هذه المؤشرات تدل على أنّ خطر تنظيم داعش ما يزال قائماً

هذه المؤشرات تدل على أنّ خطر تنظيم داعش ما يزال قائماً


17/02/2019

هناك شبه إجماع بين خبراء الإرهاب، وعدد كبير من المسؤولين المعنيين بمكافحة التطرف، على أنّ خطر تنظيم "داعش" ما يزال قائماً، وأنّه قادر على العودة للسيطرة على الأرض بسرعة كبيرة في سوريا، خاصة إذا انسحبت القوات الأمريكية، كما وعد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب مؤخراً.
وتبدو صورة المشهد مدهشة على الساحتين؛ الأوروبية والأمريكية، من حيث الجدل السياسي المحتدم والنقاشات العميقة للأمر؛ على عكس المشهد في الدول العربية، التي تعكس حالة من البرود وكأنها بعيدة عن خطر "داعش".
تقييم المخاطر
وبالعودة إلى الساحة الأمريكية؛ حذّر مسؤول كبير في "البنتاغون"، في تصريح لمحطة "فوكس نيوز"، نشر بتاريخ 12 شباط (فبراير) 2019، من خطر عودة داعش للسيطرة على الأرض في سوريا، خلال شهور، إذا لم يتعرض لضغوط عسكرية مستمرة بعد انسحاب القوات الأمريكية.

اقرأ أيضاً: إحباط هجوم إرهابي لداعش.. أين ومتى وكيف؟
وهو التقييم نفسه الذي قدمه مدير المخابرات الوطنية، دان كوتس، في جلسة استماع، في شهر كانون الثاني (يناير) 2019، أمام الكونغرس، كما هو الحال مع تقديم زعيمة الأغلبية في الكونغرس عن الحزب الجمهوري، ميتش مكونيل،  الذي عارض الانسحاب الأمريكي الكامل بالطريقة التي يريدها ترامب، وفي الوقت نفسه الذي صوّت فيه أعضاء الكونغرس بنسبة 68% ضدّ الانسحاب الكامل من سوريا، وهذا التقييم يتطابق مع تقيم الأوروبيين، خاصة فرنسا وبريطانيا.

التنظيم يضم ما بين 10 آلاف إلى 30 ألف مقاتل، في سوريا والعراق

بنية التنظيم

تشير تقديرات وتقييمات البنتاغون الربعيّة (تقام كلّ أربعة أشهر) إلى أنّ التنظيم يضم ما بين 10 آلاف إلى 30 ألف مقاتل، في سوريا والعراق، وفي تقريرٍ آخر نشره "مجلس الأمن – الأمم المتحدة " حول تقييم خطر داعش؛ أكّد أنّ التنظيم يحتفظ بـ18 ألف مقاتل في سوريا والعراق، مستعدين للقتال حتى الموت، وهم يقاتلون منذ أيام، القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية، وقوات سوريا الديمقراطية في آخر معاقلهم، غرب قرية باغوز الشرقية، بالقرب من الحدود العراقية.

هناك إجماع بين خبراء الإرهاب وعدد من المعنيين بمكافحة الإرهاب على أنّ خطر تنظيم داعش ما يزال قائماً

وقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال جوزيف دانفورد، في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، في افتتاح مؤتمر حول مواجهة التطرف العنيف في واشنطن، ونشرت تفاصيله في وسائل الإعلام، بأنّ المقاتلين الأجانب يواصلون التدفق إلى سوريا للانضمام إلى صفوف داعش، بمعدل 100 شخص شهرياً، رغم دحر قواته وتراجع نطاق سيطرته بشكل كبير.
وقال: "إنّ "ذلك يعد تراجعاً كبيراً من ذروة التدفق الذي بلغ نحو 1500 جهادي شهرياً، قبل ثلاثة أعوام، لكنه يظهر قدرة التنظيم المتطرف على جذب عناصر ما تزال نشطة، وبأنّ تدفق المقاتلين الأجانب والقدرة على تحريك الموارد والأيديولوجية يسمحان لهذه المجموعات بالعمل".

دانفورد: لم يتم إحراز أي تقدم يذكر في معالجة الأسباب الأساسية التي أدت إلى ظهور داعش

عودة المقاتلين الأجانب
وأشار دانفورد إلى أنّ "قوات سوريا الديمقراطية" الحليفة لأمريكا ما تزال تعتقل أكثر من (700) من مقاتلي التنظيم من نحو 40 دولة، في الوقت الذي تأجلت فيه عملية إعادة المقاتلين لبلدانهم لمحاكمتهم، وذلك لاعتبارات سياسية وعدم توافق النظم القانونية.
هذا وقد رفضت بريطانيا استلام اثنين من مواطنيها، كانا عضوين في وحدة (خلية إعدامات البيتلز) التابعة لتنظيم داعش، وهي مسؤولة عن خطف وتعذيب أجانب وقطع رؤوسهم، وجرّدت لندن الثنائي من جنسيتهما وأكّدت أنها لا تريد استعادتهم.

اقرأ أيضاً: إيران والاستثمار في بقاء "داعش"

كما أعادت واشنطن أحد مواطنيها بغرض محاكمته، لكنها لم تكشف عن مصير آخرين، يعتقد أنهم قيد الاحتجاز في سوريا أو العراق، وبعد معركة باغوز أشارت معلومات، لم تؤكد بعد، أنّ فرنسا قد تسمح بعودة مواطنيها، خاصة الأطفال والنساء، ومحاكمتهم أمام القضاء، في تغيير واضح لموقفها السابق، المتمثل بعدم السماح بعودتهم وفقاً لما صرحت به وزيرة الجيوش الفرنسية.

قوة التنظيم

واعترف دانفورد بأنه لم يتم إحراز أي تقدم يذكر في معالجة الأسباب الأساسية التي أدت إلى ظهور "داعش"، رغم الانتصارات العسكرية التي تحققت ضدّ التنظيم، ورأى أنّ عدم التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين تمّ القبض عليهم بشكل صحيح، سيجعل من الصعب في النهاية القضاء على أيديولوجية داعش، مؤكداً على كيفية تحديد ومحاكمة وإنهاء تطرف المقاتلين الأجانب وإعادة تأهيلهم، وأنّ التحديات ما تزال باقية في التعاون بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبارات ووكالات إنفاذ القانون، وقد سبق لمسؤولين أمريكيين أن شكّكوا في وجود قيود سياسية وقانونية أرجأت عودة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم.

اقرأ أيضاً: القبض على أحد قادة داعش الكبار.. تعرّف إليه

ورغم أنّ مسألة الأعداد فيها الكثير من الاختلافات بين التقديرات الحكومية والدراسات غير الحكومية، إلا أنّ هذه الأرقام تعطي مؤشراً قوياً على استمرارية قوة التنظيم.

قادة التنظيم استطاعوا الاحتفاظ بمبلغ كبير من المال

أموال التنظيم

والأخطر من ذلك، أنّ قادة التنظيم استطاعوا الاحتفاظ بمبلغ كبير من المال؛ يقدّ، وفق خبراء في الأمم المتحدة بـ(300) مليون دولار، موزّعة على أشكال مختلفة، منها استثمارات خاصة للتنظيم، وهناك خوف من أن يتم استخدام هذه الأموال في تمويل هجمات إرهابية كبيرة ضدّ الغرب؛ وتحديداً بريطانيا، لذلك اهتمت الصحف البريطانية بهذه المعلومات، ونشرتها أكثر من صحيفة، على رأسها "الصن" و"الديلي-ميل".

أشار دانفورد إلى أنّ قوات سوريا الديمقراطية الحليفة لأمريكا ما تزال تعتقل أكثر من 700 من مقاتلي التنظيم من نحو 40 دولة


ونقلت وكالة الإعلام الرسمية الأمريكية "صوت أمريكا"، بتاريخ 13 شباط (فبراير) 2019، عن رامي عبدالرحمن، مدير "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، ومقره بريطانيا؛ أنّ داعش يحتفظ بملايين الدولارات، وبما مجموعه 40 طنّاً من السبائك الذهبية خزّنها منذ عام 2017، في الجيب الذي يسيطر عليه شرق سوريا، وأنّ هذا الكميات من الذهب جمعها داعش من خلال سلب المصرف المركزي في الموصل، بالإضافة لبيع الآثار العراقية والسورية، للمهربين وتجار الآثار عن طريق تركيا.

اقرأ أيضاً: العلاقة الموضوعية بين تركيا وداعش

وفي ظلّ الحديث عن عودة عدد كبير من المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم في أوروبا، فإنّ خطورة التنظيم ستبقى حتى بعد القضاء عليه عسكرياً في سوريا والعراق، كما أنّ خطورته لن تقتصر على الشرق الأوسط.

تحمل التقديرات التي نشرتها صحيفة "صن" البريطانية، في 12 شباط (فبراير) 2019، نقلاً عن تقرير مجلس الأمن حول الأموال التي يحتفظ بها التنظيم، وإمكانية استخدامها لشنّ هجمات واسعة النطاق ضدّ الغرب وبريطانيا، الكثير من الدلالات بالنظر إلى أنّ القوات الخاصة، البريطانية والفرنسية، تشارك مع القوات الخاصة الأمريكية بمحاصرة التنظيم، واستخدام القصف العنيف، والمنظومات المُسيرة، والطائرات بدون طيار لاستهداف قيادات التنظيم.

اقرأ أيضاً: من سيعالج إرث داعش؟
ويعتقد بأنّ التخوف البريطاني والفرنسي، يعود إلى الخشية من استهداف أراضيها بموجة من هجمات الذئاب المنفردة، واستهداف مصالحها في الخارج.

هل انتهى داعش؟
إنّ مسألة إعلان الانتصار على داعش فيها نظر، ومن المبكّر إعلان النصر على التنظيم من خلال الحسم العسكري الذي يبدو وشيكاً، وهو يقاتل الآن في آخر معاقله على الحدود السورية والعراقية في قرية باغوز.

إن مسألة القضاء على التنظيم أكبر من مسألة إعلان سياسي يخضع لوجهات نظر سياسية محملة بأهدافٍ سياسية انتخابية مؤقتة

ويرجّح أن يكون إعلان النصر على داعش مشابهاً لإعلان الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، النصر على "القاعدة"، والآن؛ فلا "القاعدة" انتهت، ولن ينتهي "داعش" بقرار سياسي.

من جانب آخر فإنّ القضاء على التنظيم، أكبر من مسألة إعلان سياسي يخضع لوجهات نظر سياسية محملة بأهدافٍ سياسية انتخابية مؤقتة، كما في السياسة الأمريكية، اليوم يُلاحظ أنّ هناك جدلاً ونقاشاً عميقاً في الساحة الأمريكية حول مسألة الادعاء بالنصر على تنظيم داعش، بالتالي الانسحاب من سوريا.

من المبكّر إعلان النصر على التنظيم من خلال الحسم العسكري
ولقد أخذ هذا الجدل أبعاداً سياسية محضة في حلبة الصراع بين الأطراف المتنافسة، الجمهوريين والديمقراطيين، ولا يخلو الجدل من الكثير المماحكات السياسية، ومن المبالغات بين الطرفين.

على سبيل المثال؛ نشرت قناة "فوكس نيوز"، الثلاثاء 12 شباط (فبراير) 2019، وهي من أشدّ معاقل معارضة ترامب، استطلاعاً للرأي الأمريكي، أجرته خلال الفترة بين 20 و22 كانون الثاني (يناير) 2019، أظهر أنّ 72% من الأمريكيين يعتقدون بأنّ التنظيم لم يهزم، مقابل 12% يعتقدون أنّه هُزم في سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: هل يدعم الإخوان المسلمون تنظيم داعش في ليبيا؟

أما في مسألة الانسحاب الكامل، كما يريد ترامب؛ فيرى 46% من الأمريكيين بأنه على القوات الأمريكية البقاء، و36% يطالبون بانسحابها.
وبغضّ النظر عن صحة هذه الاستطلاعات وإمكانية توجيهها ودقتها؛ فإنّها تعطي مؤشراً قوياً معززاً بآراء الكثير من الخبراء في مكافحة الإرهاب، القائلة بأنّ داعش ما يزال يشكل خطراً دولياً، خاصة إذا أعطي مساحة من حرية الحركة، وخفّ الضغط العسكري عليه من قوات التحالف الدولي.

اقرأ أيضاً: هل يعيد الغرب مقاتليه الداعشيين؟

أن نتحدث عن نهاية "داعش" يعني، بشكلٍ أو بآخر، عن نهاية ظاهرة الإرهاب في العالم، وهذا أمل وطموح بعيد المنال، فطالما بقي هناك نصوص وتراث مقدس قابل ومفتوح على التأويل؛ سيبقى إرهاب داعش، وغيره من التنظيمات في المستقبل، وتمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى رسالة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظاهري الأخيرة، في 5 شباط (فبراير) 2019، التي كفّر بها معظم العالم.

الصفحة الرئيسية