مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

1436
عدد القراءات

2019-01-20

عماد بوظو

في مدينة الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى ذات المكانة الرمزية الخاصة، أقيم لثلاث ليالي متتالية في منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر 2018 أكبر مهرجان موسيقي عالمي تم تنظيمه في السعودية حتى الآن. أحيى الحفل النجم الإسباني أنريكي إغليسياس والنجم الفرنسي ديفيد غيتا ونجوم وفرق عالمية أخرى بالإضافة للفنان المصري عمرو دياب، وسط حضور كثيف ونسبة مشاركة واسعة للفتيات السعوديات. كانت وجوه الحاضرين تضج بالسعادة وحب الحياة، وتفاعل الجمهور مع الموسيقى كان شديدا مثل ما يحدث في بقية دول العالم، ومع الهواتف النقالة وصلت هذه المشاهد للعالم لتصور رغبة نسبة كبيرة من شباب وبنات السعودية بأن يستمتعوا بحياتهم وشبابهم.

ورغم أن لباس الحضور من الفتيات والشباب كان هو اللباس السعودي التقليدي، فقد صدرت كثير من التعليقات المنتقدة والمهاجمة لما حدث باعتباره انحلالا وتغريبا وخاصة لحدوثه في الدرعية منشأ الدعوة الوهابية وتركز الهجوم على ما اعتبروه اختلاطا وهو مجرد وجود الشباب والبنات في ساحة واحدة مكشوفة لا مجال فيها لأي خلوة أو خصوصية، وعلى المرأة إذ اعتبروا خروجها من منزلها بكامل زينتها. ومنهم من قال إن الموسيقى هي من المنكرات التي لا يمكن قبولها بأي حال ورأوا أن واجبهم هو النهي عنها.

وقبل أيام أحيى الفنان المصري عمر خيرت مع فرقته الموسيقية حفلة في مدينة العلا الواقعة بين المدينة وتبوك قدم فيها أشهر أعماله، وليلة 18 من الشهر الحالي قدم أصغر عازف بيانو منفرد "لانج لانج" حفلا موسيقيا، كما سيشهد شتاء طنطورة إطلالة أم كلثوم بتقنية الهولوغرام في 25 من الشهر الحالي، ثم أندريا بوتشيلي مطلع شباط/فبراير المقبل ضمن سلسلة من الفعاليات والحفلات الموسيقية التي تشهدها السعودية مؤخرا.

في المقابل، يواجه الإصلاحيون في إيران عدة عقبات خلال محاولاتهم إقامة حفلات موسيقية لأنها سرعان ما تصطدم بمعارضة وقوة نفوذ المحافظين على المستوى الوطني أو على مستوى الأقاليم والمدن، رغم أن موقف المذهب الشيعي أقل تشددا من موقف التيار السلفي الذي يحرم الموسيقى بكل أشكالها وأغلب آلاتها، بينما في المذهب الشيعي لا يحرم استخدام جميع الآلات الموسيقية وهناك موسيقى محللة وموسيقى محرمة حسب الأجواء المرافقة لها، ورغم أن الجو الاجتماعي في إيران أكثر انفتاحا مقارنة بالسعودية، فقد كان يتم إلغاء الحفلات رغم أنها لموسيقيين محليين تحت ذرائع مختلفة. مثلا، في مدينة مشهد، اعتبر أحد كبار رجال الدين أحمد علم الهدى "أن مدينة يوجد فيها ضريح الإمام الرضا لا يمكن أن تقام فيها الحفلات الموسيقية فهذا إهانة للإمام"، ولذلك رغم الحصول على كل التراخيص والموافقات المطلوبة كانت قوات الأمن تمنع الحفل.

كما تم منع بعض الحفلات لأسباب أخرى، فقد قال وكيل أعمال المغني علي رضافي إن عناصر أمن اتصلوا به وأبلغوه أنه غير مرحب بإقامة حفل لأغنياته "الفرحة" بسبب فترة حداد ديني في البلاد. كما تمت مهاجمة وزير الثقافة السابق علي جنتي لأنه سمح بإصدار عمل موسيقي تؤدي فيه مغنية مقطع منفرد، إذ منذ عام 1979 تحظر قوانين الجمهورية الإسلامية على النساء الغناء انفراديا حتى لأداء لازمة موسيقية. وتم إلغاء حفلات أخرى في بعض المدن لوجود عازفات نساء ضمن الفرق رغم أنهن محجبات. وفي بعض المدن الإيرانية يمنع على النساء حتى حضور الحفلات الموسيقية باعتبار ذلك اختلاطا يحض الدين على تجنبه؛ وتمرد الشباب الإيرانيون على ذلك من خلال تنظيم موسيقى الشارع التي تعزف فيها فرق موسيقية بالساحات العامة بدون مقابل ولكن أجهزة الأمن الإيرانية أصدرت قرارا عام 2018 بحظرها إذا لم تحصل على إذن مسبق باعتبارها "تتضمن مشاهد وتؤدي إلى سلوكيات خارجة عن الأعراف الاجتماعية".

يعود سبب هجوم المتشددين على الاحتفالات الموسيقية إلى أن بعض رجال الدين حرّموا الموسيقى، مثل ابن تيمية الذي قال إن "المعازف هي خمر النفوس تفعل أعظم من ما تفعله الكؤوس فإذا سكروا بالأصوات حلّ فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش"، أو ما قاله ابن القيم على سماع المعازف: "إن السماع فسق والتلذذ به كفر"، رغم عدم وجود أي إشارة في القرآن إلى ذلك ولكنهم استخدموا الآيتين "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" (لقمان 6)، "والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما" (الفرقان 72)، وجعلوا المقصود بلهو الحديث هو الغناء. لكن رجال دين آخرين اعتبروا تفسير لهو الحديث يعود على الكلام المنمق الباطل الذي يشكك في آيات الله، أو الجدال في أمور وجزئيات لا فائدة منها.

كما تجاهل المتشددون أن هناك من كبار رجال الدين من رأى تحليل الموسيقى، مثل ابن حزم الذي يعتبر أكبر علماء الإسلام تأليفا وتصنيفا بعد الطبري، حيث قال "إن استماع الموسيقى مباح مثل التنزه في البساتين ولبس الثياب الملونة"، أو ما قاله حجة الإسلام أبو حامد الغزالي "من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج"، وكذلك ما قاله شيخ الإسلام العز بن عبد السلام "إن الغناء بالآلات وبدونها قد يكون سبيلا لصلاح القلوب"، وكثير غيرهم.

الموسيقى هي لغة التعبير العالمية وتحيط بالإنسان من كل الجوانب، من أصوات الأشجار والأنهار والرياح وموج البحر والطيور وتباين الأصوات البشرية، وأغلب الآلات الموسيقية هي محاولة لتقليد هذه الأصوات، ولذلك فإن الموسيقى كانت دوما جزءا من حياة الإنسان وخاصة في منطقة الشرق الأوسط؛ فهناك الموسيقى السومرية بمصاحبة القيثارة وآلات العزف ذات الأوتار الأفقية والعامودية، والموسيقى البابلية التي ازدهرت خصيصا أيام حمورابي، كما استخدم المصريون القدماء الآلات الوترية والنفخية والمصفقات النحاسية والعاجية وشكلوا فرقا كاملة من الموسيقيين لتشارك في الحفلات والأعياد. كما قيل إن أقدم نوتة موسيقية في العالم وجدت في رأس شمرا على الساحل السوري مكتوبة على لوحات مسمارية تعود لحوالي 1400 قبل الميلاد، وفي الجزيرة العربية قبل الإسلام كان هناك آلات موسيقية عديدة منها المعزف والكنبور والمربع والعود الذي كان يصنع من الجلود والمزهر وغيرها، كما كان هناك الحداء أصل الغناء العربي والمقصود به ما يطرب الأذن بحسن نغماته.

واستمرت الموسيقى مع الدعوة الإسلامية، وقال شوقي ضيف في أحد كتبه إن الغناء ظل في المدينة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، ودعم قوله هذا بحديث للرسول: ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت، وفي عهد بني أمية والنهضة التي شهدتها اهتم الخلفاء بالموسيقى وأهلها فعندما مرض المغني معبد عالجه الوليد بن يزيد في قصره وعندما توفي شيعه بنفسه، وذكر في موسوعة "من عيون الكتب في التاريخ والفنون" وموسوعة "أعلام الموسيقى حياتهم وآثارهم" أن السيدة سكينة بنت الحسين أنشأت صالونا أدبيا خاصا بها حيث كانت تستمع إلى الشعراء وكبار المغنين مثل ابن سريح والغريض ومعبد وهم من الحجاز وحنين الحيري من العراق، وقد قيل إن سعد بن أبي وقاص ومصعب بن الزبير وعائشة بنت طلحة وعبد الله بن جعفر كانوا من رعاة الموسيقيين.

وفي العصر العباسي وصلت الموسيقى إلى عصرها الذهبي وقدم بعض علماء ذلك العصر أبحاثا في الموسيقى مثل الفارابي في "كتاب الموسيقى الكبير"، والكندي في رسالة في المدخل في صناعة الموسيقى، وابن سينا في بحث محاسن الألحان، وفي كتاب الأغاني ليونس الكاتب، وكتاب النغم وكتاب الإيقاع للخليل بن أحمد الفراهيدي، واشتهر من الموسيقيين إبراهيم الموصلي وإسحق الموصلي وابن جامع وإبراهيم بن المهدي، وفي الأندلس أنشأ زرياب حضارة موسيقية متكاملة انتقل بعضها إلى أوروبا، أي أن الموسيقى ازدهرت في هذه المنطقة بدون انقطاع حتى العصور الحالية، وكان للموسيقى في الحجاز مكانة خاصة ومن منابعها الأصلية مكة المكرمة، ولذلك يبدو ما أن قاله المتشددون بعد حفل الدرعية: "من كان يتصور أن يرى يوما هذه المظاهر (الحفلات الموسيقية) في بلاد الحرمين" بعيد عن الواقع والتاريخ حيث أن الموسيقى لم تفارق أبدا بلاد الحرمين.

الموسيقى بآثارها البدنية والعاطفية والعقلية والاجتماعية والجمالية والروحية تساهم في تحسين حالة الإنسان، قال أفلاطون "إن الموسيقى يمكن أن تؤثر على طبيعة الفرد"، واليوم تشترك الموسيقى في مواجهة موجة التشدد التي تحكمت بالحياة الاجتماعية والثقافية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، ومن المؤكد أن معركة المتشددين مع الموسيقى ستكون خاسرة لأنها تتناقض مع الطبيعة البشرية.

عن "الحرة"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

منطق الهوية.. وسياساتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

رضوان السيد

اشتعلت المواقع في الأيام الأخيرة بتصريحات الرئيس الأميركي ترامب ضد النائبات الأربع من الحزب الديمقراطي، وقد دعاهنّ فيها للعودة إلى ديارهنّ. والنائبات من أصول مختلفةٍ «غير بيضاء»، وثلاثٌ منهنّ مولودات بالولايات المتحدة، والرابعة من أصل صومالي. ورغم ثوران وسائل الإعلام الأميركية، وكذلك الحزب الديمقراطي (وهنّ نائباتٌ فيه)، فإنّ الأمر ليس جديداً على الأميركيين. فقد ظلَّ ملايين السود الذين اقتيد أجدادهم قبل مئات السنين رقيقاً للعمل في مزارع البيض، يعانون من التمييز حتى أواخر الستينيات من القرن العشرين، كما أنهم ما تحرروا من عبوديتهم إلاّ في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. والذين يستغربون ويستنكرون كلام الرئيس الأميركي الآن، يعلمون أنّ منطقه هذا كان سبباً رئيسياً في فوزه بالرئاسة. وهو في نقده للمكسيك المجاورة، ومحاولته بناء سورٍ بينها وبين بلاده بطول مئات الكيلومترات إنما يريد منع المهاجرين غير الشرعيين (الغرباء كما يقول)، من دخول الولايات المتحدة، والذين بلغ عددهم أحد عشر مليوناً!
يحفل العالم اليوم بعشرات الظواهر المتفرقة التي يحاول الباحثون إعطاءَها عنواناً أو جَمعها تحته، وهو: الهوية. وإذا كان اللون رمزاً لذلك لدى ترامب، فإنه يصبح الأصل الإثني لدى سياسيي اليمين في أوروبا. وقد سيطرت أحزابٌ يمينيةٌ على الحكم في عدة دولٍ أوروبيةٍ، بالشعارات التي حملتها ضد «المهاجرين». والنجاح الذي يحققونه لا يحدث في دولٍ مثل هنغاريا وبولندا فقط، بل يحدث أيضاً في دولٍ اسكندنافية عريقة في ديمقراطيتها واستقبالها للمهاجرين، وحتى في بريطانيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ المستشارة الألمانية ميركل إنما تزعزعت زعامتها لأنها استقبلت أكثر من مليون لاجئ سوري، بل ويوشك الاتحاد الأوروبي أن يتصدّع تحت وطأة مشكلة اللجوء واللاجئين، وبغض النظر عن ألوانهم وأصولهم، فالمهم أنهم غرباء وليسوا أُصلاء.
وفي كل مرةٍ تظهر فيها مشكلة الأصيل والدخيل، تكون لذلك ظلالٌ دينية، وبخاصةٍ في آسيا وأوروبا. فالبورميون في محاولتهم إبادة الروهينغا، يركّزون على إسلامهم، أو يعتبرونه الشاهدَ على «غربتهم» واختلافهم عن دين الأكثرية البوذية في البلاد. ويبدو الأمر أصعب لدى «مودي» رئيس وزراء الهند، والذي اكتسح حزبُه اليميني الانتخابات الأخيرة، رغم أن المسلمين هناك يبلغ عددهم أكثر من مائة وخمسين مليوناً هم هنودٌ خُلَّص إثنياً وجينياً، لكنهم ليسوا هندوساً بل مسلمون!
وفي أوروبا أراد البعض تخفيف الوقْع فتحدثوا عن «الإسلاموفوبيا» الناجمة عن أحداث العنف التي اقترفها شبانٌ مسلمون، من الجيل الثالث هجرةً واستقراراً في بلدان القارة العجوز.
إنّ هذا الداء الهائل، داء الهوية الصافية أو التي تريد أن تكونَ صافية، عرفناه أولَ ما عرفناه في منطقتنا في استعمار الصهاينة لفلسطين. وكان استعماراً استيطانياً، وصار في العقود الأخيرة إحلالياً واستبدالياً. فالمستوطنون بالأيديولوجيات الجديدة الدينية بالذات، يريدون أن تكون إسرائيل دولةً يهودية خالصة. وبذلك يصبح الفلسطينيون في الحدود الأولى للكيان الغاصب ليسوا مواطنين كاملين، لأنهم ليسوا يهوداً. ولأنّ مطامح ومطامع الاستيلاء تتنامى، فإنّ نتنياهو قال أخيراً إنه شخصياً يريد ضمّ المستوطنات بالضفة ومن حول القدس إلى إسرائيل. والمستوطنات تتنامى، فأين يذهب الفلسطينيون الذين تُضمُّ أراضيهم ومزارعهم إلى «الدولة اليهودية»؟! لقد قام سفراء من دول الاتحاد الأوروبي أخيراً بالاجتماع من حول مساكن الفلسطينيين التي يراد هدمُها لتُضمَّ إلى المستوطنات، بعد أحكامٍ أصدرتها المحكمة العليا ضد السكان الذين لجأوا إليها لإنصافهم!
ولماذا نذهب بعيداً؟ منذ حوالى العامين يشغلنا وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل بالهجمات على النازحين السوريين «الأجانب والغرباء» كما يقول. بل تحدث عن الاختلاف الإثني والجيني بينه وبينهم!
وأخيراً فإنّ وزير العمل اللبناني، اكتشف أخيراً وجود قانون يمنع الفلسطينيين من ممارسة معظم المِهَن على الأرض اللبنانية المقدسة، فأقفل محلاتهم وأعمالهم القائمة من عشرات السنين. وأوصل رسائل إلى المدارس الخاصة تمنعهم من ممارسة التعليم فيها. باسيل تعلّل بالجينات، وأبو سليمان بالقانون، أما حاكم المصرف المركزي فقال إنّ أقارب اللاجئين الفلسطينيين يرسلون إليهم من الخارج ملياري دولار سنوياً، فينبغي السماح لهم بالتملك والعمل!
فوكوياما، المفكر اليميني المعروف، قال في كتابه عن «الهوية» الصادر عام 2017 إنّ الهويات وهم، لكنه وهمٌ قاتل. بيد أنّ هذا «الاعتراف» لا يفيد بشيء، ما دام ينتج التمييز والتهجير والقتل!
عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية