أكاديمية جزائرية للغة الأمازيغية: حضر السياسي وغاب اللغوي

أمين الزاوي

منذ الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية في الجزائر في دستور 2016، حيث نص بموجب ذلك على إنشاء أكاديمية للتفكير في واقع حال اللغة الأمازيغية ووضع منهجية لسانية لتطويرها وترقيتها وتدريسها، منذ ذلك الوقت والنخب الجامعية وكذا المناضلون داخل المجتمع المدني يعولون على إنشاء هذه المؤسسة العلمية وينتظرون تشكيلة الفريق الذي سيتولى الإشراف عليها.

وحتى قبل تشكيلها كان الصراع قد بدأ يتصاعد ويظهر في شكله السياسي والأيديولوجي، تقوده أحزاب على لسان بعض الإعلاميين أو بعض المثقفين، وهذا الصراع كان غرضه الضغط المسبق على فريق الأكاديمية الذي من المفترض أن يكون حياديا، ينظر إلى اللغة من باب المقاربات العلمية التي تهدف أساسا إلى ترقية اللغة والدفع بها إلى الأمام بغرض استدراك ما ضاع من الوقت الذي عاشته في مواجهة سياسة المنع والتهميش والتحقير والفلكلرة (من فلكلور).

ولعل الصراع الذي سبق الإعلان عن تشكيلة فريق الأكاديمية كان أساسه الاختلاف حول الحرف الذي ستكتب به هذه اللغة، فجناح الإسلاميين ومعه بعض التيارات السياسية والزمر الثقافية الوطنية الشوفينية، هم الذين كانوا بالأمس ومنذ الاستقلال يعارضون كل دعوة إلى تعليم هذه اللغة وترقيتها، بل ما فتئوا يعتبرونها قضية من صنع وصناعة الاستعمار الفرنسي وأورثها لبقاياه من المثقفين الفركفونيين أو ما يسمون في الجزائر بـ”حزب فرانسا”، فهذا الجناح الإسلاموي الوطني الشوفيني ظل يضغط ومنذ الاعتراف بها لغة وطنية ورسمية على أمل التأثير على الفريق الأكاديمي لترجيح كفة فكرة اعتماد الخط العربي في كتابة اللغة الأمازيغية، ويرى أن كتابة الأمازيغية بحرف غير الحرف العربي هو ضرب للإسلام.

وهم الذين كانوا جزءا أو حليفا للأنظمة السياسية في جبهة محاربته للغة الأمازيغية وللنشطاء السياسيين والثقافيين والفنيين الذين حملوا لواء الدفاع عن هذه اللغة.

أما الجناح الثاني فهو الجناح الذي خاض ومنذ أزيد من قرن معارك كثيرة علمية ولسانية وثقافية وسياسية من أجل الحقوق الأمازيغية واسترجاع مقومات الهوية الوطنية منذ الحركة الوطنية الجزائرية بعيد الحرب العالمية الثانية، وهو الجناح الذي قاده جيل “سيبويه اللغة الأمازيغية” وأعني به الكاتب والباحث مولود معمري الذي قنن لهذه اللغة وأعطاها بعدا وطنيا عميقا، وقد تبعه في ذلك الكثير من الباحثين الشباب الذين كرسوا حياتهم لترقية هذه اللغة ولأجلها زج بالكثير من مناضليها في السجون. وقد تمكن هذا الجناح المشكل من خيرة الباحثين الأكاديميين العاملين بالجامعات الجزائرية أو الفرنسية أو الكندية أو الأمريكية أن يراكم تراثا أمازيغيا معتبرا ومرجعيا في البحث اللساني والأنثروبولوجي وفي علم المعاجم وفي الترجمة وفي الإبداع الروائي والشعري والمسرحي المكتوب بالحرف الإغريقي اللاتيني.

اليوم وبعد الإعلان في الجريدة الرسمية عن أسماء أعضاء هذه الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية وعددهم أربعون برئاسة الباحث الجامعي الدكتور محمد جلاوي (عميد كلية الآداب واللغات بجامعة البويرة) وعضوية الكثير من الأسماء بعضها معروف وهم قلة وأكثرها مجهول في الأوساط الجامعية والإبداعية، وهو ما أثار خيبة المجتمع الجامعي والأكاديمي والثقافي الذي لاحظ استبعاد العديد من الأسماء الوازنة في هذا الباب والتي قضت حياتها في الكتابة العلمية أو الإبداعية والمرافعة السياسية والمدنية لصالح هذه اللغة، ومن هذه الأسماء المنسية نذكر على سبيل المثال الباحث الجامعي شاكر سالم (الذي كان البعض ينتظر أن يراه على رأس هذه الهيئة لأنه يمثل بالفعل رمزها الحي).

كما سقطت أسماء أخرى من أمثال الدكتور مولود لناوسي والدكتور محند آكلي صالحي والدكتور سعيد شماخ والدكتور حميد بوحبيب والروائيين عمار مزداد وإبراهيم تازغارت ويوسف مراحي وعبدالنور عبدالسلام ورشيد أولبصير وغيرهم وهم من النشطاء العلميين والثقافيين الذين حملوا اللغة الأمازيغية ولا يزالون.

وأعتقد أن اختيار المجموعة المشار إليها آنفا روعي فيه البعد المناطقي الجهوي أكثر ما روعي فيه البحث العلمي والفاعلية في ترقية اللغة نفسها، وهو اختيار سياسي أكثر منه اختيارا علميا وثقافيا. ولعل هذه الخيبة هي التي دفعت بالبروفيسور عبدالرزاق دوراري إلى الانسحاب من التشكيلة فور الإعلان عنها، وهو واحد من الأسماء الثقيلة المتخصصة في اللسانيات الأمازيغية.

أليس تغليب السياسي على العلمي وإحساس الخيبة لدى الجامعيين اللذين رافقا الإعلان عن تشكيلة الفريق سيجعل مهمة الأكاديمية صعبة، بل وربما ستجد نفسها مقطوعة عن فضاء الباحثين الحقيقيين، وهو ما سيسمح للانتهازيين من الجامعيين والمثقفين بملء حالة الفراغ وبالتالي تعويم القضية الأمازيغية وإبقائها معلقة إلى حين، وربما هذا هو المقصود وهذا هو المطلوب من الفريق المعين في الوقت الراهن.

عن "العرب" اللندنية

الأقسام: