هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟

5424
عدد القراءات

2019-01-20

لم تعد كلمة  "حلال" وسيلة يجب التقيّد بها عند ذبح الحيوان كي يكون محلَّلاً للأكل؛ بل غدا اقتصاداً يتحرك بالمليارات، وعلامة تجارية يتهافت عليها الملايين في أوروبا وأمريكا، وتقام لها أسواق مخصصة ومتاجر، وهو ما فرض عليها الخضوع لسلسلة إجراءات طويلة، تمرّ عبر مؤسسات الإفتاء الديني، أو المراكز الإسلامية التي تمنح رخصة المرور، وجلّها في أيدٍ احتكارية أكثرها تابع لجماعة الإخوان المسلمين.
اقتصاد بالمليارات
برزت أسواق كثيرة مخصصة لبيع اللحوم الحلال في بعض الدول الغربية، وأصبحت منتجات اللحوم التي تحمل شعار "حلال" تتوافر بشكلٍ متزايدٍ في المحال ومطاعم الوجبات السريعة، خاصة أنّ هذا الشعار كان قادراً وحده على تأمين "الراحة النفسية" للمستهلكين المسلمين، وفي الوقت ذاته، على إثارة غضب مَن يحرّمونه، لاعتباراتٍ متعلقة بالجودة وطريقة الذبح أو حقوق الحيوان.

لم تعد كلمة "حلال" وسيلة يجب التقيّد بها عند ذبح الحيوان بل غدت اقتصاداً يتحرك بالمليارات

أصبح اقتصاد "الحلال" يتحرك بمليارات الدولارات بأوروبا وأمريكا، التي ينتشر بها العديد من المحلات والمتاجر والدكاكين، والمطاعم التي نمت نموّاً هائلاً، ويرتادها الآلاف بحثاً عن لحوم مذبوحة بالطريقة الإسلامية، أو دهون حيوانية في المعلبات والأجبان والزيوت.
بحسب تقارير اقتصادية لمجلة "إنسايدرز" الأمريكية؛ فقد قدِّرت قيمة تجارة اللحوم الحلال بحوالي 2.3 تريليون دولار أمريكي سنوياً، ومن المتوقع أن تصل بحلول العام 2020 إلى 6.4 تريليون دولار.

"نيويورك تايمز" تحدثت عن لحوم حلال تباع في بريطانيا دون وجود دمغة أو "ماركة" تثبت ذلك

ونقلاً عن صحيفة "العرب" اللندنية؛ فإنّ إحصائيات صادرة عن مؤسسات ترعى هذه السوق تفيد بأنّ حجم تعاملات لحوم الحلال قفزت من 12.5 مليار دولار في العام 2008، إلى 63 ملياراً خلال العام 2017، كما أنّ "تجارة" الحلال لا تتعلق بالمأكولات فقط؛ بل باتت تضمّ أيضاً قطاعات أخرى، مثل: أدوات التجميل، والأدوات المنزلية والطبية، والسياحة، والقطاع المصرفي، برأسمال قدِّر بـ2300 مليار، العام 2017، وفي أرجاء العالم كافة.
في التقرير ذاته؛ فإنّ السوق الأوروبي يقوم بعرض منتجات حلال في أجنحته، وذلك منذ عدة أعوام، لكنّ الجهود التجارية الواضحة قد بدت بجلاء في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، بما في ذلك اعتماد الإعلانات، في النتيجة؛ تطوّر السوق، وقد شهد أيضاً إطلاق منتجات جديدة، وباتت المتاجر الكبرى ومناطق البيع الأخرى تخصّص مساحات أكبر على رفوفها لهذه المنتجات، مع أنّ المنتجات الحلال، في أغلبيتها، قد تمثلت، إلى الآن، باللحوم ومشتقاتها؛ فإنّ الطلب على منتجات البقالة في ازدياد مطرد.
زبائن متنوّعون
الصحفي الأمريكي، جيمس ماكاولي، في تقرير له بـ "الواشنطن بوست"، تحت عنوان: "Why halal meat generates so much: controversy in Europe"، إنّه في ناحية ليس ليلاس - فرنسا، من الصعب أن يكون ھناك مشهد أكثر فرنسية من رؤية الأزواج المسنّين والآباء الصغار، وھم يتنافسون على تناول قطع مختارة من شرائح لحم العجل في صباح عطلة نهاية الأسبوع، لكنّ شعبية "لي جومو"، أي "التوأمان" بالعربية، محلّ بيع اللحوم الحلال بباريس، تشكّل هي الأخرى شيئاً فذّاً ومتفرداً؛ حيث تمكّن الأخوان الشابان التوأمان، البالغان من العمر 28 عاماً، اللذان يديران المحل، من جذب زبائن متنوّعين والتمتّع بالإشادة من النقاد، في لحظة تشهد مقاومة شديدة لهذه الطريقة.

اقرأ أيضاً: صناعة الحلال جعلت الدين سوقاً ضخمة لرؤوس الأموال
استناداً إلى تقرير لـ"DW"  عربية؛ فإنّ ولاية بافاريا بألمانيا يعيش فيها قرابة نصف مليون من أصل أربعة ملايين مسلم، وهم ينفقون نحو خمسة مليارات يورو سنوياً على شراء المواد الغذائية، سيما اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية، وعند الاتجاه إلى حيّ متاجر الأتراك والعرب في مدينة ميونخ، القريب من محطة القطارات الرئيسة، نجده يعجّ بحركة دؤوبة ونشاط كبير، سيما في المطاعم التي تقدم الطعام الحلال.

من المتوقع أن تصل تجارة اللحوم الحلال بحلول العام 2020 إلى 6.4 تريليون دولار

فلوريان بيرغر، من مركز ولاية "بافاريا" للبحوث الزراعية، أشار في التقرير نفسه إلى أنّ "الشركات البافارية التي دخلت سوق الحلال هي شركات عديدة، وبعضها يعمل منذ عدة أعوام، مثل: شركة "هوهون راينر" البافارية لإنتاج سجق الطيور، وشركة "فيزنهوف"، و"فيون"، ومذبح ميونخ، وشركة "زود دويتشه تروتهان"، خاصة بعد تزايد الطلب العالمي على المنتجات الحلال، الذي وصل إلى أكثر من 448 مليار يورو.

اقرأ أيضاً: "الاستهلاك الحلال".. صفقة الأصولية الإسلامية مع الرأسمالية الأوروبية
يستكمل التقرير: قسم اللحوم بمتجر "كاوف لاند"، بستهدف الزبائن المسلمين بشعار "حلال" على بعض أنواع اللحوم والطيور؛ فالدجاج الذي تنتجه شركة "فيزنهوف" الشهيرة، وضعت عليه علامة "حلال"، مكتوبة باللغة العربية والتركية، بحجم صغير في الركن الأيسر على العبوة، إلا أنّها تجنبت الإشارة إلى ذلك باللغة الألمانية، ما يعطي انطباعاً بأنّ الشركة تخاطب المسلمين بلغتهم الأصلية، وتحاول في نفس الوقت إخفاء ذلك عن المشتري الألماني، وهو ما اتضح من خلال جهل البائع بما توحي به هذه الكلمة.

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني: الفشل في السيطرة على المجتمع
يرجع السبب الأساسي وراء إخفاء هذه العلامة عن المستهلكين الألمان إلى محاولة الشركة تجنّب غضبهم، ومنع حملات التشهير التي تقوم بها جمعيات المحافظة على حقوق الحيوان، التي تعارض الذبح.
وفي المتجر نفسه أيضاً، يمكن شراء لحوم الخراف الحلال، التي تستوردها شركة "فايدا" الألمانية من نيوزلندا، ويلاحظ الزبون، وبالطريقة نفسها، أنّ كلّ المعلومات كتبت باللغة الألمانية على العبوة، إلا عبارة واحدة مكتوبة باللغة الانجليزية، وهي "Halal Slaughtering"؛ أي ذبح حلال، ما يدلّ أيضاً على محاولة للتمويه باستخدام لغة غير الألمانية موجّه إلى المستهلكين المسلمين.
فضائح اللحوم الحلال
لقد وقعت فضيحة كبيرة بسبب تصريح من شركة "دوللي"، وفتوى من مفتي الدولة هناك تجيز لحوم هذه الشركة؛ حيث كشفَ أصحاب المطاعم في مدينة مالمو، جنوب السويد، عن مصدر لحوم الحلال المخلوطة بلحم الخنزير، وقالوا إنّ المورد الأصلي لهذه اللحوم هي شركة دوللي الرومانية، التي تمتلك شهادة ذبح حلال من المفتي العام في رومانيا، الشيخ يوسف مراد، وهي الشركة ذاتها التي تورطت من قبل في فضيحة تصدير لحوم الخيل والحمير، إلى بريطانيا وهولندا وبلغاريا، وبلدان أوروبية وإسلامية على أنّه لحم بقري حلال.

الإخوان يحتكرون ترخيص اللحوم الحلال

ولا يُعرف فيما لو كانَ الشيخ يوسف مراد (36 عاماً) على علم بقضية الغشّ هذه، إلا أنّ الشهادة تؤكد تورطه في القضية، وهو الشيخ الذي درسَ خلال الأعوام 1991-1994م "اللاهوت الإسلامي" في تركيا، وحازَ العام 2003 على درجة الماجستير من كلية اللاهوت الأرثوذكسي في رومانيا، على أطروحته "الروح الإسلامية والمسيحية القانونية في دوبروجا".

اقرأ أيضاً: "الإخوان" وأحلام حكم العالم باسم "الخلافة"
صحيفة "نيويورك تايمز" تحدثت عن لحوم حلال، تباع في بريطانيا على أنّها ذبحت بالطريقة الإسلامية، دون وجود دمغة أو "ماركة" عليها، كما أنّ اللحوم الحلال أصبحت من أكثر المشكلات في فرنسا، ومنها كافتيريات المدارس العامة، وما إذا كانت القيم الجمهورية الفرنسية تسمح للطلاب المسلمين واليهود المتزمتين دينياً بتخطي عروض لحم الخنزير الأسبوعية، لصالح تناول "وجبات بديلة".

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وذكرت الصحيفة، في تقرير نشر بتاريخ 12 أيلول (سبتمبر) 2018؛ أنّ هناك ضغوطاً من جمعيات حقوق الحيوان في هولندا، لإجراء تغييرات في طريقة ذبح الحيوانات، التي تعدّها هذه الجمعيات قاسية؛ حيث يكون الحيوان في وعيه كاملاً، عندما يتم ذبحه بالسكين، وأنّ الصدام بين الحرية الدينية وحقوق الحيوان في هذه القضية، يتخذ حيزاً من الجدل في أنحاء أوروبا؛ حيث تقدم الحزب الهولندي للحيوانات، الذي يستحوذ على خمس مقاعد في البرلمان، للمرة الأولى بمشروع لتغييرات في طرق الذبح.
بحسب الصحيفة الأمريكية؛ فإنّ النمسا، وهي إحدى دول أوروبا الغربية، بدأت حملتها ضدّ اللحوم الحلال؛ عن طريق فرض قانون يجبر الراغبين في شرائها بالتسجيل بشكل رسمي في بعض السجلات الخاصة بالحكومة.
على جانب آخر؛ فرضت بولندا حظراً رسمياً على الذبح بالطريقة الإسلامية "الحلال"، كما تضمّن برنامج الحزب البديل اليميني المتطرف لألمانيا حكماً مماثلاً، وذلك لإيقاف عملية الذبح على الطريقة الإسلامية بشكل كامل.

الإخوان وتجارة الحلال
تقرير صحيفة "العرب" اللندنية أكد أنّ إعطاء شهادة المرور ورقابة الحلال في أوروبا، موزعان بين العديد من التنظيمات، وأهم هذه البنى هي المعهد الإسباني لمراقبة المنتجات الحلال، والمجلس العالمي للأطعمة الحلال، وفي ألمانيا وحدها؛ فإنّنا نجد ما لا يقل عن 400 بنية تمنح شهادة بأنّ المنتج حلال، وفي فرنسا أعطت الدولة ثلاثة مساجد في باريس وليون حقّ احتكار إصدار هذا التصديق أو الشهادة، كما أنّ أهلية مقدمي الذبائح قد منحت حصرياً لثلاثة مساجد في باريس وليون، وتعمد هذه المساجد إلى بيع بطاقات مقدمي الذبائح، وقد ازدادت أسعار هذه البطاقات بقوة، ومع ذلك؛ فلا تشكل عائدات هذا البيع مردوداً فعلياً يعود للمسلمين.

اقرأ أيضاً: الاستخبارات الألمانية تراقب الاتحاد الإسلامي التركي بسبب "الإخوان"
يؤكّد خبراء في الإسلام السياسي، ومنهم الصحفي المصري المختص في هذا الشأن، محمد الفقي؛ لـ"حفريات" أنّ المركز الثقافي الإسلامي في جنيف، ومؤسسة ألمانيا الإسلامية "IGD"  ، والمجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا، وكذلك اتحاد الهيئات الإسلامية في إيطاليا (UCOII)، وكلها تسيطر عليهم جماعة الإخوان، "هم من يمررون ترخيص اللحوم الحلال، ومنها يجنون ملايين الدولارات، التي ينفقونها فيما بعد على تمويل التنظيم العالمي".
من جهته، صنف الصحفي المختص بالإسلام السياسي، محمود الطباخ، ثلاث فئات منها: هي "المجلس الإسلامي العالمي، والتجمع الإسلامي بباريس، واتحاد المنظمات الإسلامية بباريس، كجهات تعطي تراخيص للحلال، ومعهم الجزارون الذين يعطون شهادات: يقوم هؤلاء أنفسهم بالذبح الحلال وتقديم الشهادة على ذلك، ومقدمو الأضاحي الذين يعطون شهادات ويؤكدون صحة ذبح الحيوانات التي يذبحونها".

اقرأ أيضاً: "الإخوان" في ألمانيا... توسعات مقلقة
في تعليقه على "اللحوم الحلال"؛ كتب الصحافي خضير طاهر، في موقع "إيلاف"، مقالاً انتقد فيه هذه القضية، مشيراً إلى أنّ المفارقة أنّ بعض المسلمين، وليس جميعهم، يشترون الطعام "الحلال" بالمال "الحرام"، الذي يحصلون عليه عن طريق الاحتيال على القوانين في أمريكا والدول الأوروبية وكندا واستراليا، "فهم يمارسون الكذب على مؤسسات الضمان الاجتماعي والبنوك، ويعملون في السوق السوداء، وغيرها من الممارسات التي تعدّ خرقاً للقوانين، وغشّاً وخداعاً للبلدان التي فتحت لهم أبوابها"!

اقرأ المزيد...

الوسوم: