المدرسة والبيت: علاقات جدلية.. فكيف نحقق المعادلة الصعبة؟

صورة ذوقان عبيدات
أكاديمي وتربوي أردني
3870
عدد القراءات

2019-02-13

إنّ المدرسة مؤسسة مجتمعية، وجدت لتعليم الأطفال، كما هو معلوم، ومن المعلوم أيضاً؛ أنّ المدرسة والبيت هما أبرز المؤسسات التربوية المسؤولة عن التعليم والتعلّم، رغم أنّ هناك مؤسسات أخرى قد تفوقهما تأثيراً، تعمل سلباً أو إيجاباً في تشكيل شخصية الطفل، مثل: المؤسسة الإعلامية والمؤسسة الدينية، والمؤسسة "الرفاقية"، أو الجماعة التي يعيش فيها الأطفال.

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً

وأيضاً من المتعارف عليه؛ أنّ عملية التعليم أكثر تعقيداً من أن تقوم بها مؤسسة واحدة، خاصّة أنّ الدراسات العلمية تكشف أنّ الطفل ينمو بين قيم وأساليب مؤسسات وجماعات عديدة، وقد توصل الجميع إلى قناعات مشتركة مثل:

1. التربية أكثر أهمية من أن تترك لجهة وحدها، حتى لو كانت المدرسة؛ فالمدرسة تضم الأطفال من 5-7 ساعات يومياً، بينما يقضون باقي الوقت بين أيدي مؤسسات أخرى: مساندة أو معاندة!
2. إنّ المعلمين في المدرسة أقلّ خبرة وتأهيلاً من أن يتحكموا وحدهم بالأسئلة الكبرى:

أ. ماذا نعلّم؟ وكم نعلّم؟
‌ب. كيف نعلّم؟
‌ج. متى نعلّم؟
‌د. أين نعلّم؟
‌هـ. لماذا نعلّم؟

رغم أنّ تبادل المعلومات يعدّ ضرورة لتوجيه الطفل بشكل ناجح، إلا أنها ضرورة تواجه صعوبات وتحديات

فالمدرسة، بمعلميها وثقافتها، غير قادرة، أو حتى مؤهلة، للإجابة وحدها عن هذه الأسئلة، ويترتب على هذا البحث عمّا، أو عمّن، يساعد المدرسة في الإجابة عن الأسئلة السابقة، فوجد المعلمون أنّ الإفادة من اهتمام الوالدين أو الأسرة لتساند عملهم هو الحلّ الأمثل لذلك.

وفي هذا الحلّ بعض وجاهة تتمثل في:

أولاً: إنّ الأطفال يقضون معظم وقتهم في المدرسة والبيت، وقليلاً منه مع جماعاتهم أو رفاقهم! إذاً؛ تعرف المدرسة الطفل طالباً عندها وتعرف الأسرة الطفل ابناً لها.

والطفل الطالب، يختلف عن الطفل الابن! فالطالب يخضع لواجبات عديدة وحقوق قليلة! والطفل الابن ينال أو قد ينال حقوقاً عديدة ويخضع لواجبات قليلة، وهذا ليس عيباً؛ إنما واقع فرضته ممارسات سلبية عديدة في المدرسة أو البيت.

اقرأ أيضاً: 6 طرق دولية مبتكرة لتطوير التعليم في المدارس

وفي طبيعة الحال؛ تختلف معاملة الطالب عن معاملة الابن، فالطالب رقم مجهول في المدرسة، إلا إذا كان متفوقاً، والطالب الابن هو كلّ أرقام الأسرة، أو الخطّ الأحمر فيها، وشتان بين رقم مجهول ورقم صعب!

ثانياً: سواء كان الطفل في المدرسة، أم في البيت؛ هو في حاجة إلى عناية واهتمام، رغم التباعد؛ فإنّ من حقّ الطفل أن يحظى بالرعاية، وأن تكون هذه الرعاية بأساليب موحدة، قدر الإمكان، بين المدرسة والبيت، قد تتنوّع هذه الأساليب لكنّها لا يجوز أن تتناقض، هذه الأساليب ترتكز على مظلة من القيم والممارسات السليمة، كما أنّ البيت يحتاج إلى معلومات من المدرسة، والمدرسة تحتاج إلى معلومات من البيت.

تحديات التعاون بين الأسرة والمدرسة

يحكم الطرفان (المدرسة والأسرة) بالتعاون والتواصل، سواء نجحا أم واجها صعوبات! وتبادل المعلومات أمر ضروري لتوجيه الطفل بشكل ناجح، لكنّ هذه الضرورة تواجه صعوبات وتحديات، تتمثل في:

أولاً: هناك تباين بين مؤسسة تربوية تضم معلمين وخبرات متنوعة ومختصة، ومتفرغة للعناية بالأطفال، وبين مؤسسة الأسرة، التي لا تمتلك المعرفة المختصة، وليست متفرغة للعناية بالأطفال؛ بل تشغل وقتها بالعمل لتأمين مصروفات تعليم الأطفال وتأمين مدرسة جيدة لهم.

اقرأ أيضاً: تجاربنا التعليمية وتجاربهم.. هل تصلح المقارنة؟

فما الذي يمكن أن تفعله أسرة غير متفرغة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه للمدرسة؛ بل حتى لأطفالها؟ إذاً نحن أمام حدود يصعب تحديها.

معلمون يعملون وفق اختصاصاتهم لفترة محدودة مع الأطفال، الذين سرعان ما يعودون إلى البيت، ووالدان نادراً ما يمتلكان الوقت حتى للحديث مع أطفالهم.

ثانياً: ويفترض أن يكون المعلمون معدين للتدريس والعمل مع الأطفال ويبقى المعلمون تحت تدريب مستمر، ومع ذلك لا نجد معلمين مؤهلين للتدريس الجيد؛ فالتدريس الجيد يحتاج إلى إعداد للمدرسين وتدريب مستمر وإشراف فعال، وإذا كان من الصعب أن نمنح هذا للمعلمين؛ فإننا أمام سؤال صعب: هل يمكن تأمين هذا للآباء والأمهات؟ 

مراحل العلاقة بين المؤسستين

نتيجة لكلّ ما سبق؛ نرى أنّ علاقة المدرسة بالبيت مرت بالمراحل الآتية:

1-  مرحلة الثقة الكاملة بالمدرسة؛ وهي مرحلة استمرت منذ نشاط المدرسة كمؤسسة مجتمعية حتى بداية القرن العشرين، وفي هذه المرحلة كان المعلمون هم قادة المجتمع، والمتعلمون هم الأرقى فيه، وكان المجتمع يثق بهم، وأوكل لهم مهمة تعليم الأبناء.

في مرحلة الانفتاح؛ والحاجة المتبادلة بين المدرسة والبيت، رفعت المدرسة شعار: "تعالوا نعمل معاً، هذه مدرستكم"

وقد استغل المعلمون هذه الثقة، وفرضوا مادة التعلّم وأسلوب التعلّم؛ بل واتخذوا كلّ القرارات ذات الصلة بالأطفال، بمعزل عن الأهالي، ولم يكن أحد من الأهالي يجرؤ على مناقشة قرارات المدرسة، أو حتى زيارتها.

وفي هذه المرحلة؛ عاشت المدرسة داخل الأسوار حرة طليقة، تفعل ما تشاء دون أي تدخل من المجتمع أو من الأهالي، ولم يكن أحد ليعرف ما يدور داخل الأسوار!

وقد استمرت هذ المرحلة حتى شعر المجتمع بضعف مخرجات المدرسة، وشعرت المدرسة بحاجتها إلى دعم ومساندة الأسرة؛ فسحب الأهل ثقتهم المطلقة التي ولّدت شعار: "لكم اللحم ولنا العظم"، ولمن لا يعرف معنى هذا الشعار؛ فإنه يعني أنّ المدرسة لها كلّ الحق في أن تتحكم وتتصرف بالطالب؛ عن طريق الضرب والقهر، درجة إعادته إلى أهله عظماً!

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

وبتأثير من أفكار جون ديوي، مع مطلع العشرينيات من القرن العشرين؛ بدأت تتأثر المدرسة بأفكار الديمقراطية والانتقال إلى المرحلة الآتية:

2-  مرحلة فتح النوافذ؛ وهي مرحلة فتحت المدرسة نافذة صغيرة في أسوارها بما يسمح للأهالي بزيارة المدرسة والاطلاع، لا على ما يجري فيها، بل على ما تنجزه من أعمال، وبذلك تمت دعوة الأهالي إلى:

- حضور معارض تقيمها المدرسة.
- حضور حفلات داخل المدرسة (مسرحيات، مسابقات، ...إلخ).

وبذلك رفعت المدرسة شعار: "تعالوا! انظروا! هذه مدرستنا!".

الطالب رقم مجهول في المدرسة، والطالب الابن هو كلّ أرقام الأسرة، وشتان بين رقم مجهول ورقم صعب

فالمدرسة فتحت هذه النافذة كي تسوّق إنتاجها أمام الأهالي وتفتخر بالجهود التي تبذلها مع أبنائهم.

وقد استمرت هذه المرحلة طوال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وحين انتشر الفكر الديمقراطي في التربية؛ انتهت هذه المرحلة ببدء مرحلة ثالثة، لم يعد يكفي فيها أن يدعى الأهالي لمشاهدة ما يجري، لتبدأ مرحلة الانفتاح.

3-  مرحلة الانفتاح؛ وهي مرحلة العمل المشترك، والحاجة المتبادلة بين المدرسة والبيت، حيث رفعت المدرسة شعار: "تعالوا نعمل معاً، هذه مدرستكم".

ختاماً؛ نلاحظ كيف تغيرت الأمور كثيراً، نتيجة الفكر الديمقراطي، ومفاهيم حقوق الإنسان، ونتيجة أيضاً لما شعر به المعلمون من حاجة إلى خبرة الأهالي، أو من نقص في إمكاناتهم الفنية أو المهنية، ومهما كانت دوافع هذه المرحلة، فإنها تشير إلى الآتي:

أ‌. حاجة عملية التعلم والتعليم إلى جهود مشتركة بين الأهالي والمعلمين؛ فالمعلمون وحدهم ليسوا قادرين على التعليم الجيد دون دعم الأهالي.
ب‌. زيادة اهتمام الأسرة بالتعلم وزيادة إحساسها بأهمية حصول أبنائها على تعليم جيد.

اقرأ أيضاً: كم أديسون خنقه نظامنا التعليمي؟!

وفي هذه المرحلة؛ تم تخطيط أساليب العمل المشترك بين المدرسة والبيت وفق الآتي:

- تشكيل مجالس منتخبة للآباء والمعلمين، تشرف على إدارة عمليات التعليم.
- تبادل الخدمات بين المدرسة والمجتمع بما يسمح بتنفيذ مشروعات أو خدمات متبادلة.

أما آفاق هذه الإستراتيجيات والتحديات التي ظهرت أمامها؛ فذلك سيكون موضوع المقالة التالية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: