غوغل.. هكذا غير عملاق البيانات الرقمي العالم

التكنولوجيا

غوغل.. هكذا غير عملاق البيانات الرقمي العالم


31/01/2019

من محرك بحث، بالكاد يستقبل عشرة آلاف عملية بحث، إلى أكبر جامعٍ وموزّعٍ للبيانات في العالم حتى الآن. هكذا أصبح غوغل، عملاقاً للبيانات والمعلومات، ولا يوجد شأن عالمي أو حدثٌ أو عمل، أو نشاط، إلا وهو شريك رسميٌّ فيه دون موافقة أحد؛ بل إنه مرحّبٌ به دوماً؛ لأنّ وجوده ضروري، ولا يمكن التخلي عنه.
فما هو "غوغل"؟ ولماذا لا يمكن الاستغناء عنه؟
ولادة أخرى للعالم
منذ اللحظة الحاسمة عام 1996، حين اختار الطالبان في جامعة ستانفورد لاري بيج وسيرجي برين، تطوير غوغل كمشروع لم يجدْ في حينه من يقبله، فقد رفضت "ياهو شراءه، وكذلك شركات كبرى حينها كألتا فيستا، وغيرها"، وفقاً لموقع "الجامعة التكنولوجية للمعلومات"، ولم يكن أمام لاري وسيرجي عندها إلا أن يأخذا مشروعهما إلى "متنزه مينلو في كاليفورنيا، وتحديداً في مرآب السيارات الذي استأجراه من صديق لهما، ولم يضمّ المكان حينها سوى غسالةٍ ومجفف، وحمام بخار، وموقفٍ لسيارة أول موظف في الشركة؛ كريج سيلفرتين، الذي يتبوأ حالياً منصب مدير التقنية في الشركة".

ينوب غوغل عن الذاكرة البشرية ويربط العالم ببعضه ويحدّث البيانات بصورةٍ لحظية كما يقدم حزمة خدمات مجانية هائلة

وبحلول عام 1998، أصبح "غوغل" معروفاً قليلاً، بفضل ما كانت تكتب عنه الصحافة الأمريكية، واصفةً إياه بأنه واحدٌ من أفضل 100 محرك بحثٍ في العالم آنذاك. لكن؛ وبعد عام 2000، لم يعد "غوغل" يكتفي بهذه المكانة المتواضعة؛ حيثُ تمكّنَ تماماً من التفوق على محركات بحثٍ مثل ياهو، عندما حلّ مبرمجاه العبقريان مشكلة التأخر في إخراج النتائج المطابقة لكلمات البحث من جهة، كما وجعلا النتائج أكثر منطقيةً ودقة من جهةٍ أخرى، وذلك من خلال تطوير قواعد البيانات المرتبطة بمحرك البحث "غوغل".

اقرأ أيضاً: لماذا تراقب "غوغل" الفتيات‎؟
وكانت الفكرة في الإساس، قائمة على إنشاء وتطوير مكتبةٍ رقميةٍ عالمية، تضم معلومات كثيرة علمية وفكرية وشخصية. لكن "غوغل" مع التطور، والقدرة على استخدام خوارزمياتٍ تقيم كلمات البحث وتحيلها إلى المعلومات أو صفحات الإنترنت المطلوبة دون تدخل بشري مباشر، جعل العالم كله مكتبة فيما بعد، بل ويضاف إليها أي تغير أو تطور في  اللحظة نفسها، لينتشر في معظم أنحاء الكرة الأرضية.

مؤسسا غوغل

خلال الفترة، ما بين عامي 2000 و2006، لم يمنح "غوغل" محركات البحث الأخرى فرصة منافسته، بل إنها باتت بالكاد تقلد بعض منتجاته وابتكاراته حتى اليوم. وفي هذا السياق، يشرح موقع "inc" في تقريرٍ له نشر بتاريخ 5 أيلول (سبتمبر) العام 2017، كيف أنّ "غوغل استطاع التعامل مع البشر بالصورة الأفضل، فهو مثلاً "يختلف عن أي محرك بحثٍ آخر من خلال البساطة المبنية بصعوبة بالغة؛ أي إنّه يقدم لمستخدميه شاشةً بسيطة تتكون من اسمه، وأسفل الاسم شريط البحث فقط؛ لأنه يركز نفسياً على أنّ من سيستخدمه، سوف ينطلق غالباً للبحث عن خياراتٍ محددة في شريط البحث، ومن المؤكد أنّ شاشة رئيسية مليئة بالأخبار أو نوافذ المواقع الرقمية ومعلوماتٍ أخرى، سوف تزيد من خياراته، وبالتالي سوف تعقّد عملية البحث".

اقرأ أيضاً: "غوغل" تواجه غرامة بـ50 مليون يورو.. فما السبب؟
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فـ"غوغل" هو أول موقعٍ يظهر للباحث داخله قصاصة أو جزءاً من النص تحت العنوان الرئيسي للمواقع الرقمية التي تظهر بعد الضغط على كلمة "بحث"، وذلك لتسهيل الاختيار بين مئات الآلاف، على الأقل، من النتائج المحتملة التي سوف تظهر للباحث.
الحكيم "غوغل"
إنّ "غوغل" الذي ولد قبل 21 عاماً، يختلف تماماً عن البشر، فكلما تقدم في العمر، زاد نشاطاً ودقّة.
الأكبر سناً والأكثر معرفةً، الأكثر فلسفةً ربما كذلك، والأبعد رؤية. هذه صفات "غوغل". لذا فإنّ الجميع يعتمدون عليه بطريقةٍ أو بأخرى، من أبسط الأشياء إلى أعقدها، فهو يقدم صوراً وموسيقى وأشياء بسيطة، ويقدم التسلية في مضامين صفحاته الكثيرة، لكنه بالمقابل، يساعد المفكر أو المؤرخ أو الباحث...إلخ، من خلال ملايين الكتب والأبحاث والمعلومات، سواء أكانت تاريخية أو حديثة، مجدولة أو مكتوبة أو مصورة، صوتيةً أو فيديوية. يقدمها جميعاً منظمةً ومرتبة. حتى يظنّ المرء أنه ليس بحاجةٍ كبيرة لذاكرته.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح غوغل في عيده العشرين امتداداً لعقولنا؟
إنّ انعدام الحاجة إلى التذكّر يبدو أمراً ساخراً، لكن "drive" غوغل يقدم مساحةً لا متناهية لحفظ كل المعلومات أياً كان نوعها، لكلّ من يريد حفظ معلوماته وعمله، ويمكنه تذكير المرء بأي ملاحظاتٍ أو معلوماتٍ يوميةٍ يحتاجها لتسيير حياته اليومية. وفيما إذ احتاج المرء ملاحاً خبيراً، يعرف الطرق البرية والبحرية وغيرها في أي مكانٍ من العالم يجوب فيه، فإنّ "غوغل" سوف يقوده بكل بساطةٍ ودقة. أما إنْ تطلّب الأمر مشاركة الآخرين أي نوعٍ من النشاطات أو المعلومات أو العمل أو الأخبار المباشرة، فإنّ غوغل يقدم كل هذا ببساطة، ولذلك فإنّ التعامل معه ليس مجرد تعامل شخصي أو جماعي مع نظام بحث حاسوبي رقمي حديث ومتقدم، بل إنّه يتفاعل ويتطور ويقدم الخدمات وفقاً لفهمه وفهم (خوارزمياته) للإنسان الذي يتعامل معه.

الذكاء الصناعي لدى "غوغل" يعني إنشاء فهم كامل للعقل البشري ونشاطاته

يتحدث موقع "forbes" ضمن مقال مطول في أيلول (سبتمبر) العام 2018، عن أنّ غوغل "مكتبة، وعالم، ومرافق يومي في معظم الشؤون والأعمال من مستوى الأفراد، وحتّى أكبر شركات وبورصات العالم، كما أنّه منقذ من الورطات، يعين أي فردٍ علِقَ في معضلة للترجمة من أي لغةٍ، أو إن احتاج إلى كيفية عمل شيءٍ ما، مما يجعل غوغل يساعد مباشرةً. بل وهو متحفٌ تاريخي للعالم كله، وفنونه ولوحاته واكتشافاته الأثرية تقريباً. ومن يتحدث عن أنّ غزارة البيانات، ربما تتسبب للمستخدمين بعدم القدرة على اكتشاف أجزاء كبيرة من هذه البيانات، فمن المؤكد أنّ أي شخصٍ قبل غوغل، كان يضيع ملايين البيانات عن أي موضوعٍ يهمه بالفعل. لأنّ لا أحد من قبل، كان يمكن له أنْ يجمع كل هذه المعلومات ويوفرها مجاناً وللجميع ضمن بيئة واحدة فعلياً".

يحاول غوغل من خلال الذكاء الصناعي إنشاء أكبر مكتبة رقمية بشرية في التاريخ، تفاعلية وذكية وتحدّث ذاتها في كل وقت

غير أنّ "غوغل" كذلك، ووفقاً للموقع ذاته، يقدم حزمة كبيرة من الخدمات والبرامج المرفقة مجاناً، كالخرائط والمكتبات وغيرها، "إضافة إلى أنّه يملك "يوتيوب وأندرويد" لكنه يجمع بالمقابل معظم بياناتِ واهتمامات مستخدميه، ويستطيع بكل بساطة استهدافهم بالإعلانات أو البرامج الاقتصادية وغيرها، من خلال ربط اهتماماتهم والمواقع التي يكررون الدخول إليها" حتى تتمكن الشركات من الوصول إلى أكبر عدد من هؤلاء المستخدمين. وهو بكل بساطة؛ يعرف عن الأشخاص أكثر مما يعرفون عن أنفسهم أحياناً، ويتذكر ما ينسونه، ويتفوق اليوم على الذاكرة والمعرفة التقليديتين. بل يهدف، حسب الموقع الرسمي لشركته، إلى جعل كل شيء، مُلكاً للجميع.

اقرأ أيضاً: "غوغل بلس" منصة داعش لغزو الإنترنت مجدداً
في موقع شركة "غوغل" الرسمي، يمكن قراءة كيف يريد "غوغل" جعل الذكاء الاصطناعي مُلكاً لكل البشر ومساعداً لهم، كما يريد أنْ يوصل كل الأشياء ببعضها، بحيث لا ينقطع العالم عن بعضه. وهو غريب بعض الشيء، فاسمه بحسب تاريخ الشركة خطأ، إذ إنّ "google"، هي في الأصل "googole" والكلمة تعني الرقم واحد، وأمامه مائة صفر. بينما فرض غوغل اسمه على معاجم وقواميس اللغة الإنجليزية، وصار البحث من خلاله يسمى "googling" ككلمة تشبه الإبحار في بحرٍ لا ينتهي. وفي النهاية، لا يمكن التوقف عن الحديث حول "غوغل" فعلياً، لأن المعلومات عنه في هذا التقرير، أُخذتْ منه نفسه، وهي كثيرة جداً، بمئات الآلاف. وهذا المحرك الذي تجاوز كثيراً كونه مجرد شاشة للبحث، ليصبح الأكثر ذكاءً اصطناعياً ورقمياً، ربما لو وضع في كبسولةٍ وانطلق في أرجاء الكون، لبقي يحتفظ بالعالم، وذكرياته ومعلوماته وتاريخه العلمي والاجتماعي وغيرهما الكثير، إلى الأبد. وبكل حال، لا بدّ أنّ معلومات "غوغل" عن نفسه تم تحديثها الآن على صفحة محرك البحث الرئيسية، وبالكاد يمكن اللحاق بما يجدده غوغل من بيانات في كل لحظة.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم خرائط غوغل بدون الإنترنت في نظام الأندرويد؟

الصفحة الرئيسية