إبراهيم المازني وحلّاق القرية

إبراهيم المازني وحلّاق القرية
4350
عدد القراءات

2019-02-17

عُرف الأديب المصري إبراهيم المازني بسخريته اللاذعة، وأسلوبه اللغوي البلاغي البديع. وكان إلى ذلك ناقداً وشاعراً تميزت كتاباته بالفكاهة حتى عندما تصل به الأحوال والمشاكل إلى ذروة المأساة.

عُرف المازني بسخريته اللاذعة، وأسلوبه اللغوي البلاغي البديع. وكان إلى ذلك ناقداً وشاعراً تميزت كتاباته بالفكاهة

وُلد المازني في 19 آب (أغسطس) 1889، وتوفي في 6 من الشهر ذاته العام 1949. مات والده وهو حدث صغير، فقامت أمه برعايته وتنشئته، وعندما أنهى دراسته الابتدائية والثانوية تابع تعليمه في مدرسة المعلمين فنال شهادتها العام 1909، ودخل سلك التعليم رغم عدم ميله لهذه المهنة، وظل يعمل في هذا الحقل حتى العام 1919، بعد ذلك احترف مهنة الصحافة؛ حيث لمع نجمه، إلى أن عيّن محرراً بجريدة "الأخبار"، ثم محرراً بجريدة "السياسة الأسبوعية"، ثم رئيساً لتحرير جريدة "السياسة اليومية"، ثم رئيساً لجريدة "الاتحاد"، كما انتخب وكيلاً لمجلس نقابة الصحفيين عام 1941.‏

اقرأ أيضاً: قاسم أمين.. تحولات في قراءة واقع المرأة
لم تقتصر ثقافة المازني على ما حصل عليه من المعاهد العلمية، كما تشير سيرته على "الإنترنت" بل قرأ قراءة الدارس المتمعن لنوابغ الأدب العربي القديم، ثم راح ينهل من الأدب الإنجليزي، بالإضافة إلى مطالعاته الفلسفية والاجتماعية، فتكونت لديه ثقافة فكرية متنوعة كونت شخصيته الأدبية، وساعده في ذلك ميله إلى الدعابة التي تحولت فيما بعد إلى نوع من السخرية والاستخفاف بالحياة تجلت في معظم كتاباته التي أخذت مرة شكل الهزل ومرة شكل التشاؤم.

السخرية والاستخفاف بالحياة تجلت في معظم كتاباته
بدأ حياته الأدبية شاعراً، فترك للأجيال كثيراً من الشعر والنثر، كما كان بارزاً ومتميزاً في معالجته للموضوعات التي طرحها بأسلوب لا يعرف التكلف أو قيود الصنعة، وكلها مستوحاة من حياته الشخصية أو حياة ممن يحيطون به، أو من وقائع الحياة العامة، وهي تعكس بدقة صورة المجتمع المصري كما رآها الكاتب بحسناتها وسيئاتها. أصدر ديوانه الشعري بجزأيه؛ الأول والثاني، ودراسة أدبية عن الشعر عام 1913.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
انتقل المازني بعد ذلك إلى كتابة الرواية والقصة القصيرة والتراجم، وله مجموعة من الروايات من أهمها: إبراهيم الثاني، وعدد من الكتب من بينها: (حصاد الهشيم، قبض الريح، صندوق الدنيا، خيوط العنكبوت، وغيرها).
قام بدور مؤثر مع عباس العقاد وعبد الرحمن شكري في إنشاء مجموعة "الديوان"؛ المدرسة الشعرية الجديدة التي هاجمت الشعر الكلاسيكي ووضعت أساساً للقصيدة الحديثة باعتبارها بناءً واحداً متماسكاً.

اقرأ أيضاً: نجيب المانع: فيلسوف النغم والأدب العميق
وتتجلى سخرية المازني، وأسلوبه الوصفي الدقيق في كتابه "صندوق الدنيا" التي يروي في بعض قصصه ومقالاته حكايته مع حلّاق في قرية بريف مصر، راسماً صورة للمأساة التي تعرّض لها، بلغة متدفقة بالحيوية والصورة والسخرية السوداء.

كتابه "صندوق الدنيا"
وكان كتاب "صندوق الدنيا" صدر ضمن منشورات "مكتبة الأسرة" بمصر العام 1995، ومنه نقتطف نص "حلاق القرية":
****

حلّاق القرية
وقعت لي هذه الحادثة في الريف منذ سنوات عديدة، قبل أن تتغلغل المدنية إلى أنأى قراه، وكنت أنا الجاني على نفسي فيها، فقد عرض عليّ مضيفي أن أستعمل موساه فأبيت، وقلت ما دام للقرية حلاق فعليّ به، فحذّرني مضيفي وأنذرني ووعظني، ولكني ركبت رأسي وأصررت أن يجيء الحلاق.

ولما عيل صبري، سألته عن حلاق القرية، فابتسم ومشّط لحيته بكفه وأنبأني أنّ الحلاق (محسوبي)، فلعنته في سري

    فجاء بعد ساعات يحمل ما ظننته في أول الأمر (مخلاة شعير) وسلّم وقعد وشرع يحييني ويحادثني حتى شككت في أمره، وأعتقدت أنّ الحلاق شخص آخر، وأنّ هذا الجالس أمامي ليس سوى (طلائعه).
ولما عيل صبري، سألته عن حلاق القرية، فابتسم ومشّط لحيته بكفه وأنبأني أنّ الحلاق (محسوبي) يعني نفسه، فلعنته في سري، وسألته متى ينوي أن يحلق لي لحيتي؟ أم لا بد أن يضرب بالرمل والحصى أولاً ويحسب الطالع قبل أن يباشر العمل؟
فلم يفهم وأولاني صدغاً كث الشعر وقال:"هيا"، فظننته أصم وصحت به: (أ.. ر.. يد أن… أ.. ح. ل ق). فسرّه صياحي جداً، وضحك كثيراً، وأقبل على (مخلاته) فأخرج منها مقصاً كبيراً جداً، فدنوت من أذنه وسألته: هل في القرية فيل؟
فقال: فيل؟ لماذا؟
فأشرت إلى المقص فضحك وقال: "هذا مقص حمير ولا مؤاخذة".
فقلت "ولماذا تجيئني بمقص الحمير؟ أحماراً تراني؟"
ويظهر أنّ معاشرة الحمير بلّدت إحساسه فإنه لم يعتذر لي ولا عبئ بسؤالي شيئاً، ثم أخرج موسى من طراز المقص و(مكنة) من هذا القبيل أيضاً، فعجبت له لماذا يجىء إليّ بكل أدوات الحمير؟
وسألته عن ذلك فقال: إن الله مع الصابرين.
وبعد أن أفرغ مخلاته كلها أنتقى أصغر الأدوات، وأصغرها أكبر ما رأيت في حياتي. ثم أقبل علي وقال: "تفضل"
قلت "ماذا تعني؟"
قال "اجلس على الأرض"
قلت "ولماذا بالله؟"
قال "ألا تريد أن تحلق؟"
قلت "ألا يمكن أن أحلق وأنا قاعد على الكرسي؟"
قال "وأنا؟"
قلت في سري: وأنت تذهب إلى جهنم ونعم المصير، وهبطت إلى الأرض كما أمر، ففتح موسىً كالمبرد.
فقلت: إن وجهي ليس حديداً يا هذا.
قال لا تخف إن شاء الله، ولكني خفت بإذن الله ولا سيما حين شرع يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" كأنما كنت خروفاً، ويبصق في كفه ويشحذ الموسى على بطن راحته، ثم جذب رأسي، فذعرت ونفرت ووليت هارباً إلى أقصى الغرفة.
فقال: ماذا؟
قلت: "ماذا؟ أتريد أن تحلق لي بمبرد، ومن غير صابون؟"
قال: "ماذا يخيفك؟"
قلت: يخيفني؟ لقد دعوتك لتحلق لي لحيتي لا لتبرد لي شعرها.
قال "يا أفندي لا تخف"، ثم قرأ من الكتاب الكريم "فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى" إلى آخر الآية الكريمة، وأظنه أراد أن يرقيني بها، فيا لها من حلاقة لا تكون إلا برقية !

أهوى الرجل بموساه على وجهي فسلخ قطعة من جلدي فردني الألم إلى الحياة، وآتاني القوة الكافية للصراخ

وأسلمت أمري لله وعدت فقعدت أمامه، فنهض على ركبتيه وتناول رأسي بين كفيه، وأمال صدغي إليه، ثم وضع ركبته على فخذي، ولفّ ذراعه حول عنقي، فصار فمي مدفوناً في صدره، فصحت أو على الأصح جاهدت أريد الصياح لعل أحداً يسمعني فينجدني، غير أن طيات ثوبه كانت في فمي، أما رائحة الثوب فبحسب القارئ أن يعلم أنها أفقدتني الوعي.
ولا أطيل على القارئ.
فقد أهوى الرجل بموساه على وجهي فسلخ قطعة من جلدي فردني الألم إلى الحياة، وآتاني القوة الكافية للصراخ على الرغم من الكمامة، ووثبت أريد الباب ولكنه كان على كبر سنه أسرع مني، وما يدريني لعله كان يتوقع ذلك، وعسى أن يكون المران قد علمه أن يكون يقظاً لأمثال هذه المحاورات، فردني بقوة ساعده.
فتشهدت وتذكرت قول المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بد                 فمن العجز أن تموت جباناً
كلا.. سأسدل الستار على هذا المنظر الذي يقشعر منه جلدي على الرغم من كر السنين الطويلة.
ثم جاء هذا السفاح بطشت يغرق فيه كبش، ووضعه تحت ذقني وصب ماءه على وجهي وفي صدري وعلى ظهري، ليغسل الدم الذكي الذي أراقه، وأخرج من مخلاته (منشفة) هي بممسحة الأرض أشبه، فاعتذرت وأخرجت منديلي وسبقته به إلى وجهي. فهي معركة لا تزال بجلدي منها ندوب وآثار.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف قرّر المتصوف الهندي أوشو: بتواجد الحب تتواجد الكراهية؟

2019-12-12

ترنو تعاليم المتصوف الهندي أوشو إلى تعميق حواس التأمل، والوعي، والحب، والاحتفال، والشجاعة، والإبداع. كما تركز على تلك الصفات التي كان يُنظر إليها على أنّها مقموعة ومكبوتة نتيجة الالتزام بالنظم العقائدية الثابتة، والتقاليد الدينية والتنشئة الاجتماعية. وهو يعتقد أنّه بتواجد الحب ستتواجد الكراهية.

بتواجد الحب ستتواجد الكراهية، وعليك أن تجد هدفاً لتسقطها عليه. كلما أحببت أكثر تصاعدت كراهيتك أكثر، هذا هو الثمن

ولد تشاندرا موهان جاين في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1931 وتوفي في 19 كانون الثاني (يناير) 1990، وهو معروف أيضاً باسم أتشاريا راجنيش من العام 1960 وصاعداً، وبهاجوان شري راجنيش بين عامي 1970 و1980، وأوشو منذ عام 1989.
يعدّ أوشو متصوفاً ومعلماً روحياً لديه أتباع من كل أنحاء العالم. كان أستاذاً في الفلسفة، سافر إلى جميع أنحاء الهند خلال عقد الستينيات كمتحدث عام. انتقاداته الصريحة للاشتراكية، والمهاتما غاندي والأديان المنظمة أثارت الجدل حوله.
دعا أوشو إلى موقف أكثر انفتاحاً تجاه العلاقات الجنسية، مما أكسبه لقب "معلم الجنس" في الصحافة الهندية ولاحقاً العالمية.
في عام 1970 استقر راجنيش لبعض الوقت في بومباي، حيث أصبح معلماً روحياً بين تلاميذه المعروفين بالسنياسيين الجدد. أعاد تفسير كتابات التقاليد الدينية، وكتابات الصوفيين والفلاسفة من مختلف أنحاء العالم. انتقل إلى بونه في عام 1974 حيث أنشأ أشرم (صومعة) استقطبت أعداداً متزايدة من الغربيين.
ولد تشاندرا موهان جاين في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1931

عدد كبير من سيارات الرولز رويس
في منتصف عام 1981 انتقل راجنيش إلى الولايات المتحدة؛ حيث أنشأ أتباعه مجتمعاً متعمداً (عرف لاحقاً باسم راجنيشبورام) في أوريغون. في غضون عام دخلت البلدية في نزاعات مع سكان المجتمع (في المقام الأول على استخدام الأراضي) مما أدى إلى تصاعد العداء بين كلا الجانبين. العدد الكبير من سيارات الرولز رويس التي تم شراؤها لاستخدامها من قبل أتباع أوشو كانت محل انتقادات أيضاً. انهارت بلدية أوريغون عندما كشف أوشو أنّ قيادة البلدية ارتكبت عدداً من الجرائم الخطيرة، بما في ذلك هجوم بيو-إرهابي (تلوث الغذاء) على مواطني ذا دليس. ألقي عليه القبض بعد ذلك بوقت قصير، ووجهت إليه تهمة انتهاك قوانين الهجرة. تم ترحيل أوشو من الولايات المتحدة بموجب صفقة ادعاء. منعته واحدة وعشرون دولة من الدخول إلى أراضيها، وعاد أخيراً إلى بونه، حيث توفي هناك.

تستطيع أن تحب بلدك وتكره بلداً آخر، تحب ديانتك وتبغض أخرى، لأنك ببساطة يجب أن توازن الحب مع الكراهية

ومن بين كتاباته الغزيرة والمتنوعة، يبرز حديثه عن الحب والكراهية في كتابه "التحدي الكبير" الذي يقول فيه:

بعض العشاق يشعرون بأنه لا وجود لهم كأشخاص منفردين، الحب فقط هو الحاضر. من السهل تمييز هذه الوجودية الكلية للحب؛ لأنّ الحب شيء مُرضٍ وجميل، لكن الإحاطة بوجود الكره أمر صعب لأنه حال غير مُرضٍ.
العشاق، المحبون بعمق، لا يجدون أنهم "يحبون"، الحب لم يعد نشاطاً أو فعلاً، لكنهم عوضاً عن ذلك قد أصبحوا الحب.

حين تحب أحداً تصير حباً
حين تحب أحداً تصير حباً، حين تكره تصير كرهاً، ولكن إن استطعت أن تُبقي على نفسك كما أنت فلن تحب أو تكره بالطرق العادية. لذلك ندرج على قول عبارة "وقع في الحب"، ظاهرة الحب هي عبارة عن سقوط، والوقوع في الحب يعني أنك قد فقدت إدراكك لذاتك بسببه.
العشاق يغضبون ممن لا يعيش حالة الحب، أنت لا تستطيع التواصل معهم لأنهم فقدوا منطقهم، لم يعودوا "هم"، تحولت كل طاقتهم إلى حب، يأتلفون معه كلياً، ليس فيهم من يدرك ليشهد على ظاهرة الحب.
الأمر مشابه في الكراهية، الحب والكره متماثلان؛ لأنهما أخذ وتحويل لذات الطاقة؛ جاذبية الحب ونفور الكراهية. حين تكون في الحب مشدوداً إلى أحدهم فأنت تفقد جوهرك، تفقد نفسك ويصبح الشخص الآخر هو المحور أو الجوهر، حين تكره أحدهم فأنت تنفر منه، تفقد مركزيتك وإدراكك لذاتك، يصبح هو المركز.

اقرأ أيضاً: القرآن رائع ونموذج للسلوك الإنساني.. هكذا قال عضو الكونغرس الأمريكي
تذكر، ليس باسترجاع وليس بعد انتهاء الأمر ولكن في ذات لحظة الحدوث، عندما يأتي الغضب، أغلق عينيك، تجاهل الحالة الخارجية، وكن واعياً لما يدور في داخلك الآن.
طاقتك بأكملها تحولت إلى كراهية، إذا ركزت على مراقبة ذلك فسوف ترى جزءاً من الطاقة يتحول إلى وعي، عمود من الوعي ينتصب وسط فوضى الكراهية أو الحب، كلما ارتفع أكثر فوق حالتك الداخلية، تضاءلت الفوضى وانكمشت، عندها ستلاحظ وجودك، أنّك "أنت" من بقيت في الداخل وليس الكره.
تتحول إلى ذات، إلى مركز، ولن يعود الآخر مركزيتك مجدداً، لا جاذباً ولا منفراً.
على هذا التأمل أن يحصل لحظة الحدث، بعدها ستكون شخصاً مختلفاً تماماً، ليس أنّك هزمت الكراهية، ليس أنّك تحكمت بحالتك العقلية، بل أنّك صرت الآن وعياً، نوراً لذاتك، وبسبب النور تستحيل العتمة.

الكره يحتاج لا وعيك
أنت الآن شخص واع، والكره يحتاج لا وعيك كحجر أساس له، هو مستحيل مع الوعي.
هذه قاعدة مهمة يجب فهمها بوضوح: الكره يحتاج لاوعيك، من اللاوعي يتغذى ومنه يحصل على طاقته وقوته، لذلك لا تنشغل بالكره، انشغل بوعيك.
كن أكثر وعياً تجاه أفعالك وأفكارك، تجاه أمزجتك نحو ما يحصل حولك. الكائن الواعي لا يغمره شيء… لا الحب.. لا الكراهية.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
عندما يصبح الإنسان مركز ذاته، حين يصل إلى مرحلة متقدمة من تبلور الوعي، سيختفي الانجذاب نحو الآخر، سيختفي النفور، لكن هذا سيخلق مشكلة أعمق، يعني أنك لن تقدر على تجاوز الكراهية ما لم تتجاوز الحب، الجميع يود تخطي الكراهية وليس الحب، لكن هذه الرغبة تضعنا في موقف مستحيل، لأن الكره جزء من ظاهرة الانجذاب والنفور.
كيف تستطيع أن تحب؟ كيف تكون منجذباً لكل شيء؟ نحن نحاول أن نحب بطرائق متعددة، لكن الطريقة الأسهل هي أن تكره شخصاً وتحب آخر، السهل هو أن تجعل أحدهم عدوك والآخر صديقاً.
ستكون مرتاحاً، تستطيع عندها أن تحب، أن تكون مشدوداً إلى (أ) ونافراً من (ب)، هذه طريقة، الطريقة الأخرى معقدة أكثر، أن تكره ذات الشخص الذي تحب، نحن نفعل هذا الأمر يومياً، نحب في الصباح، نكره في الظهيرة، ثم نعود لنحب مساءً.
التواتر بين الحب والكراهية
كل عاشق يعايش هذا التواتر بين الحب والكراهية بشكل مستمر، الانجذاب والنفور. صدق فرويد حين قال: عليك أن تكره عين الشخص الذي تحب، لا مفر من ذلك.
يزداد وضوح معنى هذا القول كلما أقصينا أنفسنا أكثر فأكثر عن أولئك الذين نحمّلهم كراهيتنا، أهداف نفورنا وبغضنا.
تستطيع أن تحب بلدك وتكره بلداً آخر، تحب ديانتك وتبغض أخرى، لأنك ببساطة يجب أن توازن الحب مع كراهية في الكفة الثانية.
في الماضي كان سهلاً أن تحافظ على هذا التوازن، اليوم هنالك الناشطون الإنسانيون ودعاة المثالية، هؤلاء يدمّرون أهداف الكراهية القديمة، قريباً قد يتحد العالم بحيث تصبح هناك أمة واحدة وعرق واحد، ومع تطور كهذا سيُجبر الكل على حب وكره هدف واحد.

إن أحببت فسوف تكره
هذه الازدواجية هي الحال الطبيعي، إن أحببت فسوف تكره.
بعض الأشخاص يستمرون بإلقاء العظات "أحبوا العالم بأسره!!" لكننا لا نستطيع أن نحب العالم ما لم نجد عالماً آخر لنكرهه، أنا لا أعتقد أنّ سكان الأرض يمكن أن يتحدوا حتى نكتشف أعداءً لنا على كوكب آخر، حالما نجد عدواً في مكان ما - ونحن نسعى جاهدين لذلك -عندها سيتوحد سكان الأرض.
لا يمكن أن يتوحد هذا الكوكب إلا عند وجود كوكب آخر نحاربه، مجرد إشاعة عن وجود عدو قد تؤدي ذات الغرض.
لاينوس باولينغ – عالم حائز على جائزة نوبل – اقترح ذات مرة أنها ستكون فكرة جيدة إن نشرنا إشاعة عن طريق الأمم المتحدة عبر أصقاع العالم، إشاعة تقول بأنّ المريخيين على وشك مهاجمة الأرض، وأن تُدعم هذه الإشاعة من قبل علماء مختلفين حول العالم، آنذاك سيتوقف الاقتتال الناشب على الأرض.
أرى بأنه محق، فكما هي طبيعة البشر الآن قد يتأتّى من إشاعة كهذه نتيجة جيدة، الكذب قد يساعد، الحقيقة لم تساعد حتى الآن.
بتواجد الحب ستتواجد الكراهية، وعليك أن تجد هدفاً لتسقطها عليه، إذاً فكلما أحببت أكثر تصاعدت كراهيتك أكثر، هذا هو الثمن.
تذكر، إما الحب والكراهية معاً، وإما أن تعيش دون أي منهما.

لا يمكن أن يتوحد هذا الكوكب إلا عند وجود كوكب آخر نحاربه، مجرد إشاعة عن وجود عدو قد تؤدي الغرض

الكره سيختفي ليس بقيامك بعمل ما، بل بكونك أكثر إدراكاً، أكثر وعياً، أكثر تيقظاً، كن كائناً واعياً، وستصير مركز ذاتك من دون أن يقدر أي كان على تحريكك من مركزيتك.
حالياً يستطيع أي كان القيام بهذا، البعض بالحب، البعض بالكراهية، لكنهم متقلقلون، يستطيع أي كان تحريكهم بعيداً عن مركزيتهم، لأنها ليست مركزية حقيقية، هو مركز زائف تقبع فيه بانتظار أن يزيحك أحد ما عنه ويبعدك.
الوعي يعني المركزية، مركزية داخلية مستمرة، مع تحقيقها يختفي الحب، تختفي الكراهية وعندها فقط ستشعر بالسلام.
أعراضهما متشابهة فعلياً، الكره العميق سيبقيكَ أرقاً، الحب العميق سيحرمك النوم، كلاهما سيجعل ضغط دمك مرتفعاً، كل الأعراض متماثلة، القلق، التعب، الإرهاق، الملل من الأشياء العادية، كلاهما يبقيانك متوتراً، كلاهما مَرَض.
عندما أقول مَرض (Disease) فأنا أعني الكلمة بحرفيتها: (dis-ease) عدم ارتياح، أنت لن تكون مرتاحاً مع الحب أو الكراهية، راحتك تكمن فقط في زوالهما من داخلك، لا الحب لا الكراهية، عندها ستبقى في ذاتك، وحيداً في وعيك، تتواجد من دون أحد آخر، الآخر أصبح غير مهم لأنك أنت المركزي.
بعدها سيأتي التعاطف، التعاطف هو الحدث اللاحق للمركزية، التعاطف ليس حباً ولا كراهية، هو ليس انجذاباً ولا نفوراً، هو بُعد آخر مختلف كلياً، إنه كونك نفسك وتحركك وفق نفسك، العيش تبعاً لنفسك.
قد تجذب الكثيرين، قد تنفّر الكثيرين، لكن هذا ليس إلا إسقاطهم، مشكلتهم هم.
تستطيع أن تضحك من الأمر وستبقى حراً.

للمشاركة:

سجال منسي حول علمنة مصر: حقائق محمود عزمي وأوهام طه حسين

2019-12-04

في تموز (يوليو) 1926 أجابت الجمعية الأطباء عن فتوى طلبتها جمعيّة الرابطة الشرقيّة بخصوص سؤال ما هو اللباس المناسب للرأس من الناحية الصحيّة، مؤكدةً على أنّ الطربوش ليس لباساً صحيّاً، وفي اليوم التالي لصدور القرار زار الكاتب محمود عزمي (1889- 1954) مجلة المصور لابساً القبعة بديلاً عن الطربوش.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
وقال عزمي للمحررين شارحاً التغيير المفاجئ الذي لاحظوه: "أما وقد أصدرت هيئة الأطباء قرارها في الطربوش صراحة وفي القبعة تلميحاً فقد أصبح من المحتم لبس القبعة التي تتوافر فيها الشروط التي استلزمها الأطباء للباس الرأس الصحيّ، على أنّه يمكن الاحتفاظ بالطربوش لارتدائه في الحفلات والسهرات ولبسه للفنانين في أعمالهم، ويكفي أنّ قماشه يخلو من المسام وثقله يدفئ الرأس أكثر من اللازم ويسبب عرقاً كثيراً خاصة في الصيف فيؤذي العينين".

 

ولم يكتفِ باقتناعه بالقبعة على حساب الطربوش التركيّ بل خاض معارك من خلال مجلتي "الكشكول" و"المصور" لتحريض النخبة على خلع الطربوش الذي اُعتبر زيّاً وطنيّاً. وهو موقف يكشف عن استقلاله الفكريّ وتمسّكه بالتفكير العلميّ واستخفافه بالإجماع الوطني الذي ليس بالضرورة على حق، وسيكون لذلك الاستقلال تبعات فائقة الأهمية لحظة تأسيس مصر الحديثة بالشكل الذي عليه الآن.
إدراك اللحظة الفارقة
حين أرادت النخبة الوطنيّة المصريّة وضع دستور للبلاد بعد الحصول على استقلالها الجزئي من بريطانيا عام 1922، تمثل التحدي الأكبر في إعادة صياغة النسيج الوطنيّ بين المسلمين والأقباط الممزّق ثقافيّاً، بحكم تشبع المخيال الشعبي لكلا الطرفين بالتصورات الاستشراقية عنه والتوصيفات الغربية له؛ فمثلما اختلق الخطاب الاستشراقي نقاءً عرقيّاً ثابتاً للأقباط لم يدنسه المسلمون بالمشاركة، أطّر التوصيفُ الغربي الإسلامَ في دائرة التخلف والبربرية، وهو ما استدعى رداً إسلاميّاً بتمجيد الذات وتاريخها وتحديد هويتها بالتناقض مع الغرب "المسيحيّ" كما تشير صبا محمود في كتابها "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ".

 

استمر طه حسين في حجاجه ضد محمود عزمي مدججاً بأوهام القرن العشرين بأنّ الدين في طريقه إلى الزوال

وعلى هذه الأرضية المُلغّمة ثقافيّاً تشيّد البناء الدستوريّ والسياسيّ لمصر الحديثة، لذا كان التحدي الأكثر صعوبة يكمن في كيفية التخلص من التفاوتات التاريخية وجعل المواطنة أساس العلاقات المسيحيّة/ الإسلاميّة، في وقت مال فيه ممثلو الأكثرية المسلمة في لجنة إعداد الدستور عام 1923 لتكريس التراتبية الدينية وتحصين الامتيازات الإسلاميّة الراسخة والنص عليها دستوريّاً.
محمود عزمي المعروف بالتزامه التام بالعلمانية مفْصَلَ نقداً لاذعاً لفشل اللجنة الدستورية في معالجة التفاوتات الدينية، وأدرك على خلاف كل معاصريه، بما فيهم عقل لامع كطه حسين، أنّ التفاوتات الدينيّة ليست في طريقها إلى زوالٍ كما توقع معدّو الدستور الذين رأوا أن يثبّتوا مواد تنص على التمييز الديني على اعتبار أنّ المجتمع المصري لم يكن متطوراً بما يكفي آنذاك، حتى يقبل بعلمانية صريحة هو في نظرهم في طريقه إليها حتماً، وبالتالي سيجبر التطور الاجتماعي المشرعين على تغيير الدستور.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
أدرك عزمي أنّ المادة التي تنص على أنّ "الإسلام دين الدولة" وتكرِّس التراتب الدينيّ ستجعل الدولة تعمل لصالح الأكثرية المسلمة على حساب الأقلية المسيحيّة، بالإضافة إلى أنّ تثبيت مكانة رسميّة للإسلام في بنية الدولة سيحول الطوائف الدينيّة إلى طوائف سياسيّة، وهو ما حدث لاحقاً حين تحول المواطنون المسيحيون إلى ما يعرف بـ"الشعب القبطي".
إجماع الحالمين
كانت الحماسة الوطنية على أشدها بعد ثورة 1919 التي كان شعارها "الدين لله والوطن للجميع" وعلى ضوء تلك الوطنيّة المندلعة رفضاً للتدخل الاستعماريّ بين المسلمين والمسيحيين رفض مؤسسو البناء الدستوريّ الحديث النص على أي نوع من التمثيل السياسيّ أو الإداريّ للأقباط، وكان عزمي المزوّد بذهنٍ نشط يحفر خلف الإجماع السياسيّ ليكشف عن معضلةٍ تتشكل ببطء ستفرض نفسها لاحقاً على مجمل المعجم السياسيّ المصريّ وهي أزمة الانقسام الدينيّ.
وحيداً وقف ضد المخيلة الوردية للآباء المؤسسين لمصر الحديثة المكونة من آمال المساواة ووعد المواطنة، وأعلن أنّ تمثيل الأقليّات من شأنه أن يقاوم العواقب المترتبة على ما كان نظاماً غير عادل بالفعل، واخترق جدار الإجماع القائم بتأكيده على أنّ مصر ممزقة دينيّاً في الواقع، ومن شأن تجاهل اعتماد وسائل قانونية تعالج الانقسام الديني أن يقضي على علمانية مصر في مهدها.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
وحاجج عزمي بأنّ ارتكاز قوانين الأحوال الشخصية إلى الدين أكبر دليل على فشل المشروع الوطني؛ فالدولة ستديم من خلاله التفاوت بين المسلمين والمسيحيين واليهود، مع وضع المسلمين في مكانة أعلى تسمح لقوانينهم أن تكون مرجعاً وحكماً على قوانين الطوائف الأخرى.
وفي استشعار لافت، آنذاك، لمخاطر التقسيم الديني الذي ترعاه الدولة ويحرص عليه الأزهر والكنيسة معاً، طالب عزمي بإلغاء قوانين الأسرة المرتكزة إلى الدين تماماً، وتأسيس قوانين علمانية تطبق بشكل موحد بصرف النظر عن الانتماء الديني للمرء.
رأى طه حسين أنّ "الإسلام دين الدولة" يحمل قيمة رمزية في الواقع

حملة طه حسين
واجه عزمي حملة بالغة الشراسة على أطروحاته الجريئة في ذلك الوقت اتهمته بتبني تصور سكونيّ للمجتمع المصري الذي في طريقه لينبذ الانقسام الدينيّ ليتوحد كمجتمع عضويّ متلاحم بحكم سيرورة التاريخ القاضية بزوال دور الدين في المجتمع وانتصار الحداثة!

حداداً على وفاة محمود عزمي قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها

وتُوجت الحملة بهجوم عاصف من طه حسين على دعوة عزمي بتمثيل الأقليّات سياسيّاً كحل براغماتيّ لهيمنة الإسلام على الدولة، وسخّف حسين من تحذيرات عزمي بشأن التداعيات المستقبليّة ذات الطابع الكارثيّ المترتبة على وضع مادة في الدستور تنص على أنّ "الإسلام دين الدولة" وهو ما ستعاني منه البيئة السياسيّة في مصر حتى اللحظة.
واثقاً من يقينه بأنّ المكونات التي وحدت المصريين جميعاً هي اللغة والثقافة والتاريخ، بأكثر مما فعل الدين، اعتبر طه حسين أنّ "الإسلام دين الدولة" ليست شيئاً سوى "نص أفلاطونيّ لا قيمة له في الواقع" بل يحمل قيمة "رمزيّة وسطحيّة". فيما استغل عزمي هذه المقولة المسرفة في التفاؤل، وردّ على طه حسين متسائلاً لماذا لا ينص الدستور على تمثيل الأقليّات سياسيّاً واعتبار ذلك مسألة رمزيّة و"أفلاطونيّة" ستزول مع الزمن؟!
استمر طه حسين في حجاجه ضد محمود عزمي، مدججاً بأوهام القرن العشرين بأنّ الدين في طريقه إلى الزوال، وبأنّ قوانين الأسرة من الوارد وبالإمكان أن تندرج، مع مرور الزمن، تحت قانون علمانيّ مشترك؛ فالدين برأيه سيقتصر دوره بصدد الأحوال الشخصيّة، في قادم الأيام، على الصلات الزوجيّة بصورة "طقسيّة" كما هو الحال مع المسيحيّة في أوروبا. وهو ما كان يعتبره عزمي "ميتافيزيقا علمانيّة لا أساس لها".  

 

نهاية مجيدة
اختارت وزارة الخارجيّة المصرية محمود عزمي ليمثل مصر في لجنة حرية تداول الأنباء الفرعيّة التابعة للمجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ بالأمم المتحدة عام 1949، وقدم في حزيران (يونيو) من العام نفسه مشروعاً لتنظيم حرية تداول الأنباء يقضي بحماية المراسلين الأجانب.
واُنتخب بسبب مواقفه المدافعة عن حرية الصحافة رئيساً للجنة حرية الأنباء عام 1952، كما يقول هاني نسيرة في كتابه محمود عزمي: رائد حقوق الإنسان في مصر، وأقرت اللجنة فور ترأس عزمي لها عهد الشرف الدولي للصحفيين، ورفعته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ليتم إقراره في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1952، ووافقت عليه الجمعية العامة.

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
كما انتخب محمود عزمي رئيساً للجنة حقوق الإنسان في آذار (مارس) سنة 1953 وأُعيد انتخابه كذلك في آذار (مارس) سنة 1954، وفي أيار (مايو) سنة 1954 صدر مرسوم بتعيينه رئيساً لوفد مصر الدائم في الأمم المتحدة، وودع الحياة في تشرين الثاني (نوفمبر) من ذات العام وهو يرد على كلمة مندوب إسرائيل في مجلس الأمن حول احتجاج تل أبيب على احتجاز مصر السفينة "بات جاليم" بعد أن اعتدت على نقطة حراسة مصرية في ساحل البحر الأحمر.
ومن فوق منبر مجلس الأمن وقف عزمي يرد على مزاعم مندوب إسرائيل قائلاً: إنَّ مصر على حق وإنّها كانت ولا تزال تؤْثِر روح التسامح، وعلى استعداد دائم لتحقيق العدالة" وحين احتدم النقاش بينه وبين المندوب الإسرائيليّ أصيب بأزمة قلبية أودت بحياته.
وحداداً على وفاته قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها لدقيقة واحدة، وألغت الوفود العربية جميع حفلاتها لمدة أسبوعين، وخصّصت الجمعيّة العموميّة جلسة رثاء لأول حقوقي عربيّ استمعت فيها إلى كلمات 33 مندوباً أشادوا فيها بجهوده.

للمشاركة:

القرآن رائع ونموذج للسلوك الإنساني.. هكذا قال عضو الكونغرس الأمريكي

2019-11-28

حالة متفرّدة تلك التي تمكّن عضو الكونغرس الأمريكي الراحل، بول فيندلي، من خلقها؛ إذ في الوقت الذي شغل فيه موقعاً لا يتنازع اثنان على أهميته، فإنّه قد فهم نفسية المتلقي العربي إلى حدّ يبعث على الدهشة، فاختار لغة وطروحات جعلت من شعبيته أمراً مؤكداً.

اقرأ أيضاً: نزع أوهام القداسة: ما بين ترجمة القرآن الكريم وارتداء البدلة
الرجل، المولود عام 1921، في إلينوي- أمريكا، كان يستخدم أدوات الباحث والأكاديمي، لا للخروج بنتائج خلاقة في عالم البحث والفكر، بل ليبعث لدى المتلقي العربي طمأنينة حول أنّ كلّ ما يفكر فيه من طروحات ذات طابع وجداني انفعالي وشعبوي، في مرات كثيرة، مثبت بالعلم والبحث، وعلى مبدأ "شهد شاهد من أهلها"، وأيّة خلطة نجاح مضمونة أكثر من هذه لتكون نجماً لا يشقّ له غبار في العالم العربي؟

لعلّ من أشهر تلك العبارات والمتلازمات اللفظية التي تفنّن فيندلي في تطويعها وقولبتها، لا تكون لقمة سائغة فحسب، بل ليسيل لها لعاب العربي المتعطش لمن يثبت وجهات نظره بتفوقه دينياً وأخلاقياً: "وجود الإسلام في أمريكا اليوم قوي، بل أقوى من الوجود اليهودي"، وقوله "الحركة الإسلامية ستنتصر في نهاية المطاف"، و"القرآن رائع وممتاز ونموذج للسلوك الإنساني في كلّ لحظة"، و"المسلمون عانوا كثيراً بسبب الصور الزائفة التي انتشرت عن الإسلام في الولايات المتحدة والغرب، ومعظم الأمريكيين يربطون خطأ الإسلام بالإرهاب، وذلك نتاج الجهل؛ فالأمريكيون لم يروا نسخة واحدة من القرآن ولم يقرؤوا أية آية، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتسيء أكثر للإسلام، حتى أصبحت الولايات المتحدة أرض الخوف بالنسبة للمسلمين".

ظاهرة بول فيندلي قد لا تحمل بُعداً فكرياً وبحثياً متفرداً بقدر ما تحمل براعة الإمساك بدفّة الخطاب والإعلام

المقتطفات الآنفة قد لا تبتعد ولو أمتاراً معدودة عن الطروحات التي يطرحها معظم العرب في منازلهم وجلساتهم الخاصة، فما الذي كان متوقعاً حين يُدلي بها عضو الكونغرس السابق، بول فيندلي؟ لا سيما حين كان يستحضر مقتطفات من حوارات جرت بينه وبين ستة رؤساء أمريكيين حول ملاحظات من هذا القبيل، وأخرى مرتبطة بالقضايا العربية العالقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهي الممارسة التي تدغدغ وجدان العربي؛ ذلك أنّ أول من يتبادر لذهنه فيما يتعلق بنموذج: "قال لي، وقلت له"، الصحفي المصري، محمد حسنين هيكل، الذي بنى مجداً صحفياً لافتاً على هذه الممارسة حول ما قيل له وما قاله، وما استطاع سماعه في الكواليس، وما شاهده بأمّ عينه في الاجتماعات المغلقة، بعيداً عن أنّ هذا النمط قريب للنفس الإنسانية لا سيما تلك التوّاقة دوماً لسماع الحكايات واستقائها من "رأس النبع"، فإنّ هذا النمط يقع موقعاً مميزاً في نفس المتلقي العربي، وهو ما التقطه بول فيندلي بمهارة لافتة، ولم يفتأ يستخدمه حتى النهاية.

ولعلّ الدالة الأبرز على نجاعة ما اختاره فيندلي لتثبيت موطئ قدم راسخ له لدى العالم العربي هو في استذكار كم من مفكر عربي ناقش الأمور ذاتها التي ناقشها فيندلي، عن صورة العرب والمسلمين في الغرب، وإشكالات القضية الفلسطينية في الأوساط السياسية الغربية التي يمسك اللوبي الصهيوني بعنقها، لكن أيّاً منهم تقريباً لم يحظ بالدهشة ذاتها التي قوبلت بها طروحات بول فيندلي، لا لشيء، سوى كونه من "أهلها" الذين شهدوا، فكان له ما أراد، وما وضعه نصب عينيه بعد أن تفرغ للكتابة عقب خروجه من عالم السياسة كوظيفة، ولربما فكرة كونه أمريكياً (غربي بالمجمل)، أسهمت في قدر لا يُستهان به كذلك من حيث إحاطته بهالة من القدسية فيما يتعلق بالتصريحات والرؤى والروايات والسرديات التي يسوقها ضمن كتبه ومحاضراته وحواراته.

المتلقي العربي كان مأخوذاً برواية فيندلي ورأيه في الإسلام والمسلمين وصورة العرب الحقيقية بعكس ما يجري ترويجه في الغرب

حسبنا هنا أن نستذكر جانبين: الأول محاضرة كان قد قدّمها فيندلي في الإمارات العربية المتحدة، وهناك تجلّى الأسلوب والمنهج تماماً (راجع النماذج اللغوية المذكورة أعلاه حول رأيه في الدين الإسلامي والقرآن الكريم)، والثاني ما ذكره هو عن حكاية انجذابه للثقافتين العربية والإسلامية، حين ذهب للتوسط في إطلاق سراح إيد فرانكلين، الذي سُجِنَ في عدن بتهمة التجسّس، بعد أن رآه رجال الأمن في المطار يلتقط الصور للمنشآت، فظنّوه جاسوساً، لكنّه (فيندلي) عادَ به محرّراً وعاد للغرب بحكاية (قدّمها في الحقيقة للعرب) حول عظمة الدين الإسلامي وأخلاق المسلمين! ما يكاد المتأمل يجزم به هو أنّ المتلقي العربي بالمجمل لم يقف لدى سؤال: هل كانت رواية الموقوف البريطاني منطقية؟ ما مدى صحتها؟ هل دفاع فيندلي عنه كافٍ لتصديق أنّ تصوير منشآت في مطار دولة تعاني من القلاقل السياسية محض تصرف عفوي؟ وما يمكن الجزم به أكثر: المتلقي العربي كان مأخوذاً برواية فيندلي اللاحقة، وهي الأهم في وجهة نظره، عن رأيه في الإسلام والمسلمين وصورة العرب الحقيقية بعكس ما يجري ترويجه في الغرب، إلى حدّ لم يُجرِ فيه تدقيقاً على شيء، لا منطقية الحكاية ولا تفاصيلها ولا حقيقة ما حدث في عدن وكيف تنازلت السلطات هناك، على حين غرّة، عن تزمّتها في قضية الموقوف لديها بتهمة التجسّس. حسبُنا هنا أن ننظر لحجم الزخم الشعبوي في عبارة كهذه "فتحت عيني على ثقافة مستندة إلى الشرف والكرامة وقيمة كلّ إنسان، علاوة على التسامح وطلب العلم، وهي معايير عرفت فيما بعد أنها متأصلة عميقاً في الدين الإسلامي، إنّها أهداف كانت ستلقى استحسان أجدادي المسيحيّين"، وعبارة أخرى يقول فيها: "اكتشافي للإسلام عبر إلهام مفاجئ، مثل اكتشاف صندوق كنوز في الزاوية المظلمة في العليّة، بل كان فهمي له كالدرر تتبدّى الواحدة بعد الأخرى مع مرور الزمن".

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
لا يمكن القول تماماً؛ إنّ فيندلي كان شعبوياً؛ إذ تحمل هذه اللفظة دلالات أقرب للسلبية عربياً، لكن من الممكن تماماً قول إنّ فيندلي من بين أذكى الشخصيات التي فهمت أسرار اللعبة الإعلامية جيداً، وكيف بوسعك أن تكون نجماً لدى العالم العربي؛ إذ لم يحدث مثلاً أن زلّ لسان فيندلي بمثل ما زلّ به لسان جورج غالاوي مثلاً، حين عايرَ الفلسطينيين بالمساعدات التي تقدّمها إيران.

لقد كان الرجل على درجة عالية من الذكاء والتمرّس؛ حيث لم يترك متسعاً لأيّ انتقاد كان أن يتسلّل لظاهرته، بل هو في مزيد من نقشه الصورة باقتدار ترافع عن البؤساء والفلاحين والسود وجميع مهيضي الجناح، ما لم يترك متسعاً للمتلقي العربي ليشكّك، ولو مرة، في انحيازه المستميت لطرفه، بل هو راح يتقرّب من العربي والمسلم بطرق شتى لا تخلو من ألمعية لافتة في فهم نفسيّة ما يتوق إليه المتلقي العربي، حين تحدّث إليه عن خلفيّته الزراعية  البسيطة، وحين حدّثه عن خسارته موقعه في الكونغرس، عام 1982، بسبب مواقفه المؤازرة للفلسطينيين، وما إلى ذلك.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
هو نفسه، يتحدّث عن ردّة الفعل حياله (تحديداً كتاب "من يجرؤ على الكلام") بنبرة ملؤها الدهشة، حين يقول: "أحدث الكتاب تغييرات عميقة في حياتي، وفتحَ أمامي أبواباً جديدة مثيرة، فهو أسهم في مجيء المسلمين إليّ وذهابي إليهم، وعام 1989، شكّلت الحماسة لفكرة كتابي حافزاً لمجموعة من الرجال والنساء اندفعوا إلى مساعدتي على تأسيس مجلس المصالح القومية "CNI"، وهو منظمة مقرّها في واشنطن، وتضمّ زهاء خمسة آلاف أمريكي يسعون إلى تبنّي سياسات أمريكية متوازنة في الشرق الأوسط"، كما يتحدّث بالدهشة ذاتها حين دعاه أحمد ديدات، عام 1989، للحديث، ورافقته زوجته إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا، ناعتاً تلك الرحلة بـ "واحدة من رحلات عدة شاركتني فيها لوسيل، على طريق استكشاف الإسلام".

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى استفدنا من جهود اليابانيين في دراسة القرآن الكريم؟

السؤال الآخر الذي قد يتبادر للذهن: كيف احتفى الفلسطينيون ببول فيندلي؟ في الحقيقة، كان الرئيس الراحل، ياسر عرفات، من أكثر من برع بلعبة الاحتفاء بأيّ منحاز لقضية شعبه، ممن لم يكونوا فلسطينيين، عرباً كانوا أم أجانب، لكن هل بقي زخم الاحتفاء ذاته؟ قد تكون الإجابة المؤسفة: لا؛ ذلك أنّ ما يمكن الانتباه إليه جلياً أفول نجم الزمن الذي سطعت فيه الدبلوماسية الفلسطينية عالمياً بشكل لافت، ويكفينا هنا استذكار الفنزويلي كارلوس، الذي أضاع عمره وحريته لأجل القضية الفلسطينية، لكن أحداً لا يذكره حالياً، ولا يبذل الجهود لتحريره، وإن كان من الضروري بمكان التنويه لأنّ تجربته مختلفة عن فيندلي؛ إذ بقدر ما كان كارلوس مندفعاً و"مجنوناً" ويهجس بالنجومية الثورية، فإنّ فيندلي كان ذكياً وبارعاً في انتقاء لغته والقوالب الفكرية، وتلك المتعلقة بوسيلة التواصل مع الجمهور، فكان لا يعدم الحيلة في الكتابة وإلقاء المحاضرات وإجراء الحوارات، والقفز بخفة وبراعة لافتَين بين حبل الكلام الذي يحمل طابع الشعبوية مرات، وبين الصبغة الأكاديمية والبحثية التي يجتهد في إسباغها؛ لإكساب طرحه مزيداً من العمق.

موقف فيندلي كان مدروساً إلى حدّ كبير، وهذا لا يُشكّك به، ولا بإيمانه بحقوق المستضعفين، والفلسطينيين على رأسهم، لكنّه يشير لحجم الألمعية اللافتة في إدارته ظاهرته طوال الأعوام التي شهدت نزالاته في الكونغرس، ومن ثم ما تلاها من أعوام تفرّغ فيها للكتابة، فقدّم كتباً متتالية منها: "الخداع: مواجهة الحقائق بشأن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية"، و"لا صمت بعد اليوم: مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أمريكا"، و"أمريكا في خطر"، وغيرها، والتي كانت تدور في فلك واحد عموماً، لكنّها تشير بوضوح قد لا يشهد خلافاً إلى أنّ التفكير لديه وما يتأتى عن هذا التفكير من عطاء ونتاج كان ممنهجاً مدروساً، ولم يكن هكذا، أي كيفما اتفق؛ لذا، فظاهرة بول فيندلي قد لا تحمل بُعداً فكرياً وأكاديمياً وبحثياً متفرداً كثيراً، بقدر ما تحمل براعة يُشهد لها في الإمساك بدفّة الخطاب والإعلام، وتحديداً ذاك الذي يتعطّش العربي والمسلم لسماعه.

 

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية