الحلاج: تصادمَ مع السلطتين الدينية والسياسية فتوضأ بدمه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
29382
عدد القراءات

2017-12-24

أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا                  نَحنُ روحانِ حَللَنا بَدَنا     
نَحنُ مُذ كُنّا عَلى عَهدِ الهَوى                 تُضرَبُ الأَمثالُ لِلناسِ بِنا  
فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ                          وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا     
أَيُّها السائِلُ عَن قِصَّتِنا                        لَو تَرانا لَم تُفَرِّق بَينَنا      
روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ                   مَن رَأى روحَينِ حَلَّت بَدَنا

لم يكد يجفّ حبر هذه الأشعار، حتى كان صاحبها يكتب بدمه واحدة من أشد الملاحم في تاريخ الإسلام، ليكون علامة على زمن ضاق بالتفكير النقدي والمعارضة السياسية.
وبسبب هذه الأشعار وغيرها من الشطحات الصوفية التي تجلت في "وحدة الوجود" توضأ الحسين بن منصور "الحلاّج" بدمه، بعدما ضرب ألف سوط فما تأوه، ثم جرى قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثم قُتل وأُحرق بالنار، فلما صار رماداً أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل بعدها إلى خراسان، وكان ذلك ذات ثلاثاء في 26 مارس (آذار) من عام 922 ميلادية.

وينتسب الحلاج، المولود في "البيضاء" ببلاد فارس، على ما ترجح بعض الروايات التاريخية، إلى طائفة من المتصوفة الذين لم يكتفوا بتحويل الزهد إلى مجرد عبادات وانعزال عن الناس، بل أحال الطاقة القصوى في التصوف إلى مجاهدة للنفس، وجهاد ضد العسف والطغيان. ويقال إن علاقته بجماعات الزنج والقرامطة أججت هذه المشاعر في قلبه. كما يقال إن صلته وتأثره بالمتصوفة الهنود جعلته ينخرط في الرغبة الحميمة لبلوغ الدرجات العليا من العرفان التي تمكّن صاحبها، كما كان يقال، من إتيان المكرمات و"الخوارق".
ويُروى عن إبراهيم بن عمران النيلي:"سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد، وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا قلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه".

اعتبر الحلاج من قبل بعض معاصريه ساحراً خطراً بينما استاء خصومه السياسيون من دوره في خطة مرسومة لإصلاح الضرائب

وقد جرّ ذلك كله على الحلاج مصاعب كثيرة؛ لأنه كان يوصف بالتغريد خارج سرب السلطتين الدينية والسياسية. وقد نعته الشاعر والفيلسوف الهندي محمد إقبال بالمفكر المبدع، الذي "حاول بث الحياة في معاصريه الموتى روحياً وفكرياً، أي حاول منحهم إيماناً حياً جديداً، وتحريرهم من التقليد واجترار القواعد المتوارثة الخالية من كل روح".
وقد كانت قناعة إقبال، كما تروي المستشرقة الألمانية المتخصصة بالتصوف آنا ماري شميل، ثابتة في أن "عالم القرآن" ينفتح لكل إنسان وفي كل عصر بصورة جديدة، وأن الإسلام ليس ديناً متحجراً بعيداً عن الواقع؛ بل إن المفكرين والصوفيين الكبار قد تغلغلوا الى طبقات بعيدة الأعماق من الفهم، بحيث يصبحون بذلك أمثلة عليا يقتدي بها الإنسان العصري أيضاً. وفي نظره كان الحلاج، الذي فهم أعماق الوحي الإلهي بصورة أفضل مما فعل كبار الفقهاء ورجال الدين الذين يعجزون عن التحليق الى الذرى الفكرية، لأن كلاً منهم يجثم "كقارون على المعاجم العربية"، أي أنه لا يستطيع التحليق بسبب عبء معارفه اللغوية الفقهية، بل يُضغط ميتاً تحت الغبار، كما غرق قارون تحت عبء كنوزه.

وفي محاولة لبعض الدارسين من أجل ردّ الاعتبار للحلاج، أنجزت دراسات وأعمال أدبية أكدت أنه قد أُسيء فهم هذا المتصوف، إذ فُسرت كلمته: "أنا الحق"، أي "أنا الحقيقة المطلقة"، أي "الله"، على أنها تعبير عن تعالٍ متعاظمٍ للذات، ما أثار الشكوك في إيمانه بحلول الذات الإلهية في النفس البشرية.
وفضلاً عن ذلك، اعتبر الحلاج من قبل بعض معاصريه ساحراً خطراً، بينما استاء خصومه السياسيون من دوره في خطة مرسومة لإصلاح الضرائب، ورأى رجال الدين في فكرته حول إسقاط الفرائض تعبيراً عن كفره، ودليلاً على إلحاده، رغم أنه ألّف في عمله "كتاب الطواسين" أجمل أنشودة يمتدح فيها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. كما أن كبار المتصوفين في جميع العصور قد أبدوا إعجابهم الشديد بحبه المطلق لله عز وجل.

رأى رجال الدين في فكرة الحلاج حول إسقاط الفرائض تعبيراً عن كفره ودليلاً على إلحاده

وفي أدب العصر الوسيط نرى ملامح إعادة الاعتبار للحلاج الذي جرى تقديمه بصفته "ثائراً في وجه ضيق الأفق الفكري لدى المتحجرين من رجال الدين، لأنه شهد خبرة الاتصال بالله، تلك التجربة الروحية الحية عندما تخلى عن وظيفته التعليمية في المدرسة النظامية ببغداد، لأنه وجد أن زملاءه كانوا منغمسين في نزاعات وخلافات لا طائل من ورائها حول مسائل فقهية سطحية، دون أن يتحلّوا بذرّة من الإيمان الحي، أو يمتلكوا بارقة من الاتصال الحي بالذات الإلهية".
وفي الأدب الأُردي والتركي الحديث يُصوّر الحلاج أحياناً كثائر ضد المجتمع القائم، كما أنه يظهر كذلك في الشعر العربي المعاصر كممثل للأبعاد العميقة للإسلام، كمكافح من أجل العدالة والفهم. وقد سعى الشاعر المصري صلاح عبد الصبور في مسرحيته "مأساة الحلاج" الى إظهار الطابع الاجتماعي لرسالة الحلاج، وأعطى تفسيراً دقيقاً لضرورة موته: "إذ كان موته أمراً محتوماً، لكي يعود أتباعه فيجدوا كلماته في أثلام الحقول، حيث تكمن خفية عن العيون، لكي تحمل على الرياح، التي تهب فوق الأمواج، فما الذي كان سيحدث لرسالته المنادية بحرية الفكر، لو لم يمت مشنوقاً؟".

المسرحية، التي تتكون من فصلين، تعاين العلاقة بين السلطة المتحالفة مع الدين والمعارضة، كما تحدق في محنة العقل في مواجهة التفسير الحرفي الأيديولوجي المتعسف لروح الإسلام. ففلسفة الحلاج، التي عبّر عنها بالممارسة، لم ترض قاضي بغداد الفقيه محمد بن داود، فقد رآها متعارضة مع تعاليم الإسلام، حسب رؤيته لها، فرفع أمر الحلاج إلى القضاء طالباً محاكمته أمام الناس والفقهاء. فلقي مصرعه مصلوباُ بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد ابن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر في القرن الرابع الهجري.

بارك ابن تيمية ما حاق بالحلاج من مصير بل إنه يرى أنّ من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين

ويبارك ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ما حاق بالحلاج من مصير، لا بل إنه يرى أن "من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض. وبالجملة، فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر، واتحاده به، وأن البشر يكون إلهاً، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قتل الحلاج".
ورغم المصير المؤلم الذي آل إليه، فإن الحلاج يمثل التضحية الكبرى التي قدَّمها الصوفية، في طريقهم نحو إقرار القاموس الصوفي الخاص.. فقد قدَّم الحلاَّج حياته ثمناً لمحاولته التعبير عن الأحوال التي، يعاينها ويعانيها، مثلما عاينها وعاناها معاصروه من رجال التصوف. فها هو أبو بكر الشبلي (رفيق الحلاج) يشطح بعبارات لا تقل وُعورة وخطورة عما شطح به الحلاج، لكنه حين واجهوه بها، ادَّعى الجنون ودخل البيمارستان! فعاش بعد مصرع الحلاج إحدى عشرة سنة. وكان يقول: أنا والحلاج شيء واحد، فأهلكه عقله وخلَّصني جنوني!

عن "thewhatnews.net"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق

2019-11-06

يهتمّ العلم الاجتماعي دائماً بعمليات إنتاج وإعادة إنتاج الهوية عن طريق التلقين والتنشئة الاجتماعية، التي تنهض بأدائها أجهزة الدولة الأيديولوجية (بتعبير المنظر الفرنسي الأبرز لوي ألتوسير)، من مدرسة ومسجد وكنيسة وقانون وصحافة، إلا أنّ هذا الاهتمام لن يكون كافياً في حالتنا العربية التي لم تصل في كلّ الأحيان إلى إنتاج هوية جماعية تعلو على الهويات الفرعية المعطاة سلفاً (القبيلة والطائفة والمنطقة)، حتى تصبح إعادة إنتاج الهوية الوطنية عن طريق الخطاب السياسي والإعلامي ممكنة.
البنية التحتية للوطنية
ما تحتاجه لحظتنا السياسية العاصفة هذه؛ هو التركيز على البنية التحتية للسياسة الوطنية؛ فلا تنهض بين المجتمعات روابط "سياسية" (عن طريق الصهر والدمج الاجتماعي) ترتفع على علاقات الانتماء الطبيعي، إلا إذا قامت بينها مصالح مادية تجعل كلّ جماعة تتعرّف إلى نفسها داخل الكلّ الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للمرء، كما يقول عبد الإله بلقزيز، في "الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"؛ أن يتخلى عن روابطه "الموروثة" لصالح نسق اجتماعي أعلى، إلا إذا استفاد من مصالح مادية منفصلة عن البنى الطبيعية، وترتبط هذه العملية من "الارتقاء السياسي" بإستراتيجية الدولة للدمج الاجتماعي.

الصراع المذهبي أصبح المحرك الأبرز للسياسة العراقية والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية

في كتابه "السلطة السياسية"؛ يربط جان وليام لابيار التقدّم الحقيقي لأيّ مجتمع بالسلطة السياسية التي تحرّكه، أو تقف حاجزاً دونه؛ فالسلطة هي التي تدير المجتمع المدني بأكمله، وتتدبر تنظيم العلاقات بين الجماعات المتباينة التي تؤلّفه بشكل يكفل لها البقاء مندمجة بالمجموع الكلي (النظام).
ما يمكن البناء عليه في طرح لابيار؛ أنّ صناعة الوعي الوطني ليست مسألة أيديولوجية يجري الترويج لها في الإعلام والأفلام والكتب المدرسية؛ بل هي وظيفة سياسية بامتياز؛ فمن دون إنتاج مصالح عامة تربط الأفراد ببعضهم لا يمكن أن تمنحهم الخطابات السياسية شعوراً جماعياً بالانتماء إلى شيء أعلى من واقعهم المحدود بحدود الطائفة أو القبيلة.
وليس في هذا تقليلاً من أهمية الأيديولوجيا؛ بل تأكيد على أنّه ما لم تكن هناك مصلحة اجتماعية عامة تبرّر الانتماء المشترك، فلن يكون للأيديولوجيا سوى "صدى منافق" لدى أصحاب الامتيازات الذين يجارون الجماهير في الانتماء لوطن مفترض، في مقابل أصحاب المطالب الذين سيذهبون إلى من يلبّي حاجتهم، وإن كان طائفياً، يتلاعب بمصير البلد من أجل موقع سياسي متبوع بامتيازات اقتصادية.
ومن دون فهم الوطنية كمعضلة سياسية تجد ركيزتها الأساس في الاقتصاد، فليس من الممكن خلق جماعة سياسية موحدة، ولا مجال سياسي عقلاني، تُدار فيه التناقضات الاجتماعية، وستكون الديمقراطية، في سياق كهذا، عبارة عن تدوير السلطة بين "تشكيلة متنوعة من الفاسدين" وهكذا حالها في العراق.

غلاف  كتاب "السلطة السياسية" لجان وليام لابيار

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
فبإمكان العراقيين أن ينتخبوا ممثليهم السياسيين بسلاسة، لكن، مع ذلك، لا يمكنهم تغيير حقيقة انقسامهم (قبل السياسي)، ولا واقعهم الحياتي المتدنّي، وليس ذلك لأنّ العراقيين "جُبلوا على التفرق والتشرذم"، كما تذهب الأطروحات الاستشراقية التي تختزلهم في مقولة شبيهة للحجاج بن يوسف الثقفي! ولا لأنّ العراق بلد فقير الموارد؛ فهو يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (حتى مع استثناء احتياطات إقليم كردستان).
فالوطنية تتلاشى إذا ما تخلّت الدولة عن وظيفتها السياسية (التوحيد القومي لمكوناتها، لا ترسيخ الانقسام والاستثمار فيه كما تفعل النخب السياسية العراقية) أو انسحبت من وظيفتها الاجتماعية: خلق البنى التحتية، نشر التعليم، توفير الطبابة، توفير الوظائف، حماية حقوق العاملين والمساواة بينهم على أساس الكفاءة وليس الانتماء الطائفي أو العرقي، أو الولاء السياسي لحزبٍ ما في السلطة، أو لمرجعية عقائدية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وليس تلاشي الوطنية سوى الترجمة السياسية لغياب المؤسسات السياسية المستقرة والمعبّرة عن القرار الوطني المستقل (لا الإملاءات الخارجية)، وهذا لا يكون إلا بالمشاركة السليمة لكافة مكونات المجتمع في إدارة الدولة.
العراقيون (في مواجهة حكم القنّاصة) يحصدون، الآن وهنا، الثمرة المرّة لتفكّك دولتهم؛ هذا التفكك من الطبيعي أن يُسقط آلة الدولة في حجر الطائفة الأكبر (الشيعة)، كرغبة متوقّعة في الاستئثار بالسلطة لصالحها، إلا أنّ جماهيرها بعد أن يرونها حازت سلطة الدولة لا يحصدون امتيازات تُذكر، ولا يرون تغييراً لواقعهم للأفضل، بل يرون تغييراً في صور اللصوص وأسمائهم، ومن ثم يشعلون ثورتهم الخاصة على ممثليهم، وهي الثورة التي سرعان ما تجذب بقية مكونات المجتمع التي ترى في الطائفية محض غطاءٍ للنهب: في ساعة الحقيقة تدرك جماهير الطوائف أنّها خاسرة، سواء كانت السلطة بيد طائفتهم أو بيد الآخرين، وهنا يبدأ الوعي الوطني بالتشكّل، من الأسفل هذه المرة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
وهناك وجه آخر أكثر مرارة لتفكّك الدولة، يعرفه العراقيون الذين اعتصموا في ساحة التحرير معرفة دموية، هو أنّه يشجع القوى الإقليمية على الاستثمار فيه عبر خلق ميليشيات تتنازع السيطرة على سلطة الدولة ومواردها وتسخيرها لصالح الراعي الإقليمي لها، أما ما الذي أوصلنا إلى هنا؛ فهو مسيرة تاريخية لتشكّل الدولة والأمة تحتاج إلى ضوء جديد يبرزها، ويجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا وكيف يتمكن الماضي من صياغة الحاضر والتأثير عليه؟

ليس كياناً مصطنعاً
يتطلّب فهم تشكل الهوية الوطنية العراقية تتبع التسلسل التاريخي لنموّها وازدهارها وانهيارها، ثم إعادة تشكّلها من أسفل، كما هو حاصل في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ومن ثمّ يجب تحدي السرديات المبسطة التي ترى في العراق كياناً مفتّتاً، جوهرياً وأزلياً، أو السرديات التي ترى فيه بلداً حديثاً ابتُليَ بتشكيلة متباينة من الطائفيين المجانين الذين يسيطرون على السلطة والثروة سواء لمصلحتهم الخاصة أو لمصالح قوى إقليمية نافذة (إيران)، أو دولية عظمى (أمريكا).
هناك ضرورة لإيضاح أنّ ما قد تبدو حقائق ثابتة في الواقع العراقي من قبيل الانقسام الطائفي/العرقي، هي في العمق ابتداع ذو طبيعة سياسية واجتماعية حديثة (حتى مع جذورها التاريخية)؛ خُلق واستُخدم لأغراض سياسية بحتة.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وقبل كلّ شيء؛ إذا كان النظام السياسي العراقي (في محطاته كافة) فشل في خلق دولة وطنية، فالعراق حتى اللحظة (وفي ذروة انقسامه) ليس دولة قومية فاشلة، لسبب بسيط؛ أنّ هناك أمة تشكّلت، بكل اختلالات التشكّل، وقادرة على إعادة لحم نسيجها المبعثر؛ والذين يهتفون الآن بعراقيتهم في الساحات والميادين ضدّ النخب الطائفية يبرهنون على ذلك ببلاغة صاعقة.
يحدّد أنطوني سميث، في كتابه "الأصل العرقي للأمم"، سمات محدّدة للدولة القومية، هي: ثقافة مشتركة، أسطورة مشتركة تتعلق بالأصل (السلالة)، تاريخ مشترك، شعور قوي بعاطفة ولاء للجماعة، الارتباط بقطعة محددة من الأرض، حقوق مواطنة متساوية، تماسك اقتصادي، لغة مشتركة.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وعلى ضوء هذه السمات؛ يمكننا مقاربة واقع الدولة في العراق؛ فباستثناء (حقوق المواطنة المتساوية، والتماسك الاقتصادي) يمتلك سمات الأمة الموحّدة، وإن كان هذا الاستثناء كفيلاً بوضع الدولة على خطوط أزمة الانقسامات الطائفية/العرقية.
ما تؤكّده الاحتجاجات الملحمية الحالية (في وجه حكومة القناصة)؛ أنّ الطائفية تمثّل سياسة دولة أكثر بقدر كبير من كونها انعكاساً لانقسام اجتماعي متأصّل ثقافياً، وأنّ هناك رغبة جماعية لتجاوز هذا الاستثناء، سواء فيما يتعلق بالمطالبة باقتصاد منتج (وليس ريعياً)، وتجاوز الطائفية (سنّة شيعة وطنّا ما نبيعه)، وإلغاء المحاصصة الطائفية.
ما يفعله المنتفضون في ساحات العراق، بوعي في حدود خطابهم، هو خلق هوية وطنية جماعة عابرة للطوائف وطامحة للتوحيد القومي، وبما أنّ خروجهم كان ضدّ سوء توزيع الريع النفطي أساساً، وهو لا يكون إلا سيئاً، فإنّهم يضعون نهاية محتمة لهذه السياسة التي دمّرت بلدهم؛ إذ إنّ أكبر تحدٍّ للوحدة الوطنية في العراق ليس الشكل الثقافي أو السياسي للطائفية؛ بل أساسها الاقتصادي، وهو توزيع الريع، ولم تكن عملية التوزيع متساوية أو شاملة للجميع منذ الثمانينيات، ولا حتى موزعة على نحو مطرد على كافة مكونات الطيف العراقي، وبالتالي كانت سياسة التوزيع الزبائني للامتيازات والمنافع تحدّ من الاندماج القومي.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
وفي العمق؛ فإنّ اعتماد "الريع النفطي" (الذي يهتف ضدّه المحتجون) يضع الدولة تحت رحمة الأسواق الدولية، وما إن تبرز أيّة ضغوط سياسية (من نوع محاباة السنّة حتى لا يقعوا تحت إغراء الجماعات الجهادية مجدداً)، أو تقلبات في أسعار النفط حتى تصاب القدرة التوزيعية للدولة بالوهن، وتقلّص قدرة السلطة على المناورة وتنطلق التوترات الاجتماعية، ومن حسن حظّ العراق أنّ التوترات جاءت ضدّ الدولة، ولم تكن بين مكونات الأمة.
 لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته

ميراث تاريخي لعراق جديد
لا شكّ في أنّ الدولة في العراق ظاهرة حديثة العهد بالعالم، وتفتقد إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة، لكنّه يتشابه في ذلك مع أغلب الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين، وقد يكون العراق أقدم من أغلبها، وأسبقها جميعاً في الحصول على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
ليست الحداثة التاريخية، إذاً، هي مشكلة العراق، بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً؛ هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها وتعلو فوقه دائماً، منذ أيام الدعم العسكري البريطاني في الجيش والإدارة، وبفضل ريوع النفط والمساعدات الأجنبية، وصولاً إلى الدعم والرعاية الإيرانية/ الأمريكية لشركاء السلطة.

الحداثة التاريخية ليست مشكلة العراق بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها

وإذا كان لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم؛ بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته، إلا أنّ هذه المكونات ليست مفتتة بالكامل، والـ 84 عاماً التي عاشها العراقيون معاً (منذ بزوغ العراق الحديث (1921) وحتى الاحتلال (2003)، لا يمكن طيّها تحت حطام انقساماتهم؛ فالزمن هو العامل الأكثر حسماً في خلق الشعور بالوحدة الوطنية ووحدة المصير.
العراق، كما أثبتت تجربة مسعود البارازاني الفاشلة في الانفصال، لا يمكن تقسيمه، عرقياً أو مذهبياً، ومكوناته الثلاثة: شيعة، سنّة، أكراد، متداخلون مناطقياً (رغم كلّ محاولات التطييف والعرقنة) أولاً، ومنقسمون على أنفسهم بما لا يسمح بتشكل أمة منفصلة، وحتى الأكراد الذين يتميزون بطابع عرقي أكثر تميزاً وتبايناً يظهرون، على المستوى الشعبي، رغبة مستمرة في البقاء ضمن الدولة القومية العراقية.
إنّ فهم مسألة الهوية الوطنية العراقية هو أمر حاسم إذا ما كانت هناك إرادة لفهم عوامل استقرار الدولة أو تفككها، فالصراع المذهبي/ العرقي أصبح، منذ عقود، المحرك الأبرز للسياسة العراقية، والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية السنّية التي تطلبت اصطناع ميليشيات شيعية لدحرها، وفي الحالتين كان المجتمع هو الضحية؛ إذ اتّضح أنّ جزءاً وازناً ونشطاً من هذه الميليشيات لا يدين بالولاء للدولة العراقية بل لإيران، وتحوّل إلى جماعة ضغط سياسية/ عسكرية على الدولة، لتمرير المصالح الإيرانية في الداخل: تفريغ التداعيات السلبية لحصارها من قبل الولايات المتحدة في السوق العراقية، عبر سياسات تهريب السلع والبضائع وصفقات الإعمار والأعمال المصرفية، وهو ما أوصل اقتصاد بلد كبير غني بالموارد إلى حدود الشلل، وهو ما اضطر الجماهير إلى الخروج للشارع، وأملى عليهم شعار "إيران برّا"، وهو يجسد خلاصة الوعي الوطني منذ تأسيس العراق.

للمشاركة:

كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟

2019-10-31

خلال حياته الزاخرة بالكتب والمحاضرات والأفكار، لم يكد نجم المفكّرين العرب في القرن العشرين، طه حسين (1889-1973)، يترك باباً موصداً في اللغة أو التاريخ أو الأدب العربي، إلا وطرقه، مصرّاً على دخوله من وجهة نظرٍ خاصة، مقلقاً حراس التأويل النائمين في غياهب الماضي، ومثيراً عاصفةً من الجدل لم تنته بموته.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
ولا يمكن في ذكراه السادسة والأربعين، التي حلّت مؤخراً، إلا أن يتمّ استحضار طه حسين، الذي ترك أسئلة عالقة وإجاباتٍ قابلةٍ للنقاش، على أرضيةٍ عربية لم تحسم كثيراً من توجهاتها الفكرية والتاريخية والمستقبلية بعد، في مساحاتٍ عديدة، خاضها حسين بخطواتٍ ثابتة، بينما علِق كثيرون بعده في مستنقعات طائفية أو أصولية أو مدرسيةٍ تاريخية، ولم يحاولوا الفكاك منها، فما الذي بقي اليوم من أسئلته واشتباكاته وإرثه؟

الأعمى يرسم الطريق
قصة عمى طه حسين، التي ضمّنها سيرته في كتابه "الأيام"، مشهورة؛ فمن المعروف، وفق الكتاب، أنّه ما كاد يبلغ الخامسة من عمرهِ حتى أصابه "الرمد"، ليفقد الطفل المولود في محافظة المنيا في الصعيد الأوسط من مصر، بصره إلى الأبد، ولم يمنعه ذلك، في المقابل، من دخول الأزهر في سنّ الثالثة عشر، ليدرس فيه مدة من الزمن، ثم يتجه للانتساب إلى الجامعة المصرية، التي فتحت أبوابها في 1908، وكانت بوابته ليغادر مصر؛ حيث أوفدته، في 1917، إلى جامعة "مونبلييه" الفرنسية، ليدرس هناك التاريخ الحديث وعلم النفس واللغة الفرنسية وآدابها.

تمرّد طه حسين على التعليم في الأزهر مبكراً، ووصفه بأنّه لا يقدّم علماً أو تجديداً

لكنّ الشاب الذي أريد له أن يكون أكاديمياً مصرياً وعربياً آخر، يحمل اطلاعاته على علوم وثقافات العالم من نافذة فرنسا، تمرّد، وبدأ يخوض معاركه المبكرة، معترضاً على أساليب التدريس في جامعة الأزهر، مقارنةً بالجامعات الغربية، مما كاد أن يحرمه من منحته الدراسية، لولا تدخّل الباشا مصطفى كامل، الذي أعاده ليدرس في جامعة باريس هذه المرة؛ حيث درس علوم الاجتماع والتاريخ الأوروبي القديم، ثم قدم أطروحته في الدكتوراه في فكر ابن خلدون.

وبعد عودته إلى مصر، في 1919، بدأ يعمل أستاذاً للأدب والتاريخ الغربي في الجامعة المصرية، ثم تمّ تعيينه عميداً للآدب في كلية الآداب في الجماعة، عام 1928، لكنّ سيرته سبّبت له العديد من المشاكل، إضافةً إلى تمرده وتنصله من المناصب التي عيِّن فيها أصلاً، ما جعل تقاعده عن التعليم والعمل يأتي مبكراً، قبيل منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.

شكّلت مؤلَّفات طه حسين نقداً عميقاً للمنهج والموروث في التعليم والفكر العربيَّين

وخلال تلك الفترة، كان طه حسين يرسم معالم شخصيته، كناقد ومؤرخ ومفكر، يعتمد منطق الشكّ الديكارتي، ويتّخذ منهجاً نقدياً، يجعل من الأكاديمي والباحث، شخصاً جريئاً ومختلفاً عن صورته التقليدية، وبدأ مسيرته هذه بقوله: إنّه "وجد الأزهر يمثّل سجناً للأفكار والتجديد، وإنّ العلم يغيب فيه"، وذهب أبعد من هذا قائلاً، في كتابه "الأيام"؛ إنّه لم يستفد ممّا تعلّمه من الأزهر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
أخذ طه حسين، الأعمى بصراً، والمتقد علماً، يرسم طريقاً مميزة وخاصة، يرى فيها الكاتب والأديب المصري المعروف شريف صالح "ثورةً أكاديميةً من طه، ميّزته عن رفاق دربه، مثل شوقي ضيف أو العقاد أو المازني، وجعلته الأكثر انشغالاً وحضوراً في الفضاء العام؛ لأنّه لم يقدّم صورة منعزلة للأكاديمي، ولم يفصل الثقافة عن السياسة ولا عن الدين"، وجعل الأكاديمية تتجاوز أروقة الجامعة، لتقتحم أروقة الواقع.

كيف نرى بعيونه اليوم؟
إن أفضل تعريف محتملٍ لطه حسين، عدا عن لقبه الشهير "عميد الأدب العربي"، هو تلك الصفة التي يطلقها الكاتب شريف صالح عليه، وهي "المتعدّد في واحد"، ويوضح صالح، في تصريحه لـ "حفريات": "عند استدعاء طه حسين، الاسم والمشروع، في ذكراه، ألمس علاقته وتأثيره مع محيطه الأوسع من الناطقين بالعربية؛ ففي بعض الأحيان كان طه هو "الواحد" المتمرد، قابس النار، في مواجهة "الكل: الحكومة والأزهر والمجتمع، كما حدث إبان أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي أدّت إلى فصله من الجامعة المصرية، وفي أحيان أخرى؛ كان طه هو "الكلّ"؛ أي ممثل السلطة ووزيرها، و"عميد الأدب"، وممثل الثقافة بمختلف أفرعها".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
لكنّ هذا كلّه لم يمنع روح التمرد في حسين، الذي كان، وفق مقولة صالح؛ "يمثّل المثقف العضوي لغرامشي بالفعل، من خلال إيمانه بدوره في التغيير باشتباكه مع السلطة والمؤسسات والدولة، حتى إنّه كان يمكن اعتباره يسارياً أصيلاً حين أطلق دعوته ليكون التعليم في مصر كالماء والهواء، خلال عصر الباشوات الذين كانوا يهابون هذه المقولة، التي يمكن أن تحرمهم رفاهيتهم بحرمانهم من (طبقة الخدم والجهلة) التي كانوا يحكمونها".
وفي كلّ هذا؛ تبقى روح التمرد مرافقةً للمفكر الذي تجرأ وانتقد مصادر الشعر الجاهلي، حتى إنّه انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين خلال أول عقدين من القرن العشرين، وكان يعدّ حزب أقلية، في مواجهة حزب الوفد، حزب الأكثرية، الذي وجد هو ومفكرون عديدون اختلفوا مع طه حسين، انتماءه السياسي مفتاحاً لمهاجمته في معظم الأحيان.

لا يمكن ببساطةٍ اتهام حسين بالهدم خلال مواجهته النقدية والإصلاحية مع الأزهر

ولم يكتفِ حسين بانتقاد سياسات التعليم في مصر، بل انتقد مصادرها، وقصّته مع كتابه "في الشعر الجاهلي" عصيةٌ على النسيان؛ إذ مُنع الكتاب، لأنّ طه حسين اعتبر الشعر الجاهلي منحولاً باختصار، أي أنّه "كتب بعد الإسلام" ودلّل على ذلك بأنّه كتب بلغة القرآن الكريم، التي وحّدت العرب لغوياً، ولم يكتب ذلك الشعر بلغات أخرى كانت منتشرةً في الجزيرة العربية قبل انتشار لغة القرآن الكريم، كما أنّ المنهج التاريخي المادي مثلاً، لم يقد، برأي حسين، إلى أيّ دليل على أّنّ الشعر الجاهلي يعبّر عن روح عصره في تلك الأثناء.
وقد واجه هجوماً شديداً، بعد كتابه هذا، أوصله إلى المحاكمة، وساق إليه تهماً عديدة، منها الخروج عن الدين؛ لأنّه انتقد المرحلة الجاهلية والمكّية أدبياً، وبنى تصوراً عنها غير التصوّر الديني؛ إذ عدّت هذه مسألة خطيرة في نظر كثيرين، أيضاً اتُّهم بالتأثّر بالغرب، وتكرار مقولات المستشرقين الغربيين وأفكارهم.
وبسؤاله عن هذه التهم، وإذا ما كان يمكن استخلاص شخصية حسين من بينها، ورأيه في طه حسين الذي قرّر تنقيح التراثَين: العربي والإسلامي، ممجداً اللغة العربية، ومستقصياً "السيرة النبوية"، وأزمة الحكم والدولة الإسلامية، كما يليق بوعي (أصولي)، وإن كان ناقداً حصيفاً، علّق شريف صالح بالقول: 

تكمن خطورة طه حسين في نقده الثقافة العربية البائسة في عصره التي أدخلها مباشرةً إلى العصر الحديث وواجه مؤسساتها

"في مواقفه وكتبه، لم يكن "واحداً" أبداً، ولم تكن مسيرة الثمانين عاماً على متصل واحد؛ بل اشتبكت فيها ذواته هو نفسه: الأزهري والأصولي بالفرنسي والليبرالي، واليساري، والمتمرد بالسلطوي، والأكاديمي والصحفي بالسياسي والأديب والمؤرخ، كان "متعدداً" بامتياز، بما يقتضيه ذلك من مراجعات وتناقضات، وهو ما يظهر عبر تغيير "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي"، أو حرصه على أداء مناسك الحجّ لدحض تهمة الكفر".
ويبدو أنّه، من بين هذه المتناقضات والتغيرات، تظهر صورة طه حسين اليوم، متماسكة وقوية، وذلك بسبب راهنية أفكاره حتى اللحظة، خصوصاً في منهجه النقدي القوي، الذي واجه من خلاله المؤسسة التعليمية العربية والمصرية، كما واجه في مصادرها التاريخية والتراثية، منتقداً إياها بجرأة، وفي هذا السياق، يختم صالح قائلاً: "خطورة طه حسين ومركزيته في الثقافة العربية، أنّه ظهر في لحظة فراغ تاريخية هائلة، كانت الثقافة العربية حينها تجترّ ملخصات بائسة موروثة عن القرون الوسطى، فجاء ودشّن لها وأدخلها سريعاً إلى العصر الحديث، وواجه المؤسسات كفرد".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
قلّة من المثقفين العرب، من لعبوا مثل تلك الأدوار المركزية الخطيرة، التي وإن تناقضت، كانت رهاناً على التقدم وإعلاء قيم الاستنارة، حتى في معالجتها للنصّ الديني، ورغم التناقضات وبعض اتهامات (الانتهازية) الوظيفية، التي رافقت مسيرة طه حسين، إلا أنّه كان واضحاً ومباشراً، في ضرورة جعل التعليم ابن الحاجة والحاضر الحاليَّين، وابن العالمية والإنسانية لا المحلية فقط، حتى يسهم في تطور البلاد والشعوب العربية، كما أنّه دافع عن دوره وحقّه كمثقف وناقد وأكاديمي، في نقد النصوص الأدبية والتاريخية العربية، التي رفعها البعض هي ومصادرها إلى مرتبة القداسة، رغم أنّها من تدوين البشر، من أجل بناء ذاكرة لغوية وثقافية معاصرة، تشتبك مع العرب في سياقاتهم الفكرية والاجتماعية الحالية.
لمس حسين الجرح المفتوح حتى اليوم، في فترةٍ مبكرة من فجر بلادنا العربية، وأسئلته ما تزال في بعضها حارةً، تقود إلى إمكانية رؤيتها من جديد اليوم، باستعارة عيونه، التي تطلعت إلى مجد العرب ومستقبلهم، رغم أطروحاته التي اتفق معها كثيرون، واختلف معها آخرون.

للمشاركة:



انطلاق القمة العالمية للتسامح في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

انطلقت اليوم فعاليات الدورة الثانية من القمة العالمية للتسامح، تحت شعار "التسامح في ظلّ الثقافات المتعددة: تحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وصولاً إلى عالم متسامح"، التي ينظمها المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في قاعات مدينة جميرا بدبي.

القمة تنظق بمشاركة 3000 من القادة العالميين والخبراء ومسؤولين حكوميين من أكثر من 100 دولة

ويشارك في القمة، التي تعقد تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو 3000 مشارك من القادة العالميين والخبراء الدوليين ومسؤولين حكوميين ومتخصصين من أكثر من 100 دولة، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً، ودعم الحوار البناء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب الشباب تمكينهم من ممارسة وتبنــي نهـج التسامـح، وفق ما نشرت صحيفة "البيان".

كذلك يتمّ تقديم نماذج من تجارب الدول في التسامح، ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في بثّ الرسائل الاجتماعية، بما يكفل احترام التعددية الثقافية والدينية، والالتزام المشترك بقيم الحوار واحترام الآخر وإذكاء الوعي بالحاجة الملحة إليهما، ودور المناهج في تعزيز قيم التسامح والسلام، إلى جانب التطرق لأهمية المشاركة في المبادرات المجتمعية والعالمية لتعزيز قيم التسامح.

وتتضمن القمة جلسات حوارية ملهمة، وورشات عمل يقدمها أكثر من 70 متحدثاً، إلى جانب فعاليات أخرى عدة بمشاركة بارزة لطلبة الجامعات؛ حيث تجمع أكثر من 1000 طالب، وذلك ضمن رؤية اللجنة العليا المنظمة الرامية إلى ضمان مشاركة كلّ فئات المجتمع الإنساني بكافة أطيافه وتوجهاته.

 

 

للمشاركة:

بلجيكا.. جريمة كراهية جديدة والأمن يحقّق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

"إنها المرة الأولى التي يتم فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال لطالبي اللجوء في بلجيكا: وأعلنت السلطات أنها ستفتح تحقيقاً في ذلك. وأثار تحويل المركز احتجاجات كبيرة، خاصة من اليمين المتطرف في البلاد.

فتحت السلطات البلجيكية تحقيقاً، أمس، بعد إحراق مركز من المفترض أن يستقبل طالبي لجوء في بلدة بيلزين الصغيرة.

بلجيكا تفتح تحقيقاً في حرق مركز لاستقبال طالبي اللجوء وفي خطاب الكراهية عبر الإنترنت

واندلع الحريق، الذي لم يتسبَّب في إصابات، في وقت متأخر من يوم الأحد، في مأوى سابق للمتقاعدين، أدّت خطط تحويله إلى مركز لاستقبال طالبي اللجوء لاحتجاجات غاضبة، خاصة من قبل مؤيدي حزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف، أحد أكبر الأحزاب في إقليم فلاندرز الناطق باللغة الهولندية، وفق ما أوردت "فرانس برس".

وصرّح المتحدث باسم "فيداسيل"، الوكالة الفدرالية المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء بينوا مانسي: "إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال في بلجيكا".

وصفت وزيرة الهجرة البلجيكية، ماغي دي بلوك، في تصريح صحفي، الحريق بـ "المتعمَّد"، وقالت: "إنّه عمل إجرامي مصدره الكراهية وعدم التسامح"، وإضافة إلى التحقيق الجنائي، يجري التحقيق كذلك في احتمال انتهاك قوانين الحدّ من خطاب الكراهية على الإنترنت.

وبحسب صحيفة "دي مورغن"؛ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤكّد أنّ العمل مصدر الكراهية، من بينها: "حسناً فعلتم، واصلوا ما تفعلونه"، و"أخيراً شخص ما تولى الأمر بيديه".

وكان من المقرر أن يستقبل المركز، الذي تديره اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 140 طالب لجوء، ابتداءً من 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، ورغم الاجتماعات مع السكان المحليين لاطّلاعهم على المعلومات، فقد واجه تحويل المركز اعتراضاً، وأدّى إلى خروج العديد من الاحتجاجات.

وأظهرت صورة على تويتر نحو 15 متظاهراً يحملون لافتة لحزب "فلامز بيلانغ" كتب عليها: "لا لمركز لجوء في بيلزين".

 

للمشاركة:

استقالات جديدة من الحزب الحاكم في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أمس، موجة استقالات جديدة، شملت 3 رؤساء لفروعه بعدد من الولايات المختلفة.

وتقدّم بالاستقالة من الحزب؛ كلّ من رئيس فرع الحزب بولاية كوتاهية (غرب) علي تشتين باش، ورئيس فرع الحزب بولاية مانيسا (غرب) برْك مرسينلي، ورئيس فرع الحزب بولاية قيرشهر، مظفر آصلان، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "يني جاغ" التركية المعارضة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يشهد موجة استقالات جديدة شملت 3 رؤساء لفروعه

وأوضحت الصحيفة؛ أنّ أعضاء الحزب الثلاثة أعلنوا استقالاتهم في بيانات منفصلة، ولم يشيروا خلالها إلى دوافعهم في ذلك، غير أنّ الحزب شهد خلال الآونة الأخيرة انشقاق عدد من أعضائه الرافضين للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومته.

ويفقد "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عدداً من مؤسسيه وقاعدته الشعبية، منذ فشله في انتخابات البلدية، لا سيما فقدانه أحد رموز سيطرته وهي بلدية إسطنبول.

ويشهد الحزب التركي الحاكم منذ فترة سلسلة استقالات؛ كانت أبرزها استقالة رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، اللذان أعلنا نيتهما تأسيس أحزاب سياسية جديدة بحلول نهاية العام الجاري.

وانخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا، في 1 تموز (يوليو) الماضي، إذ سجّل عددهم 9 ملايين و931 ألفاً و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفاً و234 عضواً.

وخلال الشهرين الآخرَين، الممتدَّين من 1 تموز (يوليو) حتى 9 أيلول (سبتمبر) الماضي، انخفض أعضاء الحزب كذلك بمقدار 56 ألف شخص، ما شكّل حالة كبيرة من الذعر في أروقة العدالة والتنمية، دفعته للبحث عن حلول وصيغ لوقف هذا الانهيار.

انخفاض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً بسبب سياسة أردوغان

وذكرت العديد من وسائل الإعلام أيضاً؛ أنّ هناك تسريبات من داخل الحزب تتحدث عن أنّ أردوغان سيلجأ لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه التي تأثرت كثيراً بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت 31 آذار (مارس) الماضي، وصبّت في مصلحة الأحزاب المعارضة.

وأوضحت مصادر داخل الحزب؛ أنّ وزير العدل، عبد الحميد جول، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، مصطفى فارناك، سيكونان أول المطاح بهما في التعديل الوزاري، بسبب غضب المجموعة منهما.

وأشارت المصادر إلى أنّ الحزب من الداخل بدأت فيه أصوات تتهم الوزير جول بالتعاطف مع حركة رجل الدين فتح لله غولن، التي تعدّها الحكومة إرهابية، خاصة مع صدور العديد من القرارات القضائية لصالح أفراد ينتمون إلى الحركة.

هذه الانشقاقات والاضطرابات دفعت كثيرين، مراقبين ومعارضين، إلى التكهن باحتمال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية