو لا يريد التورط بحرب إقليمية في الشرق الأوسط، وبالتأكيد ليس في عام الانتخابات، لكن في الوقت نفسه؛ لم يسمح بأن يكون ضعيفاً أمام استفزازات إيران في المنطقة.

وعندما تركزت الهجمات الإيرانية على الإمارات والسعودية، فإنّ ترامب ضبط نفسه، واكتفى بالتهديدات العامة، لكنّ إيران لم تلبِّ رغبته؛ بل قامت قبل أيام بإطلاق عدد من صواريخ الكاتيوشا على قواعد عراقية يتواجد في داخلها مدنيون أمريكيون، وقف خلفها تنظيم حزب الله العراقي، الموالي للميليشيات الشيعية الإيرانية، وما حدث مؤخراً في محيط السفارة الأمريكية في بغداد لم يكن عفوياً، أو صدفة، الأمر توقف، لكن لم ينته تماماً، القصف الأمريكي والمواجهة العنيفة على سور السفارة، يذكّر بما حدث في أوقات سابقة، وهو بالطبع يخدم المصالح الإيرانية، لقد عادوا وأشعلوا الخلافات الداخلية في العراق حول استمرار وجود خمسة آلاف جندي أمريكي في الدولة، يمكن لما حدث مؤخراً أن يعيد للبرلمان طلب طرد الجنود الأمريكيين، وهي مبادرة طرحت الصيف الماضي في أعقاب الهجوم الأمريكي، الذي نسب إلى إسرائيل ضدّ الميليشيات في العراق، هذا هدف إيراني مهمّ، حتى إن كان هدفاً ثانوياً، لتخفيف العقوبات، اعتادت طهران في الأعوام الأخيرة رؤية ساحة العراق الخلفية ومغادرة الأمريكيين ستسهل عليها تنفيذ مصالحها، إن لم يمنع ذلك استمرار المظاهرات ضدّ الحكومة العراقية.

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني
وفي هذه الأثناء لا توجد أيّة دلائل على أنّ المواجهة في السفارة التي سارع ترامب إلى تتويجها كانتصار حاسم لسياساته، سيجعل الأمريكيين يفحصون مجدداً اتّباع سياسة عدائية أكثر ضدّ إيران؛ الإيرانيون بواسطة الميليشيات يمكنهم توسيع دائرة الاستهداف ضدّ الأمريكيين في العراق، والأمم المتحدة تقوم الآن برسم حدود ساحة اللعب في العراق، وهي تفضّل التركيز على المبعوثين، لا على من أرسلهم، هجمات الأسبوع الماضي أصابت الميليشيات الشيعية، لا حرس الثورة.

وبحسب تقارير لوسائل الإعلام الأمريكية؛ فإنّ قائد قوة القدس، قاسم سليماني، كان موجوداً في مرمى التصويب بالنسبة إلى أمريكا وإسرائيل منذ أكثر من عقد، وبحسب هذه التقارير؛ فإنّه في عملية اغتيال عماد مغنية، أحد قادة حزب الله، الذي قتل في دمشق قبل أكثر من عشرة أعوام، أرادت إسرائيل تصفية سليماني، الذي كان في الجوار مع مغنية، لكنّ الأمريكيين فرضوا الفيتو، وفي مجمل الأضرار التي تسبّب بها سليماني في الأعوام العشرة الماضية، ربما كان قرار الفيتو خاطئاً، قبل أسبوع على التوالي؛ أشار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، خلال محاضرة أجرتها المؤسسة العسكرية في هرتسيليا، إلى وجود نشاطات إسرائيلية مستقبلية ضدّ الإيرانيين ومبعوثيهم في العراق، لكنّ التصعيد الذي حدث في العراق منذ ذلك الحين، يلزم إسرائيل باتّباع سياسة الحذر، وألّا تكون فريسة لأيّ انتقام إيراني.

المحلل الإسرائيلي هرئيل: لقد تأثر محور المقاومة هو الآخر بعملية اغتيال سليماني، وكانت بمثابة ضربة موجعة

ويتابع الكاتب، هرئيل: الخطوة الحازمة التي اتّخذها الأمريكيون بقرار اغتيال سليماني استقبلت بحماسة في إسرائيل، على قنوات التلفاز ضجّت دعوات التأييد لأمريكا وللرئيس ترامب، حتى إنّ هذه الدعوات طالبت بتسوية إقليمية يتم من خلالها إسقاط نظام وهيمنة طهران. إنّ سياسة ترامب في المنطقة لم تعكس خطّ تفكير متواصلاً، بل تعرج؛ فقد انسحب ترامب قبل عام ونصف من الاتفاق النووي الإيراني، مثلما تعهد في حملته الانتخابية، وبعد ذلك استخدم مقاربة الحد الأعلى من الضغط التي تمّ في إطارها تطبيق عقوبات اقتصادية شديدة على إيران، وعلى شركات أجنبية تعاملت معها، لكن لم تتحقق تلك النتيجة المرغوبة في خضوع إيران لبلورة اتفاق جديد أشد قسوة، والذي قد يشمل تقييد التمدد الإقليمي لإيران؛ بل على العكس، منذ أيار (مايو) الماضي، ردّت طهران بضربات قاسية على منشآت صناعة النفط في الخليج، التي اتّسعت ومسّت المصالح الأمريكية، ترامب ضبط نفسه خلال أشهر كثيرة، أساساً إزاء خوفه من التورط في حرب، وكانت إسرائيل خائبة الأمل من عدم الردّ الأمريكي، في الأسبوع الماضي، قتل مواطن أمريكي بواسطة صاروخ أطلق على قاعدة عراقية، وبعد ذلك اقتحم المتظاهرون مبنى السفارة الأمريكية في بغداد، ردّاً على هجوم أمريكي قتل فيه 25 شخصاً من ميليشيا حزب الله العراقي، الموالية لإيران.

كلّ ذلك أدّى إلى التغيّر الحادّ في موقف الإدارة الأمريكية، تمسّك ترامب بخطه الأحمر، وهو عدم الصمت على مقتل الأمريكيين، أما سليماني؛ فقد دفع حياته ثمناً باهظاً لغطرسته التي اتضحت على مراحل عدة؛ الأولى قرار تصعيد العمليات ضدّ الأمريكيين في العراق، والثانية تمسّكه بالتحرك العلني، كأنّه محصّن من أيّ استهداف محتمل، الجنرال الإيراني لم يهتم بالبقاء تحت الرادار، بالعكس؛ لقد ظهر بشكل علني بين الفينة والأخرى، أثناء وصول طائرته إلى مطارات الشرق الأوسط، وأكثر من مرة خلّد نفسه بصور في زياراته التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع قصف الأمريكيين لقوافل صواريخ، وبعد وقت قصير ينشر صور وصوله لمطار بغداد.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟
ومقابل سليماني كان حسن نصرالله أكثر حذراً في سلوكه، وهو يدرك السبب، ومن الآن سيكون أكثر حذراً، بالتأكيد هناك قاسم بين المقاربة الأمريكية والإسرائيلية في سياسة التصفية المركزة، والتي طورتها إسرائيل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في مرات عديدة عرضت على ترامب خيارات للتصعيد ضدّ التهديد الإيراني، ولدهشة العدد الكبير من المؤيدين؛ اختار السيناريو الأكثر عدائية، وهو اغتيال سليماني، وتحمّل كافة تبعات الردّ الإيراني، هذا القرار مبرر مناسب بالنسبة إلى ترامب وإسرائيل بالطبع، لكنّه لم يضع حداً للمواجهة بين طهران والولايات المتحدة، ولا يوقف التهديد المتواصل ضدّ إسرائيل، ومن هنا يجب أخذ تهديدات إيران بالانتقام من الولايات المتحدة على محمل الجدّ، على الرغم من عدم تهديد إسرائيل، في حين تعدّ الساحة الأكثر احتمالاً للردّ هي العراق؛ حيث يجري فيها الصراع على النفوذ بين طهران وواشنطن، أما السعودية والإمارات فقد تضرّرتا أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني
ويضيف هرئيل: لقد تأثر محور المقاومة هو الآخر بعملية اغتيال سليماني، وكانت بمثابة ضربة موجعة، وإبعاد سليماني سيضعف نشاط العصابات التي أدار معظم نشاطاتها بنفسه، ويحول ذلك المنطقة إلى أكثر أمناً، كما تحدث وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الذي قال: إنّ موت سليماني يحقّق الأمان لمواطني أمريكا في المنطقة، لكنّ هذه التصريحات قد تكون صحيحة على المدى البعيد، أما في الوقت الحالي؛ لا يمكن فقد دعت أمريكا كافة رعاياها في المنطقة إلى المغادرة بأسرع وقت، تحسباً لأيّ هجوم قريب من قبل إيران وميليشياتها.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟
إلى ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي، ألوف بن: إنّ الرابح الأكبر من تصفية سليماني هو نتنياهو، فقد كان أسبوعاً ناجحاً له، بدأ بقمع تمرّد جدعون ساعر على رئاسة حزب الليكود، واستمرّ بخشية المحكمة العليا من مناقشة أهلية متهم جنائي بتشكيل الحكومة، وبعد ذلك طلب الحصانة التي ستضع جانباً لوائح الاتهام لفترة طويلة في الكنيست، وانتهى بعملية أمنية أمريكية محفوفة المخاطر أعادت إلى العناوين الوضع الأمني، وأزالت منها ملفات الفساد، ونتيجة لذلك؛ سارعت المعارضة الأمنية من حزب "أزرق أبيض" إلى ترتيب وتسوية الصفوف، في حين إذا كان هناك تصعيد أمني، محلي أو إقليمي، سيزداد الضغط على بيني غانتس ويئير لبيد، للدخول على وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، في ظلّ حكومة نتنياهو.

لكن من السابق لأوانه الحديث عن حكومة وحدة، فعلى إسرائيل أن تجتاز الحملة الانتخابية والتركيز على لوائح الاتهام والحصانة في الدفاع عن الدولة في وجه التهديد الإيراني، إن ما فعله ترامب من قتل لسليماني كان بالتأكيد هدية السنة الجديدة لنتنياهو، في مقابل أنّ امتناعه عن الردّ العسكري بعد تدمير منشآت نفط أرامكو في السعودية، بهجوم جوي في أيلول (سبتمبر) الماضي، أثار القلق لدى أصدقاء أمريكا في المنطقة، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت أكثر قلقاً من أن تبقى مكشوفة أمام قاسم سليماني ومؤامراته، وبعدد الصواريخ التي يمكن لإيران أن تطلقها من أراضيها نحو إسرائيل، ينذر ذلك للإسرائيليين بقرب وقوع حرب، لكنّ الضعف الذي أظهرته أمريكا تمّ تفسيره بأنّه إغراء لإيران على رفع المقامرة وزيادة الجرأة، بالنسبة إلى العراق؛ تعدّه إيران دولة تحت الجناح، أما على صعيد الولايات المتحدة؛ فتراها موقعاً خارجياً حيوياً، بعد سلسلة أحداث من زوايا بعيدة نسبياً.

حسن نصرالله كان أكثر حذراً في سلوكه من قاسم سليماني، وهو يدرك السبب، ومن الآن سيكون أكثر حذراً

توجه الإيرانيون إلى السفارة الأمريكية في بغداد، وليس صعباً تخيل النتيجة السياسية لتكرار أزمة الرهائن في طهران بعد سيطرة طلاب إيرانيين على السفارة، عام 1979، وفي أعقاب ذلك؛ أعاد جيمي كارتر المعدات بعد فشله في إعادة الدبلوماسيين المحتجزين، وإذا كانت هذه الأحداث تاريخاً بعيداً بالنسبة إلى ترامب ومستشاريه، فهم حتماً يتذكرون الضرر الذي أصاب عدوته المكروهة، هيلاري كلينتون، بعد الهجوم الدموي على السفارة الأمريكية في بنغازي، عام 2012، ويشير الكاتب، ألون، إلى أنّ اغتيال قائد فيلق القدس أدار الدولاب إلى الوراء، ودفع بترامب إلى إعلانه، وسيبقى في المنطقة، وستلتزم أمريكا بالدفاع عن مصالحها، اختيار الهدف والتنفيذ كان رائعاً؛ هدف يعرف الجميع أنّه لن يمسّ بالمدنيين.

إنّ الثمن السياسي للامتناع عن تنفيذ العملية سيكون أعلى من الانتقاد لخطر الحرب والتورط الذي جاء أيضاً في خصومه من الديمقراطيين والانفصاليين الجمهوريين، الردّ المتأخر الذي يقول إنّ العملية استهدفت منع الحرب لا إشعالها، كان متوقعاً، لكنّه غير مقنع، على صعيد سليماني، ارتكب خطأ إستراتيجياً، فقد صدق التقارير التي شجعه عليها مؤيدوه الذين نشروا صوره وضخموا فيها اسمه، لا شكّ في أنّه كان قائداً شجاعاً، وأنّ زياراته المتواترة والمغطاة إعلامياً عززت مكانته في أوساط جنوده وحلفائه، حركته المكشوفة في مطار بغداد مع قادة الميليشيا أظهرت ثقة زائدة في النفس والاستخفاف بقواعد الأمان الأساسية، لكنّ خطأه الأعمق كان إستراتيجياً، وليس تكتيكياً، مع كلّ الاحترام لشجاعته، كان يترأس قوة صغيرة نسبياً تشارك مع الولايات المتحدة في القضاء على داعش في سوريا، وإبقاء الأسد في الحكم، لكن أطماعه المتواصلة وتصرفاته العدائية ضدّ أمريكا، دفعت إلى تصفيته أسوة بقادة حماس والجهاد الإسلامي"،.
ويختم ألون قوله: "إيران تهدّد بالانتقام والفضائيات مليئة بالتحليلات حول الضربة المتوقعة، ربما ستجد طريقة للرد ولكن يجب ألا ننسى تناسب القوى، ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية يمكنها أن تصل لأيّ هدف إذا اضطرت لتوسيع هجماتها، لكن تبقى إسرائيل إلى جانب العراق كوجهة محتملة لردّ عنيف، سواء من إيران أو حلفائها في المنطقة".


مصدر الترجمة عن العبرية: هآرتس
https://www.haaretz.co.il/news/world/middle-east/.premium-1.8353037
https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.8344391
https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.8352747

للمشاركة:



الاتحاد الاوروبي يقطع مساعداته عن تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت تقارير إعلامية؛ إنّ الاتحاد الأوروبي سيصدر قراراً بقطع 75٪؜ من مساعداته لتركيا بسبب عمليات التنقيب التي تجريها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعملياتها العسكرية في سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي عن تركيا مساعدات بلغت 85 مليون يورو من ميزانية 2020، وذلك بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

أوروبا تقطع المساعدات عن تركيا بسبب عمليات التنقيب في البحر الأبيض والعمليات العسكرية في سوريا

وقالت مجموعة "فونكة" الإعلامية الألمانية، إنّها اطلعت على رسالة أرسلها إلى البرلمان الأوروبي الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بورل، كشف فيها أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارا بقطع 75٪؜ من المساعدات التي يقدمها الاتحاد لتركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ووفق وسائل الإعلام الألمانية؛ فإنّ مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا ستقتصر على 168 مليون يورو، على أن تستخدم 150 مليون يورو منها في مجالات تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، فيما ستنفق بقية المبلغ في سبيل تطوير المناطق الريفية.

وبحسب خبر أورده موقع "يورو نيوز"، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، فإنّ المساعدات التي قطعها الاتحاد الأوروبي عن تركيا خلال العامين الأخيرين وصلت إلى 1.2 مليار يورو.

واشتكى عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين من سياسة الابتزاز التي انتهجاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بما يتعلق بالمهاجرين والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية عبر تركيا.

 

للمشاركة:

تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:



ثلاثة أطماع عثمانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

محمد نور الدين
ليس من دولة تتحرك وفق العواطف فقط، فالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تتقدم كل الأولويات. لكن النموذج التركي في التعامل مع قضايا المنطقة، يُرفد بشحنة عالية جداً من الموروث التاريخي والإيديولوجي ويكاد أحياناً ينحبس فيه.
ولنا في حالات العراق وليبيا وسوريا نماذج واضحة على التوجهات التركية التي تختلط فيها المصالح والإيديولوجيا.
في الحالة العراقية: في العام 1926 انسلخت ولاية الموصل نهائياً عن خريطة حدود «الميثاق الملّي» التي رسمها البرلمان التركي/العثماني عام 1920. ولم تكن مطالبة تركيا بتلك الولاية حينها إلا لهدفين أساسيين، الأول وضع اليد على الثروات النفطية فيها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولكن في اتفاق أنقرة 1926 نجحت تركيا في وضع اليد على عشرة في المئة من نفط العراق على مدى 25 عاماً. والثاني هو إلحاق أكراد العراق بتركيا، حيث يبقون تحت رقابتها المباشرة، فلا يتحركون ضدها من خارج الحدود، وضمن سيادة دولة أخرى.
لكن بعد ذلك، ولا سيما مع حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، استيقظت العثمانية الجديدة عند الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال، وأراد إحياء ضم الموصل/كركوك، بفكرة دخول الجيش التركي إلى هناك. لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان منعاه من تنفيذ المشروع. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 استعادت العثمانية الجديدة دماءها بسعي قادة حزب العدالة والتنمية لضم شمال العراق، بذريعة أن الفيدرالية الكردية تخالف اتفاق أنقرة 1926. وذهبت كلمة أردوغان من «أن الموصل كانت لنا» مثلاً، للتدليل على هذه الأطماع. كما أن الجيش التركي موجود في أكثر من عشرين مركزاً عسكرياً في شمال العراق وبشكل ينتهك السيادة العراقية التي يفرط بها حكام بغداد، ولا يجرؤون على حمايتها من نفوذ العثمانيين الجدد.
في الحالة السورية: كان اتفاق أضنة يضمن أمن تركيا مئة في المئة بين عامي 1998 و2011، ولم يكن أي مقاتل كردي من حزب العمال الكردستاني يستطيع التحرك من سوريا للقيام بعمليات في تركيا. لكن مع ما يسمى ب «الربيع العربي»، كانت أوهام «الربيع العثماني» تتحرك من جديد في رؤوس قادة حزب العدالة والتنمية جميعاً. المصالح كانت واضحة بالتدخل العسكري في سوريا. تريد أنقرة ضم الشمال السوري الذي كان ضمن حدود ميثاق 1920. وتريد تغيير البنية الديموغرافية حتى لا يبقى كردي واحد هناك. وعبر الاحتلال تتم المساومات في النهاية على تطلعات تركيا النفطية والاقتصادية والتاريخية، لتحقق تركيا في الشمال السوري ما فشلت فيه في كل سوريا. بل إن أردوغان هدد علناً الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي من أنه إذا لم يوقف خروقاته لوقف النار في إدلب، فسيتحرك الجيش التركي لوضع حد لها.
في الحالة الليبية: رغم آلاف الكيلومترات، فإن تركيا ترى في ليبيا المنقذ لسياساتها الفاشلة في المنطقة. حكومة في طرابلس تأتمر بإيديولوجيا الإخوان المسلمين، مستعدة لاستقدام الاحتلال التركي إلى ليبيا، ووقعت اتفاقاً مع أنقرة التي بدأت بإرسال قوات إلى ليبيا بعدما سبقت ذلك بإرسال آلاف المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا. وقد وجدت تركيا الفرصة مناسبة لوضع قدم لها هناك. من جهة للاستفادة من الثروات الليبية بحراً وبراً، ومن جهة ثانية تهديد الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
وفي الحالتين السورية والليبية يهدد المحتل أصحاب الأرض، لكن مع الأطماع التركية في الثروات الليبية، وتحويل ليبيا إلى منصة تهديد لمصر وتونس والجزائر وكل شمال إفريقيا، لا ينسى أردوغان في كلمة له الثلاثاء الماضي القول «إن البعض يرى ليبيا بعيدة عن تركيا لكنها بالنسبة لنا ليست كذلك. لقد كانت ليبيا جزءاً من الدولة العثمانية. ولا يمكن أن ندير ظهرنا لمطلب مساعدة إخوتنا هناك. إن الانقلابي حفتر يريد أن يقضي على بقية الدولة العثمانية هناك، قبيلة «كور أوغلو»، ووظيفتنا أن نحمي أحفاد أجدادنا هناك». وكان هو نفسه قال بعد عودته من زيارة تونس إن ليبيا «أمانة عثمانية».
ثلاثة نماذج تتعامل معها تركيا انطلاقاً من أطماع تجمع بين الراهن والتاريخي/الإيديولوجي. وعلى هذا المنوال، تتواصل الحركة التركية لتشمل لاحقاً كل زاوية من أراضي الوطن العربي كانت تحت الاستعمار العثماني. فهل ثمة شك بعد في ما يضمره حزب العدالة والتنمية من العام 2002 وحتى اليوم من تطلعات وأطماع عثمانية تجاه منطقتنا العربية؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية