لماذا لا تجد مخرجات البحوث الفلسطينية طريقها إلى صانع القرار؟

1334
عدد القراءات

2019-02-06

تسهم مراكز البحوث في كثير من دول العالم، وإن بشكل متفاوت، في التأثير في صناعة القرار وصياغة السياسات العامة للأحداث والقضايا المصيرية، للبحث عن حلول مناسبة لها، باعتبارها أداة فاعلة في صنع السياسات العامة للدولة بطرق غير رسمية، من خلال قيامها بإعداد الدراسات التي تتعلق بالقضايا السياسية والثقافية والاقتصادية للدولة، والكشف عن المرتكزات الأيديولوجية لتوجهاتها، وتحليل قرارات النظام الحاكم فيها.

اقرأ أيضاً: جهود رسمية وشعبية فلسطينية لاستكمال ترميم كنيسة المهد

لكن في الأراضي الفلسطينية؛ تكاد مقررات مراكز البحوث والفكر تقتصر على المشاركين في الندوات وورشات العمل، التي تستقطب الشباب والمفكرين لبحث قضايا مهمّة وملحّة، وعمل دراسات حولها، رغم سعيها للوصول بها إلى أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية لتطبيقها على أرض الواقع، ما يطرح تساؤلات عن مدى الجدية التي ينظر بها صانع القرار إلى مخرجات هذه المؤسسات ودورها في صياغة السياسات العامة في فلسطين.

تعدّ فلسطين ثاني دولة عربية بعد مصر من حيث المراكز البحثية فيها

عدم الثقة في قراراتها

مدير مركز حوار للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، عمر الحلاق؛ يقول "يوجد في الأراضي الفلسطينية أكثر من 43 مركزاً بحثياً وفكرياً، وتعدّ فلسطين ثاني دولة عربية بعد جمهورية مصر العربية، من حيث المراكز البحثية فيها، إلا أنّ هذه المؤسسات لم تعد محلّ ثقة صناع القرار في الحكومة الفلسطينية، في ظل وجود اعتقاد سائد أنّها تتبع لأجندات خاصة، وتقوم على جميع البيانات واستخلاص نتائج أبحاثها ودراساتها بانتقائية لخدمة وجهة نظر محددة مسبقاً".

في الأراضي الفلسطينية تكاد مقررات مراكز البحوث والفكر تقتصر على المشاركين في الندوات وورشات العمل التي تقيمها

ويشير الحلاق، في حديثه لـ"حفريات" إلى أنّ "عدم التعاون من قبل المؤسسات الرسمية الحكومية مع المؤسسات البحثية ناجم عن الشكوك التي تدور حولها وعن الجهات التي تمولها، رغم حرص هذه المؤسسات على التزام الحياد في أنشطتها وتنوع مهامها حول كافة القضايا الفلسطينية المهمّة؛ لحثّ صنّاع القرار في السلطة على مساندتها ودعم الثقة في قراراتها، سواء كانت هذه النتائج والقرارات التي تم اتخاذها سيتم تنفيذها على المدى القصير أو البعيد".

ويؤكد الحلاق أنّ "مراكز البحوث في العالم العربي عامة، وفي الأراضي الفلسطينية خاصة، لا تتم استشارتها، وذلك كون النظام السياسي في معظم هذه البلدان وعملية صناعة القرار فيها غير مستقلة، ولا تتسم بالوضوح الكافي، أما في الدول الغربية؛ فتجد أنّ مؤسسات البحوث والفكر لها دور ريادي في صناعة القرار السياسي، وتساهم البيئة الثقافية والسياسية في سهولة عمل هذه المراكز بطريقة مستقلة، حتى وصلت إلى أن تكون حلقة وصل بين الدوائر الدستورية والتشريعية في هذه البلدان".

أحادية في إعلان النتائج البحثية

ويتابع الحلاق: "نتيجة للظروف السياسية الحالية في فلسطين؛ فإنّ تركيز عمل مراكز البحوث يتمحور حول القضايا السياسية مع التطرق للموضوعات الثقافية والاقتصادية والصحية والتعليمية، بنسب أقل، ويتميز معظم عمل هذه المؤسسات بالفردية في اتخاذ القرارات، دون الأخذ واللجوء إلى الأفكار العلمية الجماعية، وعدم تحديد هذه المراكز لأولوياتها في طرح القضايا والمشكلات المهمة بطريقة موضوعية، والارتجال والأحادية في ذكر وإعلان نتائجها البحثية، مما أدى إلى أن تصبح مؤسسات كثيرة منها خارج المشهد السياسي الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: أسرى فلسطينيون يتابعون تعليمهم خلف القضبان ويتحدون عتمة السجون

ويعيد الحلاق ذلك إلى أنّ مراكز البحوث "تفتقر" إلى عدة أمور رئيسة، من أهمها؛ ندرة المفكرين المتخصصين في عدة مجالات، خاصة من فئة الإناث مقارنة بالذكور، لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد الفلسطينية، التي تمنع اختلاط كلا الجنسين في بعض الأعمال والمهام، كما تعاني هذه المراكز من قلة أعداد الباحثين مقارنة بالقضايا والمشكلات الكبيرة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، وفقه.

مراكز البحوث والفكر عاجزة عن أداء مهامها في تقديم الاستشارات

تحقيق أهداف شخصية

وعن أبرز المشكلات التي تواجه هذه المؤسسات في فلسطين، يقول الحلاق: مراكز البحوث والفكر عاجزة عن أداء مهامها في تقديم الاستشارات والدراسات للمؤسسات الحكومية في الدولة، وعدم ممارستها لدورها في المشاركة في صنع القرار السياسي، في ظلّ عدم توكيلها بالمهام من قبل الدولة نفسها، وابتعاد بعض هذه المراكز عن العمل المؤسساتي، ووقوع عدد منها في صراع المصالح والمنافسة على تحقيق الأهداف والغايات الشخصية فقط.

الحلاق: هذه المؤسسات لم تعد محلّ ثقة صناع القرار في الحكومة الفلسطينية مع اعتقادهم أنّها تتبع لأجندات خاصة

ولبقاء مراكز البحوث والدراسات مواكبة للتطور الفكري، فلا بدّ، وفق الحلاق، أن تكون هناك حلقة وصل واضحة بينها وبين مؤسسات السلطة الفلسطينية، تسمح لها في الحصول على المعلومات منها بطريقة سهلة، كي تستطيع الوصول إلى نتائج علمية وصحيحة حول القضايا المهمّة، التي قد تسهم في إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية، ولا بدّ من أن تواكب مراكز البحوث التطور العلمي، وأن تتجنب التحيز لفصيل سياسي على حساب آخر، وأن تهتم بالبحث والتحليل الموضوعي المستقل.

يجب أن تتجنب المراكز التحيز لفصيل سياسي على حساب آخر

التركيز على الجوانب النظرية

من جهته، يذهب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية، مصطفي بركات، إلى أنّ أهمية مراكز الفكر والبحوث تنبع من قدرتها على رصد القضايا والمشكلات المستقبلية، التي عادة ما تكون غير مرئية، وطرح الخيارات والبدائل لإيجاد الحلول والدراسات المتنوعة حولها، وإعانة صانعي القرار في الدولة علي اتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.

اقرأ أيضاً: هكذا تحارب المناظرات الشبابية في فلسطين التعصب وتعزز الحوار

ويوضح في حديثه لـ "حفريات" أنّ الأهداف الرئيسة لهذه المراكز في فلسطين يجب أن تتركز حول نشر الديمقراطية واقتراح السيناريوهات لمناقشة بعض القضايا التي تصبّ وتخدم المصالح الفلسطينية بشكل عام، باعتبارها مرصداً سياسياً لدرء المخاطر الحالية والمستقبلية، التي من شأنها أن تواجه المجتمع وصنّاع القرار في الدولة.

ويعيد بركات "ضعف" الاهتمام الرسمي الفلسطيني بنتائج مراكز البحوث والفكر في الأراضي الفلسطينية للاعتقاد أنّ ما تقوم به هذه المؤسسات "يتركز حول الجوانب النظرية فقط، ولا يمكن تطبيق ما يصدر عنها من نتائج ودراسات علي أرض الواقع، باعتبارها لا تقدم حلولاً ناجعة للقضايا الأكثر إلحاحاً على صناع القرار في الدولة".

مؤسسات تتبع لمنظمات سياسية

ولفت بركات إلى أنّ غالبية هذه المراكز في فلسطين "تتبع لمؤسسات حكومية، وتتميز بقربها من صناع القرار، ولكن لا تتوافر الاستقلالية في نتائجها وبقراراتها، لتأثرها بالبيروقراطية الحكومية، التي تعمل على سلب حريات المفكرين والعاملين فيها وحشدهم وتعبئتهم لخدمتها، وهناك مراكز فكرية تتبع للتنظيمات السياسية، التي تدعم اتجاهاً أيديولوجياً واحداً، وتتجه لإصدار النتائج والتوصيات التي تصب في مصالح هذه التنظيمات، وتبقى بعيدة عن صانعي القرارات وواضعي التشريعات في الدولة".

بركات: ضعف الاهتمام الرسمي بنتائج مراكز البحوث يعود للاعتقاد بأنها غير عملية وأقرب إلى التنظير

ويشير بركات إلى "عدم اعتراف المؤسسات الحكومية الفلسطينية ببعض مراكز الفكر والبحوث في فلسطين، ولا تتوفر لديها معلومات كافية عنها، وهناك جمود وفجوة كبيرة في التواصل مع معظم هذه المؤسسات، وفي هذه الحالة كيف يمكن للحكومة الفلسطينية وصانعي القرار فيها من الوثوق في هذه المؤسسات وبنتائجها البحثية والعلمية؟ وخاصة في ظلّ إمكانية أن تشمل نتائج دراساتها وتحليلاتها تفسيرات مشوّهة".

ودعا بركات مراكز البحوث الفلسطينية إلى الابتعاد عن التسييس في قراراتها، والتزام الحياد في تعاملاتها، وتجنّب الانحراف في نتائج أبحاثها ودراساتها عن الطرق الموضوعية السليمة، والاهتمام بطرح ومناقشة كافة القضايا التي تواجه المجتمع، وعدم الاقتصار على قضية بعينها، وأن تسعي هذه المراكز لإيجاد قنوات اتصال مباشرة بينها وبين صانعي القرار في المؤسسات الحكومية الفلسطينية.

قرارات شكلية

وفي هذا السياق، قامت عدة مؤسسات ومراكز بحثية وفكرية فلسطينية بعقد عدة ندوات وورش عمل لإيجاد آليات ودراسات لمواجهة حالة الانقسام الفلسطيني، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، كان أبرزها؛ قيام المركز الفلسطيني للاتصال والسياسات التنموية، بالشراكة مع مؤسسة "بال ثينك" للدراسات الإستراتيجية، في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي، بتنظيم ورشة عمل لمناقشة سبل تقوية الدولة الفلسطينية المستقبلية، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، لدوره في التأثير علي السلم الأهلي الفلسطيني، وبضرورة تعزيز الوحدة الوطنية والمجتمعية داخل الأراضي الفلسطينية، وشاركت فيها شخصيات رسمية ومجتمعية واسعة.

المركز الفلسطيني للاتصال والسياسات التنموية

اقرأ أيضاً: تجارة الأسلحة غير الشرعية بنابلس تقتحم عالم الإنترنت

كما قام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية – مسارات، بتنظيم ورشة عمل بمشاركة سياسيين وأكاديميين فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، لبناء نظام سياسي يشمل الكلّ الفلسطيني، وتحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، والذي بات ضرورة حتمية لا يمكن أن تتحقق دون توافر أسس وطنية وديمقراطية بين حركتي فتح وحماس.

لكن، في ظل هذا الواقع، تظل مثل هذه التوصيات والقرارات التي تخرج بها مراكز البحوث والفكر في الأراضي الفلسطينية حبراً علي ورق، دون أن تلقى اهتماماً من قبل صانعي القرار داخل الحكومة الفلسطينية والأحزاب السياسية المؤثرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: